
مبحث كلام الله تعالى والرد على سعيد فودة – الشيح عبد الباسط الغريب
من المسائل التي أثارها سعيد فودة حول شيخ الاسلام ابن تيمية في كتابه الكاشف مسألة كلام الله تعالى , وسوف أبين في هذه المقاطع عقيدة أهل السنة والجماعة في كلام الله ومذهب الأشاعرة كما بينه سعيد فودة وبعض كذبه على شيخ الإسلام وبيان اعتراف كبار علماء الأشاعرة بتناقض مذهب الأشاعرة في مسألة كلام الله وسوف أبين أنه ما من مسألة من المسائل التي قررها الأشاعرة في كلام الله إلا ونقدها ولم يقبلها بعض علمائهم.
المسألة الأولى : مذهب أهل السنة والجماعة في كلام الله تعالى.
” صفة الكلام صفة ذاتية قديمة قائمة بذاته تعالى باعتبار نوع الكلام , وهي صفة فعل تتعلق بها مشيئة الله تعالى باعتبار أفراد الكلام.
وكلام الله حقيقة ليس مجازا , والكلام في لغة العرب يتناول اللفظ والمعنى , وهو بصوت لا يشبه الأصوات.
هذا المعنى , وهذا الفهم : هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة , وهم الفرقة الناجية التي تمسكت بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم فيما نعتقد.
فنستطيع أن نلخص عقيدة أهل السنة في كلام الله كالآتي :
كلام الله حقيقة لا مجاز.
كلام الله اللفظ والمعنى ( الحرف والمعنى ).
كلام الله بمشيئته واختياره .
كلام الله بصوت لا يشبه الأصوات.
كلام الله قديم النوع حادث الآحاد.
- أولا : كلام الله حقيقة لا مجاز
لأن الأصل في الألفاظ الحقيقة ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة وعلى ذلك لا يصح أن يقال القرآن مخلوق كما قالت المعتزلة , ولا أن يقال حكاية أو عبارة عن كلام , كما ذكر ذلك الكلابية والأشاعرة .
قال الإمام الطحاوي : وَأَيْقَنُوا أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ، لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كَكَلَامِ الْبَرِيَّةِ.
قال ابن أبي العز الحنفي : وَفِي قَوْلِهِ: “بِالْحَقِيقَةِ”رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَامَ بِذَاتِ اللَّهِ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ وَإِنَّمَا هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسَانِيُّ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَنْ قَامَ بِهِ الْكَلَامُ النَّفْسَانِيُّ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ: أَنَّ هَذَا كَلَامٌ حَقِيقَةً، وَإِلَّا لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْأَخْرَسُ مُتَكَلِّمًا، وَلَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هُوَ الْقُرْآنُ وَلَا كَلَامَ اللَّهِ، وَلَكِنْ عِبَارَةً عَنْهُ لَيْسَتْ هِيَ كَلَامَ اللَّهِ، كَمَا لَوْ أَشَارَ أَخْرَسُ إِلَى شَخْصٍ بِإِشَارَةٍ فَهِمَ بِهَا مَقْصُودَهُ، فَكَتَبَ ذَلِكَ الشَّخْصُ عِبَارَتَهُ عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي أَوْحَاهُ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَخْرَسُ، فَالْمَكْتُوبُ هُوَ عِبَارَةُ ذَلِكَ الشَّخْصِ عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى.
وقال شيخ الإسلام : وأَنَّ اللهَ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً، وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم هُوَ كَلامُ اللهِ حَقِيقَةً، لاَ كَلامَ غَيْرِهِ. وَلا يَجُوزُ إِطْلاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلاَمِ اللهِ، أَوْ عِبَارَةٌ؛ بَلْ إِذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي الْمَصَاحِفِ؛ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلامَ اللهِ تَعَالَى حَقِيقَةً، فَإِنَّ الْكَلاَمَ إِنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لاَ إلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا.
أقول : ومن أقوى الأدلة على أن الله يتكلم حقيقة قوله تعالى {وكلم الله موسى تكليما} حيث أكد الكلام بالمصدر المثبت للحقيقة النافي للمعنى المجازي , وهو أسلوب معروف عند أهل اللغة ؛ فمن قال قتلت العدو قتلا لا يفهم من كلامه إلا القتل الحقيقي الذي هو إزهاق الروح بخلاف ما لو قال قتلت العدو فسكت ؛ فإنه يحتمل القتل الحقيقي , ويحتمل الضرب الشديد المؤلم جدا .
ثانيا : كلام الله اللفظ والمعنى ( الحرف والمعنى )
قال ابن شيخ الحزامين في عقيدته : وَأما مَسْأَلَة الْحَرْف وَالصَّوْت .. فَإِن الله تَعَالَى قد تكلم بِالْقُرْآنِ الْمجِيد وبجميع حُرُوفه فَقَالَ تَعَالَى {الم} وَقَالَ {المص} وَقَالَ {ق وَالْقُرْآن الْمجِيد} وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الحَدِيث (فينادي يَوْم الْقِيَامَة بِصَوْت يسمعهُ من بعد كَمَا يسمعهُ من قرب) وَفِي الحَدِيث (لَا أَقُول آلم حرف وَلَكِن ألف حرف لَام حرف مِيم حرف).
قال شيخ الإسلام : وهذا هو “الصواب الذي عليه سلف الأمة كالإمام أحمد، والبخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق أفعال العباد، وغيره، وسائر الأمة قبلهم، وبعدهم أتباع النصوص الثابتة، وإجماع سلف الأمة، وهو أن القرآن جميعه كلام الله حروفه، ومعانيه ليس شيء من ذلك كلاماً لغيره، ولكن أنزله على رسوله، وليس القرآن اسماً لمجرد المعاني، ولا لمجرد الحروف بل لمجموعهما، وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط، ولا المعاني فقط، كما أن الإنسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح، ولا مجرد الجسد بل مجموعهما”.
وقال : “والله – تعالى – قد سمى نفس مجموع اللفظ، والمعنى قرآناً، وكتاباً، وكلاماً، فقال – تعالى -: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وقرآن مُبِينِ} [الحجر: 1] ، وقال: {طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الشعراء: 1- 2] ، وقال: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ} [الأحقاف: 29] إلى قوله – تعالى-: {قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا} فبين أن الذي سمعوه هو القرآن، وهو الكتاب، وقال: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ} [البروج: 21] الآية … “1، وقد أخبر – سبحانه – عن تكليمه موسى في آيات عديدة، وقد “وكد تكليمه لموسى بالمصدر”، وفي ذلك “دليل على تكليم سمعه موسى، والمعنى المجرد لا يسمع بالضرورة، ومن قال إنه يسمع فهو مكابر”.
- ثالثا : كلام الله بمشيئته واختياره .
تكلمنا عن هذه المسألة في مقاطع حلول الحوادث , ونشير إليها هنا إشارة .
قال شيخ الإسلام : وَأَمَّا السَّلَفُ فَقَالُوا: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَأَنَّ الْكَلَامَ صِفَةُ كَمَالٍ وَمَنْ يَتَكَلَّمُ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَتَكَلَّمُ كَمَا أَنَّ مَنْ يَعْلَمُ وَيَقْدِرُ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ وَلَا يَقْدِرُ وَمَنْ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَكْمَلُ مِمَّنْ يَكُونُ الْكَلَامُ لَازِمًا لِذَاتِهِ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ قُدْرَةٌ وَلَا لَهُ فِيهِ مَشِيئَةٌ وَالْكَمَالُ إنَّمَا يَكُونُ بِالصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِالْمَوْصُوفِ لَا بِالْأُمُورِ الْمُبَايَنَةِ لَهُ وَلَا يَكُونُ الْمَوْصُوفُ مُتَكَلِّمًا عَالِمًا قَادِرًا إلَّا بِمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ الْكَلَامِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَنْ لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ أَكْمَلُ مِمَّنْ حَدَثَتْ لَهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِهَا لَوْ كَانَ حُدُوثُهَا مُمْكِنًا فَكَيْفَ إذَا كَانَ مُمْتَنِعًا؟ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مَنْعُوتًا بِنُعُوتِ الْجَلَالِ؛ وَمِنْ أَجَلِّهَا الْكَلَامُ.
ومن الأدلة على ذلك : أن الله ذكر في كتابه أن كلامه لا بنفد كما قال تعالى : ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام .. . وقد تعدد الأشخاص الذي كلمهم الله في أوقات شتى ومناسبات مختلفة وبألفاظ ومعاني مختلفة.
فالكلام الذي خاطب الله به نوحا عليه السلام في شأن ابنه {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} غير الكلام الذي خاطب به موسى عليه السلام {أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين}.
وهو غير الكلام الذي خاطب به عيسى عليه السلام {يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله}.
وهذا الكلام كله غير الكلام الذي خاطب الله به خاتم رسله وإمامهم محمدا عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء والمعراج في شأن الصلاة : ” لقد خففت على عبادي وأمضيت فريضتي”. البخاري(3207) ومسلم (164).
وهذا كله غير القرآن الذي أنزله عليه وختم به كتبه .
وقال شيخ الاسلام : وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} فَالْأَبْحُرُ إذَا قُدِّرَتْ مِدَادًا تَنْفَدُ وَكَلِمَاتُ اللَّهِ لَا تَنْفَدُ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا كَيْفَ شَاءَ وَبِمَا شَاءَ كَمَا ذَكَرَتْ الْآثَارُ بِهَذِهِ الْمَعَانِي عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا.
رابعا : كلام الله بصوت لا يشبه الأصوات
قال شيخ الإسلام : هَذَا وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِالنِّدَاءِ فِي أَكْثَرِ مِنْ عَشَرَةِ مَوَاضِعَ فَقَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ نِدَاءَهُ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي سُورَةِ ” طَه ” وَ ” مَرْيَمَ ” وَ ” اُلْطُسْ الثَّلَاثِ ” وَفِي سُورَةِ ” وَالنَّازِعَاتِ ” وَأَخْبَرَ أَنَّهُ نَادَاهُ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ فَقَالَ تَعَالَى {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} {إذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إذْ نَادَيْنَا} وَاسْتَفَاضَتْ الْآثَارُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُنَادِي بِصَوْتِ: نَادَى مُوسَى وَيُنَادِي عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَوْتِ وَيَتَكَلَّمُ بِالْوَحْيِ بِصَوْتِ وَلَمْ يُنْقَلُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِلَا صَوْتٍ أَوْ بِلَا حَرْفٍ وَلَا أَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ بِصَوْتِ أَوْ بِحَرْفِ كَمَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى قَدِيمٌ وَلَا إنَّ ذَلِكَ النِّدَاءَ قَدِيمٌ وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إنَّ هَذِهِ الْأَصْوَاتَ الْمَسْمُوعَةَ مِنْ الْقُرَّاءِ هِيَ الصَّوْتُ الَّذِي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ؛ بَلْ الْآثَارُ مُسْتَفِيضَةٌ عَنْهُمْ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الصَّوْتِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ اللَّهُ بِهِ وَبَيْنَ أَصْوَاتِ الْعِبَادِ. وَكَانَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ يَعُدُّونَ مَنْ أَنْكَرَ تَكَلُّمَهُ بِصَوْتِ مِنْ الْجَهْمِيَّة كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد لَمَّا سُئِلَ عَمَّنْ قَالَ إنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ جهمية إنَّمَا يَدُورُونَ عَلَى التَّعْطِيلِ.
ومن الأدلة على ذلك :
- حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقول الله: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار”. أخرجه البخاري.
و حديث عبد الله بن أنيس – رضي الله عنه – قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :” يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان.
البخاري في صحيحه معلقاً باب قول الله تعالى :{ولا تنفع الشفاعة عنده } وهو صحيح بشواهده.
وقال الإمام أحمد بن حنبل لما سأله ابنه عبد الله عن قوم يقولون: إن الله لم يتكلم بصوت، فقال: “بلى تكلم بصوت”.
- خامسا : كلام الله قديم النوع حادث الآحاد.
وقال شيخ الإسلام : وأما السلف والأئمة فقالوا: إن الله يتكلم بمشيئته وقدرته , وإن كان مع ذلك قديم النوع بمعنى أنه لم يزل متكلماً إذا شاء ؛ فإن الكلام صفة كمال , ومن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم , ومن يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يكون متكلماً بمشيئته وقدرته , ومن لا يزال متكلماً بمشيئته وقدرته أكمل ممن يكون الكلام ممكناً له بعد أن يكون ممتنعا منه أو قرر أن ذلك ممكن فكيف إذا كان ممتنعاً لامتناع أن يصير الرب قادراً بعد أن لم يكن وأن يكون التكلم والفعل ممكنا بعد أن كان غير ممكن. “مجموع الفتاوى” (12/372).
والسبب في قول السلف أن جنس الكلام قديم لأن الله هو الأول بذاته وأسمائه وأفعاله ولا يتصور أنه كان ممتنعا عن الكلام حتى تكلم كما يقول الأشاعرة.
قلت : وأما الأشاعرة فقالوا عن كلام الله أن جنسه حادث بمعنى أن الله تكلم به أن لم يكن متكلما.
قال شيخ الاسلام : كالكلام عند من يقول: إنه حادث الجنس فإنه يقول: إن الله صار متكلماً بعد أن لم يكن متكلماً، فيكون جنس الكلام محدثاً.
بيان مذهب الأشاعرة في كلام الله
قال سعيد فودة يقرر مذهب الأشاعرة في كلام الله الكاشف (342) : قول الأشاعرة إن الله يتصف بصفة الكلام , هذه الصفة واحدة في ذاتها , وهي ليست عين المدلول اللغوي للقرآن المنزل على سيدنا محمد ؛ بل القرآن المنزل دال على بعض مدلولات هذه الصفة – ما دل على المعنى – والقرآن المنزل على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام مؤلف من حروف وكل ما هو مؤلف فهو حادث بلا شك وكل حادث لا بد له من محدث وقد صرح السادة الأشاعرة إن كل حادث فهو مخلوق بلا ريب والله سبحانه لا يقوم في ذاته الشريفة حوادث ولا مخلوقات إذن لا بد أن يكون الله قد أحدث القرآن العربي في بعض مخلوقاته .
وقال : والقرآن صادر من الله ابتداء بحروفه ومعانيه على سبيل الخلق.
قلت : إذن : يقوم مذهب الأشاعرة على أن :-
1-. أنه قديم أزلي قائم بذات الله كحياته وعلمه , ولذا فهو لا يتعلق بمشيئة الله وقدرته ولا يتكلم إذا شاء متى شاء.
2- كلام الله معنى قائم بالنفس دون الحروف والألفاظ , وهذا ما يسمونه بالكلام النفسي .
3-إنه معنى واحد لا يتجزأ هو الأمر بكل مأمور ,والنهي عن كل منهي عنه , والخبر عن كل مخبر عنه ؟ إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً , وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة , وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً.
4-إن القرآن عبارة عن كلام الله وهو مخلوق أتى به جبريل أو محمد صلى الله عليه وسلم أو أوجده في شي من مخلوقاته كما قرره فودة.
أما المسألة الأولى : أنه قديم أزلي قائم بذات الله كحياته وعلمه , ولذا فهو لا يتعلق بمشيئة الله وقدرته ولا يتكلم إذا شاء متى شاء.
أقول : شبهة من نفى إن يكون الله يتكلم بمشيئته وقدرته كالأشاعرة وغيرهم.
وهذه المسألة تكلمنا عليها في مقاطع حلول الحوادث , ونشير إليها هنا اختصارا:
من أصول الإيمان عند الاشاعرة مسألة حدوث العالم أو ما يسمى بدليل الحدوث وهذا الدليل أصل بلية التعطيل وقد دخل على الأشاعرة من المعتزلة كما ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري نقلا عن أبي جعفر السمناني.
وملخص هذا الدليل أنه قائم على مقدمات:
منها : مالا يخلو من الحوادث فهو حادث .
والمقصود هنا أن أولئك المتكلمين لما راموا إثبات وجود الصانع وخلق العالم، سلكوا الطريقة التي ابتدعوها من الاستدلال.
فشبهة أولئك جاءت أنهم قالوا: ” لو اتصف الرب بالصفات الفعلية التي يفهم منها التجدد , لقامت به الحوادث .
قالوا : أي صفة لها بداية ونهاية فهي من الحوادث فقالوا هذه من صفات المحدثات أي شئ يعرض عليه الوجود والفناء فهو حادث والله لا يصح أن تقوم به الحوادث ولما نظروا لصفات الله وجدوا من صفات الله وهي الفعلية لها معنى الحدوث الذي التزموه – بداية ونهاية – مثل كلام الله لموسى لآدم , المجئ, الاتيان الخ فترتب على ذلك نفي صفات الله تبارك وتعالى التي يفهم منها التجدد أو التي تسمى عند أهل السنة والجماعة بالصفات المتعلقة بمشيئته واختياره.
قال شيخ الاسلام : . وإذا قالوا: (لا تحله الحوادث) أوهموا الناس أن مرادهم أنه لا يكون محلاً للتغيرات والاستحالات ونحو ذلك من الأحداث التي تحدث للمخلوقين فتحيلهم وتفسدهم، وهذا معنى صحيح، ولكن مقصودهم بذلك أنه ليس له فعل اختياري يقوم بنفسه، ولا له كلام ولا فعل يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه لا يقدر على استواء أو نزول أو إتيان أو مجيء، وأن المخلوقات التي خلقها لم يكن منه عند خلقها فعل أصلاً، بل عين المخلوقات هي الفعل، ليس هناك فعل ومفعول، وخلق ومخلوق، بل المخلوق عين الخلق، والمفعول عين الفعل، ونحو ذلك.
بيان كيف نشأ مذهب الأشاعرة :
كان الناس قبل ابن كلاب – شيخ الأشعري – في الصفات على قولين:
1-قول أهل السنة الذين يثبتون جميع الصفات كالعلم والحياة والقدرة والإرادة والكلام والوجه واليدين والعين والمجيء …دون أن يفرقوا بين صفات الذات , وصفات الفعل المتعلقة بمشيئته وقدرته.
2- وقول الجهمية والمعتزلة الذين ينفون جميع هذه الصفات دون تفريق.
ولم يكن هناك قول ثالث حتى جاء ابن كلاب فأثبت الصفات المعنوية والذاتية كالعلم والإرادة والكلام والوجه واليدين , ونفى ما يتعلق بمشيئته وإرادته من الصفات الاختيارية, وتبعه على ذلك الأشعري, وجمهور الأشاعرة.
وقد نقل شيخ الإسلام عن أبي نصر السجزي في رسالته المعروفة إلى أهل زبيد والتي تسمى باسم الرد على من أنكر الحرف والصوت ؛ بين فيه نشأة قول ابن كلاب ومن اتبعه في كلام الله فقال :” اعلموا – أرشدنا اله وإياكم – أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب والقلانسي و الأشعري , وأقرانهم الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة , وهم معهم … من أن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً ذا تأليف واتساق , وإن اختلفت به اللغات , وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذي تكلموا في العقليات , وقالوا : الكلام حروف متسقة وأصوات مقطعة وقالت – يعني علماء العربية – : الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ؛ فالاسم مثل زيد وعمرو والفعل مثل جاء وذهب , والحرف الذي يجيء لمعنى مثل هل وبل وقد , وما شاكل ذلك فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفا وصوتا ؛ فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه , وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل , وهم لا يخبرون أصول السنة , ولا ما كان السلف عليه , ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعماً منهم أنها أخبار آحاد , وهي لا توجب علما , وألزمتهم المعتزلة الاتفاق على أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف وصوت ويدخله التعاقب والتأليف , وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون , ولا بد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض , وما كان بهذه المثابة لا يجوز أن يكون من صفات ذات الله تعالى لأن ذات الحق لا توصف بالاجتماع والافتراق والكل والبعض والحركة والسكون…
قال : فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإلزام لقلة معرفتهم بالسنن وتركهم قبولها , وتسليمهم العنان إلى مجرد العقل.
فالتزموا ما قالته المعتزلة , وركبوا مكابرة العيان , وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة : المسلم والكافر , وقالوا للمعتزلة : الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام ,وإنما سمي ذلك كلاما على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه. “درء التعارض” (2|86).
ثم قال شيخ الإسلام معلقا على ذلك : وإنما اضطر ابن كلاب و الأشعري , ونحوهما إلى هذا الأصل : أنهم لما اعتقدوا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا تكلم , ولا غير ذلك , وقد تبين لهم فساد قول من يقول : ( القرآن مخلوق ) ولا يجعل لله تعالى كلاماً قائماً بنفسه بل يجعل كلامه ما خلقه في غيره , وعرفوا أن الكلام لا يكون مفعولاً منفصلاً عن المتكلم , ولا يتصف الموصوف بما هو منفصل عنه بل إذا خلق الله شيئاً من الصفات , والأفعال بمحل كان ذلك صفة لذلك المحل لا لله ؛ فإذا خلق في محل الحركة كان ذلك المحل هو المتحرك بها , وكذلك إذا خلق فيه حياة كان ذلك المحل هي الحي بها , وكذلك إذا خلق علما أو قدرة كان ذلك المحل هو العالم القادر بها ؛ فإذا خلق كلاماً في غيره كان ذلك المحل هو المتكلم به . “درء التعارض”(2|115).
“موقف ابن تيمية من الأشاعرة” (3|1266) بتصرف يسير.
وقد ذكرنا في مقاطع حلول الحوادث كلام الرازي في هذه المسألة والتي قرر فيها أن القول بحلول الحوادث يلزم جميع الطوائف بمن فيهم الأشاعرة , ونقل كلامه ابن حجر رحمه الله في الفتح فقال : وذكر الفخر الرازي في” المطالب العالية” : أن قول من قال أنه تعالى متكلم بكلام يقوم بذاته وبمشيئته واختياره هو أصح الأقوال نقلاً وعقلاً ! , وأطال في تقرير ذلك .
المسألة الثانية : – كلام الله معنى قائم بالنفس دون الحروف والألفاظ , وهذا ما يسمونه بالكلام النفسي و قد استدلوا على ذلك:
1-قوله تعالى :{ ويقولون في أنفسهم } وما في معناها.
2-وقول عمر : “زورت في نفسي مقالة أردت أن أقولها ” البخاري (6830).
3- وقول الأخطل : إن الكلام لفي الفؤاد.
وقد ناقش شيخ الإسلام هذه الأدلة , وبين أنه لا دليل لهم عليها :
أما قوله تعالى :{ويقولون في أنفسهم } فالجواب :
- أنه قيده بالنفس , وإذا قيد القول بالنفس كان دلالة المقيد خلاف دلالة المطلق , والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل. البخاري (5269), ومسلم (127).
2-وأما قول عمر : زورت في نفسي مقالة أردت أن أقولها.
فهي حجة عليهم.
قال أبو عبيد : التزوير إصلاح الكلام وتهيئته , … وقال غيره : زورت فى نفسى مقالة أى : هيأتها لأقولها ؛ فلفظها يدل على أنه قدر في نفسه ما يريد أن يقوله , ولم يقله , فعلم أنه لا يكون قولاً إلا إذا قيل باللسان , وقبل ذلك لم يكن قولاً لكن كان مقدرا في النفس يراد أن يقال كما يقدر الإنسان في نفسه أنه يحج , وأنه يصلي وأنه يسافر إلى غير ذلك فيكون لما يريده من القول والعمل صورة ذهنية مقدرة في النفس , ولكن لا يسمى قولا وعملا إلا إذا وجد في الخارج كما أنه لا يكون حاجا ومصلياً إلا إذا وجدت هذه الأفعال في الخارج …. . وهذا يدل عليه الحديث السابق : إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها مالم تتكلم أو تعمل.
وأما البيت المنسوب إلى الأخطل ففيه ما فيه من ناحية صحة نسبته إليه حتى ألفاظ البيت حرفت لتوافق مقصود من استشهد به من أهل الكلام.
وقد تعجب شيخ الإسلام من هؤلاء الذين يحتجون بهذا البيت الذي قاله نصراني , ولم يثبت عنه فقال : ولو احتج محتج في مسألة بحديث أخرجاه في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم لقالوا هذا خبر واحد , ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول , وهذا البيت لم يثبت نقله عن قائله بإسناد صحيح لا واحد ولا أكثر من واحد , ولا تلقاه أهل العربية بالقبول فكيف يثبت به أدنى شيء من اللغة فضلاً عن مسمى الكلام ثم يقال مسمى الكلام. “مجموع الفتاوى” (7|138)، “موقف ابن تيمية من الأشاعرة” (3|1271) بتصرف.
المسألة الثالثة :
وأما الرد عليهم في مسألة إنكارهم للحرف والصوت
قال ابن قدامة المقدسي -رحمه الله- في جزئه المسمى” الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم” .
” وكلام الله تعالى الذي تكلم به والكلام هو الحروف المنظومة والكلمات المفهومة والأصوات المعلومة.
والدليل على ذلك من وجهين :
فبعد أن ذكر أدلة من الكتاب والسنة قال:
وأما الإجماع : فإن الناس في أشعارهم ومنثور كلامهم وعرفهم وأحكامهم على أن الكلام النطق، ولهذا قال قائلهم : (إن كان الكلام من فضة فالصمت من ذهب)
وأشباه هذا كثير:
وأجمعوا على أنه لو حلف لا يتكلم لم يحنث إلا أن ينطق ، ولو قال: امرأته طالق إن بدأ بها بالكلام ، لم يتعلق ذلك إلا بالبداية بالنطق.
وقال أهل العربية: الكلام من اسم وفعل وحرف.
وقالوا : الكلام ما أفاد، ولا يكون إلا من جملة فعلية ومبتدأية ، ولا ينتظم إلا من اسمين ، أو اسم وفعل أو اسم وحرف في النداء خاصة ….
واعترضوا على هذا من وجوه:
أحدها : أن الأخطل قال:
إن الكلام من الفؤاد وإنما جعل اللسان على الكلام دليلا
وقالوا : إن الحروف لا تخرج إلا من مخارج وأدوات والصوت لا يكون إلا من جسم , والله تعالى يتعالى عن هذا.
وقالوا : أن الحروف يدخلها التعاقب فالباء تسبق السين والسين تسبق الميم وكل مسبوق مخلوق.
قلنا الجواب عن الأول من وجوه:
الأول : يحتاجون إلى إثبات هذا الشعر ببيان إسناده , ونقل الثقات له ولا نقنع بشهرته فقد يشتهر الفاسد .
وقد سمعت شيخنا أبا محمد بن الخشاب إمام أهل العربية في زمانه يقول : قد فتشت دواوين الأخطل الكبيرة فلم أجد هذا البيت فيها .
الثاني : لا نسلم أن لفظه هكذا إنما قال:
إن البيان من الفؤاد فحرفوه
وقالوا الكلام. ……
وأما قولهم أن الحروف تحتاج إلى مخارج وأدوات .
قلنا : احتياجها إلى ذلك في حقنا لا يوجب ذلك في كلام الله تعالى الله عن ذلك .
فإن قالوا بل يحتاج الله كحاجتنا قياسا له علينا أخطئوا من وجوه :
أحدها : أنه يلزمهم في سائر الصفات التي سلموها كالسمع والبصر والعلم والحياة فلا يكون ذلك في حقنا إلا في جسم , ولا يكون البصر إلا في حدقة ولا السمع إلا في انخراق , والله تعالى بخلاف ذلك .
الثاني: أن بعض المخلوقات لم تحتج إلى مخارج في كلامها كالأيدي والأرجل والجلود التي تتكلم يوم القيامة , والحجر الذي سلم على النبي صلى الله عليه وسلم , والحصى الذي سبح في كفه , والذراع المسمومة التي كلمته.
وقال ابن مسعود : كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يأكل .
ولا خلاف في أن الله تعالى قادر على إنطاق الحجر الأصم بلا أدوات ؛ فكيف عجزوا الله تعالى عن الكلام بلا أدوات.
المسألة الرابعة : إنه معنى واحد لا يتجزأ هو الأمر بكل مأمور ,والنهي عن كل منهي عنه , والخبر عن كل مخبر عنه ؟ إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً , وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة , وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً.
وأما الرد عليهم
إن هذا من أعجب ما في مذهب الأشاعرة , وأشده غرابة حيث إنه مخالف لبداهية العقول , ولواقع الأمر أيضا …ولذلك اعترف بعض أعلامهم بما في المذهب الأشعري من إشكالات حتى قال العز بن عبد السلام لما سئل في مسألة القرآن : كيف يعقل شيء واحد هو أمر ونهي وخبر واستخبار , فقال أبو محمد : ما هذا بأول إشكال ورد على مذهب الأشعري .
وقد رد شيخ الإسلام على قولهم هذا بما يلي :
1- إن هذا القول انفردوا به عن سائر الفرق كما ذكره الرازي .
2- يقال للأشاعرة موسى لما كلمه الله أفهم كلامه كله أو بعضه إن قلتم كله ؛ فقد صار موسى يعلم علم الله , وهذا من أعظم الباطل , وإن قلتم بعضه فقد تبعض كلام الله , وأنتم تقولون إنه لا يتبعض ,وفي هذا إبطال لقولكم.
3- إلزامهم أن يقولوا في الصفات ما قالوه في الكلام وبالعكس , وذلك أنه إذا جاز أن يجعلوا الحقائق المتنوعة كآية الدين وآية الكرسي وقصة موسى وقصة نوح , والأمر بالصلاة , والنهي عن الزنا , وعن الربا , والقرآن, والتوراة , والإنجيل شيئاً واحداً ؛ فيلزمهم أن يجوزوا أن يكون العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر والحياة والإرادة صفة واحدة ….
4- يقال لمن قال إن القرآن حروف وأصوات قديمة أزلية , وأن الباء ليست قيل السين : هذا بعينه وارد عليك فيما أثبته من المعاني وهو المعنى القائم بالذات ؛ فإن الذي نعلمه بالضرورة في الحروف نعلم نظيره بالضرورة في المعاني فالمتكلم منا إذا تكلم ببسم الله الرحمن الرحيم فهو بالضرورة ينطق بالاسم الأول لفظاً ومعنى قبل الثاني ؛ فيقال في هذه المعاني نظير ما قاله في الحروف . “التسعينية” (188)
5- إن النصوص قد وردت بما يدل على تعدد الكلام , وبطلان قول من زعم أنه معنى واحد ومنها:
أ- الآيات الواردة بأنها كلمات , ومنها قوله تعالى :{ وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته } وقوله تعالى : {ما نفدت كلمات الله}.
ب- ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :” إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل قل هو الله أحد جزءا من أجزاء القرآن . مسلم (811).
المسألة الخامسة : القرآن عبارة عن كلام الله
أقول : وهذا يلزم أن الله غير قادر أن يعبر عن نفسه حتى يخلق كلاما في غيره ليعبر عنه وهذا من أبطا الباطل.
قال شيخ الاسلام : فَمَنْ قَالَ أَيْضًا: إنَّهُ لَا يُعَبِّرُ عَمَّا فِي نَفْسِهِ مِنْ الْمَعَانِي إلَّا بِعِبَارَةِ تَقُومُ بِغَيْرِهِ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِالْأَخْرَسِ الَّذِي لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا بِعِبَارَةِ تَقُومُ بِغَيْرِهِ وَهَذَا قَوْلٌ يَسْلُبُهُ صِفَةَ الْكَمَالِ وَيَجْعَلُ غَيْرَهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ أَكْمَلَ مِنْهُ. وَقَدْ قُرِّرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: أَنَّ كُلَّ كَمَالٍ يَثْبُتُ لِمَخْلُوقِ فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِهِ وَكُلُّ نَقْصٍ تَنَزَّهَ عَنْهُ مَخْلُوقٌ؛ فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِالتَّنَزُّهِ عَنْهُ وَكَانَ هَذَا مِنْ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى إثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ كَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ صِفَاتُ كَمَاله.
وقال : وجمهور عقلاء بني آدم يقولون: إن فساد هذا معلوم بضرورة العقل وفطرة بني آدم، وهؤلاء عندهم: إن الملائكة تعبر عن المعنى القائم بذات الله، وأن الله نفسه لا يعبر بنفسه عن نفسه، وذلك يشبه -من بعض الوجوه- الأخرس الذي يقوم بنفسه معان، فيعبر غيره عنه بعبارته، وهم في ذلك مشاركون للجهمية الذين جعلوا غير الله يعبر عنه من [غير] أن يكون الله يتكلم، لكن هؤلاء يقولون: قام بنفسه معنى فتجعله كالأخرس، والجهمية تجعله بمنزلة الصنم الذي لا يقوم به معنى ولا لفظ.
هذا مجمل المسائل التي قررها الأشاعرة في كلام الله .
وسنتحدث الآن على المسائل التي أثارها سعيد فودة في كتابه الكاشف .
المسألة الأولى : لفظة الحدوث والحادث
سعيد فودة دندن كثيرا حول مسألة الحدوث وحاول أن يلصق بشيخ الإسلام أنه يقول أن الله خلق كلامه في نفسه .
وهذا من الكذب كما سنبين ذلك :
- قال سعيد فودة ص (326) بعد أن نقل كلاما لشيخ الإسلام : – – وهو – قال شيخ الاسلام : وهو الذي يوافق الأدلة العقلية الصريحة، أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فهو المتكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من كلامه ليس مخلوقاً منفصلاً عنه، وهو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته، فكلامه قائم بذاته، ليس مخلوقاً بائناً عنه .
قال سعيد فودة : تأمل في قول ابن تيمية وكلامه قائم بذاته ليس مخلوقا بائنا عنه فهو يريد بهذه العبارة أن الكلام مخلوق قائم بذات الله وهذه هي الفائدة الوحيدة لهذا القيد .. فهو يريد نفي كونه مخلوقا مطلقا بل أنه ينفي كونه مخلوقا بائنا عنه؟.
ثم قال :مما يفهم منه أن ابن تيمية قائل بأن القرآن مخلوق قائم بذات الله وغاية ما في الأمر عند ابن تيمية هو أنه لا يطلق لفظ المخلوق على القرآن بل يقول هو محدث وحادث في ذات الله وعلى كل الأحوال فإن هذا المعنى لا شك أنه يلزم ابن تيمية ولا يلزمنا الاتيان بنص صرح به هو لأنه يقول إن القرآن وكلام الله من متعلقات القدرة أي حادثة بقدرة الله وكل ما هو حادث بقدرة الله فهو مخلوق.
مع أنه قال ص (321) : والحدوث هو الخلق عند العقلاء وإن كان ابن تيمية يفرق بينهما كما سنوضح لك لاحقا فيكون ابن تيمية في الحقيقة يقول بخلق كلمات الله أي بأن كلمات الله مخلوقة قائمة في ذاته.
وقال ص (314) وقد نقل كلاما لشيخ الاسلام –وهو- : وقد علم أن المخلوقات لا يتصف بها الخالق فلا يتصف بما يخلقه في غيره من الألوان والأصوات والروائح والحركة العلم والقدرة والسمع والبصر، فكيف يتصف بما يخلقه في غيره من الكلام.
قال فودة :انظر هنا في هذه الفقرة وتأمل كيف يقول ابن تيمية إن الله لا يتصف بما يخلقه في غيره واعلم أن كلمة في غيره هنا مقصودة لابن تيمية وهي قيد مهم في الكلام ليفيد بعد ذلك أنه تعالى يمكن أن يتصف بشئ يخلقه في ذاته والمستحيل عند ابن تيمية هو أن يتصف الله بسمع أو كلام مخلوقين في ذاته ثم قال : فهي صفات مخلوقة أي حادثة على عدم الفرق بين المخلوق والحادث.
وقال ص (345) : ابن تيمية يدعي أن الفرق بين المحدث والمخلوق أن المخلوق هو ما أوجده الله في غيره والمحدث هو ما أوجده الله في ذاته..
ثم قال : تعلم بهذا لماذا يقول ابن تيمية في سائر كتبه القرآن غير مخلوق ولا يصرح بأن القرآن غير محدث .
قلت : مع أنه نقل كلام شيخ الإسلام ص (349) وهو : الفرق بين المخلوق والمحدث هو اصطلاح أئمة أهل الحديث وهو موافق للغة التي نزل بها القرآن.
هذا كلامه ؟؟؟
الجواب على ذلك :
- أولا : إن شيخ الاسلام نص أن الله لم يخلق القرآن لا في ذاته ولا منفصلا عنه
قال شيخ الإسلام في التسعينية (1/337) نقلا عن الإمام أحمد : إن الله لم يخل من العلم والكلام، وليسا من الخلق، لأنه لم يخل منهما، ولم يزل الله متكلمًا عالمًا، فقد نفى عنهما الخلق في ذاته، أو غير ذاته، وبين أنه لم يخل منهما، وهذا يبين أنه لم يخلق القرآن لا في ذاته، ولا خارجًا عنه، وفي كلامه دليل على أن قول القائل: تحله الحوادث أو لا تحله الحوادث، كلاهما منكر عنده، وهو مقتضى أصوله.
- ثانيا : من الردود عليه أن شيخ الإسلام نقل التفريق بين المحدث والمخلوق , ونقل عن السلف ردهم على من جعل معنى محدث بمعنى المخلوق.
قال شيخ الإسلام : وهذا ابن الثلاج كان من أصحاب بشر المريسي فأظهر التوبة من ذلك، وأظهر الوقف في لفظ المخلوق، دون لفظ المحدث، كما حكاه الأشعري عنه ، ومقصوده مقصود من يقول: هو مخلوق، وعرف الأئمة حقيقة حاله، فلم يقبل الإمام أحمد وسائر أهل السنة هذه التوبة، لأنها توبة غير صحيحة ..
ثم قال شيخ الإسلام : وظهر أن محمد بن شجاع -إمام الواقفة – هو وأصحابه الذين لا يقولون: القرآن مخلوق ولا غير مخلوق، يطلقون عليه أنَّه محدث بمعنى أنَّه أحدثه في غيره، وهو معنى قول من قال: إنه مخلوق ليس بينهما فرق إلّا في اللفظ، وقد سلك هذا المسلك طوائف من أهل البدع من الرافضة وغيرهم يقولون: هو محدث مجعول، ولا يقولون: هو مخلوق.
ثم قال شيخ الاسلام: الفرق بين المخلوق والمحدث، هو اصطلاح أئمة أهل الحديث، وهو موافق للغة التي نزل بها القرآن .. قال البُخاريّ في صحيحه في كتاب الرد على الجهمية -في أثناء أبواب القرآن- باب ما جاء به في تخليق السماوات والأرض وغيرها من الخلائق: (وهو فعل الرَّبّ وأمره، فالرب بصفاته وفعله وأمره وكلامه هو الخالق المكون غير مخلوق، وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون).
- ثالثا : إن أهل السنة يتحروا وينتقوا الألفاظ التي تضاف لله ويبتعدوا عن كل ما يوهم المعنى الباطل كما في هذه المسألة فشيخ الإسلام لم يعبر عن صفة الكلام أن الله يخلقها في نفسه وإنما عبر بلفظ أن صفة الكلام قائمة بذاته فكلامه صفة له ولا يتصور الله أنه بدون صفاته حتى يقال أنه خلقها في ذاته .
- رابعا : تقدم أن الرازي قال بقيام الحوادث بذات الله وقرر أنه يلزم جميع الطوائف بمن فيهم الأشاعرة.
كذلك الآمدي اعترف أن حجج أصحابه ضعيفة في منع قيام الصفات الاختيارية بالله قال: “وقد احتج أهل الحق على امتناع قيام الحوادث به بحجج ضعيفة: الأولى…“.
وقد تقدم ذكر هذه المسألة في مقطع حلول الحوادث .
خامسا : أن شيخ الإسلام بين معنى الحادث وهو بمعنى المتجدد
قال شيخ الإسلام: أن يقال: تسمية هذا متجددا وهذا حادثا فرق لفظي لا معنوي ولا ريب أن أهل السنة والحديث لا يطلقون عليه سبحانه وتعالى أنه محل للحوادث ولا محل للأعراض ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة التي يفهم منها معنى باطل؛ فإن الناس يفهمون من هذا أن يحدث في ذاته ما سمونه هم حادثا كالعيوب والآفات والله منزه عن ذلك سبحانه وتعالى وإذا قيل: فلان ولي على الأحداث أو تنازع أهل القبلة في أهل الأحداث فالمراد بذلك: الأفعال المحرمة كالزنا والسرقة وشرب الخمر وقطع الطريق والله أجل وأعظم من أن يخطر بقلوب المؤمنين قيام القبائح به والمقصود أن تفرقة المفرق بين المتجدد والحادث أمر لفظي لا معنى عقلي ولو عكسه عاكس فسمى هذا متجددا وهذا حادثا لكان كلامه من جنس كلامه.
المسألة الثانية : زعمه أن كلام الله خلقه في غيره
قال سعيد فودة يقرر مذهب الأشاعرة في كلام الله (342) : قول الأشاعرة إن الله يتصف بصفة الكلام .. والقرآن المنزل على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام مؤلف من حروف وكل ما هو مؤلف فهو حادث بلا شك وكل حادث لا بد له من محدث وقد صرح السادة الأشاعرة إن كل حادث فهو مخلوق بلا ريب والله سبحانه لا يقوم في ذاته الشريفة حوادث ولا مخلوقات إذن لا بد أن يكون الله قد أحدث القرآن العربي في بعض مخلوقاته.
الجواب :
أقول : وهذا نص كلام المعتزلة الذين رد عليهم الإمام أحمد .
قال الإمام أحمد في كتابه الرد على الجهمية : بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله كلم موسى صلى الله عليه وعلى نبينا وعلى سائر الأنبياء: قلنا لم أنكرتم ذلك؟ قالوا: لأن الله لم يتكلم ولا يتكلم، إنما كوّن شيئًا فعبر عن الله، …. فقلنا: فهل [يجوز] لمكون أو لغير الله أن يقول لموسى: {لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} (و {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} فمن زعم ذلك فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية ولو كان كما زعم الجهمية أن الله كون شيئًا كان يقول ذلك المكون: {يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.
وقال شيخ الإسلام : ولا ريب أن هذا يوجب أن تكون الشجرة هي القائلة: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي} ، إذ المتكلم بالكلام هو الذي يقوم به، كما أن المتحرك بالحركة، والعالم بالعلم، وغير ذلك من الصفات والأفعال وغيرها هو من يقوم به الصفة، ولا يجوز أن يكون الشيء متكلمًا بكلام يقوم بغيره ولا يقوم به أصلًا، كما لا يكون عالمًا قادرًا بعلم وقدرة لا تقوم إلَّا بغيره.
وقال : وذلك أنَّه من المعلوم ببدائه العقول أن الحي لا يكون حيًّا إلّا بحياة تقوم به، ولا يكون حيًّا بلا حياة أو بحياة تقوم بغيره، وكذلك العالم والقادر لا يكون عالمًا قادرًا إلّا بعلم وقدرة تقوم به، ولا يكون عالمًا قادرًا بلا علم ولا قدرة، أو بعلم وقدرة تقوم بغيره.
كذلك من المعلوم ببدائه العقول أن الكلام والإرادة والعلم والقدرة لا تقوم إلّا بمحل، إذ هذه الصفات لا تقوم بأنفسها، ومن المعلوم ببدائه العقول أن المحل الذي يقوم به العلم يكون عالمًا، والذي تقوم به القدرة يكون قادرًا، والذي يقوم به الكلام يكون متكلمًا والذي تقوم به الرحمة يكون رحيمًا…. فهذه الأمور مستقرة في فطر النَّاس، تعلمها قلوبهم علمًا فطريًّا ضروريًّا، والألفاظ المعبرة عن هذه المعاني هي من اللغات التي اتفق عليها بنو آدم فلا يسمون عالمًا قادرًا إلَّا من قام به العلم والقدرة، ومن قام به العلم والقدرة سموه عالمًا قادرًا، وهذا معنى قول من قال من أهل الإثبات: إن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره.
من الأدلة في الرد عليهم في مسألة خلق القرآن
- وقال الإمام أحمد :
فلما ظهرت عليه الحجة قال:أقول: إن الله قد يتكلم ولكن كلامه مخلوق. قلنا: وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق [فقد شبهتم الله -تبارك وتعالى- بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق] ، ففي مذهبكم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق التكلم، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلامًا، فقد جمعتم بين كفر وتشبيه فتعالى الله عن هذه الصفة .
- قال شيخ الاسلام : ولهذا احتج الإمام أحمد وغيره على أن كلام الله غير مخلوق بأن النبي – صلى الله عليه وسلم – استعاذ بكلمات الله التامات في غير حديث فقال: أعوذ بكلمات الله التامة.
ففي صحيح البخاري، عن ابن عباس، قال: كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يعوذ الحسن والحسين: “أعيذكما بكلمات الله التامة” وذكر الحديث.
وفي صحيح مسلم عن خولة بنت حكيم أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “لو أن أحدكم إذا نزل منزلًا قال: أعوذ بكلمات الله التامات..
قال أحمد وغيره: ولا يجوز أن يقال: أعيذك بالسماء أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالملائكة أو بالعرش أو بالأرض، أو بشيء مما خلق الله، ولا يتعوذ إلّا بالله أو بكلماته.
وقد ذكر الاحتجاج بهذا البيهقي في كتاب الأسماء والصفات .
قال البيهقي : (ولا يصح أن يستعيذ بمخلوق من مخلوق ، فدل على أنه استعاذ بصفة من صفات ذاته، وهي غير مخلوقة، كما أمره الله أن يستعيذ بذاته، وذاته غير مخلوقة .
ثم قال : (وبلغني عن أحمد بن حنبل أنه كان يستدل بذلك على أن القرآن غير مخلوق، قال: وذلك أنه ما من مخلوق إلا وفيه نقص).
- كلام الله من علمه وعلمه غير مخلوق
وهذا مما استدل به الإمام أحمد
قال شيخ السلام : بل علمه من لوازم خبره…. ولهذا أخبر الله بأنَّ القرآن من علمه فقال: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} ، وقال: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} .
وهذا ممَّا احتج به الأئمة في تكفير من قال بخلق القرآن، وقالوا قولهم يستلزم أن يكون علم الله مخلوقًا، لأنَّ الله أخبر أن هذا الذي جاءه من العلم، ولم يعن علم غيره، فلا بد أن يكون عني أنَّه من علمه ومن جعل علم الله مخلوقًا قائمًا بغيره فهو كافر .
المسألة الثالثة : قولهم عن كلام الرب أنه واحد , وبيان إنكار كبار أئمة الأشاعرة لذلك .
قال سعيد فودة يقرر مذهب الأشاعرة في كلام الله (342) : قول الأشاعرة إن الله يتصف بصفة الكلام هذه الصفة واحدة في ذاتها .
الجواب :
قال شيخ الإسلام : فجعلت هذه الطائفة معنى واحدًا قائمًا بذات الرَّبّ، هو أمر ونهي وخبر واستخبار، وهو معنى التوراة والإنجيل والقرآن وكل ما تكلم [الله] به، هو معنى آية الكرسي، وآية الدين، وجمهور عقلاء بني آدم يقولون: إن فساد هذا معلوم بضرورة العقل وفطرة بني آدم، وهؤلاء عندهم: إن الملائكة تعبر عن المعنى القائم بذات الله، وأن الله نفسه لا يعبر بنفسه عن نفسه، وذلك يشبه -من بعض الوجوه- الأخرس الذي يقوم بنفسه معان، فيعبر غيره عنه بعبارته، وهم في ذلك مشاركون للجهمية الذين جعلوا غير الله يعبر عنه من [غير] أن يكون الله يتكلم، لكن هؤلاء يقولون: قام بنفسه معنى فتجعله كالأخرس، والجهمية تجعله بمنزلة الصنم الذي لا يقوم به معنى ولا لفظ.
قال شيخ الإسلام: أن هذا المعنى القائم بالذات الذي زعموا أنه كلام، وخالفوا في إثباته جميع فرق الإِسلام، كما يقرون هم على أنفسهم بذلك، كما ذكره الرازي وغيره من أن إثباتهم لهذا يخالفهم فيه سائر فرق الأمة، قد قال أكثرهم: هو معنى واحد ، وقال بعضهم: هو خمسة معان: أمر، ونهي، وخبر، واستخبار، ونداء …
ومن المعلوم أن مجرد تصور هذا القول يوجب العلم الضروري بفساده كما اتفق على ذلك سائر العقلاء،
- كبار الأشاعرة ينكرون هذا القول
وقال شيخ الإسلام : واعتبر ذلك بما ذكره أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني والد أبي المعالي في آخر كتاب صنفه سماه (عقيدة أصحاب الإمام المطلبي الشافعي وكافة أهل السنة والجماعة) وقد نقل هذا منه الحافظ أبو القاسم بن عساكر في مناقبه الذي سماه (تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري) وجمع فيه ما أمكنه من مناقبه، وأدخل في ذلك أمورًا أخرى يقوي بها ذلك.
قال أبو محمد الجويني: “ونعتقد أن المصيب من المجتهدين في الأصول والفروع واحد، … ثم قال : وأبو الحسن أحد أصحاب الشافعي – رضي الله عنه – فإذا خالفه في شيء أعرضنا عنه [فيه] ومن هذا القبيل قوله: أن لا صيغة للألفاظ ..
و قال شيخ الإسلام : إن إمامهم المتأخر وهو أبو عبد الله الرازي اعترف في أجل كتبه أن القول بكون الطلب هو الخبر باطل على القول بنفي الحال ، ونفي الحال هو مذهب الأشعري نفسه ومحققيهم ..
وكلامه في نهاية العقول للرازي كما نقل محقق التسعينية الشيخ العجلان .
قال العز بن عبد السلام لما سئل في مسألة القرآن : كيف يعقل شيء واحد هو أمر ونهي وخبر واستخبار , فقال أبو محمد : ما هذا بأول إشكال ورد على مذهب الأشعري .
المسألة الرابعة : تفريقهم بين اللفظ والمعنى في كلام الله
قال فودة (343): فالحاصل أن الأشاعرة يقولون إن القرآن لفظ يطلق على أمرين :الأول : الكلام النفسي الأزلي القائم بذات الله وهو صفة من صفاته وهذه ليست مخلوقة ولا حادثة ولا محدثة بل أزلية .
والثاني : القرآن العربي المنزل على سيدنا محمد والمؤلف من الكلمات والحروف العربية فهذا هو الحادث .
الجواب :
قال شيخ الإسلام : السلف والمعتزلة جميعًا اتفقوا على أن كلام الله ليس هو مجرد هذا المعنى الَّذي تثبتونه أنتم، بل الَّذي سمته المعتزلة كلام الله وقالوا: إنه مخلوق، وافقهم السلف على أنَّه كلام الله، لكن قالوا: إنه غير مخلوق، وأنتم تقولون: إنه ليس بكلام الله، فكان قولك خرقًا لإجماع السلف والمعتزلة، وذلك خرق لإجماع الأمة جميعها، إذ لم يكن في عصر السلف إلّا هذان القائلان .
وقال شيخ الإسلام : ولذلك ذكر الشهرستاني -وهو من أخبر الناس بالملل والنحل والمقالات- في (نهاية الإقدام) أن القول بحدوث حروف القرآن قول محدث وأن مذهب سلف الأمة نفي الخلق عنها، وهو من أعيان الطائفة القائلة بحدوثها.
ونص كلامه في نهاية الإقدام “قالت السلف والحنابلة: قد تقرر الاتفاق على أن ما بين الدفتين كلام الله وأن ما نقرؤه ونسمعه ونكتبه عين كلام الله، فيجب أن تكون الكلمات والحروف هي بعينها كلام الله، ولما تقرر الاتفاق على أن كلام الله غير مخلوق، فيجب أن تكون الكلمات أزلية غير مخلوقة، ولقد كان الأمر في أول الزمان على قولين:
أحدهما: القدم.
والثاني: الحدوث.
والقولان مقصوران على الكلمات المكتوبة والآيات المقروءة بالألسن، فصار =
الآن إلى قول ثالث، وهو حدوث الحروف والكلمات، وقدم الكلام والأمر الَّذي تدل عليه العبارات. .
فكانت السلف على إثبات القدم والأزلية لهذه الكلمات، دون التعرض لصفة أخرى وراءها.
وكانت المعتزلة على إثبات الحدوث والخلقية لهذه الحروف والأصوات، دون التعرض لأمر وراءها.
فأبدع الأشعري قولًا ثالثًا، وقضى بحدوث الحروف، وهو خرق الإجماع، وحكم بأن ما نقرؤه كلام الله مجازًا لا حقيقة، وهو عين الابتداع”.
وقال الرازي عن الكلام النفسي
كما في كتابه “محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين” ص: 174: “. . وأما المعنى الَّذي يقول أصحابنا فهو غير مجمع عليه، بل لم يقل به أحد إلا أصحابنا”.
وقال الإيجي في المواقف (3|129) : إذا عرفت هذا فاعلم أن ما يقوله المعتزلة , وهو خلق الأصوات والحروف وكونها حادثة قائمة ؛ فنحن نقول به , ولا نزاع بيننا وبينهم في ذلك .
وما نقوله من كلام النفس فهم ينكرون ثبوته .. .
المسألة الخامسة : كلامه على الأحاديث التي فيها إثبات كلام الله
قال ص (336) : ولكن ما جاء يعني من الأحاديث من أن الله متكلم ويكلم عباده وينادي بصوت .
قال : ما جاء منها وفيه نسبة الصوت إليه تعالى إما أن يكون معناه إن الله يبعث ملكا ينادي بصوته وينسب إلى الله لأنه أمر به أو أن الله يخلق صوتا وحرفا يعبر به عن كلامه الأزلي ولكن لا يجوز القول إن هذا الصوت وقيامه بالذات قد جاءت به الأحاديث أنه قائم بذات الله فهذا كذب على الله ورسوله .
الجواب : أي قيمة لكلام الله وكلام الرسول عند هؤلاء , فمن السهل بمكان تأويل الحديث أو رده أو تكذيبه لأنه لم يوافق عقولهم فلا تستغرب بعد ذلك قول الرازي : نصوص الكتاب والسنة ظنية الدلالة، ولا تفيد اليقين إلا إذا سلمت من عشرة عوارض.
منها: الإضمار والتخصيص والنقل والاشتراك والمجاز … إلخ، وسلمت بعد هذا من المعارض العقلي، بل قالوا: من احتمال المعارض العقلي! .
المسألة السادسة : زعمه أن ابن تيمية يقول إن الكلام أثر من آثار القدرة والإرادة
قال فودة ص (309) : والكلام عنده صفة فعل أي صفة فعل ناتجة عن القدرة والإرادة
وقال ص (310) :ابن تيمية لا يفهم الكلام إلا إذا كان حرفا وصوتا ولا يفهم الحرف والصوت إلا إذا كانا حادثين ولا يفهم الحوادث إلا أن تكون مستندة إلى قدرته وإرادته .
وقال ص (326) : وكلام الله من متعلقات القدرة أي حادثة بقدرة الله وكل ما هو حادث بقدرة الله فهو مخلوق .
وهذا من خلطه وجهله بكلام شيخ الإسلام ؛ فالأشاعرة هم الذين يقولون الكلام أثر القدرة والإرادة فالتخليق والترزيق والكلام أثر القدرة أما كلام شيخ الإسلام فهو يريد أن الكلام حقيقي ليس هو أثر قدرة الله وإنما المقصود أنه الله قادر على الكلام في كل وقت لا كما يقول الأشاعرة أنه كان غير قادر حتى كلام فانقلب من الامتناع إلى الإمكان .
قال شيخ الإسلام ” ” الْكُلَّابِيَة ” يَقُولُونَ: هُوَ مُتَّصِفٌ بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا قُدْرَةٌ وَلَا تَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ؛ فَأَمَّا مَا يَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ فَإِنَّهُ حَادِثٌ وَالرَّبُّ – تَعَالَى – لَا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ. وَيُسَمُّونَ ” الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةَ ” بِمَسْأَلَةِ ” حُلُولِ الْحَوَادِثِ “.
وقال : وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُ الصِّفَاتِ وَيَقُولُ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ شَيْءٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ فَيَقُولُ: إنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَيَقُولُ: لَا يَرْضَى وَيَسْخَطُ وَيُحِبُّ وَيُبْغِضُ وَيَخْتَارُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَيَقُولُ: إنَّهُ لَا يَفْعَلُ فِعْلًا ” هُوَ الْخَلْقُ ” يَخْلُقُ بِهِ الْمَخْلُوقَ وَلَا يَقْدِرُ عِنْدَهُ عَلَى فِعْلٍ يَقُومُ بِذَاتِهِ بَلْ مَقْدُورُهُ لَا يَكُونُ إلَّا مُنْفَصِلًا مِنْهُ .
وقال : وَ (الْمَقْصُودُ أَنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا شَاءَ وَيَقُولُونَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ حَوَادِثَ لَا تَتَنَاهَى وَذَلِكَ مُحَالٌ فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ صَارَ الْفِعْلُ مُمْكِنًا لَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ إنَّهُ صَارَ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا.
وقال : فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَمَّا اعْتَقَدُوا (1) أَنَّ الرَّبَّ فِي الْأَزَلِ كَانَ يَمْتَنِعُ مِنْهُ الْفِعْلُ وَالْكَلَامُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ – وَكَانَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا فِي الْأَزَلِ عَلَى الْكَلَامِ وَالْفِعْلِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا لِنَفْسِهِ، وَالْمُمْتَنِعُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمَقْدُورِ ..
المسألة السابعة : زعمه أن المراد بجنس الكلام أمرا ذهنا وأمرا اعتبارا ليس له حقيقة خارج الذهن .
قال فودة (322) من كاشفه :دعواه أن الفرق بين النوع والفرد مما قرره القرآن فهذه إحدى دعاويه العارية عن الحقيقة وإلا فإن الناس لا يعلمون النوع إلا تجريدا ذهنيا وأمرا اعتباريا ليس موجودا بذاته في الخارج بل العجب منه خاصة لأنه من أكثر الناس تشنيعا على من قال من الفلاسفة بوجود الأنواع والأمور الكلية في الخارج .
الجواب :هذا الذي يدعي التخصص في الفلسفة يخلط في مسائلها , فالكلام الذي أنكره شيخ الإسلام على الفلاسفة أنهم يثبتون المطلق بشرط الإطلاق -العاري عن أي قيد– والذي لا حقيقة له في الخارج بل وجوده ذهنيا .
قال شيخ الإسلام : فمتى جوز الإنسان أن يكون هذا المطلق ثابتا في الخارج بشرط الإطلاق بحيث يكون وجود ذلك الوجود لا قائم بنفسه ولا قائم بغيره ولا قديم ولا محدث ولا واجب ولا ممكن ولا خالق ولا مخلوق ولا واحد ولا متعدد ولا جوهر ولا عرض ولا صفة ولا موصوف ولا ثابت ولا منتفي كان هذا مع ما فيه من مكابرة العقل وجحد الضروريات ..
ثانيا : بين شيخ الإسلام المراد بجنس الكلام أو نوع الكلام:
بمعنى تعاقب شيئا بعد شيء .
قال رحمه الله : ويراد بالقديم الشيء الذي يكون شيئا بعد شيء فنوعه المتوالي قديم- أي نوعه وجنسه – وليس شيء منه بعينه قديما ولا مجموعه قديم ولكن هو في نفسه قديم بهذا الاعتبار فالتأثير الدائم الذي يكون شيئا بعد شيء وهو من لوازم ذاته هو قديم النوع وليس شيء من أعيانه قديما فليس شيء من أعيان الآثار قديما لا الفلك ولا غيره ولا ما يسمى عقولا ولا نفوسا ولا غير ذلك .انتهى.
وهو على هذا الاعتبار ليس شيئا ذهنيا أي نوع الكلام كالمطلق بشرط الإطلاق الذي ذكره الفلاسفة وادعاه المعترض ليس له حقيقة في الخارج بل يصدق على أفراد وآحاد متحققة في الخارج .
وقال رحمه الله : لِأَنَّ الدَّوَامَ تَعَاقُبُ الْأَفْرَادِ، وَهَذَا أَمْرٌ يَخْتَصُّ بِهِ الْمَجْمُوعُ، لَا يُوصَفُ بِهِ الْوَاحِدُ .
ثالثا : عند المناطقة إن من الكليات ما يكون ذهنيا ولكن يصدق على أفراد وآحاد في الخارج
قال رحمه الله : أما المطلق لا بشرط فهو الذي يصدق على الأعيان وهو الذي يسمى الكلي الطبيعي .. فهذا يوجد في الخارج معينا مقيدا ومن ظن أنه يوجد كليا في الخارج فقد غلط – يقصد كلفظ – وإنما يوجد في الخارج جزئيا معينا فهو كلي في الذهن وأما في الخارج فلا يوجد إلا جزئيا وسمي كليا كما يسمى الاسم عاما والمعنى الذي في النفس عاما لشموله الأفراد الثابتة في الخارج لا لأنه في حال وجوده في الخارج يكون عاما أو مطلقا فإن هذا ممتنع فليس في الخارج إلا ما له حقيقة تخصه لا عموم فيها ولا إطلاق والمنطقيون يقولون الكلي سواء كان جنسا أو فصلا أو نوعا أو خاصة أو عرضا عاما له ثلاثة اعتبارات طبيعي ومنطقي وعقلي فالطبيعي هو المطلق لا بشرط.. والتحقيق أنه ليس لها وجود في الخارج منفصل عن وجود الأعيان .
الصفدية
رابعا : إن الأشاعرة قالوا إن جنس الكلام حادث وليس قديم وهذه نقطة الخلاف فهم يقولون إن الله صار قادرا على الكلام بعد أن لم يكن قادرا.
قال شيخ الإسلام : كالكلام عند من يقول: إنه حادث الجنس فإنه يقول: إن الله صار متكلماً بعد أن لم يكن متكلماً، فيكون جنس الكلام محدثاً .
ومن العجب أن ذلك ما قرره سعيد فودة فقال ص (313) من كاشفه : كل حرف وصوت فلا بد أن يكون حادثا لأن له أولا ونهاية ويدعي ويهرب من أن يكون الله متصف بصفة حادثة الجنس فقد قال هنا بأن الكلام القديم بجنسه ونوعه وإن سلم بحدوث أفراده .
فتامل فهو بين أمرين إما أنه وقع فيما ادعاه في قول ابن تيمية فيكون قد جعل جنس الكلام اعتباريا وإما أنه يقصد حدوث نوع الكلام الذي يصدق على آحاد في الخارج فيكون قد ناقض نفسه وهو الذي استدرك على شيخ الإسلام ذلك .
المسألة العاشرة : قال في تسجيل وقد سئل عن قوله تعالى : وكلم الله موسى تكليما .
: هو الله سبحانه وتعالى قال: وكلم الله موسى تكليما . المسألة هنا أنه صار هناك كلام بين الله تعالى وبين موسى … الماتريدية الأحناف قالوا : الله سبحانه وتعالى خلق صوتا دل به سيدنا موسى على كلامه بهذا فهم موسى عليه السلام كلام الله بهذه الطريقة ..فقال له السائل : لكن مش كلم موسى عليه السلام فقال فودة : خلقه ما هو بمعنى كلمه بصوت يعني خلق له صوتا مش أنه أقام صوتا في نفسه خلق صوتا دله على كلامه كما أنه خلق القرآن وأنزله إلى سيدنا محمد ليدلنا على كلامه النفسي .
هذا القرآن حادث مخلوق موجود في اللوح المحفوظ أحدثه الله بعد أن لم يكن ليش لنستدل بهذا القرآن على كلام الله سبحانه وتعالى .. إذن غاية الأمر أن الماتريدية قالوا إن الله سبحانه خلق صوتا وحرفا مش في ذاته مش قائمة بذاته خلقها في مكان في هذه المخلوقات نفسها .. في نفس المخلوقات هذه الأصوات التي خلقها الله سبحانه وتعالى دلت سيدنا موسى على بعض مدلولا كلامه القائم بذاته .
ثم قال : الإمام الأشعري قال : ليس بهذه الكيفية بل إنما فهمه إياه بخلق مباشر فيه . بلا توقف خلق كلام صوت وحرف كيف ؟ يعني لم يخلق لم يفهم موسى عليه السلام كلام الله بتوقف سماعه للحرف والصوت بل إن الله خلق فيه فهما لكلامه بأن خلق فيه ادراك هذا الفهم مباشرة في نفسه يعني كيف أن الله سبحانه يخلق فيك مثلا رؤيا في المنام وأنت غير فاتح للعينين خلقها خلقا مباشرا .. مثل الإلهام فالإمام الأشعري قال بل الله سبحانه وتعالى خلق إدراكا خلق فهما , إدراك معين في نفس موسى عليه السلام فهم موسى مراد الله أو كلامه بلا توقف سماع حرف وصوت بلا توقف خلق وسماع حرف وصوت هذا هو غاية الخلاف بين الماتريدية والأشاعرة .انتهى
الجواب 1– تأمل تصريحه : خلقه ما هو بمعنى كلمه بصوت يعني خلق له صوتا مش أنه أقام صوتا في نفسه خلق صوتا دله على كلامه كما أنه خلق القرآن وأنزله إلى سيدنا محمد ليدلنا على كلامه النفسي .
لتعرف أنه لا فرق بين قولهم وقول المعتزلة في كلام الله .
- تأمل تصريحه بأن الله اتصف بهذه الصفة بعد أن لم يكن : هذا القرآن حادث مخلوق موجود في اللوح المحفوظ أحدثه الله بعد أن لم يكن ليش لنستدل بهذا القرآن على كلام الله سبحانه وتعالى.
- 3- قوله : ليس بهذه الكيفية بل إنما فهمه إياه بخلق مباشر فيه . بلا توقف خلق كلام صوت وحرف كيف ؟ يعني لم يخلق لم يفهم موسى عليه السلام كلام الله بتوقف سماعه للحرف والصوت
قلت : لا شك أن القائل بالحرف والصوت أقرب إلى المعقول من القول بخلق الإدراك لأن الحرف والصوت تعبير القرآن والسنة .
- بل إن الله خلق فيه فهما لكلامه بأن خلق فيه ادراك هذا الفهم مباشرة في نفسه يعني كيف أن الله سبحانه يخلق فيك مثلا رؤيا في المنام وأنت غير فاتح للعينين خلقها خلقا مباشرا .. مثل الإلهام فالإمام الأشعري قال بل الله سبحانه وتعالى خلق إدراكا خلق فهما , إدراك معين في نفس موسى عليه السلام فهم موسى مراد الله أو كلامه بلا توقف سماع حرف وصوت بلا توقف خلق وسماع حرف وصوت .
قلت : أولا – القولان متغايران فالماتريدية قالوا يخلق صوتا أو كلاما بحرف وصوت يعبر عن المعنى القائم بذات الله وهذا الذي رجحه فودة في كاشفه والثاني : يخلق إدراكا في نفس موسى أي فهما للمعنى القائم بذات الله , وهما قولان مختلفان فهذه من المسائل التي التي اختلف فيها الماتريدي والأشعري .
ثانيا – اختياره مرة لقول الماتريدي كما رجحه في الكاشف ومرة لقول الأشعري دليل على اضطرابه وتذبذبه في هذه المسألة .
ثالثا : يلزم أَنْ يَكُونَ تَكْلِيمُ اللَّهِ …َلِوسَى وَلِخَلْقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ إِلَّا مُجَرَّدَ خَلْقِ إِدْرَاكٍ لَهُمْ لَمَّا كَانَ أَزَلِيًّا لَمْ يَزَلْ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ النُّصُوصَ دَلَّتْ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ، وَلَا نَقُولُ إِنَّهُ صَارَ مُتَكَلِّمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا، فَإِنَّ هَذَا وَصْفٌ لَهُ بِالْكَمَالِ بَعْدَ النَّقْصِ، وَأَنَّهُ صَارَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ الَّتِي كَمُلَ بِهَا بَعْدَ نَقْصِهِ. ثُمَّ حُدُوثُ ذَلِكَ الْكَمَالِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ، [وَالْقَوْلُ فِي الثَّانِي كَالْقَوْلِ فِي الْأَوَّلِ فَفِيهِ تَجَدُّدُ (* كَمَالٍ بِلَا سَبَبٍ] ، وَوَصْفٌ لَهُ بِالنَّقْصِ الدَّائِمِ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى أَنَّ تَجَدَّدَ لَهُ مَا لَا سَبَبَ لِتَجَدُّدِهِ ، وَفِي ذَلِكَ تَعْطِيلٌ لَهُ عَنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ.
رابعا : قال شيخ الإسلام : وهؤلاء يقولون تكليمه لموسى ليس إلا خلق إدراك يفهم به موسى ذلك المعنى، فقيل لهم: أفهم كل الكلام أم بعضه؟ إن كان فهمه كله فقد علم علم الله، وإن كان فهم بعضه فقد تبعض، وعندهم كلام الله لا يتبعض ولا يتعدد.
خامسا : الله تعالى فرق بين إيحائه وتكليمه كما في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} (الشورى: من الآية51) ، وغيرها، وكذا تكليم عباده يوم القيامة، وغير ذلك من النصوص، وكلها تدل على تجدد تكليم من جهته تعالى .
وقال في تسجيل آخر : فالكلام أعم من أن يكون حرفا وصوتا أعم من أن يكون فعلا أعم من أن يكون حركة بالعين أو بالوجه أو بغير ذلك أعم من أن يكون رمزا أو خطا بل هو دال على كل ما يدل على المعنى القائم بالنفس إذن حقيقة الكلام كما قال كثير من الأشاعرة هو المعنى القائم بالنفس وكل ما سواه مما يدل عليه فيطلق عليه الكلام مجازا هكذا صارت حقيقة المعاني زيد يتكلم في نفسه وإن لم ينطق يتكلم في نفسه, الأخرس هل تستطيع أن تقول لا يتكلم .. فكأن السائل قال لا يتكلم فقال له : حرام عليك الأخرس يتكلم يتكلم الأخرس يتكلم ولكن لا ينطق هو يتكلم مع نفسه الطفل قبل أن يخاطب أباه وأمه بأول كلمه يحكيها فيه عنده كلام نفساني ولكن لا يستطيع التعبير عنه لا يستطيع التعبير , يعني دلالتك لا يستطيع أن يدلك على ما يقوم في نفسه من معان إلا بعد أن يتقن إصدار الحروف والأصوات على النمط المعتاد بين الناس , ..الكلام النفساني – يتطور أو يتصور – عنده بحسب تطور علمه بحسب تطور استحضاره للأشياء ثم بعد ذلك يصير عنده كلام بحرف وصوت .
الجواب :
أولا : قوله : فالكلام أعم من أن يكون حرفا وصوتا أعم من أن يكون فعلا أعم من أن يكون حركة بالعين أو بالوجه أو بغير ذلك أعم من أن يكون رمزا أو خطا بل هو دال على كل ما يدل على المعنى القائم بالنفس .
قلت : وهذا كما تقدم خالفوا فيه جميع الطوائف بل ولغة العرب فالكلام في لغة العرب : هو اللفظ المركب .. كما قال ابن مالك وغيره كلامنا لفظ مفيد كاستقم .
أن كبار الأشاعرة اعترفوا بمخالفة الأشعري لجميع الطوائف في هذه المسألة
ثانيا : زعمه أن الأخرس يتكلم وحتى لما رد عليه السائل بفطرته أنه لا يتكلم قال له حرام عليك يتكلم .
ثالثا :اعترافه أن كل ما يعبر عنه عما في النفس من حركة أو رمز أو إشارة أو خط يسمى كلام من باب المجاز وليس الحقيقة .
ثالثا :تأمل تشبيه الله بالطفل الصغير الذي لا يحسن الكلام فيعبر عن نفسه لواديه بالحركة لأنه لا يستطيع النطق ثم يصير قادرا على الكلام .
فهو يشبه الكلام النفسي لله بحال هذا الطفل الصغير الذي لا يقدر على التعبير حتى يتعلم الكلام , تأمل قوله : الطفل قبل أن يخاطب أباه وأمه بأول كلمه يحكيها فيه عنده كلام نفساني ولكن لا يستطيع التعبير عنه لا يستطيع التعبير , يعني دلالتك لا يستطيع أن يدلك على ما يقوم في نفسه من معان إلا بعد أن يتقن إصدار الحروف والأصوات على النمط المعتاد بين الناس , ..الكلام النفساني – يتطور أو يتصور – عنده بحسب تطور علمه بحسب تطور استحضاره للأشياء ثم بعد ذلك يصير عنده كلام بحرف وصوت .
ومعلوم أن حال الطفل بعد تكلمه وتعبيره بالكلام أكمل من تعبيره بالإشارة أو البكاء فيكون الله حاله كحال هذا الطفل في أنقص حالتيه حين لا يستطيع التعبير عن نفسه إلا بالإشارة أو البكاء .
وتأمل اعترافه أن الكلام تبع للعلم : الكلام النفساني – يتطور أو يتصور – عنده بحسب تطور علمه بحسب تطور استحضاره للأشياء ثم بعد ذلك يصير عنده كلام بحرف وصوت .
وهذا مقتضى كلام أهل السنة أن كلام الله من علمه .
مسألة تسلسل الحوادث والقدم النوعي وقدم العالم – الشيخ عبد الباسط الغريب
مسألة تسلسل الحوادث والقدم النوعي وقدم العالم
أولا : قال سعيد فودة في كاشفه (89) : وقد يفهم من كلمات لابن تيمية في بعض ا لمواضع أن كل ما هو موجود الآن ؛ فإنه مخلوق في شيء قبله , وهذا الشيء مخلوق ومنه كل شيء .
وهذا القول قريب من قول الفلاسفة بقدم مادة العالم وحدوث صورتها , والقول بقدم العالم بالنوع هو عين القول بقدم نوع المفاعيل والآثار لا يوجد فرق بينهما , وكل منهما بينه ابن تيمية على كون الله تعالى خالقاً منذ الأزل , ومعنى كونه خالقاً عنده لا يحتمل إلا أنه لم يزل يوجد مخلوق , وقبله مخلوق وهكذا لا إلى بداية ؛ فهو مبني على قدم نوع صفات الله تعالى , وسنتحدث عن هذه المسألة في فصل خاص , ومبني أيضاً على القول بأن الله تحل فيه الحوادث المتعاقبة منذ الأزل إلى الأبد ؛ فإذن هذه الأصول هي أساسية عند ابن تيمية , وهو يقول بها جميعاً ليتم له إثبات ما يريد إثباته – كذا قال –
وللجواب عليه أقول مستعينا بالله :
أولا : هذه مسألة من المسائل التي أكثر المخالفون لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من التكلم فيه بسببها وتم خلط مسألتين فيها إحادها حق والأخرى باطلة وإنما يؤتى الرجل كما قال بعض السلف من سوء فهمه أو سوء قصده أو كليهما ؛ كما فعل هذا المعترض.
ولتوضيح هذه المسألة نقول :
- عقيدة أهل السنة المتفق عليها بين أهل السنة أن الله هو الأول الذي ليس قبله شئ وهو الآخر الذي ليس بعده شئ , وعندما قرر أهل السنة ذلك قرروا أن هذه الأولية لله تعالى هي بأسمائه وصفاته وأفعاله ؛ إذ لا يتصور الله سبحانه مجردا عن أسمائه وصفاته وأفعاله كما ذهب إلى ذلك الفلاسفة ومن تبعهم من أهل الكلام .
- ولتوضيح ذلك نقول : لما يقول أهل السنة عن الله ؛ الأول الذي ليس قبله شئ ؛ يعنون :أي بصفاته وأفعاله .
فهو مثلا : أولا بصفة الخلق والرزق والكلام والإحياء والإماتة وهكذا .. فلا يتصور الله بدون صقاته .
- من أدلة أهل السنة والجماعة على إثبات أزلية الأفعال ودوام الفاعلية لله سبحانه وتعالى أن الله متصف بالحياة ؛ والحياة من لوازمها الفعل ؛ فكل حي فعال كما ذكر أهل السنة والجماعة , وقد استدل أهل السنة بهذا الدليل أن كل حي فعال ؛ وأن من لوازم الحياة الفعل .
قال الإمام البخاري : «وَلَقَدْ بَيَّنَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ أَنَّ كَلَامَ الرَّبِّ لَيْسَ بِخَلْقٍ، وَأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَعْرِفُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ إِلَّا بِالْفِعْلِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ فِعْلٌ فَهُوَ حَيٌّ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلٌ فَهُوَ مَيِّتٌ .
خلق أفعال العباد (85)
وقال الإمام الدارمي : لِأَنَّ أَمَارَةُ مَا بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ التَّحَرُّكَ.
كُلُّ حَيٍّ مُتَحَرِّكٌ لَا مَحَالَةَ. وَكُلُّ مَيِّتٍ غَيْرُ مُتَحَرِّكٍ لَا مَحَالَةَ.
نقض الدارمي (1|215).
- وهنا برزت نقطة الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة فالأشاعرة فرقوا بين الصفات الذاتية والفعلية فقالوا في الصفات الفعلية أن الله اتصف بها بعد أن لم يكن متصفا بها !
فقد عنون الجويني في كتابه الشامل عنوانا(305) :فصل القديم غير خالق في أزله بالخالقية . انتهى وهو بذلك يقرر مذهب الأشاعرة
- والسبب في ذلك أي أنهم قالوا أن الله اتصف بصفات الأفعال كالخلق والكلام والرزق بعد أن لم يكن متصفا بها؛ فرارا وهروبا من القول بحوادث لا أول لها , فقالوا لو كان الله متصفا منذ الأزل بصفة الخلق لزم وجود مخلوقات منذ الأزل ولو اتصف بصفة الرزق لزم وجود مرزقات منذ الأزل وهكذا بقية الصفات وهو المعبر عنها بحوادث لا أول لها .
- ح- وهنا قامت عليهم الشناعات بسبب هذه المسألة فاتصاف الله بصفاته بعد أن لم يكن متصفا بها يلزم أنها كانت في حقه سبحانه ممتنعة ثم صارت ممكنة , وهذا التحول من الامتناع إلى الجواز يلزمه سبب لذلك سيما الأوقات في حقه متساوية وترجيح هذا الوقت على هذا الوقت يحتاج إلى مرجح كما هي المسألة المعروفة في علم الكلام .
قال شيخ الإسلام : وهذا قول أكثر المعتزلة والأشعرية وغيرهم ؛ يقرون بالصانع المحدث من غير تجدد سبب حادث ولهذا قامت عليهم الشناعات في هذا الموضع ، وقال لهم الناس : هذا ينقض الأصل الذي أثبتم به الصانع ؛ وهو أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح ؛ فإذا كانت الأوقات متماثلة ، والفاعل على حال واحدة لم يتجدد فيه شيء أزلاً وأبداً ثم اختص أحد الأوقات بالحدوث فيه ، كان ذلك ترجيحاً بلا مرجح .
درء التعارض (4|153)
- وهنا نقطة الخلاف الثانية وهي ما دام أن الله متصف بصفاته منذ الأزل مثل الخلق والرزق والكلام , هل يلزم وجود أثر هذه الصفات ؟ يعني صفة الخلق أثرها المخلوق وصفة الرزق أثرها المرزوق وهكذا يعني هل يلزم وجود مخلوقات منذ الأزل ووجود مرزوقات منذ الأزل , وهنا قرر أهل السنة وقالوا : بالجواز . وأضع تحت هذه الكلمة خط لما سيأتي بيانه .
- وبهذا التقديم تتوضح مسألتان :
- القدم النوعي أو التسلسل في الأفعال وهو المعبر عنه عند أهل السنة بدوام فاعلية الله , وأن الله بأفعاله وصفاته الأول الذي ليس قبله شئ .
- 2- حوادث لا أول لها وهو المعبر عنها في علم الكلام التسلسل في الآثار أو التسلسل في المفاعيل أو المفعولات والتي هي أثر صفات الله ؛ فالمخلوق أثر الخلق والمرزوق أثر الرزق وهكذا .
ثانيا : نأتي لتوضيح مسألة قدم العالم والتي شغب عليها المعترض وحاول إلصاقها بشيخ الإسلام ابن تيمية بإلزاماته الباطلة ؛ فأقول مستعينا بالله :
- كان الناس في مسألة خلق العالم قبل ابن سينا على قسمين :
- : الذين يقولون بقدم العالم , وأنه لاخالق لهذا الكون , وهم الدهريون والمشركون , واشتهر هذا الكلام عن فلاسفة اليونان الذين قالوا بنظرية العقول وأن كل عقل انبثق عن الآخر والعقول هي الكواكب , وأن هذا الكون أوجد نفسه بنفسه وهو قديم لا أول له , وهو المعبر عنه بعلم الكلام بالتسلسل في المؤثرين أو العلل كأنهم تصوروا أن كل علة ينبثق عنها علة , يعني كل إله ينبثق عنه إله .
وكل كوكب انبثق عنه كوكب والكواكب هي الآلة في نظرهم وهذا كما هو بين لم يذهب إليه أحد من أهل الإسلام إلا من ينكر الرب سبحانه وتعالى !؟ وهذا كلام نضع تحته خط
- : الذين يقولون بإثبات الخالق , وأن هذا الكون مخلوق لله .
وهذا واضح بين وهم أهل الأديان .
أقول : كان هذا المعروف في هذه المسألة ؛ فأحدث ابن سينا وقوم من متأخري الفلاسفة قولاً ثالثاً , وحاول أن يجمعوا بين القولين ؛ قول أهل الإسلام وقول ملاحدة اليونان فقالوا :إن العالم موجب بالذات أي لازم لذات الله لا ينفك عنه , وقالوا عن أولية الله هي أولية رتبة ومنزلة ليست أولية حقيقية , فقالوا هذا الكون ملازم لذات الله لا ينفك عنه واصطلحوا على تسميته موجب بالذات أو معلول بالذات وقالوا يجب أن يكون هناك مخلوقات ملازمة لذات الله منذ الأزل لا تنفك عنه ولا يتقدم عليها في الحقيقة إلا بالرتبة والمنزلة . وأضع كلمة يجب خط .
- فصار بعد ذلك القول بقدم العالم يتضمن قولين :
- قدم الله وهو قول ملاحدة اليونان الذين قالوا بقدم العالم وأنه لا أول له وأنه لم ينبثق عن إله .
- 2- والثاني قول ابن سينا أن هذا الكون منبثق عن الآله ولكنه موجب بالذات لا ينفك عن الله ولا يتقدم الرب عنه إلا بالرتبة والمنزلة ولا أولية لله سبحانه حقيقية عليه.!
وهنا مكمن المسألة وسرها والخلط فيها والتلبيس والتدليس كما حاول هذا المعترض أن يوهم أن شيخ الإسلام يقول بهذا القول .
- وهنا نقطة الخلاف فمسألة حوادث لا أول لها تختلف عن مسألة قدم العالم التي قال بها ابن سينا من وجهين :
- 1- أن من قال بحوادث لا أول لها قال بالجواز ولم يقل بالوجوب وأن هذا تابع لمشيئته واختياره يفعل ما يشاء كما قال تعالى : فعال لما يريد , ولم يقل بوجوب حوادث لا أول لها .
- أن أولية الله هي أولية حقيقية وليست بالرتبة أو المنزلة كما ذهب إليه ابن سينا وهذا قرره شيخ الإسلام في عشرات المواضع .
قال رحمه الله : وبهذا التحرير يزول الإشكال في هذه المسألة ؛ فإن الموجب بذاته إذا كان أزلياً يقارنه موجبه فلو كان الرب تعالى موجباً بذاته للعالم في الأزل لكان كل ما في العالم مقارناً له في الأزل , وذلك ممتنع بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فكل ما شاء الله وجوده من العالم ؛ فإنه يجب وجوده بقدرته ومشيئته , وما لم يشأ يمتنع وجوده إذ لا يكون شيء إلا بقدرته ومشيئته وهذا يقتضي وجوب وجود ما شاء تعالى وجوده …
فالموجب بالذات إذا فسر بما يقتضى قدم شيء من العالم مع الله أو فسر بما يقتضي سلب صفات الكمال عن الله فهو باطل , وإن فسر بما يقتضى أنه ما شاء كان , وما لم يشأ لم يكن فهو حق ؛ فإن ما شاء وجوده فقد وجب وجوده بقدرته ومشيئته لكن لا يقتضي هذا أنه شاء شيئا من المخلوقات بعينه في الأزل بل مشيئته لشيء معين في الأزل ممتنع لوجوه متعددة .
منهاج السنة النبوية ” (1|166)
ثالثا : على إثر ذلك قسم أهل السنة التسلسل إلى ثلاثة أقسام :
- التسلسل الممتنع .
قال ابن أبي العز رحمه الله : وهو ينقسم إلى واجب وممتنع وممكن ؛ فالتسلسل في المؤثرين محال ممتنع لذاته وهو أن يكون مؤثرون كل واحد منهم استفاد تأثيره مما قبله لا إلى غاية .
“شرح الطحاوية”( 130)
وهو يسمى أيضا التسلسل في العلل كما قدمنا وهو قول ملاحدة اليونان الذين ظنوا أن هذا الكون انبثق عن الكواكب والكواكب هي الآله القديمة التي لا أول لها .
- التسلسل الواجب : ما دل عليه العقل والشرع من دوام أفعال الرب تعالى في الأبد , وأنه كلما انقضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيماً آخر لا نفاد له , وكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه من طرف الأزل , وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر فهذا واجب في كلامه ؛ فإنه لم يزل متكلماً إذا شاء , ولم تحدث له صفة الكلام في وقت , وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته ؛ فإن كل حي فعال , والفرق بين الحي والميت الفعل .
ولهذا قال غير واحد من السلف : الحي الفعال .
وقال عثمان بن سعيد : كل حي فعال , ولم يكن ربنا تعالى قط في وقت من الأوقات معطلاً عن كماله من الكلام والإرادة والفعل .
“شرح الطحاوية “(130)
وهو المسمى بقدم النوعي للصفات أو التسلسل في الأفعال
فالأشاعرة – كما قدمنا – ينكرون أن الله يتكلم بقدرته ومشيئته , ويمتنع عندهم أنه كان قادرا على الخلق حتى خلق وعلى الإحياء حتى أحيا ؛ فكان معطلاً لا يفعل شيئا ولا يتكلم بشيء بل هو وحده موجود بلا كلام ولا فعل يفعله ثم أحدث ما أحدث من كلامه ومفعولاته.
وقال ابن أبي العز :والمقصود أن الذي دل عليه الشرع والعقل أن كل ما سوى الله تعالى محدث كائن بعد أن لم يكن ؛ أما كون الرب تعالى لم يزل معطلاً عن الفعل ثم فعل؛ فليس في الشرع , ولا في العقل ما يثبته بل كلاهما يدل على نقيضه .
“شرح الطحاوية ” (131)
ولذلك قرر الإمام الطحاوي في عقيدته الرد على أولئك الجهمية وأضرابهم
بقوله :” ليس بعد الخلق استفاد اسم الخالق , ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري له معنى الربوبية ولا مربوب , ومعنى الخالق ولا مخلوق , وكما أنه محي الموتى بعد ما أحيا استحق هذا الاسم قبل أحيائهم كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم.
- : التسلسل الممكن: وهو التسلسل في مفعولاته وآثار صفاته من هذا الطرف كما تتسلسل في طرف الأبد ؛ فإذا لم يزل حياً قادراً مريداً متكلماً , وذلك من لوازم ذاته فالفعل ممكن له بموجب هذه الصفات له – أي يمكن أن يخلق وأن لا يخلق أن يتكلم , وأن لا يتكلم سبحانه فهو يفعل ما يشاء – وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل , ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه فإنه سبحانه متقدم على كل فرد من مخلوقاته تقدما لا أول له ؛ فلكل مخلوق أول , والخالق سبحانه لا أول له ؛ فهو وحده الخالق , وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن . “شرح الطحاوية” ( 130) بتصرف يسير .
وهذا التسلسل الممكن هو الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو واضح بين , و فرق بين هذا القول , وبين قول الفلاسفة القائلين بقدم العالم وبحوادث لا أول لها موجبة بالذات _ أي ملازمة لذات الله لا تنفك عنه- .
ولذلك قال ابن أبي العز رحمه الله :
” ومن المعلوم بالفطرة أن كون المفعول مقارناً لفاعله لم يزل ولا يزال معه ممتنع محال , ولما كان تسلسل الحوادث في المستقبل لا يمنع أن يكون الرب سبحانه هو الآخر الذي ليس بعده شيء ؛ فكذا تسلسل الحوادث في الماضي لا يمنع أن يكون سبحانه هو الأول الذي ليس قبله شيء ؛ فالرب سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال يفعل ما يشاء ويتكلم إذا شاء قال تعالى :{ قال كذلك الله يفعل ما يشاء} وقال تعالى {ولكن الله يفعل ما يريد} وقال تعالى {ذو العرش المجيد فعال لما يريد} وقال تعالى : {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } وقال تعالى {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قيل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا}.
” شرح الطحاوية” (129)
رابعا : قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كثيرا في كتبه ورسائله أن الله كان ولم يكن شيء قبله , ولم يكن شيء معه سبحانه وتعالى , وأن هذا العالم حادث وكائن من العدم , وأن الله خلقه بعد أن كان معدوماً , ورد على الفلاسفة الذين جعلوا هذا العالم لازماً لذات الله أزلاً.
قال شيخ الإسلام رحمه الله ” والمقصود هنا التنبيه على أنه لا حجة لهم تدل على قدم شيء من العالم ….
“الصفدية “(2/138)
وقال شيخ الإمام ابن تيمية : .. وهذا مما يتبين به بطلان قولهم في قدم العالم , ويتبين أن كل ما سوى الله تعالى حادث بعد أن لم يكن ؛ فإن القديم المعلول لا يصدر إلا عن موجب بذاته أزلي الإيجاب وهو العلة التامة الأزلية التي تستلزم معلولها في الأزل .
فلو كان في العالم ما هو قديم لزم ثبوت العلة التامة الأزلية لكن ثبوت هذه ممتنع لأنه حينئذ يلزم ألا يكون للحوادث فاعل لا بوسط ولا بغير وسط لأن الحوادث لا تحدث عن علة تامة لها أزلية ؛ فكل ما سوى الله لا بد أن يقارن شيئا من الحوادث أو تحدث فيه الحوادث , وكل ما قارن شيئا من الحوادث أو حدثت فيه الحوادث يمتنع أن يصدر عن علة تامة أزلية إذ يمتنع صدوره دون الحوادث عن الفاعل لأنه لا بد للحوادث من الفاعل ؛ فإثبات قدم شيء من العالم يستلزم إثبات علة قديمة له .
وإثبات العلة القديمة توجب كون الحوادث لا فاعل لها سواء قيل إن تلك العلة القديمة صدر عنها ما قارنته الحوادث أو صدر عنها ما حدثت فيه الحوادث ؛ فإنه على التقديرين يلزم كون الحوادث لا فاعل لها لامتناع صدور الحوادث عن العلة التامة الأزلية , وإذا كان قدم شيء من العالم يستلزم إثبات العلة التامة القديمة , و إثبات ذلك يستلزم كون الحوادث لا فاعل لها .
وهذا اللازم باطل بالضرورة فالملزوم أيضاً باطل والملزوم قدم شيء من العالم ؛ فإذا كان الملزوم باطلا ؛ فنقيضه حق , وأنه ليس من العالم شيء قديم .
“الصفدية” (1/22)
وقال رحمه الله: ثم إنه من المعلوم بضرورة العقل أن لا بد في الوجود من موجود واجب بنفسه قديم أزلي محدث للحوادث ؛ فإذا كان هذا معلوما بالفطرة والضرورة والبراهين اليقينية , وكانت أصولهم التي عارضوا بها الرسول تناقض هذا دل على فسادهما جملة وتفصيلا .
مجموع الفتاوى (16/444)
وهذه النصوص تكفي المنصف لمن تدبرها وتأملها .
خامسا : القول بحوادث لا أول لها لا إشكال فيه بل هو مقتضى كمال الله تبارك وتعالى وكمال مشيئته واختياره , وهذا باعتراف كبار العلماء والمحققين وعلى رأسهم؛ أئمة أشعرية .
قال الشنقيطي رحمه الله في كتابه رحلة الحج إلى بيت الله الحرام (51)
: أما بالنظر إلى وجود حوادث لا أول لها يايجاد الله، فذلك لا محال فيه ولا يلزمه محذور لأنها موجودة بقدرة وإرادة من لا أول له جل وعلا. انتهى .
وتأمل قوله :بإيجاد الله لها لأنها تستند هذه الآثار إلى صفاته التي لا تنفك عنه .
وقال الأسنوي في شرح منهاج الوصول (2/103) : وأجاب في التحصيل – للأرموي – بجوابين وذكر الأول ثم قال : الثاني أن المحال من التسلسل إنما هو التسلل في المؤثرات والعلل وأما التسلسل في الآثار فلا نسلم أنه ممتنع …
قال الأصفهاني في شرح المحصول : وفيه نظر لأنه يلزم تجويز حوادث لا أول لها وهو باطل على رأينا .
قال العلامة ىمحمد بخيت المطيعي بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية في سلم الوصول لشرح نهاية السول (2/103) معلقا على ذلك :
قال الأسنوى ” :الثاني أن المحال من التسلسل إنما هو التسلسل في المؤثرات والعلل وأما التسلسل في الآثار فلا نسلم إلى آخره ” كلام جيد وأما قول الاصفهاني وفيه نظر لأنه يلزم منه تجويز حوادث لا أول لها وهو باطل على رأينا , فنقول: لا يلزم كونه باطلاً على رأيه أنه باطل في الواقع ونفس الأمر فإنه لغاية الآن لم يقم دليل على امتناع التسلسل في الآثار الموجودة في الخارج وان اشتهر أن التسلسل فيها محال ولزوم حوادث لا أول لها لا يضر العقيدة إلا إذا قلنا لا أول لها بمعنى لا أول لوجودها وهذا مما لم يقل به أحد بل الكل متفق على ان ما سوى الله تعالى مما كان أو يكون حادث أي موجود بعد العدم .
وكذلك أثير الدين الأبهري – من كبار الأشاعرة – في كتابه تحرير الدلائل في تقرير المسائل قائل بها كما نقل عنه شيخ الإسلام في درء التعارض(6/185) .
انظر دفع الشبه الغوية (38)
فتأمل : الأرموي يجوز والشيخ محمد المطيعي شيخ الأزهر في زمانه ينصر قوله والأبهري قائل به .
والدواني كذلك قوى القول بترجيح حوادث لا أول لها , ورجحه محمد عبده كذلك في حاشيته عليه .
انظر دفع الشبه الغوية (41-42)
وقال الشيخ محمد خليل هراس رحمه الله في شرحه للنونية لابن القيم :
انقسم الناس في تسلسل الحوادث والآثار إلى ثلاث طوائف :
فأهل السنة والجماعة ذهبوا إلى إمكانه في جانب الماضي والمستقبل بلا فارق .
وذهب الجهم وأبو الهذيل إلى القول بامتناعه في جانب الماضي والمستقبل جميعاً.
وذهب الأشاعرة إلى التفريق بين الماضي والمستقبل فذهبوا إلى جوازه في جانب المستقبل وبامتناعه في جانب الأزل وكانت شبهتهم في ذلك أن الدليل القطعي قد قام على حدوث العالم بجميع أجزائه .
والقول بتسلسل الحوادث في جانب الأزل بلا بداية معناه القول بقدم العالم ، والقدم والحدوث نقيضان لا يجتمعان لهذا منعوا دوام الفعل في الماضي لما يلزمه من قدم المفعول ، وأما دوام الفعل في المستقبل وتسلسه إلى غير نهاية ، فهذا لا محذور فيه ولا يقتضي الدليل إنكاره ، فالعقل يجيز أن يكون بعد كل حادث حادث دون انقطاع في جانب الأبد .انتهى
سادسا : قرر الإمام الرازي -وهو إمام من أئمة الأشاعرة- أن أكثر طوائف المسلمين يقولون بقيام الأفعال الاختيارية بالله , وإن كانوا ينكرونه باللسان.
قال شيخ الإسلام: فإن الرازي وإن قرر في كتبه الكلامية كـ الأربعين ونهاية العقول وغيرهما: امتناع حوادث لا أول لها، كما تقدم تقريره، واعتراض إخوانه عليه، فهو نفسه في كتب أخرى يقدح في هذه الأدلة، ويقرر وجوب دوام الفاعلية، وامتناع حدوث الحوادث بلا سبب، وامتناع حدوثها في غير زمان، ويجيب عن كل ما يحتج به في هذه الكتب، كما فعل ذلك في كتاب المباحث المشرقية وغيره .
درء التعارض (8/273)
قال الرازي : في المباحث المشرقية: : : اعلم أنا بينا أن واجب الوجود لذاته، كما أنه واجب الوجود لذاته، فهو واجب الوجود من جميع جهاته , وإذا كان كذلك، وجب أن تدوم أفعاله بدوامه .
المباحث المشرقية (2/515)
وقال أيضا: أما وقوع التغير في الإضافات فلا خلاص منه .
الأربعين في أصول الدين (118-119)
سابعا : هل يلزم من ذلك التكفير ؟
قال محمد عبدة في حاشيته على الدواني : واعلم أني وإن كنت برهنت على حدوث العالم، وحقّقت الحق فيه، على حسب ما أدّى إليه فكري ووقفني عليه نظري، فلا أقول بأن القائلين بالقدم قد كفروا بمذهبهم هذا، أو أنكروا به ضرورياً من الدين القويم. وإنما أقول أنهم قد أخطأوا في نظرهم، ولم يسددوا مقدمات أفكارهم. ومن المعلوم أن من سلك طريق الاجتهاد، ولم يعول على التقليد في الاعتقاد، ولم تجب عصمته، فهو معرض للخطأ، ولكن خطؤه عند الله، واقع موقع القبول، حيث كانت غايته من سيره، ومقصده من تمحيص نظره، أن يصل إلى الحق، ويدرك مستقر اليقين. وكل من اعتقد بالألوهية التامة ونزه الحق عن جميع النقائص واعتقد بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء مع علمه بأنه قد نقل فهو مؤمن ناج عدل رضي عند الله تعالى ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها وعلى المرء أن يسعى إلى الخير جهده فإياك أن تنهج نهج التعصب فتهلك . انتهى
فكيف إذا كان هو القول الحق والذي تدل عليه الأدلة النقلية والعقلية , والحمد لله أولا وآخرا .
الرّد على سعيد فودة في 6 مسائل في العقيدة – الشيخ عبد الباسط الغريب
الرد على سعيد فودة
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم :
المسألة الأولى : لفظة الاستقرار
قال المعارض سعيد فودة :أنا قلت لكم وأشرت لكم أن ابن تيمية قد أثبت الاستقرار والعلو على العرش وأثبتوا لاحظوا ما الذي أثبته ابن تيمية هذا ليس افتراء ليس كذبا على ابن تيمية …
أقول مستعينا بالله :
أولا : مسألة العلو والاستواء من المسائل التي اتفق عليها أهل السنة والجماعة وقد ورد في ذلك أدلة كثيرة في الكتاب والسنة على إثباتها ومن ذلك قوله تعالى : الرحمن على العرش استوى .
والاستواء فسره العلماء بأنه العلو والارتفاع كما جاء في صحيح البخاري قَالَ أَبُو العَالِيَةِ: {اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: 29]: «ارْتَفَعَ» ووَقَالَ مُجَاهِدٌ: {اسْتَوَى} [البقرة: 29]: «عَلاَ» {عَلَى العَرْشِ} في كتاب التوحيد باب وكان عرشه على الماء , وهذه الآثار وإن كانت معلقة فقد وصلها ابن حجر في تغليق التعليق (5/344-345)
وصفة العلو لا محذور في إثباتها فهي من الصفات الذاتية التي اتصف الله بها منذ الأزل وقد تنوعت الأدلة في إثباتها في الكتاب والسنة حتى تجاوزت قرابة الألف دليل كما ذكر شيخ الإسلام.
ثانيا : تفسير الاستواء بالاستقرار
- تفسير الاستواء بالاستقرار ورد عن ابن عباس رضي الله عنه ؛ فقد قال في قوله تعالى : {ثم استوى على العرش} قال : استقر على العرش , ويقال امتلأ به .
“الأسماء والصفات” للبيهقي (521( ولكن سنده ضعيف
ووردت كذلك هذه الكلمة على لسان بعض علماء أهل السنة كابن المبارك وابن عبدالبر .
فقد نقل ابن القيم رحمه الله عن ابن عبد البر حافظ المغرب: ” والاستواء في اللغة معلوم مفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء , والاستقرار .. .
“تهذيب السنن” (13/28) المطبوع على حاشية عون المعبود
- وردت هذه الكلمة في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض ذكره للخلاف بين العلماء في تفسير الاستواء؛ قال رحمه الله : وَقَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي قَوْلِهِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} الِاسْتِوَاءُ مِنْ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ الْمَجِيدِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} وَبِقَوْلِهِ: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} وَبِقَوْلِهِ: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} . إلَّا أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ فِي هَذَا عَلَى أَقْوَالٍ: فَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : إنَّ الِاسْتِوَاءَ مَعْقُولٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُمْ كَثِيرٌ: إنَّ مَعْنَى اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ: اسْتَقَرَّ وَهُوَ قَوْلُ القتيبي ..– ثم قال في آخر الكلام – : وَإِنْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فَمَقْصُودُهُمْ وَاحِدٌ وَهُوَ إثْبَاتُ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى الْعَرْشِ.
“مجموع الفتاوى “(5/519(
وهناك فرق بين تقرير الشئ وبين سياق أقوال العلماء في مسألة ما , وهذه الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة قاعدته فيها الاستفصال وليس التسليم مباشرة ؛ فإن كان المعنى المذكور حقا قبل وإن كان معنى باطلا رده مع التوقف في اللفظ .
- بين شيخ الإسلام مراد العلماء في تفسيرهم للاستواء بهذه المعاني والتي تدل على العلو ولذلك قال : وَإِنْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فَمَقْصُودُهُمْ وَاحِدٌ وَهُوَ إثْبَاتُ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى الْعَرْشِ.
وهذا المعنى لا غبار عليه فهو معنى صحيح إذا فسر بالعلو ؛ فكلفظ إذا أريد منه العلو فهو صحيح وهو الذي فهمه شيخ الإسلام وذكر أن هذا مراد العالم منه .
ثالثا : قد رد شيخ الإسلام المعنى الباطل الذي قد يفهمه البعض من هذه الكلمة بل ومن كلمة الاستواء : أنه لو كان مستقرا ومستويا على العرش للزم حاجته إليه أو يلزم أن يكون العرش حاويا له أو أن الله حالا فيه .
قال شيخ الاسلام : مثال ذلك أن النصوص كلها دلّت على وصف الإله بالعلو والفوقية على المخلوقات، واستوائه على العرش؛ فأما علوه ومباينته للمخلوقات فيُعلم بالعقل الموافق للسمع، وأما الاستواء على العرش فطريق العلم به هو السمع.. فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، كقوله: {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ • لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} فيتخيل أنه إذا كان مستويًا على العرش كان محتاجًا إليه كحاجة المستوي على الفلك والأنعام، فلو انخرقت السفينة لسقط المستوي عليها، ولو عثرت الدّابة لخر المستوي عليها. فقياس هذا أنه لو عدم العرش لسقط الرب تبارك وتعالى، ثم يريد – بزعمه – أن ينفي هذا فيقول: ليس استواؤه بقعود ولا استقرار , ولا يعلم أن مسمى «القعود» و «الاستقرار» ، يقال فيه ما يقال في مسمى «الاستواء» !، فإن كانت الحاجة داخلة في ذلك فلا فرق بين الاستواء والقعود والاستقرار، وليس هو بهذا المعنى مستويا ولا مستقرا ولا قاعدا، وإن لم يدخل في مسمى ذلك، إلا ما يدخل في مسمى «الاستواء» فإثبات أحدهما ونفي الآخر تحكُّم.
التدمرية (81-82)
رابعا : أن يقال له إن الأشاعرة أثبتوا لله معنى فاسدا في تفسيرهم للاستواء بالاستيلاء واستدلوا بقول الأخطل النصرانى
قد استوى عمرو على العراق …كما في شرح المواقف للجرجاني (3/144)
وقد نقلها الأشعري في مقالات المعتزلة , قال في مقالات الإسلاميين (211) : وقالت المعتزلة إن الله استوى على عرشه بمعنى استولى.
ولا شك أن هذا يلزم أنه كان لغيره ثم استولى عليه ولذلك رد العلماء ذلك.
قال ابن حجر في الفتح (13/406) : وَقَدْ نَقَلَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْهَرَوِيُّ فِي كِتَابِ الْفَارُوقِ بِسَنَدِهِ إِلَى دَاوُدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ اللُّغَوِيَّ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى فَقَالَ هُوَ عَلَى الْعَرْشِ كَمَا أَخْبَرَ قَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنَّمَا مَعْنَاهُ اسْتَوْلَى فَقَالَ اسْكُتْ لَا يُقَالُ اسْتَوْلَى عَلَى الشَّيْءِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مُضَادٌّ, وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ الْأَزْدِيِّ سَمِعْتُ بن الْأَعْرَابِيِّ يَقُولُ أَرَادَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ أَنْ أَجِدَ لَهُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الرَّحْمَنُ على الْعَرْش اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى فَقُلْتُ وَاللَّهِ مَا أَصَبْتُ هَذَا . فتأمل
المسألة الثانية : المماسة للعرش
قال المعارض : وقد صرح ابن تيمية أن الله سبحانه مستو على عرشه بمماسة وعارض من قال من الكرامية بأن الله استوى بمقابلة لا بمماسة قال : وهذا ليس قولا معروفا عند أهل السنة وليس منطبقا على قواعد اللغة ولا مفهوم من القواعد اللغوية بل نص بالنص الصريح من كلامه أنا لا ألزمه بقوله أنا لا ألتفت إليه هنا …
الجواب مستعينا بالله :
أولا : هناك فرق بين تقرير الاعتقاد وبين ذكر مذاهب العلماء في مسألة معينة وكثيرا ما يختلط الأمر على الناقل , ومن ذلك هذه المسألة فالمعارض سعيد فودة كثيرا ما ينسب لشيخ الإسلام أقوالا هو ساقها ليس في معرض التقرير ولكن في بيان مذاهب العلماء في مسألة أو خلافهم فيها , ومنها هذه المسألة .
وقد نقل المعترض كلام شيخ الإسلام وشغب عليه في هذه المسألة
انظر الكاشف (427)
وهنا نسوق كلام شيخ الإسلام الذي استدل به المعترض :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : فإن قيل ما ذكره الإمام أحمد , وقدرتموه من امتناع كونه في العالم غير مباين ولا مماس معارض بما يذكره المؤلف عن أهل الإثبات من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم القائلون بأنه فوق العرش ؛ فإنهم يقولون هو فوق العرش غير مباين , ولا مماس فما الفرق بين الموضعين؟ – فذكر بعد حواب طويل –
.. ولكن نذكر جواباً عاماً فنقول : كونه فوق العرش ثبت بالشرع المتواتر , وإجماع سلف الأمة مع دلالة العقل ضرورة ونظراً أنه خارج العالم ؛ فلا يخلو مع ذلك إما أن يلزم أن يكون مماساً أو مبايناً أو لا يلزم ؛ فإن لزم أحدها كان ذلك لازماً للحق ، ولازم الحق حق، وليس في مماسته للعرش ونحوه محذور كما في مماسته لكل مخلوق من النجاسات والشياطين وغير ذلك ؛ فإن تنزيهه عن ذلك إنما أثبتناه لوجوب بعد هذه الأشياء عنه , وكونها ملعونة مطرودة لم نثبته لاستحالة المماسة عليه، وتلك الأدلة منتفية في مماسته للعرش ونحوه كما روي في مس آدم وغيره , وهذا جواب جمهور أهل الحديث وكثير من أهل الكلام.
وإن لم يلزم من كونه فوق العرش أن يكون مماساً أو مبايناً ؛ فقد اندفع السؤال .
“بيان تلبيس الجهمية” (2|556)
قلت: يتبين لك من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما يلي:
1-يبحث اختلاف العلماء في مسألة علو الله على عرشه بمماسة أوغير مماسة.
2-بين أن من قال منهم أن علو الله على عرشه لا يخلو إما أن يكون بمماسة أو غير مماسة أو لا يلزم.
فإن كان الأول أنه سبحانه على عرشه بمماسة ؛ فلا محذور في ذلك لأن العرش أكبر مخلقات الله وأعظمها ولا محذور في مماسته له .
فالعرش ليس شيئا مستهجنا كالمخلوقات المستهجنة المطرودة كالشياطين والنجاسات ؛ فالعرش شيء عظيم بل هو أعظم المخلوقات .
فشيخ الإسلام هنا ليس مقررا للاعتقاد ولكن ينقل الخلاف مع بيان وجه استدلال من استدل بها .
وقد شيخ الإسلا ونص على منع ما يتوهمه البعض من أنه لو كان فوق العرش لزم المحايثة وأن يكون العرش يحويه .
قال رحمه الله : فإن الأدلة على أنه مباين للعالم فوق العرش نصوصٌ كثيرة قطعية يعلم بالضرورة مضمونها ويعلم ذلك أيضاً بأدلة كثيرة ويعلم بالسنة المتواترة ويعلم بإجماع سلف الأمة وأئمتها ثم إنه موافق للفطرة الضرورية والبراهين العقلية وأما ما يظن أنه يدل على أنه في العالم فيقال أولاً لا نسلِّم أن شيئاً من الآيات ظاهر ة في ذلك ولو سلم ظهوره فمعه قرائن لفظية تبين المراد به فلا يكون ذلك مراداً ومع القرائن اللفظية لايبقى ظاهراً في المحايثة ثم إنه قد ثبت تفسيره باتفاق سلف الأمة بما ينفي المحايثة ويُعلم بالحس والعقل ضرورة ونظراً انتفاءُ ما يتوهم فيه من المحايثة .
بيان تلبيس الجهمية (5/307-308)
ثانيا : لفظ المماسة من الألفاظ المجملة التي تحتمل حقا وباطلا والمعنى الباطل هو أن يظن أن الله يحل في مخلوقاته أو أنه سبحانه في داخل شئ من مخلوقاته وهذا المعنى الباطل رده شيخ الإسلام في كثير من كتبه وبين أن الله بائن عن خلقه منفصل عنه :
قال قي التدمرية : وقد عُلم أن ما ثمّ موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق سبحانه وتعالى، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق، فالله ليس داخلا في المخلوقات؛ أم تريد بالجهة ما وراء العالم، فلا ريب أن الله فوق العالَم، بائن من المخلوقات.انتهى
التدمرية (66)
وقال في الجواب الصحيح : وَقَوْلُ الرُّسُلِ: (فِي السَّمَاءِ) أَيْ فِي الْعُلُوِّ، لَيْسَ مُرَادُهُمْ أَنَّهُ فِي جَوْفِ الْأَفْلَاكِ، بَلْ السَّمَاءُ الْعُلُوُّ، وَهُوَ إِذَا كَانَ فَوْقَ الْعَرْشِ، فَهُوَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى وَلَيْسَ هُنَاكَ مَخْلُوقٌ حَتَّى يَكُونَ الرَّبُّ مَحْصُورًا فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَا هُوَ فِي جِهَةٍ مَوْجُودَةٍ، بَلْ لَيْسَ مَوْجُودًا إِلَّا الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ، وَالْخَالِقُ بَائِنٌ عَنْ مَخْلُوقَاتِهِ، عَالٍ عَلَيْهَا، فَلَيْسَ هُوَ فِي مَخْلُوقٍ أَصْلًا، سَوَاءٌ سُمِّيَ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ جِهَةً، أَوْ لَمْ يُسَمَّ جِهَةً.
الجواب الصحيح (4/317)
وقال في الصفدية (1/266-267) : كما ذكره القشيري في رسالته فبين الجنيد أن التوحيد لا يكون إلا بأن يميز بين القديم والمحدث كما قالوا لعبد الله بن المبارك بماذا نعرف ربنا قال بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه وهكذا قال سائر الأئمة كأحمد بن حنبل وإسحق ابن راهويه وعثمان بن سعيد والبخاري وغيرهم حتى قال محمد بن إسحق ابن خزيمة الملقب بإمام الأئمة من لم يقل إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كما ذكر ذلك عنه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري وصاحبه الملقب بشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني وغيرهما.
وقال : وَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، لَيْسَ فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ، وَلَا فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ.
الفتاوى الكبرى (4/450)
وقال شيخ الإسلام : وقال الإمام العارف «معمر بن أحمد الأصبهاني» مفتي الصوفية العارفين، في أواخر المائة الرابعة في بلاده، قال: «أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة، وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر، وأهل المعرفة والتصوف، من المتقدمين والمتأخرين» قال فيها: «وأن الله على استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معقول والكيف فيه مجهول، وأنه عز وجل بائن من خلقه، والخلق منه بائنون بلا حلول ولا ممازجة، ولا اختلاط ولا ملاصقة، لأنه المنفرد البائن من خلقه، الواحد الغني عن الخلق.
بيان تلبيس الجهمية (1/213)
ونقل هذا النص كثيرا ولم يتعقبه بشئ ؛ ولاحظ قوله : وأنه عز وجل بائن من خلقه، والخلق منه بائنون بلا حلول ولا ممازجة، ولا اختلاط ولا ملاصقة، لأنه المنفرد البائن من خلقه .
ثالثا :قوله : وعارض من قال من الكرامية بأن الله استوى بمقابلة لا بمماسة قال : وهذا ليس قولا معروفا عند أهل السنة وليس منطبقا على قواعد اللغة ولا مفهوم من القواعد اللغوية ..
قلت : بهذه الصيغة التي زعم أنه ينقلها نصا غير موجودة , فقد ذكر شيخ الإسلام عن الكرامية أنهم يفترضون فجوة بين الله وبين عرشه , ورد رحمه الله هذا القول ؛ وبين أن فرض حيز أو جهة وجودية فوق العرش مخالف لكثير من النظار والعلماء ومنهم الأشاعرة ؛ فمن قال منهم أن فوق العرش جهة ؛ قال جهة عدمية , والعدم لا شئ .
رابعا : الأشاعرة قالوا : إن الله يدرك الأجسام باللمس بل أثبتوا لله الإدراكات الخمس
قال شيخ الإسلام : هل هو موصوف بإدراك الشم واللمس والذوق أثبت القاضي والإمام هذه الإدراكات الثلاثة لله تعالى وزعموا أن لله عز وجل خمس إدراكات وزعمت المعتزلة البصرية أن كون الله تعالى حيّا يقتضي إدراك هذه الأمور بشرط حضورها .. والأول مذهب القاضي والإمام والدليل على ذلك ما ذكرناه في باب السمع والبصر فإذا كان هو وأئمة مشايخه يقولون إن الله تعالى يدرك الأجسام باللمس لم يصح أن ينفي مماسته للأجسام وهذا هو المفهوم من اللقاء على سبيل المجاورة .
بيان تلبيس الجهمية (8/41-42)
وقد نقل المعترض سعيد فودة هذا الخلاف عند الأشاعرة في أنه هل للمولى تعالى صفة زائدة على السبع المعاني تسمى الإدراك يدرك بها الملموسات والمذوقات والمشمومات لأنها كمال , وكل كمال يجب أن يثبت له.. ! . تهذيب السنوسية (44)
المسألة الثالثة : الثقل
قال المعترض سعيد فودة : وأيضا قد تكلم ابن تيمية في مسألة قد تستغربون أنه فعلا تكلم فيها أولا بل تكلم ابن تيمية في الثقل في الثقل في الثقل في النص قال : واختلف الناس في الثقل هل لله ثقل أم لا على زعمه على قوله قال ولعلماء أهل السنة في ذلك كلام وكل هذا منصوص عليه مذكور بنصه في كتاب الكاشف الصغير وأنا أتحدى أي واحد أن يأتي بكذب كلمة من هذه الكلمات التي نقلتها عن ابن تيمية أي كلمة تم نقلها في هذا الكتاب نحن لا نتعامل باللوازم فضلا عن ذلك أقول لو سلمنا أن هذا الامر لازم يلزم ابن تيمية ولم ينص عليه ابن تيمية فهذا لازم قريب وفرق بين العلماء بين اللازم القريب واللازم البعيد وأهل العلم المحققون اتفقوا على أن اللازم القريب يلزم صاحب القول خلاف اللازم البعيد
أقول مستعينا بالله : هذا نص مسألة الثقل التي تكلم عنها المعترض في كاشفه (399-400) :فقد قال في التأسيس (1/574) نقلا عن القاضي أبي يعلى رأيه في حديث ذكره من طريق السنة عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا أبو المغيرة حدثتنا عبدة بنت خالد بن معدان عن أبيها خالد بن معدان أنه كان يقول إن الرحمن سبحانه ليثقل على حملة العرش من أول النهار إذا قام المشركون حتى إذا قام المسبحون خفف عن حملة العرش . وما رواه المجسم عثمان بن سعيد أن ابن مسعود قال إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار .. حتى قال .. فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار فينظر فيها ثلاث ساعات فيطلع فيها على ما يكره فيغضبه ذلك فأول من يعلم بغضبه الذين يحملون العرش يجدونه يثقل عليهم فيسبحه الذين يحملون العرش وسرادقات العرش والملائكة .
وما رواه هذا المجسم أيضا عن كعب الأحبار في نفس المعنى وفيه : ثم رفع العرش فاستوى عليه فما في السموات سماء إلا لها أطيط كأطيط الرّحل العُلا في أول ما يرتحل من ثُقل الجبار فوقهن . وقال ابن تيمية تعليقا على هذا الكلام القبيح في (1/573) : وهذا الأثر وإن كان في رواية كعب فيحتمل أن يكون من علوم أهل الكتاب ويحتمل أن يكون مما تلقاه عن الصحابة ورواية أهل الكتاب التي ليس عندنا شاهد هو لا دافعها لا يصدقها ولا يكذبها فهؤلاء الأئمة المذكورة في إسناده هم من أجل الأئمة وقد حدثوا به هم وغيرهم ولم ينكروا ما فيه من قوله من ثقل الجبار فوقهن فلو كان هذا القول منكرًا في دين الإسلام عندهم لم يحدثوا به على هذا الوجه .انتهى كلام شيخ الإسلام
قال : هذا هو غاية تعليق ابن تيمية على هذا الكلام الشنيع فهو يرتضيه ويقول أنه ليس معنى باطل بل هو لائق بربه . انتهى كلامه .
وهذا التعليق على هذه المسألة :
أولا : قدمنا سابقا أن هناك فرقا بين تقرير الاعتقاد وبين نقل أقوال العلماء في مسألة ما .
وهذه المسألة من السائل الخلافية بين الفرق الإسلامية ونقل الخلاف فيها الإمام الأشعري:
قال الإمام الأشعري : واختلف الناس في حملة العرش ما الذي تحمل: فقال قائلون: الحملة تحمل البارئ وأنه إذا غضب ثقل كواهلهم وإذا رضي خف فيتبينون غضبه من رضاه وأن العرش له أطيط إذا ثقل عليه كأطيط الرحل، وقال بعضهم: ليس يثقل البارئ ولا يخف ولا تحمله الحملة ولكن العرش هو الذي يخف ويثقل وتحمله الحملة.
مقالات الإسلاميين (211)
وعدم تعقب الأشعري لهذا الأقوال لا يعني أنه يقررها كاعتقاد , وكذلك يقال في نقل شيخ الإسلام .
ثانيا : الأصل في هذه المسألة أن تبحث بأدلتها والنصوص والآثار التي وردت فيها مع إرجاع ذلك إلى الأصل العظيم الذي يعتمد عليه أهل السنة في إثبات الصفات وهو إثباتها على وجه الكمال الذي لا يلزم منه التمثيل .
ثالثا : هذا بيان للأحاديث والآثار في هذه المسألة :
1- عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال يارسول الله جهدت الأنفس وضاعت العيال ونهكت الأموال وهلكت الأنعام فاستسق الله لنا ؛ فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ويحك أتدري ما تقول ؟ ” وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال ” ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ويحك أتدري ما الله ؟ إن عرشه على سمواته لهكذا ” وقال بإصابعه مثل القبة عليه ” وإنه ليئط به اطيط الرحل بالراكب ” . قال ابن بشار في حديثه ” إن الله فوق عرشه وعرشه فوق سمواته ” . قال أبو داود : والحديث بإسناد أحمد بن سعيد هو الصحيح وافقه عليه جماعة منهم يحيى بن معين وعلي بن المديني ورواه جماعة عن ابن إسحاق كما قال أحمد أيضا وكان سماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار من نسخة واحدة فيما بلغني .
أخرجه أبو داود في سننه (4726) وابن خزيمة في التوحيد (1|239) وابن أبي عاصم في السنة (1|252) والطبراني في الكبير (2|128) والآجري في الشريعة (295) والصفات للدارقطني (31) والذهبي في العلو (43) من طريق وهب بن جرير قال ثنا أبي قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عتبة عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده .
وعلة هذا الحديث ابن إسحق ؛ فإنه مدلس ولم يصرح بالتحديث .
قال الذهبي بعد أن ساقه في العلو :هذا حديث غريب جدا فرد , وابن إسحاق حجة في المغازي إذا أسند , وله مناكير وعجائب .
وقال المنذري :قال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروي عن النبي من جهة من الوجوه إلا من هذا الوجه, ولم يقل فيه محمد بن إسحاق حدثني يعقوب بن عتبة .
وقد أعله كذلك بابن إسحق ؛ البيهقي وابن عساكر.
انظر عون المعبود (13|17)
2- عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قيل له ما المقام المحمود ؟ قال : ذاك يوم ينزل الله تعالى على كرسيه يئط كما يئط الرحل الجديد من تضايقه به وهو كسعة ما بين السماء والأرض ويجاء بكم حفاة عراة غرلا فيكون أول من يكسى إبراهيم يقول الله تعالى اكسوا خليلي فيؤتي بريطتين بيضاوين من رياط الجنة ثم أكسى على أثره ثم أقوم عن يمين الله مقاما يغبطني الأولون والآخرون .
أخرجه الدارمي (2|419) والحاكم في مستدركه (2|396) من طريق عثمان بن عمير عن أبي وائل عن بن مسعود .
وهذا إسناد ضعيف , وقد أعله العلماء بعثمان بن عمير قال عنه أحمد والبخاري : منكر الحديث , وضعفه جماعة .
3- عن عبد الله بن خليفة ، عن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : ادع الله تعالى أن يدخلني الجنة ، فقال : فعظم الرب تبارك وتعالى وقال : « إن عرشه فوق سبع سماوات ، وإن له لأطيطا كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله » .
ابن أبي عاصم في السنة (1|252) والسنة لعبدالله بن أحمد (1|301)
وقد أعله شيخنا الألباني رحمه الله في السنة لابن أبي عاصم بعبدالله بن خليفة لم يوثقه إلا ابن حبان , وفي سماعه من عمر نظر .
4- عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سلوا الله عز و جل الفردوس فإنها سرة الجنة وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش .
أخرجه ابن بطة في الإبانة (3|176) والطبراني في الكبير (8|246) من طريق جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة
وجعفر بن الزبير هو الحنفي متروك الحديث .
ومن الآثار في ذلك :
أ- عن أبي موسى رضي الله عنه قال: الكرسي: موضع القدمين، وله أطيط كأطيط الرحل .
أخرجه الطبري في تفسيره (5|398)وابن أبي شيبة في العرش (78) وابن مندة في الرد على الجهمية (21) والسنة لعبدالله (1|303) والعلو للذهبي (107)
وقد صححه شيخنا الألباني في مختصر العلو (124)
و قال رحمه الله : عن عمارة بن عمير عن أبي موسى قال : ” الكرسي موضع القدمين ، و له أطيط كأطيط الرجل ” .
قلت : و إسناده صحيح إن كان عمارة بن عمير سمع من أبي موسى ، فإنه يروي عنه بواسطة ابنه إبراهيم بن أبي موسى الأشعري ، و لكنه موقوف ، و لا يصح في الأطيط حديث مرفوع .
الضعيفة (906)
ب- عن الشعبي قال : إن الله تعالى قد ملأ العرش حتى إن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد .
أخرجه ابن بطة في الإبانة (3|177) وأبو الشيخ في العظمة (2|593)من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن الشعبي .
وعطاء مختلط , وحماد سمع منه قبل الاختلاط وبعد كما ذكر ابن حجر في ترجمة عطاء في التهذيب .
ت- عن عبدة بنت خالد بن معدان عن أبيها خالد ابن معدان أنه كان يقول: إن الرحمن سبحانه وتعالى ليثقل على حملة العرش من أول النهار إذا قام المشركون حتى إذا قام المسبحون خفف عن حملة العرش .
السنة لعبد الله بن أحمد (2|455) وعبدة أحاديثها منكرة جدا كما في أحوال الرجال للجوزجاني رقم (300)
ث- عن عطاء بن يسار قال: أتى رجل كعبا وهو في نفر فقال : يا أبا إسحاق حدثني عن الجبار فأعظم القوم قوله فقال كعب دعوا الرجل فإن كان جاهلا تعلم وإن كان عالما ازداد علما ثم قال كعب أخبرك أن الله خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن ثم جعل ما بين كل سماءين كما بين السماء الدنيا والأرض وكثفهن مثل ذلك ثم رفع العرش فاستوى عليه فما في السموات سماء إلا لها أطيط كأطيط الرحل العلافي أول ما يرتحل من ثقل الجبار فوقهن .
الدارمي في الرد على الجهمية (59) وأبو الشيخ في العظمة (2|612)
قال ابن القيم :رواه أبو الشيخ وابن بطة وغيرهما بإسناد صحيح عنه .
اجتماع الجيوش (164)
ما استدل به من القرآن على هذه الصفة
ا- قوله تعالى: {تكاد السموات يتفطرن من فوقهن} [الشورى:5]
قال ابن عباس في قوله { تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن} قال : ممن فوقهن مثل الثقل .
ابن أبي شيبة في العرش (58) وأبو الشيخ في العظمة (2|613) والحاكم في مستدركه وصححه (2|480) من طريق عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس .
وخصيف هو بن عبد الرحمن الجزري ضعفه أحمد وقال النسائي: ليس بالقوي .
وقال ابن جرير في تفسيره (21|501) : حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ ) قال: يعني من ثقل الرحمن وعظمته تبارك وتعالى.
ومحمد بن سعد هومحمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي لين الحديث له ترجمة في اللسان , وسعد بن محمد متكلم فيه له ترجمة في اللسان وعمه الحسين بن الحسن ضعيف , والحسن بن عطية ضعيف أيضا وكذا عطية العوفي .
وقال ابن القيم :وهذا التفسير تلقاه عن ابن عباس الضحاكُ، والسديُّ، وقتادة، فقال سعيد، عن قتادة: يتفطرن من فوقهن قال: من عظمة اللّه وجلاله، وقال السدي: تشقق بالله.
“اجتماع الجيوش الإسلامية” (158)
2- قوله تعالى: {السماء منفطر به}[ المزمل :18]
فسرها مجاهد والحسن وعكرمة وغيرهما:أي مثقلة به .
تفسير الطبري (23|695)
هذا ملخص ما ذكر مما استدل به على إثبات هذه الصفة .
والشاهد : أنه لا يصح في ذلك حديث مرفوع وإن صحت بعض الآثار في ذلك وعلى ذلك نقول :
أ- لا بد أن يعلم أن المعول عليه في إثبات الصفات لله كتاب الله أولا وثانيا السنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم , فلا تثبت الأسماء والصفات من الأحاديث الضعيفة .
قال ابن قدامة في ذم التأويل : ينبغي أن يعلم أن الأخبار الصحيحة التي ثبتت بها صفات الله تعالى هي الأخبار الصحيحة الثابتة بنقل العدول الثقات التي قبلها السلف ونقلوها ولم ينكروها ولا تكلموا فيها وأما الأحاديث الموضوعة التي وضعتها الزنادقة ليلبسوا بها على أهل الإسلام أو الأحاديث الضعيفة إما لضعف رواتها أو جهالتهم أو لعلة فيها لا يجوز أن يقال بها ولا اعتقاد ما فيها بل وجودها كعدمها وما وضعته الزنادقة فهو كقولهم الذي أضافوه إلى أنفسهم .
ب – هذه الصفة لمن أثبتها ليست بأعجب من سائر الصفات , ولذلك قال الذهبي في العلو بعد أن ساق حديث جبير بن مطعم المتقدم .
:”وقولنا في هذه الأحاديث أننا نؤمن بما صح منها وبما اتفق السلف على إمراره وإقراره فأما ما في إسناده مقال واختلف العلماء في قبوله وتأويله فإنا لا نتعرض له بتقرير بل نرويه في الجملة ونبين حاله .
العلو (45)
ج: لا يلزم من إثبات هذه الصفة محذور عند أهل السنة والجماعة لأن الله كما أخبر عن نفسه { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } وهذه قاعدة أهل السنة في سائر الصفات .
ولذلك نقل شيخ الإسلام عن القاضي أبي يعلى قوله : أعلم أنه غير ممتنع حمل الخبر على ظاهره , وأن ثقله يحصل بذات الرحمن إذ ليس في ذلك ما يحيل صفاته. قال: على طريقته في مثل ذلك لأنا لا نثبت ثقلا من جهة المماسة والاعتماد والوزن ؛ لأن ذلك من صفات الأجسام ويتعالى عن ذلك , وإنما نثبت ذلك لذاته لا على وجه المماسة كما قال الجميع أنه عال على الأشياء لا على وجه التغطية لها .
بيان تلبيس الجهمية (1|574)
ومعنى كلام القاضي أبي يعلى أن لا محذور في إثبات هذه الصفة على الوجه الذي يليق بجلال الله , وعلى وجه لا يماثل المخلوقات في ذلك.
د – ممن لم يثبت هذه الصفة لله الذهبي في العلو إذ قال :الأطيط الواقع بذات العرش من جنس الأطيط الحاصل في الرحل فذاك صفة للرحل وللعرش ومعاذ الله أن نعده صفة لله عزوجل ثم لفظ الأطيط لم يأت به نص ثابت , وقولنا في هذه الأحاديث أننا نؤمن بما صح منها وبما اتفق السلف على إمراره وإقراره فأما ما في إسناده مقال واختلف العلماء في قبوله وتأويله فإنا لا نتعرض له بتقرير بل نرويه في الجملة ونبين حاله .
ه- ممن أثبت هذه الصفة لله سبحانه وتعالى جمع من علماء السلف , استنادا لهذه الأحاديث والآثار ولذلك قال الذهبي في العلو بعد أن أورد حديث جبير بن مطعم :وكذلك ساقه الذين جمعوا أحاديث الصفات كإبن خزيمة والطبراني وابن منده والدارقطني , وعدة .
العلو (44)
رابعا : هذا ملخص الأدلة في المسألة و يتبين أن المسألة خلافية بين السلف ؛ وورود هذه الأثار قوى هذا الخلاف , ولعل هذا سبب إيراد الإمام الأشعري هذا الخلاف في كتابه مقالات الإسلاميين كما تقدم , ومن أثبتها لم يثبتها على وجه المشابهة أو المماثلة لصفات المخلوقين كما تقدم عن أبي يعلى والذهبي . والله أعلم
خامسا : قارن بين هذا القول وبين قول الرازي وقبله الجويني الذين قررا أنه لم يقم دليل عقلي على تنزيه الله من النقائص والقبائح .
وقال ابن القيم: كما صرح به الرازي وتلقاه عن الجويني وأمثاله قالوا , وإنما نفينا النقائص عنه بالإجماع , وقد قدح الرازي وغيره من النفاة في دلالة الإجماع , وبينوا أنها ظنية لا قطعية ؛ فالقوم ليسوا قاطعين بتنزيه الله عن النقائص بل غاية ما عندهم في ذلك الظن فيا للعقلاء ويا لأولي الألباب كيف تقوم الأدلة القطعية على نفي صفات كماله ونعوت جلاله وعلوه على خلقه , واستوائه على عرشه , وتكلمه بالقرآن حقيقة وتكليمه لموسى حقيقة بكلامه القائم به , ورؤية المؤمنين له بأبصارهم عياناً من فوقهم في الجنة حتى تدعي أن الأدلة السمعية الدالة على ذلك قد عارضها صريح العقل , وأما تنزيهه عن العيوب والنقائص فلم يقم عليه دليل عقلي , ولكن علمناه بالإجماع , وقد قلتم دلالته ظنية .
“الصواعق المرسلة “(4|1229)
وهذا نص كلامه
قال أبو المعالي الجويني في الإرشاد (74) :فإن قيل من أركان دليلكم استحالة اتصاف الباري تعالى بالآفات المضادة للسمع والبصر فما الدليل على ذلك ؟ قلنا : هذا مما كثر فيه كلام المتكلمين ولا نرتضي مما ذكروه في هذا المدخل إلا الالتجاء إلى السمع إذ قد أجمعت الأمة وكل من آمن بالله تعالى على تقدس الباري تعالى عن الآفات والنقائص فإن قيل: الإجماع لا يدل عقلا وإنما دل السمع على كونه دليلا والسمع وإن تشعبت طرقه فمآله كلام الله تعالى وهو الصدق وقوله الحق والأفعال لا تدل على ثبوت الكلام بل سبيل إثباته كسبيل إثبات السمع والبصر كما سنذكره فلو وقعت الطلبة في الكلام نفسه وأسندنا إثباته إلى نفي الآفة ثم رجعنا في نفي الآفة إلى الإجماع الذي لا يثبت إلا بالكلام لكنا محاولين إثبات الكلام بما لا يثبت إلا بعد العلم بالكلام عليه وذلك نهاية العجز .
وتأمل قوله وذلك تمام العجز .
المسألة الرابعة : التجسيم
قال المعترض سعيد فودة :أنا أقول فعلا يثبت الحد .. ويثبت كثيرا من لوازم التجسيم بصورة صريحة الأمر الوحيد تقريبا الذي يعني يظهر من كتب من كتب ابن تيمية ظهورا هو لفظ التجسيم أنه لا يقول به بصراحة ولا يقول بنفيه صراحة لكن معناه أيضا فيه إشكال عند ابن تيمية يفرق بين ما يطلق عليه اسم المعنى الاصطلاحي المعنى الاصطلاحي يريد به أن الجسم يطلق على ما هو طويل عريض عميق يقول إذا كان الجسم يراد به الطويل العريض العميق فالله سبحانه وتعالى كذلك ولكن لا أطلق عليه كلمة الجسم لا أطلقها عليه ولكنه كذلك يعني متحيز هذا معنى التحيز طويل عريض عميق وإذا اريد به الجسم أنه مؤلف من لحم ودم أو مؤلف من جواهر فردة أو مؤلف من هيئة وصورة أو مؤلف من أي شئ فيقول أنا لا أقول بذلك مع أنه ليس الخلاف في أن هل هو جسم متحيز أو غير متحيز هذه هي أصل المسألة
وللجواب على هذه الشبهة إليك البيان:
أولا : هذا المعترض لا يتورع من الكذب فهو يحاول هنا أن يلصق تعريف التجسيم الذي هو عند غلاة الروافض المجسمة بشيخ الإسلام فهو يقول : المعنى الاصطلاحي يريد به- أي ابن تيمية – أن الجسم يطلق على ما هو طويل عريض عميق يقول إذا كان الجسم يراد به الطويل العريض العميق فالله سبحانه وتعالى كذلك .
قلت : أ- قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ فِي كِتَابِ: ” مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ وَاخْتِلَافِ الْمُصَلِّينَ : ” اخْتَلَفَ الرَّوَافِضُ أَصْحَابُ الْإِمَامَةِ فِي التَّجْسِيمِ، وَهُمْ سِتُّ فِرَقٍ: فَالْفِرْقَةُ الْأُولَى الْهِشَامِيَّةُ، أَصْحَابُ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ الرَّافِضِيِّ: يَزْعُمُونَ أَنَّ مَعْبُودَهُمْ جِسْمٌ، وَلَهُ نِهَايَةٌ وَحَدٌّ، طَوِيلٌ عَرِيضٌ عَمِيقٌ، طُولُهُ مِثْلُ عَرْضِهِ، وَعَرْضُهُ مِثْلُ عُمْقِهِ .
ب – قول المعترض : وكل هذا منصوص عليه مذكور بنصه في كتاب الكاشف الصغير وأنا أتحدى أي واحد أن يأتي بكذب كلمة من هذه الكلمات التي نقلتها عن ابن تيمية أي كلمة تم نقلها في هذا الكتاب نحن لا نتعامل باللوازم.؟!
لاحظ أنه يتحدى أي واحد أن يأتي بكذب كلمة من هذه الكلمات !
وفي نفس الكلاك ينسب لشيخ الإسلام أنه يقول : المعنى الاصطلاحي يريد به- أي ابن تيمية – أن الجسم يطلق على ما هو طويل عريض عميق يقول إذا كان الجسم يراد به الطويل العريض العميق فالله سبحانه وتعالى كذلك .
قلت : وقد تتبعت كلامه في إثبات هذا القول لشيخ الإسلام فلم يستند في ذلك لنص واحد لشيخ الإسلام وإنما هي لوازمه الباطلة :
فقال في كاشفه ص (123) :ذكر العلامة العضد في المواقف أن الفلاسفة يقولون أن الجسم جوهر مركب من الهيولي والصورة ووضح قول الفلاسفة فقال : الجسم الطبيعي هو جوهر يمكن أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة .. فإن الجوهر القابل للأبعاد الثلاثة لا يكون إلا كذلك ثم قال المعترض : فالقيد المحقق لماهية الجسم هو إمكان فرض الأبعاد الثلاثة .
وقال في نفس الصفحة عن الجسم :عند المعتزلة هو الطويل العريض العميق وقريب منه عند الفلاسفة كما مر .
نقل ص (125) عن السمرقندي في كتاب الصحائف الإلهية عن تعريف الفلاسفة للجسم : عرفه المتقدمون – أي الفلاسفة – بأنه جوهر ذو أبعاد ثلاثة وهي الطول والعرض والعمق وقالت الأشاعرة أنه متحيز قابل للقسمة .. وقالت المعتزلة أنه متحيز ذو أبعاد ثلاثة …
ثم قال ص (127) :ولكن لا بد أن نتساءل هنا لماذا لم يذكر ابن تيمية أن جميع هذه الفرق قد اتفقت على أن ما كان متحيزا أو ممتدا في الأبعاد فهو جسم والله لا يكون جسما مطلقا ؟ الجواب : لأن ابن تيمية يقول أن الله متحيز وله حدود في مختلف الجهات الستة ..أي أنه يقبل فرض الأبعاد الثلاثة ..ثم قال :فالحاصل أن ابن تيمية يخالف جميع الناس .. فينص على أن الله تعالى متحيز وفي جهة وله أبعاد .
وقال ص (207) :وحاصل ما يقوله ابن تيمية في هذه المسألة أنه لما ثبت أن الله تعالى جسم أي له أبعاد ثلاثة …
قلت : هذا مجمل ما ذكره في هذه المسألة ولم ينقل نصا واحدا عن شيخ الإسلام وإنما هي إلزاماته في ذلك ثم يدعي التحدي بكلمة واحدة أنه تقول فيها على شيخ الإسلام ؟
ثانيا : إن لفظ الجسم والجسمية هي من ألفاظ أهل الكلام الذين يتبجح هذا المعترض بالانتساب إليهم , ويدعو إلى دراسة هذا العلم الذي أوله سفسطة وآخره زندقة
وهو لفظ لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله : وأما اللفظ – أي الجسم – فبدعة نفياً وإثباتاً فليس في الكتاب والسنة , ولا قول أحمد من سلف الأئمة وأئمتها إطلاق لفظ الجسم في صفات الله تعالى لا نفيا ولا إثباتاً.
وقد بين شيخ الإسلام رحمه الله تعالى سبب خوضه في مثل هذه الألفاظ المجملة , والتي توهم معنى حقاً وباطلاً .
قال رحمه الله :” وإذا كانت هذه الألفاظ مجملة ؛ فالمخاطب لهم إما أن يفصل ويقول ما تريدون بهذه الألفاظ ؛ فإن فسروها بالمعنى الذي يوافق القرآن قبلت , وإن فسروها بخلاف ذلك ردت , وإما أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بهذه الألفاظ نفياً وإثباتاً ؛ فإن امتنع عن التكلم بها معهم فقد ينسبونه إلى العجز والانقطاع , وإن تكلم بها معهم نسبوه إلى أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقاً وباطلاً , وأوهموا الجهال باصطلاحهم أن إطلاق تلك الألفاظ يتناول المعاني الباطلة التي يتنزه الله عنها .
” درء التعارض” (1/133)
قلت: كما فعل هذا المعترض
ثالثا : لفظ التجسيم من الألفاظ المجملة والتي اختلف الطوائف في معناها والعبرة ليست في الإطلاقات اللفظية ولكن في معانيها المحققة ؛ والإنصاف عند الحكم على القائل بلفظ معين؛ أن نحاكمه بمعناه الذي يقول به وليس بما اعتقده فعند مناقشة أصحاب المقالات نناقشهم بما يعتقدون من اللفظ لا بما اعتقد .
ومعلوم أن الطوائف اختلفوا في المعنى المراد بالجسم فالفلاسفة قالوا إن الجسم هو المركب من الهيولى (المادة) والصورة، والمعتزلة قالوا الذي تقوم به الأبعاد الثلاثة، والكرامية أرادوا بالجسم القائم بنفسه أو الموجود، والأشاعرة قالوا هو المركب من الجواهر الفردة وطوائف من أهل السنة قالوا هو الموصوف أو ما تقوم به الصفات .
ولذلك كان من إنصاف صاحب المواقف الإيجي في هذه المسألة عند حديثه – هل يوصف الله بالجسمية – قال : فالكرامية قالوا هو جسم أي موجود وقوم قالوا هم جسم أي قائم بنفسه فلا نزاع معهم إلا في التسمية . شرح الجرجاني للمواقف (3/38-39)
فهو أقر المعنى وقال الخلاف فقط في التسمية .
وهذا أحد كبار الأشاعرة وهو أبو جعفر السمناني كما في ترجمته في سير أعلام النبلاء (17/651) : قَالَ:منْ سَمَّى اللهَ جِسماً مِنْ أَجلِ أَنَّهُ حَاملٌ لِصِفَاتِه فِي ذَاتِه، فَقَدْ أَصَابَ المَعْنَى،وَأَخْطَأَ فِي التَّسمِيَةِ فَقَطْ.
فمن قال الله جسم بمعنى الموصوف فالمعنى صحيح عنده وأخطأ في التسمية , فلم التشنيع على شيخ الإسلام .
رابعا : لفظ الجسم والجسمية من الألفاظ المجملة كما ذكرنا التي تحتمل حقا وباطلا , والأصل عند محاكمة شخص في إطلاقه أن نحاكمه بما يعتقد من المعنى لا أن نلزمه بما نعتقد أو بما يعتقد غيره كما قدمنا والألفاظ المجملة كما ذكر شيخ الإسلام التي تحتمل حقا وباطلا يتوقف فيها ويستفصل عن المراد ومن ذلك لفظ الجسم .
وهنا نكتة المسألة : فمن نفى صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه , ووصفه بها النبي صلى الله عليه وسلم كالوجه واليد والعين وغيرها من صفات الكمال له سبحانه وتعالى ؛ جعل إثبات الصفات يستلزم التجسيم والتركيب .
قال شيخ الإسلام رحمه الله : وكذلك هؤلاء نفاة الصفات أخذوا يقولون إثبات الصفات يقتضي التركيب والتجسيم .
إما لكون الصفة لا تقوم إلا بجسم في اصطلاحهم , والجسم مركب في اصطلاحهم , وإما لأن إثبات العلم والقدرة ونحوهما يقتضي إثبات أمور متعددة وذلك تركيب .
“الصفدية” (1/104)
وقال رحمه الله : ” فالمعتزلة والجهمية ونحوهم من نفاة الصفات يجعلون كل من أثبتها مجسماً ومشبهاً , ومن هؤلاء من يعد من المجسمة والمشبهة من الأئمة المشهورين كمالك والشافعي وأحمد وأصحابهم .
“منهاج السنة “(2/105)
وقال رحمه الله : لفظ الجسم فيه إجمال قد يراد به المركب الذي كانت أجزاؤه مفرقة فجمعت أو ما يقبل التفريق والانفصال أو المركب من مادة وصورة أو المركب من الأجزاء المفردة التي تسمى الجواهر المفردة .
والله تعالى منزه عن ذلك كله عن أن يكون كان متفرقاً ؛ فاجتمع أو أن يقبل التفريق والتجزئة التي هي مفارقة بعض الشيء بعضا وانفصاله عنه أو غير ذلك من التركيب الممتنع عليه .
و قد يراد بالجسم ما يشار إليه أو ما يرى أو ما تقوم به الصفات , والله تعالى يرى في الآخرة وتقوم به الصفات , ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم وقلوبهم ووجوههم وأعينهم ؛ فإذا أراد بقوله ليس بجسم هذا المعنى .
قيل له : هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول , وأنت لم تقم دليلا على نفيه .
وأما اللفظ فبدعة نفياً وإثباتاً.
“منهاج السنة” (2|134)
وقال ابن القيم رحمه الله في” الصواعق”
:” فالناس كانوا طائفتين سلفية وجهمية فحدثت الطائفة السبعية – الأشاعرة – واشتقت قولا بين القولين فلا للسلف أثبتوا ولا مع الجهمية بقوا .
وقالت طائفة أخرى : ما لم يكن ظاهره جوارح وأبعاض كالعلم والحياة والقدرة والإرادة والكلام لا يتأول , وما كان ظاهره جوارح وأبعاض كالوجه واليدين والقدم والساق والإصبع ؛ فإنه يتعين تأويله لاستلزام إثباته التركيب والتجسيم .
قال المثبتون : جوابنا لكم بعين الجواب الذي تجيبون به خصومكم من الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات ؛ فإنهم قالوا لكم لو قام به سبحانه صفة وجودية كالسمع والبصر والعلم والقدرة والحياة لكان محلا للأعراض , ولزم التركيب والتجسيم والانقسام كما قلتم لو كان له وجه ويد وأصبع لزم التركيب والانقسام .
فما جوابكم لهؤلاء نجيبكم به !
فإن قلتم : نحن نثبت هذه الصفات على وجه لا تكون أعراضاً ولا نسميها أعراضاً فلا يستلزم تركيباً ولا تجسيماً .
قيل لكم : ونحن نثبت الصفات التي أثبتها الله لنفسه إذ نفيتموها أنتم على وجه لا يستلزم الأبعاض والجوارح , ولا يسمى المتصف بها مركباً ولا جسماً ولا منقسماً .
“الصواعق” (1/226)
وقال ابن القيم رحمه الله : فلفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتاً فتكون له حرمة الإثبات , ولا نفيا فيكون له إلغاء النفي .
فمن أطلقه نفيا أو إثباتا سئل عما أراد به ؟
فإن قال أردت الجسم معناه في لغة العرب , وهو البدع الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه , ولا يقال للهواء جسم لغة ولا للنار ولا للماء ؛ فهذه اللغة وكتبها بين أظهرنا فهذا المعنى منفي عن الله عقلا وسمعا .
وإن أردتم به المركب من المادة والصورة أو المركب من الجواهر الفردة ؛ فهذا منفي عن الله قطعاً , والصواب نفيه عن الممكنات أيضا فليس الجسم المخلوق مركبا لا من هذا ولا من هذا , وإن أردتم بالجسم ما يوصف بالصفات ويرى بالأبصار ويتكلم ويكلم ويسمع ويبصره ويرضى ويغضب .
فهذه المعاني ثابتة للرب وهو موصوف بها ؛ فلا ننفيها عنه بتسميتكم للموصوف بها جسما .
” الصواعق” (3/939)
فملخص الكلام : أن اتهام شيخ الإسلام بالتجسيم بالمعنى الباطل هو من إلزامات المعترض سعيد فودة لشيخ الإسلام في إثباته للصفات الخبرية والعلو لله تعالى والتي هي مذهب السلف في ذلك وسوف أنقل النصوص في ذلك من كتابه الكاشف التي تدلل على اتهامه لشيخ الإسلام بالتجسيم لإثباته الصفات الخبرية والعلو :
قال في الكاشف (23) :- بعد أن نقل كلام الإمام الأشعري في غلاة الرافضة وأنهم يقولون عن الله أنه جسم وأنه جثة على صورة الإنسان لحم ودم وشعر.. . قال : أما أن لله أعضاء هي ما ذكرها هنا فقد أثبتها ابن تيمية كما ستراه .
وقال ص (24) : نقل قول الأشعري : فقالت المجسمة له يدان ورجلان ووجه وعينان وجنب يذهبون إلى الجوارح والأعضاء .
قال : وهذا حاصل قول ابن تيمية بالضبط وإن لم يصرح به بهذا الوضوح.
ومعلوم أن قول السلف في إثبات الصفات الخبرية مغاير بتاتا لقول هؤلاء الغلاء كما نقل الأشعري أنهم يقولون أنه من لحم وعصب إلخ .
رابعا : إثبات الصفات الخبرية والعلو ذهب إليه الإمام الأشعري ونقله في الإبانة ومقالات الإسلامين لما نقل مجمل اعتقاد أهل الحديث وقال : وبه أقول .
ونقله كذلك الباقلاني في كتابه التمهيد .
بل أقر به الجويني في الإرشاد فقال : ذهب أئمتنا إلى أن اليدين، والعينين والوجه، صفات ثابتة للرب، والسبيل إلى إثباتها السمع، دون قضية العقل .
وهذا نصه واعترافه بذلك في كتابه الإرشاد .
خامسا : أن الأشاعرة خالفوا المعقول في المسائل المتعلقة بمسألة الجسم :
- قولهم :إن الأجسام متماثلة قال شيخ الإسلام : وحقيقة هذا القول أن الأجسام متماثلة من كل وجه، لا تختلف من وجه دون وجه، بل الثلج مماثل للنار من كل وجه، والتراب مماثل للذهب من كل وجه، والخبز مماثل للحديد من كل وجه، إذ كانا متماثلين في صفات النفس عندهم وهذا القول فيه من مخالفة الحس والعقل .
درء التعارض (5/192)
- قولهم : إن الأجسام مركبة من الجواهر الفردة ويعنون بذلك الجزء الذي لا ينقسم .قال شيخ الإسلام : فأما المقدمة الأولى، وهي القائلة: إن الجوهر لا يعرى من الأعراض، فإن عنوا الأجسام المشار إليها القائمة بذاتها فهي مقدمة صحيحة، وإن عنوا بالجوهر الجزء الذي لا يتجزأ وهو الذي يريدونه بالجوهر الفرد، ففيها شك ليس باليسير، وذلك أن وجود جوهر غير منقسم ليس معروفاً بنفسه، وفي وجوده أقاويل متضادة شديدة التعاند . درء التعارض (9/76)
- ترتب على القول بالجوهر الفرد أن جعلوه أصلا من أصول الإيمان بالله واليوم الآخر .
قال شيخ الإسلام: ” أصل هؤلاء المتكلمين من الجهمية المعتزلة ومن وافقهم الذي بنوا عليه هذا هو مسألة الجوهر الفرد فإنهم ظنوا أن القول بإثبات الصانع وبأنه خلق السموات والأرض وبأنه يقيم القيامة ويبعث الناس من القبور لايتم إلا بإثبات الجوهر الفرد فجعلوه أصلا للإيمان بالله واليوم الآخر أما جمهور المعتزلة ومن وافقهم كأبي المعالي وذويه فيجعلون الإيمان بالله تعالى لايحصل إلا بذلك وكذلك الإيمان باليوم الآخر إذ كانوا يقولون لايعرف ذلك إلا بمعرفة حدوث العالم ولايعرف حدوثه إلا بطريقة الأعراض وطريقة الأعراض مبنية على أن الأجسام لاتخلو منها .
بيان تلبيس الجهمية (2/243)
وهذا الأمر أقر به حتى كبار الأشاعرة :
يقول ابن فورك :وأما وصفه بأنه العالم القادر الحي المريد المتكلم السميع البصير , فإن معنى جميع ذلك عنده – أي الأشعري – أن له علما وقدرة وحياة وإرادة وكلاما وسمعا وبصرا ويقول : إن ذلك حقيقة معاني هذه الصفات شاهدا وغائبا ولا يصح أن يتخلف حكمها وإنما تجري مشتقة منها في كل موصوف بها .
مجرد مقالات الأشعري (44)
وقال التفتازاني : واعلم أن بعض القدماء بالغوا في التنزيه حين امتنعوا عن إطلاق اسم الشئ بل العالم والقادر وغيرهما على الله تعالى زعما منهم أنه يوجب إثبات المثل له , وليس كذلك لأن المماثلة إنما تلزم لو كان المعنى المشترك بينه وبين غيره فيهما على السواء ولا تساوي بين مشيئة ومشيئة غيره ولا بين علمه وعلم غيره وكذا جميع الصفات .
شرح المقاصد (4/52-53)
المسألة الثامنة : متى يقال لمن أثبت الصفة أنه ممثل
– قال إسحاق بن راهويه : «إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثل سمع. فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه وأما إذا قال كما قال الله تعالى يد وسمع وبصر ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيها وهو كما قال الله تعالى فى كتابه: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } » .
سنن الترمذي (662)
وقال شيخ الإسلام : كما قال الإمام أحمد: المشبه الذي يقول بصر كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي ومن قال ذلك فقد شبه الله بخلقه وكما قال إسحاق وأبو نعيم ومحققو المتكلمين على أن هذا التشابه الذي هو التماثل لا يكون بالموافقة في بعض الصفات بل الموافقة في جميع الصفات الذاتية التي بها يقوم أحدهما مقام الآخر وأما التشبيه في اللغة فإنه قد يقال بدون التماثل في شيء من الحقيقة كما يقال للصورة المرسومة في الحائط إنها تشبه الحيوان ويقال هذا يشبه هذا في كذا وكذا وإن كانت الحقيقتان مختلفتين ولهذا كان أئمة أهل السنة ومحققو أهل الكلام يمنعون من أن يقال لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه فإن مقتضى هذا كونه معدومًا .
بيان تلبيس الجهمية (3/134-136)
قال أبو عمر الطلمنكي المالكي الأندلسي (ت. 429 هـ) في كتاب “الوصول إلى معرفة الأصول” : (قال قوم من المعتزلة والجهمية: لا يجوز أن يسمى الله عز وجل بهذه الأسماء على الحقيقة ويسمى بها المخلوق. فنفوا عن الله الحقائق من أسمائه، وأثبتوها لخلقه، فإذا سُئلوا ما حملهم على هذا الزيغ؟ قالوا: الاجتماع في التسمية يوجب التشبيه.
قلنا: هذا خروج عن اللغة التي خوطبنا بها لأن المعقول في اللغة أن الاشتباه في اللغة لا تحصل بالتسمية، وإنما تشبيه الأشياء بأنفسها أو بهيئات فيها كالبياض بالبياض، والسواد بالسواد، والطويل بالطويل، والقصير بالقصير، ولو كانت الأسماء توجب اشتباها لاشتبهت الأشياء كلها لشمول اسم الشيء لها، وعموم تسمية الأشياء به، فنسألهم: أتقولون إن الله موجود؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: يلزمكم على دعواكم أن يكون مشبها للموجودين. وإن قالوا: موجود ولا يوجب وجوده الاشتباه بينه وبين الموجودات. قلنا: فكذلك هو حيٌ، عالمٌ، قادرٌ، مريدٌ، سميعٌ، بصيرٌ، متكلمٌ، يعني ولا يلزم اشتباهه بمن اتصف بهذه الصفات.)
العلو (246)
قال أبو نصر السجزي الحنفي (ت. 444 هـ) : (والأصل الذي يجب أن يُعلم: أن اتفاق التسميات لا يوجب اتِّفاق المسمّين بها، فنحن إذا قلنا: إن الله موجود رؤوف واحد حيٌّ عليم سميع بصير متكلم، وقلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان موجودًا حيًّا عالمًا سميعًا بصيرًا متكلمًا، لم يكن ذلك تشبيها، ولا خالفنا به أحدًا من السلف والأئمة، بل الله موجود لم يزل، واحد حي قديم قيوم عالم سميع بصير متكلم فيما لم يزل، ولا يجوز أن يوصف بأضداد هذه الصفات.) .
درء التعارض (2/89) نقلا عنه
إقرار الأشاعرة بذلك
قال أبو المعالي : وقال في بعض كتبه- أي الأشعري -: المشبهة من يعترف بالتشبيه ويلتزمه، وأما من ينكره فلا نسميه مشبهًا، إذ حقيقة المثلين: المشتبهان في جميع صفات النفس .
بيان تلبيس الجهمية (1/385) نقلا عنه
وقال نور الدين الصابوني : واختلف القائلون فيما تثبت المماثلة : قالت الفلاسفة والباطنية وجهم بن صفوان : المماثلة تثبت في مجرد الوصف والتسمية حتى امتنعوا عن تسمية الله موجودا وحيا وعالما وقادرا نفيا للمماثلة بين الله تعالى وبين خلقه وهذا باطل …
وقالت المعتزلة : المماثلة تثبت بالاشتراك في أخص الأوصاف فإن للعلم مثلا ثلاثة أوصاف .. ولهذا امتنعوا عن وصف الله بالعلم نفيا للمماثلة بين الله وبين خلقه .
ثم قال : وعندنا المماثلة إنما تثبت بالاشتراك في جميع الأوصاف حتى لو اختلف وصف واحد لا تثبت المماثلة .
البداية من الكفاية (57-59) عن الانتصار للتدمرية (225)
المسألة الخامسة : الحد
قال المعترض سعيد فودة : وأثبت لاحظوا ما الذي أثبته ابن تيمية هذا ليس افتراء ليس كذبا على ابن تيمية ليس مجرد تشنيع ليس خيالا من محض رأسي ابن تيمية أثبت أن الله سبحانه وتعالى محدود له حد ينتهي أليه نتنهي إليه ذاته من جميع الجهات من الجهات جميعها أي فوق وتحت ويمين وأسفل وشمال وقدام وخلف أي أمام وخلف بالنصهذا منصوص عليه من كلام ابن تيمية ليس باللازم ليس فهما باللازم .
الكلام على شبهة الحد
أقول مستعينا بالله :
أولا : الحد لغة بمعنى الحَدُّ: الحاجِزُ بينَ شَيْئَيْنِ، ومُنْتَهى الشيءِ , وتمييزُ الشيءِ عنِ الشيءِ … كما في القاموس المحيط (276)
وقال المناوي في التوقيف على مهمات التعاريف (137) : الحد: الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، وحد الدار ما تتميز به عن غيرها. يقال حددت الدار ميزتها عن مجاوراتها بذكر نهاياتها. وحد الشيء الوصف المحيط بمعناه. .. وعند أهل الميزان: قول دال على ماهية الشيء. وعند أهل الأصول ما يميز الشيء عما عداه .
وأما اصطلاحا فله عدة معان:
قال شيخ الإسلام : فأما «الحد» بمعنى حقيقة الشيء التي هو بها يتميز بها عن غيره، فلا ريب بين المسلمين أن الله له حقيقة، وذات فذلك حده الذي لا يعلمه غيره ..وأما الحد بمعنى القول -فله أسماء تميزه عن غيره وله حدود بخواصه التي تميزه عن [غيره] كقولنا: رب العالمين، وخالق السموات والأرض والأول والآخر والظاهر والباطن.
وأما «الحد» المركب من الجنس والفصل فلا يجوز في حق الله تعالى.
فأما حد عينه الذاتية فيراد به: علي بذاته , وحد بصفاته , وحد بمقداره.
فأما الأول: فهو بمعنى انفصاله عن غيره وتميزه عنه بحيث لا يختلط به وهذا داخل فيما قصده ابن المبارك وغيره؛ خلافا للجهمية الذين يجعلونه مختلطا بالمخلوقات؛ ولهذا قال: بائن من خلقه بحد.
فإن «الحد» هو الفصل والتمييز بينه وبين غيره. و «الحد» بهذا المعنى متفق عليه بين أهل السنة القائلين بأن الله فوق العرش .. وأما الثاني: فهو بمعنى صفاته القائمة به المميزة له عن غيره، كما يقال في حُلية الموصوف ونعوته، فله حد بهذا الاعتبار.
وأما «الحد» بمعنى المقدار والنهاية فهذا مورد النزاع، فقيل: لا حد له ولا غاية ولا مقدار وقيل: له حد من جانب العرش فقط وقيل: له حد ونهاية لا يعلمها غيره؛ إذ لا يعقل موجود بدون ذلك, وقد يقال: إن ابن المبارك وغيره قصدوه، إذ لو لم يريدوا ذلك لم يكن حاجة إلى قولهم: على عرشه بل يكفي أن يقال: هو منفصل عن خلقه متميز عنهم .
المستدرك على مجموع الفتاوى (1/65-68)
فالشاهد أن الحد الذي ورد في كلام العلماء يتناول هذه الأمور فإما المراد :
- حقيقة الشئ التي يتميز بها عن غيره .
- وإما حد بمعنى انفصاله وبينونته عن خلقه .
- وإما حد بوصفه ومقداره وأنه ذاته ليست في كل مكان كما يعتقد متصوفة الجهمية .
ثانيا :- لفظ الحد من الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة
قال الإمام الذهبي رحمه الله : الصواب الكف عن إطلاق ذلك إذ لم يأت فيه نص , ولو فرض أن المعنى صحيح ؛ فليس لنا أن نتفوه بشيء لم يأذن به الله خوفا من أن يدخل القلب شيء من البدعة .
“سير الأعلام النبلاء ” (20|86)
قلت :هذا صحيح وسبب كلام أهل السنة في مثل هذه الألفاظ كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : قال شيخ الإسلام رحمه الله :
” وإذا كانت هذه الألفاظ مجملة فالمخاطب لهم إما أن يفصل , ويقول ما تريدون بهذه الألفاظ؛ فإن فسروها بالمعنى الذي يوافق القرآن قبلت , وإن فسروها بخلاف ذلك ردت , وإما أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بهذه الألفاظ نفيا وإثباتا ؛ فإن امتنع عن التكلم معهم فقد ينسبونه إلى العجز والانقطاع .
وإن تكلم بها معهم نسبوه إلى أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقا وباطلا , وأوهموا الجهال باصطلاحهم أن إطلاق تلك الألفاظ يتناول المعاني الباطلة التي ينزه الله عنها . “درء تعارض العقل والنقل” (1/133)
ثالثا : كلمة الحد من الألفاظ التي تحتمل حقا وباطل فالأصل الاستفصال عن المعنى المراد ؛ فالمعنى الحق أنه سبحانه منفصل وبائن عن خلقه أو له كيفية في صفاته متميزة عن غيرها لا يعلم حقيقتها إلا هو , والمعنى الباطل أنه مخالط لخلقه غير منفصل عنهم أو أنا شيئا من خلقه يحويه أو نفي علوه على خلقه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- :
وكذلك إذا قالوا إن الله منزه عن الحدود والأحياز والجهات أوهموا الناس بأن مقصودهم بذلك أنه لا تحصره المخلوقات , ولا تحوزه المصنوعات , وهذا المعنى الصحيح ومقصودهم أنه ليس مبايناً للخلق ولا منفصلاً عنه , وأنه ليس فوق السموات رب ولا على العرش إله , وأن محمدا لم يعرج به إليه , ولم ينزل منه شيء , ولا يصعد إليه شيء , ولا يتقرب إليه شيء , ولا ترفع الأيدي إليه في الدعاء ولا غيره , ونحو ذلك من معاني الجهمية .
“درء التعارض” (1|241)
رابعا : -ورد الكلام في الحد عن أئمة السلف كابن المبارك وأحمد وغيرهم: قال علي بن الحسن بن شقيق: قلت لعبد الله بن المبارك : بما نعرف ربنا؟ قال : بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه. قلت: بحد قال: بحد لا يعلمه غيره.
“السنة” (1/175) لعبد الله بن أحمد بن حنبل , و “الأسماء والصفات” للبيهقي (538)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ” وهذا مشهور عن ابن المبارك ثابت عنه في غير وجه , وهو أيضاً ثابت عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغير واحد من الأئمة.
“مجموع الفتاوى” (5/184)
وقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويل
إذا ثبت استواؤه سبحانه , وأنه في جهة , وأن ذلك من صفات الذات فهل يجوز إطلاق الحد عليه ؟
قد أطلق أحمد القول بذلك في رواية المروزي ؛ وذُكر له قول ابن المبارك نعرف الله على العرش بحد فقال أحمد : بلغني ذلك وأعجبه .
وقال الأثرم ، قلت لأحمد : يحكي عن ابن المبارك نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه بحد .
فقال أحمد : هكذا هو عندنا.
” بيان تلبيس الجهمية” (2|173)
قلت : وهنا الحد بمعنى المنفصل عن خلقه البائن عنهم .
قال : ثم ذكر عن أبي داود قال : جاء رجل إلى أحمد بن حنبل فقال له: لله تبارك وتعالى حد ؟ قال: نعم لا يعلمه إلا هو قال الله تبارك وتعالى {وترى الملائكة حافين من حول العرش} يقول محدقين فقد أطلق أحمد القول بإثبات الحد لله تعالى .
” بيان تلبيس الجهمية” (2|173)
ونقل الخلال في السنة : عن الإمام أحمد قوله : نحن نؤمن بأن الله تعالى على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد فصفات الله له ومنه وهو كما وصف نفسه لاتدركه الأبصار بحد ولا غاية وهو يدرك الأبصار وهو عالم الغيب والشهادة علام الغيوب ولا يدركه وصف واصف وهو كما وصف نفسه ليس من الله تعالى شيء محدود ولا يبلغ علم قدرته أحد غلب الأشياء كلها بعلمه وقدرته وسلطانه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ {11} [الشورى 11] .
قال شيخ الإسلام : بلاحد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده حد نفى به إحاطة علم الخلق به وأن يحدوه أو يصفوه على ما هو عليه إلا بما أخبر به عن نفسه ليبين أن عقول الخلق لا تحيط بصفاته كما قال الشافعي في الرسالة: : الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه , وفوق ما يصفه به خلقه.
ولهذا قال أحمد : لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية .
فنفى أن يدرك له حد أو غاية ..
وما في هذا الكلام من نفى تحديد الخلق وتقديرهم لربهم وبلوغهم حقه لا ينافي ما مضى عليه أحمد وغيره من الأئمة كما ذكره الخلال أيضا
قال حدثنا أبو بكر المروزي قال سمعت أبا عبد الله لما قيل له : روى علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك أنه قيل له : كيف نعرف الله عز وجل قال: على العرش بحد قال: قد بلغني ذلك عنه وأعجبه .
ثم قال أبو عبد الله {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} ثم قال : { وجاء ربك والملك صفا صفا}
قال الخلال : وأنبئنا محمد بن علي الوراق حدثنا أبو بكر الأثرم حدثني محمد بن إبراهيم القيسي قال: قلت لأحمد بن حنبل يحكى عن ابن المبارك , وقيل له :كيف نعرف ربنا ؟ قال: في السماء السابعة على عرشه بحد .
فقال أحمد : هكذا هو عندنا
وأخبرني حرب بن إسماعيل قال: قلت لإسحاق يعني ابن راهويه : هو على العرش بحد .
قال : نعم بحد
وذكر عن ابن المبارك قال: هو على عرشه بائن من خلقه بحد .
قال : وأخبرنا المروزي قال: قال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه قال الله تبارك وتعالى : {الرحمن على العرش استوى} إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى , ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة , وحتى قعور البحار ورؤوس الآكام , وبطون الأودية .
وفي كل موضع كما يعلم علم ما في السموات السبع , وما فوق العرش أحاط بكل شيء علما؛ فلا تسقط من ورقة إلا يعلمها , ولا حبة في ظلمات البر والبحرولا رطب ولا يابس إلا وقد عرف ذلك كله وأحصاه فلا تعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره . فهذا مثاله مما نقل عن الأئمة كما قد بسط في غير هذا الموضع , وبينوا أن ما أثبتوه له من الحد لا يعلمه غيره كما قال مالك وربيعة وغيرهما الاستواء معلوم والكيف مجهول .
فبين أن كيفية استوائه مجهولة للعباد فلم ينفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر , ولكن نفوا علم الخلق به , وكذلك مثل هذا في كلام عبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون وغير واحد من السلف والأئمة ينفون علم الخلق بقدرته وكيفيته , وبنحو ذلك قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون في كلامه المعروف , وقد ذكره ابن بطة في الإبانة وأبو عمرو الطلمنكي في كتابه الأصول .
ورواه أبو بكر الأثرم قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال: أما بعد فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتابعت فيه الجهمية , ومن خالفها في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير, وكلت الألسن عن تفسير صفته وانحشرت العقول في معرفة قدره إلى أن قال :
بأنه لا يعلم كيف هو إلا هو , وكيف يعرف قدر من لا يموت ولا يبلى , وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى يعرفه عارف أو يحد قدره واصف , الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه …
ثم ذكر بعد هذا كلام الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه الذي سماه رد عثمان بن سعيد على الكافر العنيد فيما افتراه على الله في التوحيد :
فقال : باب الحد والعرش
قال أبو سعيد وادعى المعارض أيضا: أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية.
قال : وهذا هو الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته , واشتق منها جميع أغلوطاته , وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق إليها جهما أحد من العالمين .
فقال له قائل : ممن يحاوره قد علمت مرادك أيها الأعجمي تعني أن الله لا شيء لأن الخلق كلهم قد علموا أنه ليس شيء يقع عليه اسم شيء إلا وله حد وغاية وصفه , وأن لا شيء ليس له حد ولا غاية ولا صفة ؛ فالشيء أبدا موصوف لا محالة ولا شيء يوصف بلا حد ولا غاية , وقولك لا حد له يعني أنه لا شيء .
قال أبو سعيد : والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره , ولا يجوز لأحد أن يتوهم لحده غاية في نفسه لكن نؤمن بالحد ونكل علم ذلك إلى الله .
” درء التعارض” (1|267)
قلت : وهنا الحد بمعنى أن لصفاته حقيقة يتميز بها عن غيره ولا يحيط الخلق بحقيقة صفاته .
وملخص الكلام الوارد عن الأئمة أن الحد يأتي لمعان :
- بمعنى المنفصل عن خلقه البائن عنهم وهذا ما ورد عن عبدالله بن المبارك وأحمد وإسحق .
- حقيقته ووصفه وهو الوارد عن الإمام أحمد في قوله : بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد فصفات الله لها حقيقة لا يعلمها إلا هو .
- وأما الحد المنفي فهو بمعنى عدم إحاطة الخلق به أو بصفاته .
خامسا : الحد بالقدر والمقدار
هذه الكلمة شنع المعترض عليها كثيرا في كتابه الكاشف وأورد نصوصا فسرها بهواه وأن شيخ الإسلام يدعي أن الله محدود من جميع الجهات ,
قلت : مع أن كلام شيخ الإسلام واضح لمن تأمله وهو كان في مقابل الرد على متصوفة الجهمية الذين قالوا أن الله بذاته في كل مكان ولا يتصور أن يكون بمكان دون مكان فبين شيخ الإسلام أن الله محدود بمعنى منفصل بذاته أن يخالط شيئا من مخلوقاته فهو متميز بصفاته :أي لا تماثل شيئا من صفات المخلوقين فالله ليس كمثله شئ وكذلك هو منفص ومتميز بذاته فليست ذاته في كل مكان كما تقوله متصوفة الجهمية .
وإليك البيان :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان تلبيس الجهمية (3/42) : وإنما الحد ما يتميز به الشئ عن غيره من صفته وقدره .
وقد حاول المعترض سعيد فودة في كاشفه (215) أن يشغب على هذه الكلمة فقال : وأما القدر فهو عند ابن تيمية بمعنى الحجم والمساحة .. .
والجواب :
جاء في تهذيب اللغة : تَقول: يَنْزل الْمَطَر بمقدارٍ، أَي: بقَدَر وقَدْر، وَهُوَ مبلغ الشَّيْء. وَقَالَ اللَّيْث فِي قَوْله: {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ، أَي: مَا وصفوه حقَّ وَصفه. انتهى .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (3/357) : كل شيء له حقيقة تخصه، وقدر، وصفات تقوم به 0فهنا ثلاثة أشياء المقدار، والحقيقة، وصفات الحقيقة .
وقال شيخ الإسلام : وَالْأَجْسَامُ مُشْتَرِكَةٌ فِي كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَهُ قَدْرٌ يَخُصُّهُ، فَهِيَ مُشْتَرِكَةٌ فِي نَوْعِ الْمِقْدَارِ لَا فِي عَيْنِهِ، فَصَارَتِ الْأَجْسَامُ مُشْتَرِكَةً فِي الْمِقْدَارِ، فَقَالُوا: بَيْنَهَا مَادَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ .. وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْكُلِّيِّ الْمُطْلَقِ وَالِاشْتِرَاكِ فِي الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ، فَاشْتِرَاكُ الْأَجْسَامِ فِي الْجِسْمِيَّةِ وَالْامْتِدَادِ وَالْمِقْدَارِ الَّذِي يُظَنُّ أَنَّهُ الْمَادَّةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، كَاشْتِرَاكِ النَّاسِ فِي الْإِنْسَانِيَّةِ، وَاشْتِرَاكِ الْحَيَوَانَاتِ فِي الْحَيَوَانِيَّةِ.منهاج السنة (2/203)
وقال : فَإِذَا قِيلَ: الْأَجْسَامُ تَشْتَرِكُ فِي مُسَمَّى الْجِسْمِ أَوْ فِي الْمِقْدَارِ الْمُعَيَّنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، كَانَ هَذَا الْمُشْتَرَكُ مَعْنًى كُلِّيًّا، وَالْمِقْدَارُ الْمُعَيَّنُ لِهَذَا الْجِسْمِ لَيْسَ هُوَ الْمِقْدَارَ الْمُعَيَّنَ لِهَذَا الْجِسْمِ الْمُعَيَّنِ .
درء التعارض (2/208-209)
وملخص الكلام :
- فالقدر والمقدار يأتي بمعنى مبلغ الشئ ومنتهاه .
وكل شئ له منتهى وغاية وقدر , والذي ليس له قدر ونهاية وغاية هو المعدوم .
- بين شيخ الإسلام أن لفظ القدر والمقدار لفظ كلي مشترك ؛ يقدره الذهن في الذوات والموصوفات – الأجسام –ولا يلزم هذا اللفظ المشترك المقدر في الذهن أن تتشابه مقادير الموصوفات والذوات لأن الذهن يقدر أن للذوات والموصوفات قدر ومقدار بمعنى أن له حقيقة وغاية ومنتهي .
- بين شيخ الإسلام حقيقة المراد بذلك فقال رحمه الله : وهكذا كان السلف يقولون عن قول الجهمية إنهم لما قالوا إن الله ليس على العرش وأنه لا يكون في مكان دون مكان صاروا تارة يقولون إنه في كل مكان ويقول من يقول منهم إنه موجود لا نهاية لذاته فيجعلونه من الموجودات المخلوقة أو نفس وجودها وتارة يقولون ليس في مكان أصلاً ولا داخل العالم ولا خارجه فيجعلونه كالمعدومات فهم دائمًا مترددون بين الإشراك وبين التعطيل ؛ إما يجعلونه كالمخلوقات وإما أن يجعلوه كالمعدومات فالأول يكثر في عبادهم ومتصوفتهم والثاني يكثر في علمائهم ومتكلمتهم .
ولهذا لما كان صاحب الفصوص ونحوه من القسم الأول جعلوه نفس الموجودات وجوزوا كل شرك في العالم وجعلوه نفس العابد والمعبود والناكح والمنكوح والشاتم والمشتوم وقالوا ما عبد أحد إلا الله ولا يمكن أحد أن يعبد إلا الله بل لا يتصور أن يكون العابد والمعبود عندهم إلا الله , ولما كان صاحب التأسيس ونحوه من القسم الثاني جعلوه كالمعدومات المحضة ولهذا يقال فيهم متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئًا وهذا هو نهاية التعطيل , ومتصوفتهم يعبدون كل شيء.
بيان تلبيس الجهمية (3/783)
وقال رحمه الله : وقد قال في الآية الأخرى : وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى [النجم 42] وقال : إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ . [الانشقاق 6] وقال : ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ [الأنعام 62] وقال: أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ . [الشورى 53] وإذا كان منتهى المخلوقات إليه وهو الغاية والنهاية التي ينتهي إليها ؛ امتنع أن يكون بحيث لا ينتهي إليه ولا يكون غاية ومالا يوصف بالنهاية لا ينتهي إليه أصلاً.
بيان تلبيس الجهمية (3/788)
سادسا : ما ادعاه المعترض من أن شيخ الإسلام يقول أن الله محدود من كل مكان كذب محض , وإليك بعض النصوص عن شيخ الإسلام في هذه المسألة :
أ-قال شيخ الإسلام : وَالسَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ وَسَائِرُ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ إذَا قَالُوا ” إنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَإِنَّهُ فِي السَّمَاءِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ ” لَا يَقُولُونَ إنَّ هُنَاكَ شَيْئًا يَحْوِيهِ أَوْ يَحْصُرُهُ أَوْ يَكُونُ مَحَلًّا لَهُ أَوْ ظَرْفًا وَوِعَاءً سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ بَلْ هُوَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَكُلُّ شَيْءٍ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ. وَهُوَ عَالٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْحَامِلُ لِلْعَرْشِ وَلِحَمَلَةِ الْعَرْشِ بِقُوَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَرْشِ وَعَنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ .
مجموع الفتاوى (16/100-101)
ب-من أوجه الرد على كذب سعيد فودة أن شيخ الإسلام قرر كثيرا أن الجهات الست لا تتصور إلا للحيوان وأما ما كان فوق ااسماء أو في عالم الأفلاك فلا يتصور إلا العلو أو السفل .
قال رحمه الله : وَلَيْسَ لِلْأَفْلَاكِ إلَّا جِهَتَانِ: الْعُلُوُّ وَالسُّفْلُ فَقَطْ.
وَأَمَّا الْجِهَاتُ الست فهي الحيوان، فَإِنَّ لَهُ سِتَّ جَوَانِبَ، يَؤُمُّ جِهَةً فَتَكُونُ أَمَامَهُ، وَيُخْلِفُ أُخْرَى فَتَكُونُ خَلْفَهُ، وَجِهَةٌ تُحَاذِي يَمِينَهُ، وَجِهَةٌ تُحَاذِي شِمَالَهُ، وَجِهَةٌ تُحَاذِي رَأْسَهُ، وَجِهَةٌ تُحَاذِي رِجْلَيْهِ، وَلَيْسَ لِهَذِهِ الْجِهَاتِ السِّتِّ فِي نَفْسِهَا صِفَةٌ لَازِمَةٌ، بَلْ هِيَ بِحَسَبِ النِّسْبَةِ وَالْإِضَافَةِ، فَيَكُونُ يَمِينُ هَذَا مَا يَكُونُ شِمَالُ هَذَا، وَيَكُونُ أَمَامَ هَذَا مَا يَكُونُ خَلْفَ هَذَا، وَيَكُونُ فَوْقَ هَذَا مَا يَكُونُ تَحْتَ هَذَا.لَكِنَّ جِهَةَ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ لِلْأَفْلَاكِ .
الرسالة العرشية (22)
ومعلوم أن جهة السفل نقص ذم
قال رحمه الله نقلا عن الإمام أحمد في رده على الجهمية : ثم احتج الإمام أحمد بالنصوص فقال وقد أخبرنا الله أنه في السماء فقال سبحانه أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ {16} … فهذا خبرُ الله أخبرنا أنه في السماء ثم احتج بحجة أخرى من الأقيسة العقلية قال ووجدنا كل شيء أسفل مذمومًا قال الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء 145] وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ [فصلت 29] وهذه الحجة من باب قياس الأولى وهو أن السفل مذموم في المخلوق حيث جعل الله أعداءَهُ في أسفل سافلين وذلك مستقرٌ في فطر العباد حتى أن أتباع المضلين طلبوا أن يجعلوهم تحت أقدامهم ليكونوا من الأسفلين وإذا كان هذا مما ينزه عنه المخلوق ويوصف به المذموم المعيب من المخلوق فالربُّ تعالى أحق أن ينزهَ ويقدس عن أن يكون في السفل أو يكون موصوفًا بالسفل .
بيان تلبيس الجهمية (5/98-99)
ت-القائلون بأن الله تحويه الجهات الست هم المشايخ والسادة في الزهد والتصوف عندهم .
قال الشيخ الإسلام : وَهُوَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى فَلَهُ أَعْلَى الْعُلُوِّ وَهُوَ مَا فَوْقَ الْعَرْشِ وَلَيْسَ هُنَاكَ غَيْرُهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ هُوَ عِنْدَهُمْ فِي الْمَخْلُوقَاتِ السُّفْلِيَّةِ الْقَذِرَةِ الْخَبِيثَةِ كَمَا هُوَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ الْعَالِيَةِ. وَغُلَاةُ هَؤُلَاءِ الِاتِّحَادِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ” الْوُجُودُ وَاحِدٌ ” كَابْنِ عَرَبِيٍّ الطَّائِيِّ صَاحِبِ ” فُصُوصِ الْحِكَمِ ” و ” الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ ” يَقُولُونَ ” الْمَوْجُودُ الْوَاجِبُ الْقَدِيمُ هُوَ الْمَوْجُودُ الْمُحْدَثُ الْمُمْكِنُ “. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَرَبِيٍّ فِي ” فُصُوصِ الْحِكَمِ “: ” وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى ” الْعَلِيُّ “. عَلَى مَنْ وَمَا ثَمَّ إلَّا هُوَ؟ وَعَنْ مَاذَا وَمَا هُوَ إلَّا هُوَ؟ . فَعُلُوُّهُ لِنَفْسِهِ وَهُوَ مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ عَيْنُ الْمَوْجُودَاتِ فَالْمُسَمَّى ” مُحْدَثَاتٌ ” هِيَ الْعَلِيَّةُ لِذَاتِهَا وَلَيْسَتْ إلَّا هُوَ. إلَى أَنْ قَالَ: ” فَالْعَلِيُّ لِنَفْسِهِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ جَمِيعُ الْأَوْصَافِ الْوُجُودِيَّةِ وَالنِّسَبِ الْعَدَمِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ مَحْمُودَةً عُرْفًا وَعَقْلًا وَشَرْعًا أَوْ مَذْمُومَةً عُرْفًا وَعَقْلًا وَشَرْعًا. وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا الْمُسَمَّى اللَّهُ “. فَهُوَ عِنْدُهُ الْمَوْصُوفُ بِكُلِّ ذَمٍّ كَمَا هُوَ الْمَوْصُوفُ بِكُلِّ مَدْحٍ.
مجموع الفتاوى (16/101-102)
المسألة السادسة : الجهة والحيز
من الشبهة التي يثيرها هذا المعترض سعيد فودة شبهة الجهة والحيز
وللجواب على ذلك أقول مستعينا بالله :
أولا : معنى الحيز قال شيخ الإسلام : فان المتحيز في لغة العرب التي نزل بها القرآن يعنى به ما يحوزه غيره كما في قوله تعالى: {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ} فهذا تحيز موجود يحيط به موجود غيره إلى موجودات تحيط به وسمى متحيزا لأنه تحيز من هؤلاء إلى هؤلاء , والمتكلمون يريدون بالتحيز ما شغل الحيز والحيز عندهم تقدير مكان ليس أمرا موجودا , فالعالم عندهم متحيز وليس في حيز وجودي . والمكان عند أكثرهم وجودي.
الرد على المنطقيين (239)
وقال شيخ الإسلام : قَوْلَهُمْ يَنْفِي التَّحَيُّزَ لَفْظٌ مُجْمَلٌ، فَإِنَّ التَّحَيُّزَ الْمَعْرُوفَ فِي اللُّغَةِ، هُوَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ بِحَيْثُ يَحُوزُهُ وَيُحِيطُ بِهِ مَوْجُودٌ غَيْرُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} [الأنفال: 16] فَإِنَّ التَّحَيُّزَ مَأْخُوذٌ مِنْ حَازَهُ يَحُوزُهُ، فَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا بِقَوْلِنَا: إنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا تُحِيطُ بِهِ الْمَخْلُوقَاتُ وَلَا يَكُونُ فِي جَوْفِ الْمَوْجُودَاتِ، فَهَذَا مَذْكُورٌ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي كَلَامِي، فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي تَحْدِيدِهِ.
وَأَمَّا التَّحَيُّزُ الَّذِي يَعْنِيهِ الْمُتَكَلِّمُونَ فَأَعَمُّ مِنْ هَذَا فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ الْعَالَمُ كُلُّهُ مُتَحَيِّزٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ آخَرَ مَوْجُودٍ، إذْ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ مِنْ الْعَالَمِ وَقَدْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْحَيِّزِ وَالْمَكَانِ، فَيَقُولُونَ الْحَيِّزُ: تَقْدِيرُ الْمَكَانِ، وَكُلُّ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ مُبَايِنٌ لِغَيْرِهِ بِالْجِهَةِ فَإِنَّهُ مُتَحَيِّزٌ عِنْدَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مَوْجُودٌ.
الفتاوى الكبرى (6/357)
ثانيا : هذه من الألفاظ لم ترد في الكتاب والسنة قال شيخ الإسلام : وأما لفظ الجسم والجوهر والمتحيز والجهة ونحو ذلك فلم ينطق كتاب ولا سنة بذلك في حق الله لا نفياً ولا إثباتاً.
“منهاج السنة “(2/528)
والأصل فيها الاستفصال كما تقدم في الألفاظ التي تحتمل حقا وباطلا .
ثالثا : إن من نفى الجهة أراد نفي علو الله على خلقه , واستوائه على عرشه
قال ابن أبي العز الحنفي : “ونفاة لفظ الجهة الذين يريدون بذلك نفي العلو , ويذكرون من أدلتهم أن الجهات كلها مخلوقة , وأنه كان قبل الجهات , وأن من قال أنه في جهة يلزم القول بقدم شيء من العالم , وأنه كان مستغنيا عن الجهة ثم صار فيها.
وهذه الألفاظ ونحوها إنما تدل على أنه ليس في شيء من المخلوقات سواء سمي جهة أو لم يسم .
وهذا حق ولكن الجهة ليست أمرا وجوديا بل أمر اعتباري , ولا شك أن الجهات لا نهاية لها وما لا يوجد فيها لا نهاية له فليس بموجود .
“شرح الطحاوية “(221)
وقال ابن القيم -رحمه الله -:
وكذلك قولهم ننزهه عن الجهة ؛ إن أردتم أنه منزه عن جهة وجودية تحيط به وتحويه وتحصره إحاطة الظرف بالمظروف فنعم هو أعظم من ذلك وأكبر وأعلى .
ولكن لا يلزم من كونه فوق العرش هذا المعنى .
وإن أردتم بالجهة أمراً يوجب مباينة الخالق للمخلوق ,وعلوه على خلقه , واستواءه على عرشه فنفيكم لهذا المعنى الباطل , وتسميته جهة اصطلاح منكم توصلتم به إلى نفي ما دل عليه العقل والنقل والفطرة , وسميتم ما فوق العالم جهة , وقلتم منزه عن الجهات , وسميتم العرش حيزاً , و قلتم ليس بمتحيز
“مختصر الصواعق” (1/181)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله -:
” وما تنازع فيه المتأخرون نفياً وإثباتاً فليس على أحد بل , ولا له أن يوافق أحداً على إثبات لفظة أو نفيه حتى يعرف مراده ؛ فإن أراد حقاً قبل وإن أراد باطلاً رد .
وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقاً, ولم يرد جميع معناه بل يوقف اللفظ , ويفسر المعنى كما تنازع الناس في الجهة والتحيز , وغير ذلك ؛ فلفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقاً كما إذا أريد الجهة نفس العرش أو نفس السموات , وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم .
ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة , ولا نفيه كما فيه إثبات العلو والاستواء والفوقية والعروج إليه ,ونحو ذلك .
وقد علم أن ما من موجود إلا الخالق والمخلوق , والخالق مباين للمخلوق سبحانه وتعالى ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته .
فيقال لمن نفى الجهة أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق ؟
فالله ليس داخلا في المخلوقات أم تريد بالجهة ما وراء العالم ؛ فلا ريب أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات .
وكذلك يقال لمن قال الله في جهة أتريد بذلك أن الله فوق العالم أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات .
فإن أردت الأول فهو حق , وإن أردت الثاني فهو باطل .
وكذلك لفظ التحيز إن أراد أن الله تحوزه المخلوقات , فالله أعظم وأكبر بل قد وسع كرسيه السموات والأرض , وقد قال الله تعالى : {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه}
وقد ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض …
البخاري (6519) ومسلم (2787)
وإن أراد أن الله منحاز عن المخلوقات : أي مباين لها منفصل عنها ليس حالا فيها ؛ فهو سبحانه كما قال أئمة السنة فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه .
“مجموع الفتاوى” (3/42)
وقال شيخ الإسلام : فإن كثيرًا من عامة النفاة وإن كان مشهورًا عند الناس بعلم أو مشيخة أو قضاء أو تصنيف قد يظن أن قول من قال إنه في السماء أو في جهة معناه أن السموات تحيط به وتحوزه وكذلك إذا قال متحيز يظن أن معناه الحيز اللغوي وهو كونه تحيز في بعض مخلوقاته حتى إنهم ينقلون ذلك عن منازعهم إما عمدًا أو خطأ وربما صغروا الحيز حتى يقولوا إن الله في هذه البقعة أو هذا الموضع ونحو ذلك من الأكاذيب المفتراة .
بيان تلبيس الجهمية (3/306)
وقال ابن رشد في ” مناهج الأدلة”
: وأما هذه الصفة – أي الجهة – فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة ثم تبعهم على نفيها متأخروا الأشعرية كأبي المعالي , ومن اقتدى بقوله , وظواهر الشرع تقتضي إثبات الجهة مثل قوله تعالى : { الرحمن على العرش استوى } ومثل قوله تعالى : { وسع كرسيه السماوات والأرض } ومثل قوله : { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } ومثل قوله : { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } ومثل قوله : { تعرج الملائكة والروح إليه } ومثل قوله : { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور } إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولاً , وإن قيل فيها : إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابها لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء , وأن منها تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين ,وأن من السماء نزلت الكتب وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى قرب من سدرة المنتهى .
قال : ” وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك , والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هو أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية .
قال : ونحن نقول : إن هذا كله غير لازم ؛ فإن الجهة غير المكان ….
“درء التعارض”(3|211)
رابعا : من الكذب الذي نسبه لشيخ الإسلام أنه زعم أن ابن تيمية يقول أن الله تحويه الجهات الست ؟!
وقد رد شيخ الإسلام هذه الفرية وبين أن الله لا تحويه الجهات الست بل هو على عرشه استوى
قال شيخ الإسلام : وَلَيْسَ لِلْأَفْلَاكِ إلَّا جِهَتَانِ: الْعُلُوُّ وَالسُّفْلُ فَقَطْ.
وَأَمَّا الْجِهَاتُ الست فهي الحيوان، فَإِنَّ لَهُ سِتَّ جَوَانِبَ، يَؤُمُّ جِهَةً فَتَكُونُ أَمَامَهُ، وَيُخْلِفُ أُخْرَى فَتَكُونُ خَلْفَهُ، وَجِهَةٌ تُحَاذِي يَمِينَهُ، وَجِهَةٌ تُحَاذِي شِمَالَهُ، وَجِهَةٌ تُحَاذِي رَأْسَهُ، وَجِهَةٌ تُحَاذِي رِجْلَيْهِ، وَلَيْسَ لِهَذِهِ الْجِهَاتِ السِّتِّ فِي نَفْسِهَا صِفَةٌ لَازِمَةٌ، بَلْ هِيَ بِحَسَبِ النِّسْبَةِ وَالْإِضَافَةِ، فَيَكُونُ يَمِينُ هَذَا مَا يَكُونُ شِمَالُ هَذَا، وَيَكُونُ أَمَامَ هَذَا مَا يَكُونُ خَلْفَ هَذَا، وَيَكُونُ فَوْقَ هَذَا مَا يَكُونُ تَحْتَ هَذَا.
لَكِنَّ جِهَةَ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ لِلْأَفْلَاكِ .
الرسالة العرشية (22)
وقال رحمه الله : وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ مُسَمَّى الْجِهَةِ نَوْعَانِ إضَافِيٌّ مُنْتَقِلٌ وَثَابِتٌ لَازِمٌ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَهِيَ الْجِهَاتُ السِّتُّ لِلْحَيَوَانِ، أَمَامَهُ وَهُوَ مَا يَؤُمُّهُ، وَخَلْفَهُ وَهُوَ مَا يَخْلُفُهُ وَيَمِينَهُ، وَيَسَارَهُ وَفَوْقَهُ، وَتَحْتَهُ وَهُوَ مَا يُحَاذِي ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْجِهَاتُ لَيْسَتْ جِهَاتٍ لِمَعْنًى يَقُومُ بِهَا، وَلَا ذَلِكَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لَهَا، بَلْ تَصِيرُ الْيَمِينُ يَسَارًا وَالْيَسَارُ يَمِينًا وَالْعُلُوُّ سُفْلًا وَالسُّفْلُ عُلُوًّا، يَتَحَرَّكُ الْحَيَوَانُ مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ فِي الْجِهَاتِ، وَأَمَّا الثَّانِي، فَهُوَ جِهَتَا الْعَالَمِ وَهِيَ الْعُلُوُّ وَالسُّفْلُ، فَلَيْسَ لِلْعَالَمِ إلَّا جِهَتَانِ إحْدَاهُمَا الْعُلُوُّ وَهُوَ جِهَةُ السَّمَاوَاتِ وَمَا فَوْقَهَا، وَجِهَةُ السُّفْلِ وَهُوَ جِهَةُ الْأَرْضِ وَمَا تَحْتَهَا وَفِي جَوْفِهَا، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَكُلُّ مَا كَانَ خَارِجَ الْعَالَمِ مُبَايِنًا لِلْعَالَمِ فَهُوَ فَوْقَهُ وَهُوَ فِي الْجِهَةِ الْعُلْيَا، فَالْبَارِي تَعَالَى إمَّا أَنْ يَكُونَ مُبَايِنًا لِلْعَالَمِ مُنْفَصِلًا عَنْهُ، أَوْ لَا يَكُونُ مُبَايِنًا لَهُ مُنْفَصِلًا عَنْهُ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، كَانَ خَارِجًا عَنْهُ عَالِيًا عَلَيْهِ بِالْجِهَةِ الْعُلْيَا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، كَانَ حَالًّا فِي الْعَالَمِ قَائِمًا بِهِ مَحْمُولًا فِيهِ.
قَالَ هَؤُلَاءِ: وَهَذَا كُلُّهُ مَعْلُومٌ بِالْفِطْرَةِ الْعَقْلِيَّةِ، فَالْبَارِي قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْعَالَمَ كَانَ هُوَ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْلُقْهُ فِي ذَاتِهِ، فَيَكُونُ هُوَ مَحَلًّا لِلْمَخْلُوقَاتِ، وَلَا جَعَلَ ذَاتَه فِيهِ، فَيَكُونُ مُفْتَقِرًا مَحْمُولًا قَائِمًا بِالْمَصْنُوعَاتِ، بَلْ خَلْقُهُ بَائِنًا عَنْهُ فَيَكُونُ فَوْقَهُ وَهُوَ جِهَةُ الْعُلُو .
الفتاوى الكبرى (6/356-357)
خامسا : أنهم حذاق الأشاعرة اعترفوا أن المراد بالجهة التي يفترضونها فوق العرش جهة عدمية , والعدم لا شئ , فعاد الأمر أن يكون مجرد تخيل في الذهن لا حقيقة له
قال شيخ الإسلام : ويقال لهم: ما تعنون بأن هذا إثبات للجهة والجهة ممتنعة؟ أتعنون بالجهة أمراً وجودياً أو أمراً عدمياً؟
فإن أردتم أمرا وجودياً ـ وقد علم أنه ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والله فوق سماواته بائن من مخلوقاته، لم يكن ـ والحالة هذه ـ في جهة موجودة…وإن فسرتم الجهة بأمر عدمي كما تقولون: إن الجسم في حيز، ولاحيز تقدير مكان، وتجعلون ما وراء العالم حيزاً.
فيقال لكم: الجهة ـ والحيز ـ إذا كان أمراً عدمياً فهو لا شيء، وما كان في جهة عدمية أو حيز عدمي، فليس هو في شيء، ولا فرق بين قول القائل: هذا ليس في شيء وبين قوله: هو في العدم أو أمر عدمي فإذا كان الخالق تعالى مبايناً للمخلوقات عالياً عليها، وما ثم موجود إلا الخالق أو المخلوق، لم يكن معه غيره من الموجودات، فضلاً عن أن يكون هو سبحانه في شيء موجود يحصره أو يحيط به.
درء التعارض (1/254)
سادسا : قارن بين هذا القول وبين ما نقله القشيري من سادات الأشاعرة عن أبي علي الدقاق : أَحْسَن مَا قيل فِي هَذَا الباب قَوْل من قَالَ هَذَا طريق لا يصلح إلا لأقوام قَدْ كنس اللَّه بأرواحهم المزابل !.
الرسالة القشرية (2/444)
التعليق على منشور: ( فاطمة بنت أسد ) رضي الله عنها
تنبيه:
اللون الأحمر: المنشور.
اللون الأسود: تعليق الشيخ إحسان العتيبي وفقه الله.
الموضع الأول من المنشور :
قالوا:
من هي المرأة التى خلع نبي الأمة قميصه ليكفنها به ولما أنزلت بقبرها أخذ يحفر ويوسع التراب بيده و اضطجع في قبرها وقيل توسد القبر وخرج وعينه تفيض من الدمع عليها؟؟
من هي التى دعا لها بأن تبعث وهي كاسية فهي مكفنة بقميص نبينا صلى الله عليه وسلم ؟
من هي التى لمَّا سوَّى عليها التراب قال بعضهم: يا رسول الله، رأيناك صنعت شيئًا لم تصنعه بأحدٍ، فقال: «إِنِّي أَلْبَسْتُها قَمِيصِي لِتَلْبَس مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ، وَاضْطَجَعْتُ مَعَهَا فِي قَبْرِهَا لَيُخَفَّف عَنْهَا مِن ( ضَغْطَة الْقَبْرِ ) ، إنها كانت أحسن خلق الله صنيعا بي بعد أبي طالب)
حبيبي أنت يارسول الله تحمل المعروف لمن لم يقدمه لك فكيف بامرأة حوى معروفها طفولتك.
من هي هذه المرأة !؟
*هي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف القرشيَّة الهاشميَّة، *
—– التعليق على الموضع الأول —–
رواية عبد الله بن عباس رضى الله عنه
عن ابن عباس قال لما ماتت فاطمة أم علي خلع رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه وألبسها إياه واضطجع في قبرها فلما سوى عليها التراب قال بعضهم يا رسول الله رأيناك صنعت شيئا لم تصنعه بأحد قال: إني ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنة واضطجعت معها في قبرها لأخفف عنها من ضغطة القبر إنها كانت أحسن خلق الله صنيعا إلي بعد أبي طالب”.
رواه الطبرانى فى المعجم الأوسط (7/87/6935) ، وأبونعيم فى معرفة الصحابة(1/76/289) جميعا من طرق عن الحسن بن بشر البجلي ثنا سعدان بن الوليد بيَّاع السابِري عن عطاء بن أبي رباح.
قلت : إسنادها ضعيف جدا.
فيه سعدان بن الوليد بياع السابري مجهول العين قليل الحديث لا يروي إلا عن عطاء ويتفرد عنه بالمناكير.
وفيه: الحسن بن بشر هو بن سلم – سَلْم بفتح المهملة وسكون اللام – بن المسيب الهمدانى البَجَلى ، قال النسائي : ليس بقوي ، وقال ابن خراش منكر الحديث ، وقال الذهبى تردد فيه أحمد بن حنبل.
وأورده عنه الذهبى فى السير، وقال هذا غريب.
قلت : ولما ظهر أنه يخطئ، فصار تفرد مثله ليس بمحتمل وقد انفرد بهذه الرواية كما نص على ذلك الطبراني بعد أن ساق هذا الحديث بقوله ” تفرد بها الحسن بن بشر “، وقد انفرد بالرواية متكلم فيه عن مجهول .
================================================================
الموضع الثاني من المنشور :
قالوا :
” وفي بعض الروايات أنها كانت تُحب النبي أكثر من أبنائها، تصور ! فعندما توفي عبدالمطلب جاء أبو طالب لفاطمة وقال لها :
اعلمي أنّ هذا ابنُ أخي ، وهو أعزّ عِندي من نَفسي ومالي ، وإيّاكِ أن يتعرّض علَيه أحدٌ فيما يريد ، فتبسّمت من قوله وقالت له : توصيني في وَلدي محمّد ، وإنّه أحبُّ إليّ من نفسي وأولادي! ففرح أبو طالب بذلك “
—– التعليق على الموضع الثاني —–
وهذه الرواية لا وجود لها في كتب أهل السنة إنما هي من اختراع الرافضة .
================================================================
الموضع الثالث من المنشور :
قالوا :
” من شدة حبها النبي عليه الصلاة والسلام حتى عندما تزوج السيدة خديجة دفعت إليه بفلذة كبدها ابنها عليّ بن أبي طالب ليكون في ولايته صلى الله عليه وسلم بعد زواجه من أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها.
—– التعليق على الموضع الثالث —–
ولم يثبت هذا في السيرة النبوية ، وأعلى ما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ عليا من والده تخفيفا عليه من النفقة بعدما أصابت قريشا أزمةٌ شديدة:
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر، قال: كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب، ومما صنع الله له، وأراده به من الخير أن قريشًا أصابتها أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ للعباس عمه ـ وكان من أيسر بني هاشم: يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، انطلق بنا إليه، فلنخفف عنه من عياله. وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ عليًا، فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرًا، فضمه إليه.
==============================================================
الموضع الرابع من المنشور :
قالوا :
” تشير بعض الكتب الاسلامية إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام سمى بنته فاطمة على اسم هذه المرأة العظيمة التي كان يناديها بأمي وهي فاطمة بنت أسد، فسمى بنته وسيدة نساء أهل الجنة فاطمة رضي الله عنها على اسمها من شدة حبهِ لها”
—– التعليق على الموضع الرابع —–
فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها هي سيّدة نساء العالمين ، هي بنته من أولى زوجاته أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها .
قال عنها الإمام الذهبي : سيدة نساء العالمين في زمانها ، البضعة النبوية ، والجهة المصطفوية ، أم أبيها بنت سيد الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، مولدها قبل المبعث بقليل وتزوجها الإمام علي بن أبي طالب في ذي القعدة أو قُبيله مِن سنة اثنتين بعد وقعة بدر .
وقال ابن عبد البر : دخل بها بعد وقعة أُحُد . اهـ .
وأما ادِّعاء أن سبب تسميتها فاطمة أن الله فطمها وذريتها من النار ، فهو كذب ، والحديث الوارد في ذلك موضوع مكذوب ، وقد أوْرَده ابن الجوزي في كتاب ” الموضوعات ” ، والألباني في ” الضعيفة ” .
هناك كثيرات عدَّهن ابن حجر العسقلاني وغيره من المؤلفين في تراجم الصحابة، وفي تاريخ ما قبل البعثة الشريفة ـ عدُّهن ـ في جملة الصحابة، وكلهن باسم «فاطمة»، كفاطمة بنت حزام، وفاطمة بنت جنيد، وفاطم بنت أبي حبيش، وفاطمة بنت حمزة، وفاطمة بنت صفوان، وفاطمة بنت عتبة.
===============================================================
الموضع الخامس من المنشور:
قالوا:
“في مرة من المرات أُهدي للنبي حلة من استبرق ( بمعنى ثوب من الحرير) فقال عليه الصلاة والسلام (اجعلها خُمرًا بين الفواطم، فشقها أربعة أخمره، خمارًا لفاطمة الزهراء، وفاطمة بنت أسد، وفاطمة بنت حمزة بن عبدالمطلب، والرابعة قيل إنها فاطمة بنت شيبة بن عبد شمس زوج عقيل بن أبي طالب”
—– التعليق على الموضع الخامس —–
” عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبَ حَرِيرٍ فَأَعْطَاهُ عَلِيًّا فَقَالَ شَقِّقْهُ خُمُرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ . رواه مسلم
قال النووي رحمه الله :
أَمَّا الْخُمُرُ فَسَبَقَ أَنَّهُ بِضَمِّ الْمِيمِ جَمْعُ خِمَارٍ ، وَأَمَّا الْفَوَاطِمُ فَقَالَ الْهَرَوِيُّ وَالْأَزْهَرِيُّ وَالْجُمْهُورُ : إِنَّهُنَّ ثَلَاثٌ : فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ ، وَهِيَ أُمُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَهِيَ أَوَّلُ هَاشِمِيَّةٍ وَلَدَتْ لِهَاشِمِيِّ ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ .
وَذَكَرَ الْحَافِظَانِ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِإِسْنَادِهِمَا أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَسَمَهُ بَيْنَ الْفَوَاطِمِ الْأَرْبَعِ ، فَذَكَرَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الرَّابِعَةُ فَاطِمَةَ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ امْرَأَةَ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِاخْتِصَاصِهَا بِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْمُصَاهَرَةِ ، وَقُرْبِهَا إِلَيْهِ بِالْمُنَاسَبَةِ.
================================================================
الموضع السادس من المنشور:
قالوا :
وفي السنة الخامسة من الهجرة توفت فاطمة بنت أسد رضي الله عنها فحزن النبي عليها حزنًا شديدًا ، وروى ابن عباس رضي الله عنهما: أنه لمـَّا ماتت فاطمة أم علي بن أبي طالب رضي الله عنه خلع رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه وألبسها إياه واضطجع معها في قبرها.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يبعث الناس يوم القيامة عراة . فقالت : واسوأتاه . فقال لها صلى الله عليه وسلم : إني أسأل الله أن تبعثين كاسية.
—— التعليق على المنشور السادس ——
– قولهم ” روى ابن عباس … ” سبق الرد عليه.
– وقوله ” سمعت رسول الله ..” ليس له إسناد ، ومرة يقولون ألبسها قميصه لتلبس ثيابا من الجنة، ومرة يقول لتكسى من وقت خروجها من القبر!
================================================================
الموضع السابع من المنشور:
قالوا :
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّه قال: لمـَّا ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي رضي الله عنهما دخل عليها رسول الله فجلس عند رأسها فقال: (رحمك الله يا أمي كُنتِ أمي بعد أمي ، تجوعين وتشبعيني وتعرين وتكسيني وتمنعين نفسكِ طيبًا وتطعميني وتريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة).
وقال: «اللهُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ اغْفِرْ لِأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ وَلَقِّنْهَا حُجَّتَهَا وَوَسِّعْ عَلَيْهَا مُدْخَلَهَا بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي فَإِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ».
—– التعليق على المنشور السابع —–
حديث أنس:
لمَّا ماتت فاطمةُ بنتُ أسَدِ بنِ هاشمٍ أمُّ عليٍّ رضِيَ اللهُ عنهما دخَل عليها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجلَس عندَ رأسِها فقال رحِمَكِ اللهُ يا أمِّي كنْتِ أمِّي بعدَ أمِّي تجوعين وتُشْبِعيني وتَعْرَينَ وتُكْسيني وتَمْنعينَ نفسَكِ طيِّبًا وتُطْعِميني تُريدين بذلك وجهَ اللهِ والدَّارَ الآخرةَ ثمَّ أمَر أن تُغَسَّلَ ثلاثًا فلمَّا بلَغ الماءَ الَّذي فيه الكافورُ سكَبه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيدِه ثمَّ خلَع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قميصَه فألبَسَها إيَّاه وكفَّنَها ببُردٍ فوقَه ثمَّ دعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أسامةَ بنَ زيدٍ وأبا أيُّوبَ الأنصاريَّ وعمرَ بنَ الخطَّابِ وغُلامًا أسودَ يحفِرون فحفَروا قبرَها فلمَّا بلغوا اللَّحدَ حفَره رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيدِه وأخرَج ترابَه بيدِه فلمَّا فرغ دخَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاضْطَجع فيه فقال اللهُ الَّذي يُحيي ويُميتُ وهو حيٌّ لا يموتُ اغفِرْ لأمِّي فاطمةَ بنتِ أسَدٍ ولَقِّنْها حُجَّتَها ووسِّعْ عليها مُدْخلَها بحقِّ نبيِّك والأنبياءِ الَّذين مِن قَبلي فإنَّك أرحمُ الرَّاحمين وكبَّر عليها أربعًا وأدخَلوها اللَّحدَ هو والعبَّاسُ وأبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضِيَ اللهُ عنهم.
= قام الأستاذ أبو عبد الرحمن جبلان بن خضر العروسي في رسالته لمرحلة الماجستير بتتبع طرق الحديث وبين ضعفها وبطلانها (الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية: ص (2/ 232 – 236 .) قال :
حديث أنس أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية عن أحمد بن حماد- زغبة-حدثنا روح بن صلاح حدثنا سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أنس، وهذا الإسناد فيه عدة علل:
أ- روح بن صلاح قد اختلفوا فيه، وثقه ابن حبان والحاكم، وضعفه ابن عدي وقال بعد أن ساق له حديثين: له أحاديث ليست بالكثيرة، وفي بعض حديثه نكرة، وقال ابن ماكولا: ضعفوه، وقال ابن يونس: رويت له مناكير، وقال الدارقطني: ضعيف في الحديث.
فالجرح هنا مقدم لأمرين:
1- إن الذين ضعفوه الدارقطني، وابن عدي، من المعتدلين، وأما الذين وثقوه ابن حبان والحاكم فمعروفون بالتساهل.
2- الجرح هنا مفسر وهو روايته المناكير.
ب- تفرده بهذا الحديث حيث لم يرو عن سفيان غيره، والتفرد عن مثل سفيان الثوري علة؛ لأن الشيخ إذا كان ممن يجمع حديثه كالثوري وانفرد أحد تلامذته عنه بحديث ولم يكن من الحفاظ المتقنين فإنه يرد ويعد منكراً، وهنا انفرد روح بهذا دون بقية أصحاب سفيان وليس هو من الحفاظ المتقنين، وقد أشار إلى هذه العلة الطبراني فقال: لم يرو هذا الحديث عن عاصم الأحول إلا سفيان الثوي، تفرد به روح بن صلاحكما أشار إلى ذلك أبو نعيم، فقال: كريب من حديث عاصم والثوري لم نكتبه إلا من حديث روح بن صلاح تفرد به.
وقد أعل هذا الحديث بهاتين العلتين الشيخ الألباني-حفظه الله-.
جـ- ثم إن في النفس شيئاً من سماعه من سفيان الثوري لأن صلاحاً توفي (233) وهو مصري، ووفاة الثوري عام (161) وبين الوفاتين ما يقارب (74) سنة فلا بد لصحة سماعه من الثوري أن يكون سنه نحو عشرين سنة قبل وفاة الثوري حتى يمكن طلبه للعلم وسماعه من كبار الشيوخ.
ويقوي هذا أن ابن حبان عندما ذكره في الثقات قال: روح بن صلاح من أهل مصر يروي عن يحيى بن أيوب وأهل بلده.
فخص روايته عن أهل بلده، والثوري كوفي، كما أنه لم يذكره المزي في تهذيبه في تلاميذ الثوري مع محاولته الاستقصاء.
= ثم ذكر باقي الروايات وقال :
والحاصل أنه قد تحصل لنا أن الحديث قد روي من خمسة طرق، ثلاثة موصولة ومرسلان فلم تخل واحدة منها من عدة علل فهو شديد الضعف، ومع هذا لم يرد التوسل المزعوم إلا في طريقة واحدة وهي طريق أنس، فهذه الأحاديث يمكن أن يعل بها الحديث لأن الكل ضعيف فيُعل بعضُه ببعض.
ولكن هذه الطرق الضعيفة تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يدع بالدعاء المزعوم، فتكون زيادة الدعاء الذي فيه التوسل منكرة.
هذا على فرض تقوية هذه الطرق مع أنها ضعيفة جداً لا يمكن تقويتها بمجيئها من عدة طرق، فلا يزيد بعضها بعضاً إِلا وهناً وضعفاً.
هذا ما يتعلق بأسانيد هذا الحديث.
وأما من ناحية المتن فهو منقوض من عدة وجوه أيضاً.
أ- إن في هذا الحديث مبالغة وإطراء متجاوزاً المألوف فى ذلك العهد النبوي.
ب- إن فيه ركاكة الألفاظ.
جـ- هذا الحديث يخالف هديه وسنته في غسل جنازة المرأة وذلك في أمور:
1- سكبه بيده الشريفة لم يرد إلا في هذه القصة، وأما الذي ورد في غسل بنته زينب أنه أمرهن بالغسل، ولم يسكب بنفسه، فقد روى البخاري ومسلم عن محمد بن سيرين عن أم عطية قالت:[[دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً، فإذا فرغتن فآذنني، قالت:فلما فرغنا ألقى إلينا حقوه فقال: أشعرنها إياه ولم يزد على ذلك…]].
2- ثم إلباسه إن كان بيده ففيه مخالفة هديه في كفن المرأة الذي دل عليه الحديث السابق.
3- إن الحفر بيده وإخراجه التراب بيده والاضطجاع فيه كلها لم تعهد إلا في هذا الحديث الضعيف، مخالفاً هديه صلى الله عليه وسلم المشهور عنه وهو من المبالغة والإطراء.
4- ثم لفظُ الدعاء الذي بدأ بلفظ الغيبة ثم الخطاب بعيدٌ عن الأسلوب المعهود في الدعوات المأثورات (اللهم أنت…) ولم نر في غير هذا الدعاء (الله الذي…).
5- ومما يدل على ضعفه أن الراوي اعترف بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل هذه الأفعال إلا في هذه المرة، ولكنه أراد أن يبرر ذلك بما ذكره، وهيهات.
د- يمكن أن يكون هذا من وضع الغلاة في علي رضي الله عنه ليرفعوا من شأنه وشأن أسرته بمثل هذه المبالغات، وأن بعضهم سرق ذلك منهم، ويؤيد ما نقول من المبالغة واحتمال أن بعضهم أخذه من الشيعة، أن الكليني روى بسنده عن أبي عبد الله ما يشبه هذه الروايات مع بعض الاختلاف وذكر أنه أدخلها القبر واضطجع فيه ثم زاد (أنه انكب عليها طويلاً يناجيها ويقول لها ابنك ابنك، ثم خرج وسوى عليها ثم انكب على قبرها فسمعوه يقول: لا إله إلا الله اللهم إني استودعها إياك، ثم ذكر أنهم سألوه عن سبب الانكباب فأجاب بأنها سئلت عن ربها ورسولها فأجابت وسئلت عن وليها وإمامها فارتج عليها، فقلت ابنك ابنك)، وهذا واضح أنه من وضع الشيعة.
================================================================
الموضع الثامن والأخير من المنشور :
ومن المؤسف أن الكثير منّا لا يعلم سيرة هذه المرأة العظيمة التي ربت خير البشر عليه الصلاة والسلام
رضي الله عن فاطمة بنت أسد وجمعنا بها في جناته.
—– التعليق على الموضع الثامن والأخير —–
من المؤسف نشر مثل هذه المنشورات بضعيفها وموضوعها ومنكرها .
ونختم ونقول:
رضي الله عن فاطمة بنت أسد وجمعنا بها في جناته.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إحسان العتيبي
10 جمادى الأولى 1442هـ
الموافق 25-12-2020م
مسابقة موقع إحسان العتيبي (١)
بسم الله، الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
المطلوب في هذه المسابقة:
الاستماع لهذا المقطع 👇🏻 ثم الإجابة عن السؤال في الأسفل، وذلك بإرسال الإجابة لرقم خدمة الواتساب 0787873264:
- هذا المقطع عبارة عن إجابة سؤال:
( ما الموقف الشرعي تجاه من يدعو إلى قراءة جديدة للنصوص الشرعية، ويقول إن القرآن والسنة صالحان لكل زمان ومكان) وذكر الشيخ إحسان أثناء جوابه: معالم أهل السنة والجماعة في فهم الخطاب الشرعي.
🌿سؤال المسابقة🌿
ما هي معالم أهل السنة والجماعة المذكورة في المقطع التي ذكرها الشيخ إحسان العتيبي؟
علمًا أن الجوائز هي:
الجائزة الأولى
٦٠ دينار أردني
الجائزة الثانية
٥٠ دينار أردني
الجائزة الثالثة
٤٠ دينار أردني
الجائزة الرابعة
٣٠ دينار أردني
الجائزة الخامسة
٢٠ دينار أردني
تنتهي المسابقة:
صباح يوم الأربعاء القادم
٠٦ جمادى الآخرة ١٤٤٢هـ
الموافق
( ٢٠-٠١-٢٠٢١م )




