الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
الأخت الفاضلة المنهاج حفظها الله
= أشكر لكم حسن الظن بي حيث طلبتم مني ذكر ما يتيسر من ملاحظات حول كتابكم “الأذكار”.
= وإني أعلمكم أني أملُّ من الكتابة حيث لا أحسن الطباعة كثيراً ، ولذا فقد يكون هناك بسط لكن أحتفظ به وقت الحاجة له.
= وإني لا أبالغ إذا قلتُ إنكم لا تحتاجون – كثيراً – لملاحظات كثيرٍ مِن الناس ، حيث نشهد لكم بعلمٍ غزيرٍ ، واطلاعٍ واسعٍ على كتب أهل العلم ، أسأل الله لكم الإعانة على النية.
= لكن : قد يترك الإنسان مجالاً لأخيه ليشارك في الأجر ، وقد تغيب فائدةٌ ، أو يزل قلمٌ ، أو يصير ذهولٌ ، يحتاج صاحبه مَن يكمل له ما أراد.
= واليوم بدأتُ بقراءة كتابكم المرسل إليَّ ، وبدا لي أن أرسل بالملاحظات أولاً بأولٍ .
= وأولى هذه الملاحظات:
أ. اعتدادكم بسكوت الإمام أبي داود على الحديث في صحيحه، وأنه يكون بذلك صحيحاً أو حسناً !
وإليكم هذه النقول عن بعض الأئمة مما – لعله – لم تطلعوا عليه:
1. قال الإمام الذهبي – رحمه الله – :
قال ابن داسة سمعت أبا داود يقول ذكرت في السنن الصحيح وما يقاربه فان كان فيه وهن شديد بينته.
قلت: فقد وفىَّ رحمه الله بذلك بحسب اجتهاده وبيَّن ما ضعفه شديدٌ ووهنه غير محتملٍ وكاسَر عن ما ضعفه خفيفٌ محتملٌ فلا يلزم من سكوته والحالة هذه عن الحديث أن يكون حسناً عنده ولا سيما إذا حكمنا على حد الحسن باصطلاحنا المولد الحادث الذي هو في عرف السلف يعود إلى قسمٍ من أقسام الصحيح الذي يجب العمل به عند جمهور العلماء ، أو الذي يرغب عنه أبو عبد الله البخاري ويمشِّيه مسلمٌ وبالعكس فهو داخل في أداني مراتب الصحة ، فإنَّه لو انحط عن ذلك لخرج عن الاحتجاج ولبقي متجاذباً بين الضعف والحسن.
فكتاب أبي داود أعلى ما فيه من الثابت ما أخرجه الشيخان وذلك نحو من شطر الكتاب ، ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر ، ثم يليه ما رغبا عنه وكان إسناده جيِّداً سالماً مِن علةٍ وشذوذٍ ، ثم يليه ما كان إسناده صالحاً وقبله العلماء لمجيئه مِن وجهين لينين فصاعداً يعضد كلُّ إسنادٍ منهما الآخر ، ثم يليه ما ضعف إسناده لنقص حفظ راويه ، فمثل هذا يمشِّيه أبو داود ويسكت عنه غالباً ، ثم يليه ما كان بيِّن الضعف من جهة راويه فهذا لا يسكت عنه بل يوهنه غالبا وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته والله أعلم.
” سير أعلام النبلاء ” (13 / 213-215).
2. قال الحافظ ابن حجر:
وفي قول أبي داود ” وما كان فيه وهن شديد بيَّنتُه” ما يفهم أن الذي يكون فيه وهن غير شديد أنه لا يبيِّنه .
ومن هنا يتبين أن جميع ما سكت عليه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن الاصطلاحي ، بل هو على أقسام :
1. منه ما هو في الصحيحين أو على شرط الصحة.
2. ومنه ما هو من قبيل الحسن لذاته.
3. ومنه ما هو من قبيل الحسن إذا اعتضد.
وهذان القسمان كثير في كتابه جدّاً .
4. ومنه ما هو ضعيفٌ ، لكنه من رواية مَن لم يُجمع على تركه غالباً.
وكل هذه الأقسام عنده تصلح للاحتجاج بها ، كما نقل ابن مندة عنه أنه يُخرِّج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره ، وأنه أقوى عنده مِن رأي الرجال.
وكذلك قال ابن عبد البر :
كل ما سكت عليه أبو داود فهو صحيحٌ عنده ، لا سيما إن كان لم يذكر في الباب غيره.أ.هـ
ونحو هذا ما روِّيناه عن الإمام أحمد بن حنبل فيما نقله ابن المنذر عنه أنه كان يحتج بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا لم يكن في الباب غيره.
وأصرح مِن هذا ما روِّيناه عنه فيما حكاه أبو العز بن كادش أنه قال لابنه : لو أردتُ أن أقتصر على ما صحَّ عندي لم أروِ مِن هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء ، ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث أني لا أخالف ما يضعف إلا إذا كان في الباب شيء يدفعه .أ.هـ …..
ومن هنا يظهر ضعف طريقة من يحتج بكل ما سكت عليه أبو داود فإنه يخرِّج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج ويسكت عنها مثل: ابن لهيعة ، وصالح مولى التوأمة ، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وموسى بن وردان ، وسلمة بن الفضل ، ودلهم بن صالح ، وغيرهم.
فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم ويتابعه في الاحتجاج بهم ، بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع فيعتضد به أو هو غريب فيتوقف فيه ، لا سيما إن كان مخالفا لرواية مَن هو أوثق منه ، فإنه ينحط إلى قبيل المنكر .
وقد يخرِّج لمن هو أضعف من هؤلاء بكثير كالحارث بن وجيه ، وصدقة الدقيقي ، وعثمان بن واقد العمري ، …..
وكذلك ما فيه من الأسانيد المنقطعة ، وأحاديث المدلسين بالعنعنة ، والأسانيد التي فيها من أبهمت أسماؤهم . فلا يتجه الحكم لأحاديث هؤلاء بالحسن من أجل سكوت أبي داود ؛ لأن سكوته:
تارة يكون اكتفاءً بما تقدم له من الكلام في ذلك الراوي في نفس كتابه .
وتارة يكون لذهول منه .
وتارة يكون لشدة وضوح ضعف ذلك الراوي واتفاق الأئمة على طرح روايته!! كأبي الحويرث ، ويحي بن العلاء .
وتارة يكون من اختلاف الرواة عنه وهو الأكثر … – قال إحسان : وذكر الحافظ أمثلة على ذلك – …
فالصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته لما وصفنا أنه يحتج بالأحاديث الضعيفة ، ويقدمها على القياس ، إن ثبت ذلك عنه .
والمعتمد على مجرد سكوته لا يرى الاحتجاج بذلك فكيف يقلده فيه ؟! أ.هـ
“النكت على ابن الصلاح” (1/435-443).
= وأما ما نقلتم – حفظكم الله – عن النووي ، فله كلام آخر في الموضوع نفسه يوافق الصواب ، وقد نقله الحافظ عنه :
3. قال النووي :
والحق أن ما وجدناه في سننه ما لم يبينه ، ولم ينص على صحته أو حُسنه أحدٌ ممن يُعتمد : فهو حسن ، وإن نصَّ على ضعفه مَن يُعتمد أو رأى العارف في سنده ما يقتضي الضعف ، ولا جابر له حُكم بضعفه ، ولم يُلتفت إلى سكوت أبي داود !!.أ.هـ
قال الحافظ ابن حجر : وهذا هو التحقيق ، لكنه خالف ذلك في مواضع مِن “شرح المهذب” وغيره!! مِن تصانيفه ، فاحتج بأحاديث كثيرة مِن أجل سكوت أبي داود عليها ، فلا يغتر بذلك . والله أعلم .أ.هـ
” النكت” (1/444-445) . وقد نقل السخاوي كلام النووي في “فتح المغيث” (1/92).
4. وهو الذي رجحه الصنعاني في “توضيح الأفكار” (1/196-199).
5. و شيخنا العلامة المحدث الألباني – سلمه الله – في “تمام المنة” (ص 27-28).
= هذا ، والله أعلم وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
سكوت الإمام أبي داود على الحديث
تخريج حديث الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون
الحديث رواه أبو يعلى ( 6 / 147 ) وغيره وهو حديث حسن وله شواهد لمعناه صحيحة .
قال ابن حجر :
وقد جمع البيهقي كتابا لطيفا في ” حياة الأنبياء في قبورهم ” أورد فيه حديث أنس ” الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ” أخرجه من طريق يحيى بن أبي كثير وهو من رجال الصحيح عن المستلم بن سعيد وقد وثقه أحمد وابن حبان عن الحجاج الأسود وهو ابن أبي زياد البصري وقد وثقه أحمد وابن معين عن ثابت عنه ، وأخرجه أيضا أبو يعلى في مسنده من هذا الوجه ، وأخرجه البزار لكن وقع عنده عن حجاج الصواف وهو وهم والصواب الحجاج الأسود كما وقع التصريح به في رواية البيهقي ، وصححه البيهقي ، وأخرجه أيضا من طريق الحسن بن قتيبة عن المستلم ، وكذلك أخرجه البزار وابن عدي .
والحسن بن قتيبة ضعيف ، وأخرجه البيهقي أيضا من رواية محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أحد فقهاء الكوفة عن ثابت بلفظ آخر قال ” أن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ولكنهم يصلون بين يدي الله حتى ينفخ في الصور ” ومحمد سيئ الحفظ ، وذكر الغزالي ثم الرافعي حديثا مرفوعا ” أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث ولا أصلي له ” إلا إن أخذ من رواية بن أبي ليلى هذه وليس الأخذ بجيد لأن رواية بن أبي ليلى قابلة للتأويل ، قال البيهقي : إن صح فالمراد أنهم لا يتركون يصلون إلا هذا المقدار ثم يكونون مصلين بين يدي الله .
قال البيهقي : وشاهد الحديث الأول : ما ثبت في صحيح مسلم من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رفعه ” مررت بموسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره ” وأخرجه أيضا من وجه آخر عن أنس .
فإن قيل : هذا خاص بموسى ، قلنا : قد وجدنا له شاهدا من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضا من طريق عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه ” لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي .. الحديث ، وفيه : وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعد كأنه وفيه وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم فحانت الصلاة فأممتهم ” .
قال البيهقي : وفي حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ” أنه لقيهم ببيت المقدس فحضرت الصلاة فأمهم نبينا صلى الله عليه وسلم ، ثم اجتمعوا في بيت المقدس ” وفي حديث أبي ذر ومالك بن صعصعة في قصة الإسراء ” أنه لقيهم بالسماوات ” ، وطرق ذلك صحيحة فيحمل على أنه رأى موسى قائما يصلي في قبره ثم عرج به هو ومن ذكر من الأنبياء إلى السماوات فلقيهم النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم اجتمعوا في بيت المقدس فحضرت الصلاة فأمهم نبينا صلى الله عليه وسلم ، قال : وصلاتهم في أوقات مختلفة وفي أماكن مختلفة لا يرده العقل ، وقد ثبت به النقل فدل ذلك على حياتهم … ( 6 / 487 ، 488 )
والحديث كان شيخنا الألباني رحمه الله يرى ضعفه برهة من الدهر – كما قال – ثم تبين له قوة إسناده فوضعه في سلسلته الصحيحة ( 621 ) ، وقال في معناه :
ثم اعلم أن الحياة التي أثبتها هذا الحديث للأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما هي حياة برزخية ، ليست من حياة الدنيا في شيء ، ولذلك وجب الإيمان بها دون ضرب الأمثال لها ، ومحاولة تكييفها وتشبيهها بما هو المعروف عندنا في حياة الدنيا .
هذا هو الموقف الذي يجب أن يتخذه المؤمن في هذا الصدد : الإيمان بما جاء في هذا الحديث دون الزيادة عليه بالأقيسة والآراء ، كما يفعل أهل البدع الذين وصل الأمر ببعضهم إلى ادعاء أن حياته صلى الله عليه وسلم في قبره حياة حقيقية ! قال : يأكل ويشرب ويجامع نساءه ! – في الهامش : راجع ” مراقي الفلاح ” – ، وإنما هي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله سبحانه وتعالى .
ويشهد للحديث رؤيته صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء لموسى قائما في قبره يصلي ، وسيأتي إن شاء الله برقم ( 2627 ) .
انتهى
فائدة :
جاء في حديث سؤال الملكين قول المؤمن لهما في قبره : دعوني حتى أصلي ، فيقولان : إنك ستفعل . وهو صريح – كما قال شيخنا الألباني – في أن المؤمن أيضا يصلي في قبره … الخ ” أحكام الجنائز ” ( ص 272 ) .
والله أعلم
قصة أبي قدامة الشامي والغلام عرض ونقد
القصة :
كان بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له أبو قدامة الشامي، وكان قد حبب الله إليه الجهاد في سبيل الله والغزو إلى بلاد الروم، فجلس يوماً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث مع أصحابه ، فقالوا له : يا أبا قدامة حدثنا بأعجب ما رأيت في الجهاد ؟ فقال أبو قدامة نعم إني دخلت في بعض السنين الرقة أطلب جملاً أشتريه ليحمل السلاح ، فبينما أنا يوماً جالساً إذ دخلت علي امرأة فقالت : يا أبا قدامة سمعتك وأنت تحدث عن الجهاد وتحث عليه وقد رُزقتُ من الشَّعر ما لم يُرزقه غيري من النساء ، وقد قصصته وأصلحت منه شكالا للفرس وعفرته بالتراب كي لا ينظر إليه أحد ، وقد أحببت أن تأخذه معك فإذا صرتَ في بلاد الكفار وجالت الأبطال ورُميت النبال وجُردت السيوف وشُرعت الأسنّة ، فإن احتجت إليه وإلا فادفعه إلى من يحتاج إليه ليحضر شعري ويصيبه الغبار في سبيل الله ، فأنا امرأة أرملة كان لي زوج وعصبة كلهم قُتلوا في سبيل الله ولو كان عليّ جهاد لجاهدت. وناولتني الشكال . وقالت : اعلم يا أبا قدامة أن زوجي لما قُتل خلف لي غلاماً من أحسن الشباب وقد تعلم القرآن والفروسية والرمي على القوس وهو قوام بالليل صوام بالنهار وله من العمر خمس عشرة سنة وهو غائب في ضيعة خلفها له أبوه فلعله يقدم قبل مسيرك فأوجهه معك هدية إلى الله عز وجل وأنا أسألك بحرمة الإسلام ، لا تحرمني ما طلبت من الثواب. فأخذت الشكال منها فإذا هو مظفور من شعرها. فقالت: ألقه في بعض رحالك وأنا أنظر إليه ليطمئن قلبي. فطرحته في رحلي وخرجتُ من الرقة ومعي أصحابي ، فلما صرنا عند حصن مسلمة بن عبدالملك إذا بفارس يهتف من ورائي: يا أبا قدامة قف علي قليلاً يرحمك الله ، فوقفت وقلت لأصحابي تقدموا أنتم حتى أنظر من هذا ، وإذا أنا بفارس قد دنا مني وعانقني وقال: الحمد لله الذي لم يحرمني صحبتك ولم يردني خائباً. قلت للصبي أسفر لي عن وجهك ، فإن كان يلزم مثلك غزو أمرتك بالمسير ، وإن لم يلزمك غزو رددتك ، فأسفر عن وجهه فإذا به غلام كأنه القمر ليلة البدر وعليه آثار النعمة. قال الصبي: يا أبا قدامة أما تعرفني قلت: لا. قال: أنا ابن صاحبة الوديعة، ما أسرع ما نسيت وصية أمي صاحبة الشكال، وأنا إن شاء الله الشهيد ابن الشهيد، سألتك بالله لا تحرمني الغزو معك في سبيل الله ، فإني حافظ لكتاب الله عارف بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عارف بالفروسية والرمي وما خلفت ورائي أفرس مني فلا تحقرني لصغر سني وإن أمي قد أقسمت على أن لا أرجع، وقالت: يا بني إذا لقيت الكفار فلا تولهم الدبر وهب نفسك لله واطلب مجاورة الله تعالى ومجاورة أبيك مع إخوانك الصالحين في الجنة فإذا رزقك الله الشهادة فاشفع فيّ فإنه قد بلغني أن الشهيد يشفع في سبعين من أهله، ثم ضمتني إلى صدرها ورفعت رأسها إلى السماء وقالت: إلهي وسيدي ومولاي هذا ولدي وريحانة قلبي وثمرة فؤادي سلمته إليك فقربه من أبيه. فلما سمعت كلام الغلام بكيت بكاءاً شديداً أسفاً على حسنه وجمال شبابه ورحمة لقلب والدته وتعجباً من صبرها عنه. فقال: يا عم مم بكاؤك؟ إن كنت تبكي لصغر سني فإن الله يعذب من هو أصغر مني إذا عصاه. قلت: لم أبك لصغر سنك ولكن أبكي لقلب والدتك كيف تكون بعدك. وسرنا ونزلنا تلك الليلة فلما كان الغداة رحلنا والغلام لا يفتر من ذكر الله تعالى، فتأملته فإذا هو أفرس منا إذا ركب وخادمنا إذا نزلنا منزلا، وصار كلما سرنا يقوى عزمه ويزداد نشاطه ويصفو قلبه وتظهر علامات الفرح عليه. فلم نزل سائرين حتى أشرفنا على ديار المشركين عند غروب الشمس فنزلنا فجلس الغلام يطبخ لنا طعاما لإفطارنا وكنا صياما، فغلبه النعاس فنام نومة طويلة فبينما هو نائم إذ تبسم في نومه فقلت لأصحابي ألا ترون إلى ضحك هذا الغلام في نومه، فلما استيقظ قلت: بني رأيتك الساعة ضاحكاً مبتسماً في منامك، قال: رأيت رؤيا فأعجبتني وأضحكتني. قلت: ما هي. قال: رأيت كأني في روضة خضراء أنيقة فبينما أنا أجول فيها إذ رأيت قصراً من فضة شُرفه من الدر والجواهر، وأبوابه من الذهب وستوره مرخية، وإذا جواري يرفعن الستور وجوههن كالأقمار فلما رأينني قلن لي: مرحبا بك فأردت أن أمد يدي إلى إحداهن فقالت: لا تعجل ما آن لك، ثم سمعت بعضهن يقول لبعض هذا زوج المرضية، وقلن لي تقدم يرحمك الله فتقدمت أمامي فإذا في أعلى القصر غرفة من الذهب الأحمر عليها سرير من الزبرجد الأخضر قوامه من الفضة البيضاء عليه جارية وجهها كأنه الشمس لولا أن الله ثبت علي بصري لذهب وذهب عقلي من حسن الغرفة وبهاء الجارية. فلما رأتني الجارية قالت: مرحبا وأهلا وسهلا يا ولي الله وحبيبه أنت لي وأنا لك فأردت أن أضمها إلى صدري فقالت: مهلا، لا تعجل، فإنك بعيد من الخنا، وإن الميعاد بيني وبينك غداً بعد صلاة الظهر فأبشر. قال أبو قدامة: قلت له: رأيت خيراً، وخيراً يكون. ثم بتنا متعجبين من منام الغلام، فلما أصبحنا تبادرنا فركبنا خيولنا فإذا المنادي ينادي: يا خيل الله اركبي وبالجنة أبشري، انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا. فما كان إلا ساعة، وإذا جيش الكفر خذله الله قد أقبل كالجراد المنتشر، فكان أول من حمل منّا فيهم الغلام فبدد شملهم وفرق جمعهم وغاص في وسطهم، فقتل منهم رجالاً وجندل أبطالاً فلما رأيته كذلك لحقته فأخذت بعنان فرسه وقلت: يا بني ارجع فأنت صبي ولا تعرف خدع الحرب. فقال: يا عم ألم تسمع قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار}، أتريد أن أدخل النار؟ فبينما هو يكلمني إذ حمل علينا المشركون حملة رجل واحد، حالوا بيني وبين الغلام ومنعوني منه واشتغل كل واحد منا بنفسه. وقُتل خلق كثير من المسلمين، فلما افترق الجمعان إذ القتلى لا يحُصون عددا فجعلت أجول بفرسي بين القتلى ودماؤهم تسيل على الأرض ووجوههم لا تعرف من كثرة الغبار والدماء، فبينما أنا أجول بين القتلى وإذا أنا بالغلام بين سنابك الخيل قد علاه التراب وهو يتقلب في دمه ويقول: يا معشر المسلمين، بالله ابعثوا لي عمي أبا قدامة فأقبلت عليه عندما سمعت صياحه فلم أعرف وجهه لكثرة الدماء والغبار ودوس الدواب فقلت: أنا أبو قدامة. قال: يا عم صدقت الرؤيا ورب الكعبة أنا ابن صاحبة الشكال، فعندها رميت بنفسي عليه فقبلت بين عينيه ومسحت التراب والدم عن محاسنه وقلت: يا بني لا تنس عمك أبا قدامة في شفاعتك يوم القيامة. فقال: مثلك لا يُنسى لا تمسح وجهي بثوبك ثوبي أحق به من ثوبك، دعه يا عم ألقى الله تعالى به، يا عم هذه الحوراء التي وصفتها لك قائمة على رأسي تنتظر خروج روحي وتقول لي عجّل فأنا مشتاقة إليك، بالله يا عم إن ردّك الله سالماً فتحمل ثيابي هذه المضمخة بالدم لوالدتي المسكينة الثكلاء الحزينة وتسلمها إليها لتعلم أني لم أضيع وصيتها ولم أجبن عند لقاء المشركين، واقرأ مني السلام عليها، وقل لها أن الله قد قبل الهدية التي أهديتها، ولي يا عم أخت صغيرة لها من العمر عشر سنين كنت كلما دخلت استقبلتني تسلم علي، وإذا خرجتُ تكون آخر من يودعني عند مخرجي، وقد قالت لي بالله يا أخي لا تبط عنّا فإذا لقيتَها فاقرأ عليها مني السلام وقل لها يقول لك أخوك: الله خليفتي عليك إلى يوم القيامة، ثم تبسم وقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده وأشهد أن محمداً عبده ورسوله هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، ثم خرجت روحه فكفناه في ثيابه ووريناه رضي الله عنه وعنا به. فلما رجعنا من غزوتنا تلك ودخلنا الرقة لم تكن لي همة إلا دار أم الغلام، فإذا جارية تشبه الغلام في حسنه وجماله وهي قائمة بالباب وتقول لكل من مر بها: يا عم من أين جئت فيقول من الغزو، فتقول: أما رجع معكم أخي فيقولون لا نعرفه، فلما سمعتها تقدمت إليها فقالت لي: يا عم من أين جئت، قلت: من الغزو قالت: أما رجع معكم أخي ثم بكت وقالت ما أبالي، يرجعون وأخي لم يرجع فغلبتني العبرة، ثم قلت لها: يا جارية قولي لصاحبة البيت أن أبا قدامة على الباب، فسمعت المرأة كلامي فخرجت وتغير لونها فسلمت عليها فردت السلام وقالت: أمبشراً جئت أم معزياً. قلت: بيّني لي البشارة من التعزية رحمك الله. قالت: إن كان ولدي رجع سالماً فأنت معز، وإن كان قُتل في سبيل الله فأنت مبشر. فقلت: أبشري. فقد قُبلت هديتك فبكت وقالت: الحمد لله الذي جعله ذخيرة يوم القيامة، قلت فما فعلت الجارية أخت الغلام. قالت: هي التي تكلمك الساعة فتقدمت إلي فقلت لها إن أخاك يسلم عليك ويقول لك: الله خليفتي عليك إلى يوم القيامة، ثم سلمت ثياب الغلام التي كانت معي لأمه وودعتها وانصرفت حزيناً على الغلام ومتعجباً من صبر أمهما.
النقد :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
فإن القصة قد اشتهرت بين الناس فخطب بها الخطباء ، ودرَّرسها المدرسون ، وتناقلها العامة والخاصة ، وهي – عند التأمل – واضحة البطلان ، وفيها أشياء كثيرة منكرة فإلى بيان بعضها :
1. قال “ رجل يقال له أبو قدامة الشامي “ قلنا : ولو كان معروفاً لسمِّي ، فهي إذن عن مجاهيل ، وليس لها إسناد ، ولا زمام ولا خطام .
2. قال “ فبينما أنا يوماً جالساً إذ دخلت علي امرأة “ قلنا : صوابه “ جالس “ ثم : أين كان جالساً؟؟ وكيف استجاز الكلام مع أجنبية ؟ ومن كان ثالثهما ؟
3. قال “ وقد رُزقتُ من الشَّعر ما لم يُرزقه غيري من النساء “
قلنا : شعر النساء عورة بالاتفاق ، ولا أظن أحداً يخالف في هذا ! فكيف تصف المرأة شيئاً من عورتها لأجنبي ، وفي خلوة – كما هو ظاهر – ؟؟؟
4. قال “ فإن احتجت إليه وإلا فادفعه إلى من يحتاج إليه ليحضر شعري ويصيبه الغبار في سبيل الله “
قلنا : وهل هذا الفعل جائز في الشرع – أعني قص الشعر لهذا السبب – ؟؟ وماذا في إصابة الغبار شعرها ؟ وهل غاب مثل هذا الفعل عن أمهات المؤمنين والتابعيات ، حتى تتفطن له هذه المجهولة الجهولة ؟؟
5. قال “ وأنا أسألك بحرمة الإسلام ، لا تحرمني ما طلبت من الثواب “
قلنا : هل السؤال بحرمة الإسلام جائز ؟
6. قال “ قال : لا بل أنا خارج معك أطلب ثأر والدي “
قلنا : هل هذه نية المجاهدين ؟ وهل الذي يقاتل حمية أو عصبية عدَّه النبي صلى الله عليه وسلم من المجاهدين في سبيل الله ؟؟؟؟
7. قال “ لا تحرمني الغزو معك في سبيل الله ، فإني حافظ لكتاب الله عارف بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم “
قلنا : وما علاقة حفظ القرآن بالغزو في سبيل الله ؟ أليس قوله أنه على علم بالفروسية والرمي بالقوس كافٍ ؟ وهل كان يرد النبي صلى الله عليه وسلم الصغار لجهلهم بالسنة وقلة حفظهم ؟ وأليس كان يقبل الصغار الذين يحسنون المصارعة دون السؤال عن حفظهم ؟ هل هذا جهاد أم “ ناشىء في رحاب القرآن ؟ ! “ .
8. قال “ قد بلغني أن الشهيد يشفع في سبعين من أهله وسبعين من جيرانه “
قلنا : ومن أين جاءت بالسبعين من جيرانه ؟ وكيف استجاز ناقل القصة مثل هذا الافتراء والهراء ؟ ورواية الترمذي وابن ماجه ” من أقاربه ” ورواية أبي داود ” أهل بيته ” ! وإنما هي سبعين واحدة !
9. قال “ إن كنت تبكي لصغر سني فإن الله يعذب من هو أصغر مني إذا عصاه “
قلنا : لا يعذب الصغير إلا إن بلغ الحلم ! وهذا الولد عمره 15 كما في الخرافة ! فكم عمر الصغير الذي يعذب على زعمه إن عصى الله ؟
10. قال “ فأردت أن أضمها إلى صدري فقالت : مهلا ، لا تعجل ، فإنك بعيد من الخنا “
قلنا : سبحان الله ، يكذبون ولا يحسنون الكذب ، فهل الذي يواقع أجنبية في المنام يعد من أهل الخنا ؟ وهل حكم المنامات هو مثل حكم الحقيقة في الزنى أو الكفر أو المعاصي أو الطاعات ؟
11. قال “ وقلت : يا بني لا تنس عمك أبا قدامة في شفاعتك يوم القيامة “
قلنا : هل هو حراج ؟ وهل هو من أقربائه ؟ أو من جيرانه – كما زعمت الأم !! – ؟
12. قال “ وقل لها أن الله قد قبل الهدية التي أهديتها “
قلنا : وهذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ، فكيف عرف هذا الولد أن الله قبله عنده ؟ وكيف رضي كاتب القصة بمثل هذه الخرافات التي فيها الكذب على الله ؟ وكبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل الله قبول ركعتين منه – كابن مسعود وابن عمر – وهذا الولد يجزم بقبوله عند الله ! إن هذا لمن العجب !
13. قال “ فكفناه في ثيابه ووريناه رضي الله عنه وعنا به “
قلنا : وهل تجوز لفظة “ وعنا به “ ؟ فهي في ظاهرها منكرة ، فإذا رضي الله عن فلان فهل يرضى عن غيره برضاه عن الأول ؟ وواضح منها أنها استشفاع بالمخلوق على الخالق ، وهي منكرة .
14. قال “ فصرختْ ووقعتْ على وجهها مغشياً عليها ، فحركتها بعد ساعة ، فإذا هي ميتة فتعجبت من ذلك “
قلنا : هكذا بكل سهولة ! وهل هذه التربية التي تربت عليها البنت من أمها – صاحبة الشعر الطويل – وأخيها – الحافظ لكتاب الله العارف ! بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وهل هذا إلا كما يعرف عن المتصوفة بخرافاتهم من موت عند سماع آية أو صعقة عند رؤية ولي ؟؟
والله أعلم
ضعف حديث يطلُع عليكم الآن رجل من أهل الجنَّة
بسم الله الرحمن الرحيم
عن أنس قال: ” كنا جلوسا مع رسول الله فقال: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه، قد تعلق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال رسول الله مثل، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان في اليوم الثالث قال رسول الله مثل مقالته أيضا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام رسول الله تبعه عبدالله بن عمرو بن العاص، فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت، قال: نعم، قال أنس: فكان عبدالله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئا، غير أنه إذا تعار وتقلب على فراشه ذكر الله وكبر، حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبدالله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبدالله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولاهجر، ولكني سمعت رسول الله يقول لك ثلاث مرار: يطلع الآن رجل من أهل الجنة، فطلعت أنت الثلاث المرار، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي بك، فلم أرك تعلم كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله؟، قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما وليت دعاني: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا، ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه، قال عبدالله: هذه التي بلغت بك وهي التي لاتطاق”،
” إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت”
سأل بعض الإخوة السؤال التالي :
كيف يمكن توجيه مقولة عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه الموضحة أعلاه ؟
أليس هذا من الكذب ؟
فأجبته :
الإسناد صحيح كالشمس ! – في ظاهره – وهو على شرط البخاري ومسلم !
= وأنا وقع في قلبي هذا الإشكال قديماً ، فجمعني مجلس علمي مع شيخنا الألباني رحمه الله ، في ” عمان ” – قبل أكثر من 17 عاماً – وكان في المجلس : شيخنا عمر الأشقر .
وسألت شيخنا الألباني عن هذا الإشكال فأجاب – ما ملخصه – :
أن الكذب لم يحرم لما فيه من حروف ” الكاف ” و ” الذال ” و ” الباء ” لكن لما يؤدي إليه من القطيعة وأكل حقوق الآخرين وما شابه ذلك .
وهنا لا مفسدة من قول الصحابي ……….
= والحقيقة أنني لم أستحسن هذا الجواب وقتها ، لكن لم يكن عندي جواب عن هذا الإشكال .
ثم وقع في قلبي جواب : وهو أن الصحابي رضي الله عنه استعمل المعاريض والتورية ، وهي : أنه قد لاحى والده قديماً ، فأوهم كلامه أنه الآن .
ثم أضفت :
= أشار الحافظ ابن كثير إلى أن فيه شيئاُ بقوله :
وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين لكن رواه عقيل وغيره عن الزهري عن رجل عن أنس.
والله أعلم
” تفسير ابن كثير ” 4 / 339
= والبيهقي بقوله :
هكذا قال عبدالرزاق عن معمر عن الزهري قال أخبرني أنس
ورواه ابن المبارك عن معمر فقال عن الزهري عن أنس
ورواه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري كما :
أخبرنا أبو عبدالله الحافظ أخبرني أبو محمد أحمد بن عبدالله المزني ببخارى أنا علي يعني بن محمد بن عيسى نا الحكم بن نافع أبو اليمان أخبرني شعيب عن الزهري قال حدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك أنه قال بينما نحن ثم رسول الله صلى الله عليه……
” شعب الإيمان ” 5 / 265 .
= والمزي في ” تحفة الأشراف ” – كما في المرجع الذي بعده –
= وصرح الحافظ ابن حجر بأنه معلول في ” النكت الظراف ” ( 1 / 394 ).
= والذي يبدو لي الآن أن الخطأ من ” معمر ” ، وقد رواه عن الزهري بلفظ ” حدثني من لا أتهم ” اثنان من كبار أصحابه : عُقيل ، وشعيب .
= فأنا الآن متوقف في كونه صحيحاً
= مع الشكر لأبي سعدة
= وعدنان عبد القادر
= وأنا قد عدلت كلامي
والحق أحق أن يتبع
والله أعلم .
قلت : ثم رأيت تضعيف الحديث عند شيخنا الألباني في ” ضعيف الترغيب والترهيب “
والحمد لله .
ثم أضيف الآن – 10 جمادى الآخر 1431 هـ – وقد مرَّ على ذلك المقال سنوات طويلة – :
أنني أجزم بضعف الحديث – وقد جزم بذلك كثير من الباحثين بعد ذلك المقال – :
1. قال الدارقطني – رحمه الله – :
هذا الحديث لم يسمعه الزهري من أنس .
رواه شعيب بن أبي حمزة ، وعُقيل ، عن الزهري ، قال: حدثني من لا أتهم ، عن أنس ، وهو الصواب .
” العلل ” ( 12 / 204 ) .
2. قال الحافظ حمزة الكناني – رحمه الله – :
لم يسمعه الزهريُّ من أنس ، رواه عن رجل عن أنس . كذلك رواه عقيل وإسحاق بن راشد وغير واحد عن الزهريِّ ، وهو الصواب .
” تحفة الأشراف ” ( 1 / 394 ) .
3. قال البيهقي :
هكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال أخبرني أنس ، ورواه ابن المبارك عن معمر فقال عن الزهري عن أنس ، ورواه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال : حدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك .
وكذلك رواه عقيل بن خالد عن الزهري في الإسناد ، غير أنه قال في متنه : فطلع سعد بن أبي وقاص لم يقل رجل من الأنصار .
” شعب الإيمان ” ( 5 / 264 ، 265 ) باختصار .
4. الحافظ المِزِّي رحمه الله .
5. الحافظ ابن حجر رحمه الله – .
وانظر المرجع في المقال السابق .
6. قال الشيخ الألباني – رحمه الله – معلقاً على تصحيح الحافظ المنذري للحديث – :
قلت : هو كما قال ، لولا أنه منقطع بين الزهري وأنس ، بينهما رجل لم يسم ، كما قال الحافظ حمزة الكناني على ما ذكره الحافظ المزي في ” تحفة الأشراف ” ( 1 / 395 ) ثم الناجي ، وقال – ( أي : الناجي ) – ( 198 / 2 ) : ” وهذه العلة لم ينتبه لها المؤلف – ( أي : الحافظ المنذري ) – ” ثم أفاد أن النسائي إنما رواه في ” اليوم والليلة ” لا في ” السنن ” على العادة المتكررة في الكتاب ، فتنبه ” .
قلت : أخرجه عبد الرزاق في المصنف ( 11 / 287 / 20559 ) ومن طريقه جماعة منهم أحمد : قال : أخبرنا معمر عن الزهري قال : أخبرني أنس بن مالك ، وهذا إسناد ظاهر الصحة ، وعليه جرى المؤلف والعراقي في ” تخريج الإحياء ” ( 3 / 187 ) وجرينا على ذلك برهة من الزمن حتى تبينت العلة ، فقال البيهقي في ” الشعب ” عقبه ( 5 / 265 ) : ” ورواه ابن المبارك عن معمر فقال : عن معمر عن الزهري عن أنس ، ورواه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري ، قال : حدثني من لا أتهم عن أنس …. ، وكذلك رواه عقيل بن خالد عن الزهري ” .
وانظر ” أعلام النبلاء ” ( 1 / 109 )
ولذلك قال الحافظ عقبه في ” النكت الظراف على الأطراف ” :
” فقد ظهر أنه معلول ” .
” ضعيف الترغيب والترهيب ” ( 2 / 247 ) .
والله أعلم
تنبيه على التصحيفات في صحيح ابن خزيمة والحاكم وأخطاء عند الشيخ الألباني رحمه الله
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله :
جاء في ” صحيح ابن خزيمة ” ( 4 / 95 ) :
باب فضل الصدقة على غيرها من الأعمال إن صح الخبر فإني لا أعرف أبا فروة بعدالة ولا جرح
2433 حدثنا محمد بن رافع حدثنا أبو الحسن النضر بن إسماعيل عن أبي فروة قال : سمعت سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال : ذُكر لي (( قال يقول )) إن الأعمال تتباهى فتقول الصدقة أنا أفضلكم .
وعلَّق شيخنا الألباني – رحمه الله – في الهامش بقوله :
قلت : إسناده ضعيف ، لجهالة أبي فروة ، والنضر ضعيف ، ثم هو موقوف .
والخطأ هو :
1. أن ” أبا فروة ” تصحيف ، والصواب أنه : ” أبو قرة ” وهو الأسدي الصيداوي ، وهو مجهول .
2. أن ” النضر بن إسماعيل ” تصحيف ، والصواب أنه : ” النضر بن شميل ” وهو ثقة ثبت .
والأثر رواه الحاكم في ” المستدرك ” ( 1 / 576 ) ، وإسناده فيه :
1518 أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ثنا الفضل بن عبد الجبار ثنا النضر بن شميل عن قرة قال : سمعت سعيد بن المسيب يحدث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ذكر لي أن الأعمال تباهى فتقول الصدقة أنا أفضلكم .
وهذا خطأ وتصحيف :
وصوابه ” أبو قرة ” كما سبق ذكره .
وكنتُ أظن أن إسناد ابن خزيمة غير إسناد الحاكم ، فلعله أن يكون له شاهداً ، فوقع في قلبي أن يكون ما في ” ابن خزيمة ” تصحيف ، ثم تأكدت من ذلك ، والحمد لله أولا وآخراً .
ومما يؤكد ما ذكرتُه آنفاً :
1. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في ترجمة أبي قرة الأسدي :
و أخرج ابن خزيمة حديثه في ” صحيحه ” ، و قال : لا أعرفه بعدالة و لا جرح .
“تهذيب التهذيب” ( 12 / 227 ) .
وللفائدة :
قال الذهبي في ترجمته :
10539 ( ت ) أبو قرة الأسدي ( ت ) حدث ببلد صيداء عن سعيد بن المسيب .
مجهول .
قلت : تفرد عنه النضر بن شميل
” ميزان الاعتدال ” ( 7 / 415 ) .
2. وقال الحافظ المزي في ترجمة أبي قرة :
روى عن :
سعيد بن المسيب ( ت ) .
روى عنه :
النضر بن شميل ( ت ) .
” تهذيب الكمال ” ( 34 / 201 ) .
3. وقال في ترجمة النضر بن شميل :
روى عن :
أبي قرة الأسدي الصيداوي ( ت ) .
روى عنه :
محمد بن رافع النيسابوري ( س ) – قلت : وكذا عند ابن خزيمة – .
” تهذيب الكمال ” ( 29 / 381 ) .
تخريج قصة أصابت امرأة وأخطأ عمر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله :
الأثر عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – له ثلاث طرق ، ولا تخلو طريق من مقال :
الأولى :
رواه أبو يعلى – كما في ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 468 ) – قال : حدثنا أبو خيثمة حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني محمد بن عبد الرحمن عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق قال : ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصَّدُقات فيما بينهم أربع مائة درهم فما دون ذلك ، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها فلا أعرفنَّ ما زاد رجل في صداق امرأة على أربع مئة درهم ، قال : ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت : يا أمير المؤمنين نهيتَ النَّاس أن يزيدوا في مهر النساء على أربع مائة درهم ؟ قال : نعم ، فقالت : أما سمعت ما أنزل الله في القرآن ؟ قال : وأي ذلك ؟ فقالت : أما سمعت الله يقول { وآتيتُم إحداهنَّ قنطاراً } الآية ؟ قال : فقال : اللهمَّ غفراً ، كل النَّاس أفقه من عمر ، ثم رجع فركب المنبر ، فقال : أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربع مائة درهم ، فمن شاء أن يعطى من ماله ما أحب . قال أبو يعلى : وأظنه قال : فمن طابت نفسه فليفعل .
قلت : وإسناده ضعيف ، فيه : مجالد بن سعيد ، وقد ضعَّفه يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن مهدي وأحمد بن حنبل والنسائي والدارقطني وغيرهم .
انظر ” التاريخ الكبير ” للبخاري ( 8 / 9 ) ، و” الضعفاء والمتروكين ” لابن الجوزي ( 3 / 35 ) .
والأثر رواه البيهقي ( 7 / 233 ) لكن بإسقاط ” مسروق ” بين الشعبي وعمر ، لذا قال عنه البيهقي : هذا منقطع .
فالشعبي – وهو عامر بن شراحيل – وُلد لست سنين مضت من خلافة عمر على المشهور ، كما في ” تهذيب الكمال ” للمزي ( 14 / 28 ) ، وروايته عن عمر مرسلة كما قال أبو زرعة الرازي وأيده العلائي في ” جامع التحصيل ” ( ص 204 ) ، وبيَّن المزي في ” تهذيب الكمال ” ( 14 / 30 ) أنه لم يسمع من عمر .
وأظن أن الوهم فيه من ” مجالد ” فيكون قد ذكر – مرة – مسروقاً ، ومرة أسقطه .
تنبيه :
الحديث في ” أبي يعلى الكبير ” كما قال الهيثمي في ” مجمع الزوائد ” ( 4 / 284 ) والعجلوني في ” كشف الخفاء ” ( 2 / 154 ) ، وليس هو في ” مسنده ” المطبوع البتة .
الثانية :
رواه عبد الرزاق في ” المصنف ” ( 6 / 180 ) عن قيس بن الربيع عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : قال عمر بن الخطاب : لا تغالوا في مهور النساء ، فقالت امرأة : ليس ذلك لك يا عمر ؛ إن الله يقول ” وآتيتم إحداهن قنطاراً من ذهب ” – قال : وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود – ” فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئاً ” ، فقال عمر : إن امرأة خاصمتْ عمر فخصمتْه .
قلت : وهو ضعيف ، فيه علتان :
أولاهما : الانقطاع بين أبي عبد الرحمن السلمي وعمر بن الخطاب ، فهو لم يسمع منه كما قال ابن معين وأقره العلائي في ” جامع التحصيل ” ( ص 208 ) .
والثانية : ضعف قيس بن الربيع ، قال يحيى بن معين – عنه – : ليس بشيءٍ ، وقال – مرة – : ضعيف ، وقال – مرة – : لا يُكتب حديثه ، وقيل لأحمد :لم ترك الناس حديثه ؟ قال : كان يتشيع ، وكان كثير الخطأ في الحديث ، وروى أحاديث منكرة ، وكان ابن المديني ووكيع يضعفانه ، وقال السعدي : ساقط ، وقال الدارقطني : ضعيف الحديث ، وقال النسائي : متروك الحديث .
انظر ” ميزان الاعتدال ” ( 5 / 477 ) و ” الضعفاء والمتروكين ” لابن الجوزي ( 3 / 19 ) .
وقد ذكر شيخنا الألباني – رحمه الله – العلتين في ” إرواء الغليل ” ( 6 / 348 ) .
الثالثة :
رواه الزبير بن بكار – كما في ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 468 ) – قال : حدثني عمِّي مصعب بن عبد الله عن جدِّي قال : قال عمر بن الخطاب : لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي الغصة – يعني : يزيد بن الحصين الحارثي – فمَن زاد ألقيتُ الزيادة في بيت المال ، فقالت امرأةٌ من صفة النِّساء طويلة ، في أنفها فطس : ما ذاك لك ، قال : ولم ؟ قالت : إنَّ الله قال { وآتيتم إحداهنَّ قنطاراً } الآية ، فقال عمر : امرأة أصابت ، ورجل أخطأ .
قلت : وإسناده ضعيف ، فيه علتان :
الأولى : ضعف جدِّ مصعب بن عبد الله وهو مصعب بن ثابت ، قال يحيى بن معين : ضعيف ، وقال – مرة – : ليس بشيءٍ ، وقال أحمد : أراه ضعيف الحديث ، وقال السعدي :لم أر النَّاس يحدِّثون عنه ، وقال ابن حبان : انفرد بالمناكير عن المشاهير فلمَّا كثر منه استحق مجانبة حديثه .
انظر ” الضعفاء ” للعقيلي ” ( 4 / 196 ) ، و” المجروحين ” لابن حبان ( 3 / 28 ) ، و” الضعفاء والمتروكين ” لابن الجوزي ( 3 / 122 )
والثانية : الانقطاع بينه وبين عمر – رضي الله عنه – .
وبعد ، فلا يطمئن القلب لتحسين القصة عن عمر لكثرة علل طرقها ، ولعل هذا مما يزيدها ضعفاً ، وهو أن لا تأتي مثل هذه القصة المشهورة إلا من طريق هؤلاء الضعفاء .
ومما يدل على ضعف إنكار المرأة على عمر أمران :
الأول : أنه قد صح عن عمر النهي عن المغالاة في المهور من طريق صحيح ، وليست فيه هذه الزيادة المنكرة :
عن أبي العجفاء السلمي قال : قال عمر بن الخطاب : ” ألا لا تغالوا صدقة النساء ؛ فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم ، ما علمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئاً مِن نسائه ولا أَنكح شيئاً مِن بناته على أكثر من ثنتي عشرة أوقية ” . رواه الترمذي ( والنسائي ( 3349 ) وأبو داود ( 2106 ) وابن ماجه ( 1887 ) .
قال أبو عيسى الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
والأوقية : أربعون درهماً – كما ذكره الترمذي – .
تنبيه :
ذكر العجلوني في ” كشف الخفاء ” ( 1 / ) و ( 2 / 155 ) رواية عبد الرزاق من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن عمر ، وجعلها عن أبي العجفاء عن عمر ! وهو وهم ، فلم يأت إنكار المرأة من طريق أبي العجفاء البتة ، وهي رواية السنن ، وها هما الروايتان – ولله الحمد – بين أيدينا ، وإنما نبهتُ على هذا لأن الدارقطني – كما سيأتي – رجح رواية أبي العجفاء فلعل أحداً أن يخلط بين الخطأ الذي في ” الكشف ” وبين الصواب الذي في السنن ” فلزم التنبيه .
والثاني : أنه لا يخفى على مثل عمر – إن شاء الله – مثل هذه الآية ، وأنه كلامه ليس في النهي الشرعي ، بل هو للإرشاد كما هو واضح عند أدنى تأمل ، ومما يمكن الاستئناس به للأمرين – وهما علمه بالآية وأنه لم ينه النهي الشرعي – ما رواه البيهقي عنه قال – رضي الله عنه – : ” لقد خرجتُ وأنا أريد أن أنهى عن كثرة مهور النساء حتى قرأت هذه الآية { وآتيتم إحداهن قنطاراً } .
قال البيهقي : هذا مرسلٌ جيِّدٌ .
وقضية غياب آية { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ } [ آل عمران / 144 ] التي غابت عنه يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمكن الاستدلال بها لتثبيت غياب هذه الآية كذلك ؛ لأن سبب غياب تلك الآية معقول وهو مصيبة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم التي تنسي المحب ما يعلم ، وليس الأمر كذلك هنا ، فلا سبب يمكن أن يقال في ذهول عمر عن هذه الآية ، أو يقال كان جاهلا بها ، ويرده ما سبق ذكره من أثر البيهقي ، وما هو معلوم عن عمر من دقة فهمه – لا حفظه فقط – لكتاب الله تعالى ، ويدل على ذلك حديث الصحيحين في اختبار الصحابة في معنى قوله تعالى { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ …} الآيات ، فلما لم يعلم الصحابة معناها وأمر ابنَ عباس أن يقول لهم ما يعلم وقال : إنها أجلُ النبي صلى الله عليه وسلم ، قال عمر : ما أعلم منها إلا ما تعلم ، والحديث في الصحيحين :
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ، فقال بعضهم :لم تُدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله ؟ فقال : إنه ممن قد علمتم ، قال : فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم ، قال : وما رئيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني ، فقال : ما تقولون في { إذا جاء نصر الله والفتح . ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً } حتى ختم السورة ؟ فقال بعضهم : أُمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا ، وقال بعضهم : لا ندري ، أو لم يقل بعضهم شيئاً ، فقال لي : يا ابن عباس أكذاك تقول ؟ قلت : لا ، قال : فما تقول ؟ قلت : هو أجَلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له { إذا جاء نصر الله والفتح } فتح مكة فذاك علامة أجلك { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً } قال عمر : ما أعلم منها إلا ما تعلم .
رواه البخاري ( 4043 ) في كتاب المغازي ، باب منزل النبي يوم الفتح ، و ( 4686 ) في كتاب تفسير القرآن ، باب قوله { فسبِّح بحمد ربِّك واستغفره إنه كان توَّاباً } .
وأما ما ورد من حفظه للقرآن فكثير ومن أشهره : إنكاره على هشام بن حكيم قراءته سورة الفرقان ، وهو حديث مشهور معلوم رواه البخاري ( 2287 ) ومسلم ( 818 ) .
فائدة ( 1 ) :
سئل الدارقطني – رحمه الله – عن حديث السنن السابق ، وتكلم عليه ، وذكر طريق مجالد وتكلَّم عليها ، وخلاصة ما قال :
ولا يصح هذا الحديث إلا عن أبي العجفاء .
” علل الدارقطني ” ( 2 / 238 ) .
فائدة ( 2 ) :
يستدل الرافضة بهذا الأثر كثيراً للطعن في عمر – رضي الله عنه – وأنه صوَّبته امرأة في حكم شرعي ، ولما كان الرافضة أغبى الطوائف المنتسبة للإسلام فإنهم لم يتنبهوا إلى أن في القصة – على فرض صحتها – تزكية عظيمة لعمر – رضي الله عنه – من قبوله للحق ممن هو دونه ، بل ومن امرأة ، ومن ثّمَّ اعترافه بذلك أمام الناس ، وهو مما لا يفعله إلا القلائل من خلق الله على مدى العصور .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
والجواب : أن هذه القصة دليل على كمال فضل عمر ودينه وتقواه ورجوعه إلى الحق إذا تبين له ، وأنه يقبل الحق حتى من امرأة ، ويتواضع له ، وأنه معترف بفضل الواحد عليه ولو في أدنى مسألة ، وليس من شرطِ الأفضل أن لا ينبهه المفضول لأمرٍ من الأمور ، فقد قال الهدهد لسليمان { أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأٍ بنبأٍ يقينٍ } [ سورة النمل / 22 ] ، وقد قال موسى للخضر { هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً } [ سورة الكهف / 66 ] ، والفرق بين موسى والخضر أعظم من الفرق بين عمر وبين أشباهه من الصحابة ، ولم يكن هذا بالذي أوجب أن يكون الخضر قريباً من موسى فضلاً عن أن يكون مثله ، بل الأنبياء المتِّبعون لموسى كهارون ويوشع وداود وسليمان وغيرهم أفضل من الخضر . وما كان عمر قد رآه فهو مما يقع مثله للمجتهد الفاضل .
” منهاج السنة ” ( 6 / 76 ، 77 ) .
والله أعلم .
تخريج حديث اتقول فراسة المؤمن
السلام عليكم
جزاكم الله خيراً يا نسيم السحر
الحديث : ضعيف جدّاً .
رواه الترمذي ( 3127 ) من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – ، وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعيد العوفي ضعَّفه أحمد وأبو زرعة ، وفيه مصعب بن سلاَّم ضعَّفه علي بن المديني ، ولابن معين فيه قولان ، وقال ابن حبان : كثير الغلط لا يحتج به ، وقال ابن عدي : ولمصعب أحاديث غير ما ذكرت غرائب وأرجو أنه لا بأس به وأما ما انقلبت عليه فإنه غلط منه لا تعمد .
والظاهر أن حديثه هذا مما غلط فيه ، وانقلب عليه ، فقد روى الحديثَ سفيانُ عن عمرو بن قيس – الراوي عنه مصعب هذا الحديث – قال : كان يقال ” اتقوا فراسة المؤمن ” ، وهو الذي صوَّبه العقيلي في ” الضعفاء ” ( 4 / 129 ) ، والخطيب البغدادي في ” تاريخ بغداد ” ( 3 / 191 ، 192 ) .
ورواه الطبراني في ” الكبير ” من حديث أبي أمامة – رضي الله عنه – ، وإسناده ضعيف ، فيه : عبد الله بن صالح وهو كاتب الليث بن سعد ، ضعَّفه أحمد وابن المديني والنسائي وصالح جزرة وابن حبان.
ورواه ابن جرير الطبري في ” التفسير ” ( 14 / 46 ) ، وأبو نعيم في ” حلية الأولياء ” ( 4 / 94 ) من حديث ابن عمر – رضي الله عنه – ، وإسناده ضعيف جدّاً ، فيه فرات بن السائب ، قال البخاري : منكر الحديث ، تركوه ، وقال الدارقطني : متروك .
ورواه ابن جرير – أيضاً – ( 14 / 46 ) من حديث ثوبان – رضي الله عنه – ، وإسناده ضعيف جدّاً ، فيه مؤمل بن سعيد وسليمان بن سلمة ، وكلاهما منكر الحديث كما قال أبو حاتم الرازي ، وقال ابن حبان عن مؤمل بن سعيد : منكر الحديث جدّاً ، روى عنه سليمان بن سلمة الخبائري ، فلا أدري البلية منه أو من سليمان .
والحديث : حكم عليه الحافظ ابن الجوزي بالوضع ، والشيخ الألباني بالضعف – كما في ” السلسلة الضعيفة ” ( 1821 ) – ، والصواب : التوسط وأنه ضعيف جدّاً .
ويغني عن هذا الحديث : حديث أنس – رضي الله عنه – قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :” إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم ” ، رواه الطبراني في ” الأوسط ” ( 3 / 207 ) ، وابن جرير الطبري في ” التفسير ” ( 14 / 46 ) .
قال الهيثمي : رواه البزار والطبراني في الأوسط وإسناده حسن .
” مجمع الزوائد ” ( 10 / 268 ) .
وحسَّنه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1693 ) .
والله أعلم
فوائد من أحاديث ولوغ الكلب في الإناء
فوائد من أحاديث ولوغ الكلب في الإناء
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد
فهذا فصل من كتابي “الفوائد العِذاب فيما جاء في الكلاب” ، رأيت أن في عرضه نفعاً إن شاء الله.
1- عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ في إِنَاءِ أحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ. رواه مسلم [3/182]
ولفظ البخاري: إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ في إِنَاءِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعاً. [1/364].
2- عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: طُهُورُ إِنَاءِ أحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ. رواه مسلم [3/183].
وفي رواية لمسلم [3/183]: إِذَا وَلَغَ الكُلْبُ في الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ.
فوائد الأحاديث :
1- نجاسة ما ولغ فيه الكلب، لأنَّ إراقة الماء إضاعة له-ذكر الإمام!! الشعراني الصوفي أنَّ علة النهي عن شرب سؤر الكلب قسوة القلب!!.ا.هـ مقدمة المغني [ص24]. وهذا كلامٌ ساقطٌ، وله مثله كثير- فلو كان طاهراً لم نُؤمر بإراقته. وهو قول جماهير العلماء.
2- لا فرق بين أنْ يكون في الإناء ماءٌ أو لبنٌ أو زيتٌ أو طعامٌ لعموم قوله: (فليُرِقْه) وعموم قوله (طُهُورُ إِنَاءِ) وعليه فتفريق المالكية بين إناء الماء فيراق ويغسل وبين إناء الطعام فيؤكل ثم يغسل الإناء تعبداً مما لا دليل عليه.
3- تنجس الإناء، ووجوب تطهيره، لعموم قوله (طُهُورُ إِنَاءِ …).
4- الأمر بالإراقة لما في الإناء.
وقد تكلم بعض العلماء – كالنسائي وحمزة الكناني وابن عبد البر وابن مندة. انظر: فتح الباري [1/365]- على زيادة (فليُرِقْه) عند مسلم، وحكموا عليها بالشذوذ، ولا داعي لهذا فالمعنى فيها صحيح، إذ الحكم بنجاسة الإناء يستلزم الإراقة، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: (طُهُورُ إِنَاءِ…) وراوي هذه الزيادة هو: (علي بن مُسهِر) عن الأعمش وهو ثقةٌ احتج به البخاري ومسلم، ووثقه أحمد وابن معين والعجلي وغيرهم فلا يضر تفرُّده.
5- اقتصار هذا الحكم على الولوغ والشرب، دون الصيد والأكل وإدخال الرأس.
6- اقتصار الحكم على الولوغ والشرب بالفم دون باقي أجزائه أو أعضائه. فلو أصاب عضوٌ من أعضائه شيئاً طاهراً -سواء في حال الرطوبة أو عدمها – لا يجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب، إذا قلنا بنجاسة الكلب وإذا قلنا بطهارته -كما هو الراجح- لم يجب الغسل أصلاً.
ومثله يقال في بول الكلب وروثه، فإنهما وإنْ كانا نجسين إلا أنهما ليس لهما الحكم نفسه-قال النووي: وقيل: يكفي غسله في غير الولوغ -كالبول والروث- مرة كسائر النجاسات، حكاه المتولي والرافعي وغيرهما، وهذا الوجه متجه وقوي من حيث الدليل.ا.هـ المجموع [2/604]-.
7- العموم في الكلاب، لعموم اللفظ، فيشمل المأذون باتخاذه والمنهي عنه.
وادّعى بعض المالكية -كابن عبد البر- في التمهيد [1/336] أنَّ المأمور بالغسل من ولوغه هو: الكلب المنهي عن اتخاذه، دون الكلب المأذون فيه.
والرد على هذا من وجوه: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
أ- يحتاج هذا الأمر إلى ثبوت تقدم النهي عن الاتخاذ على الأمر بالغسل.
ب- ويحتاج إلى قرينة تدل على أنَّ المراد ما لم يؤذن في اتخاذه.
جـ- أنَّ الظاهر من (اللام) في قوله (الكلب) أنها للجنس أو لتعريف الماهية، فيحتاج المدّعي أنها للعهد إلى دليل .ا.هـ (الفتح [1/367]).
وقال الإمام النووي:
د- ويدلُّ لإبطال هذا القول رواية عبد الله بن مغفل قال: أمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِ الكِلاَبِ ثُمَّ قال: (مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الكِلاَبِ) ثُمَّ رَخَّصَ في كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الغَنَمِ، وقال: (إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ في الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ) -شرح مسلم [3/83] وقد قاس ابن عبد البر سؤر الكلب على سؤر الهرة، وقال: إنَّ الجامع بينهما أنهما من الطوافين علينا !! وهذا إنْ كان صحيحاً فإن النصَّ قد أخرج (الكلب) فبقيت العلة في غيره-.
8- إذا ولغ كلبان أو أكثر، أو ولغ كلب واحد مرات، فالصحيح أنه يكفيه للجميع سبع مراتٍ أولاهنَّ بالتراب.
9- وجوب التسبيع، إذ لا صارف للأمر عن الوجوب وهو قول الشافعي ومالك وأحمد وابن المنذر. (المغني [1/45] ، (المجموع [2/580]).
وعليه: فمن قال بالاستحباب -كأبي حنيفة كما في (بدائع الصنائع [1/87])- فقد أخطأ.
ويرى أبو حنيفة أنَّ الغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات، واحتج له أصحابه بما يلي:
أ- عن أبي هريرة موقوفاً: أنه يغسل من ولوغه ثلاث مرات-وانظر المحلى [1/124] ففيه ردٌّ وافٍ أيضاً-.
قالوا: وأبو هريرة هو الراوي للغسل من الولوغ سبعاً، فالعبرة بما رأى لا بما روى تحسيناً للظن عن مخالفة النص.
قلت: الأثر رواه الدارقطني [1/66]، وقال: هذا موقوفٌ، ولم يروه هكذا غير عبد الملك عن عطاء، والله أعلم.ا.هـ.
وقال البيهقي [1/242]: وفي ذلك دلالة على خطأ رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة في الثلاث. وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف الثقات.ا.هـ.
وقال الحافظ: … فالموافقة- أي: موافقة رأي أبي هريرة لما رواه من السبع – وَرَدَتْ من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه. وهذا من أصح الأسانيد وأما المخالفة: فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه، وهو دون الأول في القوة بكثير. ا.هـ (الفتح [1/367]). وانظر (المجموع [2/599-600]).
– وأما قولهم (العبرة بما رأى لا بما روى) فباطلٌ لأنَّه:
أولاً: غيرُ ثابتٍ أنَّه رضي الله عنه خالف ما روى.
وثانياً:
قال ابن حزم:
لكن السنَّة الثابتة لا يحل خلافها، وما نبالي بخلاف ابن عباس [أي: في بيع أمهات الأولاد]، فقد يخالفها متأوِّلاً أنَّه خصوصٌ، أو قد ينسى ما روى، وما كلَّفَنا الله تعالى أنْ نراعي أقوال القائلين، إنما أَمرنا بقبول رواية النافرين ليتفقهوا في الدين، المنذرين لمن خلفهم من المؤمنين، بما بلغهم وصحَّ عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ا.هـ – انظر “الإحكام في أصول الأحكام” [4/161-162]-.
وقال ابن القيم:
والذي نَدينُ الله به، ولا يَسَعُنا غيره، وهو القصد في هذا الباب: بأنَّ الحديثَ إذا صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصحَّ عنه حديثٌ آخر ينسخه أنَّ الفرض علينا وعلى الأمَّة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحدٍ من الناس كائناً من كان لا راويه ولا غيره، إذ من الممكن أنْ ينسى الراوي الحديث، أو لايحضره وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألـة أو يتأول فيه تأويلاً مرجوحاً، أو يقوم في ظنِّه ما يعارضه ولا يكون معارضاً في نفس الأمر أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنَّه أعلم منه، أو أنَّه إنما خالفه لما هو أقوى منه.
ولو قُدِّر انتفاء ذلك كله -ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه- لم يكن الراوي معصوماً، ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط عدالته حتى تغلب سيئاتُه حسناتِه، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له حجة. ا.هـ.- انظر “إعلام الموقعين” [3/52]-.
وقال الشوكاني:
وترجيح رأي الصحابي على روايته عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ورواية غيره: من الغرائب التي لا يُدرَى ما الحامل عليها. ا.هـ.- انظر “نيل الأوطار” [1/21].
ب- واحتجوا لأبي حنيفة أيضاً بأنه جاء في بعض طرق حديث أبي هريرة مرفوعاً: في الكلب يلغ في الإناء يغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً.
قلت: الرواية في الدارقطني [1/66] وهي روايةٌ ضعيفةٌ جدّاً، لأنَّ فيها (عبد الوهاب ابن الضحاك) وهو متروك -كما قال الدارقطني نفسه بعد تلك الرواية- وفيها (إسماعيل ابن عياش) وروايته عن الحجازيين ضعيفةٌ وهي هنا عن واحدٍ منهم وهو هشام بن عروة.-وانظر المجموع [2/599] ففيه تفصيلٌ لما أجملناه من سبب ضعف الحديث-.
جـ- وقال الأحناف: إنَّ الحديثَ محمولٌ على حالة الأمر بقتل الكلاب، فلما نهى عن قتلها نسخ ذلك.
قلت: وهذا مردودٌ لأنَّ النسخ لا يثبت بالحدس والرأي. بل ظاهر سياق حديث عبد الله بن مغفل عند مسلم: أمره بالتسبيع من ولوغها بعد النهي عن قتلها، فإنه قال فيه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم قال: (مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الكِلاَبِ؟) ثم رخص في كلب الصيد والغنم وقال: (إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ في الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ).
يؤيده: أنَّ الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة ، والأمر بالغسل متأخرٌ جدّاً لأنه من رواية أبي هريرة وعبد الله بن مغفل. وقد ذكر ابن مغفل أنَّه سمع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يأمر بالغسل وكان إسلامه سنة سبعٍ كأبي هريرة.
د- واستدل بعضهم بفعل البغيِّ التي سقت الكلبَ بخفِّها؟
قال ابن حزم: وهذا عجبٌ جدّاً، لأنَّ ذلك الخبر كان في غيرنا، ولا تلزمنا شريعة مَن قبلَنا. وأيضاً: فمن أين لهم أنَّ ذلك الخف شُرب فيه ما بعد ذلك، وأنه لم يغسل، وأنَّ تلك البغي عرفتْ سنَّةَ غسل الإناء من ولوغ الكلب؟ ولم تكن تلك البغي نَبيَّةً فيحتج بفعلها. وهذا كله دفعٌ بالراح، وخبطٌ يجب أن يُستحى منه.ا.هـ (المحلى [1/125]).
هـ- واستدل بعضهم: بأنَّ العذرة أشد في النجاسة مِن سؤر الكلب ولم يقيد بالسبع فيكون الولوغ كذلك مِن باب الأولى.
قال الحافظ ابن حجر:
لا يلزم مِن كونها أشد منه في الاستقذار أن لا يكون أشد منها في تغليظ الحكم. وبأنَّه قياسٌ في مقابلة النَّص وهو فاسد الاعتبار. (الفتح [1/367]).
10- وجوب التتريب في الغسل – أي استعمال التراب- وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور والطبري وأكثر الظاهرية.
ومَن لم يقُلْ به -كبعض المالكية- فليس له حجةٌ إلا عدم ذكر التراب في الرواية الأولى (سَبْعَ مِرَارٍ) و (سَبْعاً) ويرد عليه بثبوت (أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ) و (عَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ) وكلاهما في “مسلم” وعن أبي هريرة.
11- لا يقوم الصابون والأشنان -والأشنان: شجر يدق ويكون حبيبات كحبيبات السكر تغسل به الثياب وهو منظفٌ ومزيلٌ-وما أشبههما مقام التراب، إذ الأمر تعبدي.
12- ما هو الإناء الذي يراق ما فيه من ولوغ الكلب؟
قال ابن القيم:
وإذا كان لابد لهم مِن تقييد الحديث وتخصيصه ومخالفة ظاهره: كان أسعد الناس به: مَن حمله على الولوغ المعتاد في الآنية المعتادة التي يمكن إراقتها-قلت: وهو يشبه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ في إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ . رواه البخاري [10/306]، والمراد: الإناء المعتاد. والله أعلم- وهو ولوغٌ متتابعٌ في آنيةٍ صغارٍ يتحلل مِن فم الكلب في كلِّ مرَّةٍ ريقٌ ولعابٌ نجسٌ يخالط الماء، ولا يخالف لونُه لونَه فيظهر فيه التغير، فتكون أعيان النجاسة قائمة بالماء وإن لم تُر. فأمر بإراقته وغسل الإناء، فهذا المعنى أقـرب إلى الحديث وألصـق به، وليس في حمله عليه ما يخالف ظاهره، بل الظاهر أنَّه أراد الآنية المعتادة التي تتخذ للاستعمال فيلغ فيها الكلاب.ا.هـ (تهذيب سنن أبي داود [1/69]).
13- كيف نجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: (أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ) وقوله: (إِحْدَاهُنَّ) وقوله: (عَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ) ورابعة (السَّابِعَةَ بِالتُّرَابِ)؟.
قال الحافظ ابن حجر:
فطريق الجمع أنْ يقال: (إِحْدَاهُنَّ) -وهذا على فرض صحتها، وإلا فهي ضعيفةٌ، لأنَّ في إسنادها الجارود بن يزيد وهو متروكٌ. وانظر :سبل السلام [1/53]- مبهمةٌ. و (أُولاَهُنَّ) و (السَّابِعَةَ) معينة. و (أَوْ) إنْ كانتْ في نفس الخبر فهي للتخيير، فمقتضى حمل المطلق على المقيد: أنْ يحمل على أحدهما لأنَّ فيه زيـادة على الرواية المعينة… وإنْ كانتْ شكّاً من الراوي، فرواية مَن عيّن ولم يشك أولى من رواية من أبهم أو شك. فيبقى النظر في الترجيح بين رواية (أُولاَهُنَّ) ورواية (السَّابِعَةَ)، ورواية (أُولاَهُنَّ): أرجح مِن حيث الأحفظية والأكثرية ومِن حيث المعنى. لأنَّ في تتريب الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسله أخرى لتنظيفه. ا.هـ (الفتح [1/36]).
وقال ابن حزم: وكل ذلك لا يختلف معناه، لأنَّ الأُولى: هي بلا شك إحدى الغسلات وفي لفظة (الأولى) بيان أيتهن هي فمن جعل التراب في (أُولاَهُنَّ) فقد جعله في (إِحْدَاهُنَّ) بلا شك واستعمل اللفظتين معاً. ومن جعله في غير أولاهن فقد خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنْ يكون ذلك في (أُولاَهُنَّ) وهذا لا يحل. ولا شك ندري أنَّ تعفيره بالتراب في أولاهن تطهيرٌ ثامنٌ إلى السبع غسلات وأنَّ تلك الغسلة سابقة لسائرهن إذا جمعهن، وبهذا تصح الطاعة لجميع ألفاظه عليه السلام في هذا الخبر.ا.هـ (المحلى [1/121-122]).
14- من لم يجد إلا ماء مولوغاً فيه، هل يتوضأ به أم يتيمم؟.
قال شيخ الإسلام :
وأما التوضأ بماء الولوغ: فلا يجوز عند جماهير العلماء، بل يعدل عنه إلى التيمم.ا.هـ
(مجموع الفتاوى [21/80]). وانظر (فتح الباري [1/368]).-قلت: ويَستدل بعضهم بطهارة سؤر السباع بحديث جابر عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنه سئل أيُتوضأ بما أفضلت الحُمُر؟ قال: نعم وبما أفضلت السباع.
والحديثُ ضعيفٌ فيه: الحصين والد داود وهو ضعيف. وفيه: الإبراهيمان: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى وإبراهيم بن إسماعيل بن حبيبة. وقد ضعّفه البغوي وابن الجوزي والنووي. انظر :شرح السنة [2/71]و التحقيق [1/67]و المجموع [1/226]-.
15- أدخل كلب رأسه في إناء وأخرجه ولم يُعلم هل ولغ فيه أو لا، فما حكم الماء؟.
قال النووي رحمه الله:
قال صاحب الحاوي وغيره: إنْ كان فمه يابساً، فالماء طاهرٌ بلا خلاف، وإنْ كان رطباً: فوجهان: (أحدهما) يحكم بنجاسة الماء لأنَّ الرطوبة دليلٌ ظاهرٌ في ولوغه، فصار كالحيوان إذا بال في ماءٍ ثم وجده متغيراً، حكم بنجاسته بناءً على هذا السبب المعين.
(وأصحهما) أنَّ الماء باقٍ على طهارته. لأنَّ الطهارةَ يقينٌ والنجاسةَ مشكوكٌ فيها.
ويحتمل كون الرطوبة من لعابه، وليس كمسألة بول الحيوان، لأنَّا هناك تيَقنَّا حصول النجاسة وهو سبب ظاهر في تغير الماء بخلاف هذا. ا.هـ (المجموع [1/233]).
16- لو وقع كلب في ماء -بئر أو غيره- فمات، فما حكم الماء؟
قال ابن المنذر رحمه الله:
أجمع أهل العلم أنَّ الماء القليل أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسةٌ فغيّرتْ النجاسةُ الماءَ طعماً أو لوناً أو ريحاً: أنه نجس مادام الماء كذلك ولا يجزئ الوضوء والاغتسال به. ا.هـ (الأوسط [1/260]).
فأما إذا لم تُغيِّر النجاسةُ لوناً أو طعماً أو ريحاً فهو طاهر وهو الذي رجّحه ابن المنذر وهو قول: ابن عباس وابن المسيب والحسن البصري وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجابر بن زيد ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي-انظر الأوسط [1/273-276]و التمهيد [1/327]-.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله:
أيُّ بئرٍ وقع فيه شيءٌ مما ذكر -أي: كلبٌ أو خنـزيرٌ أو جملٌ أو بقرةٌ أو شاةٌ أو غيره- إنْ كان الماء لم يتغير بالنجاسة فهو طاهرٌ، فإنْ كانت عينُ النجاسة باقيةً: نُزحت منه وأُلقيت، وسائر الماء طاهر وشعر الكلب والخنـزير إذا بقي في الماء لم يضره ذلك في أصح قولي العلماء، فإنه طاهرٌ في أحد أقوالهم، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وهذا القول أظهر في الدليل، فإنَّ جميع الشعر والريش والوبر والصوف طاهر، سواء كان على جلد ما يؤكل لحمه أو جلد ما لا يؤكل لحمه. وسواء كان على حيٍّ أو ميِّتٍ.
وهذا أظهر الأقوال للعلماء، وهو إحدى الروايات عن أحمد. وأما إن كان الماء قد تغير بالنجاسة، فإنه ينـزح منه حتى يَطيبَ، وإن لم يتغير الماء لم ينـزح منه شيء. ا.هـ (مجموع الفتاوى [21/38-39]).
17- ما معنى حديث ابن عمر :كَانَتِ الكِلاَبُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ في المَسْجِدِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرشُّونَ شَيْئاً مِنْ ذلكَ. رواه البخاري [1/369 ].
قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله:
أشكل هذا الحديث على العلماء -رحمهم الله- واختلفوا في تخريجه:
فقال أبو داود: إنَّ الأرض إذا يَبِست طَهُرت واستدل بهذا الحديث وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام فإنَّه ذكر أنَّ الأرض تطهر بالشمس والريح، واستدل بهذا الحديث.
وذهب بعض العلماء إلى أنَّ قوله: (وَتَبُولُ) يعني: في غير المسجد وأنَّ الذي في المسجد إنما هو الإقبال والإدبار. لكنَّ هذا التخريجَ ضعيفٌ، لأنها لو كانت لا تبول في المسجد لم يكن فائدة في قوله: (وَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئاً مِنْ ذلكَ).
وقال ابن حجر في فتح الباري: والأقرب أنْ يقال أنَّ ذلك في أول الأمر قبل أنْ يؤمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها. والذي يظهر لي: أنَّ كلام شيخ الإسلام هو الصحيح وأنَّ الأرض إذا أصابتْها النجاسة فيبست حتى زال أثرها فإنها تطهر لأنَّ الحكم يدور مع علته، فإذا لم يبق للنجاسة أثرٌ صارت معدومة فتطهر الأرض بذلك. ا.هـ- انظر “مجموع فتاوى ابن عثيمين” [ص247].
18- هل يقاس الخنـزير على الكلب في تطهير الإناء من الولوغ؟.
قاله بعض العلماء -كالشافعي وأحمد رحمهما الله . انظر المجموع [2/604] وقال النووي: واعلم أنَّ الراجح من حيث الدليل: أنه يكفي غسلة واحدة بلا تراب، وبه قال أكثر العلماء الذين قالوا بنجاسة الخنـزير وهذا هو المختار لأنَّ الأصل عدم الوجوب حتى يرد الشرع. ا.هـ -وردَّ عليهم ابن حزم رحمه الله فقال:
وأما قياس الخنـزير على الكلب فخطأٌ ظاهر -لو كان القياس حقّاً- لأنَّ الكلب بعض السباع، لم يحرم إلا بعموم تحريم لحوم السباع فقط، فكان قياس السباع وما ولغت فيه على الكلب الذي هو بعضها والتي يجوز أكل صيدها إذا علِّمت أولى من قياس الخنـزير على الكلب.
وكما لم يجز أنْ يقاس الخنـزير على الكلب في جواز اتخاذه وأكل صيده فكذلك لا يجـوز أنْ يقاس الخنـزير على الكلب في عدد غسل الإناء من ولوغه ، فكيف والقياس كلُّه باطلٌ!!.ا.هـ.-انظر المحلى [1/123]-.
انظر في فوائد هذه الأحاديث: معالم السنن [1/76 هامش مختصر السنن]. شرح مسلم
[3/184]. طرح التثريب [2/123]. شرح السنَّة [2/71-75].
والله أعلم وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
فائدة نفيسة في الحروف المقطعة لابن القيم
فائدة
السر في حروف ألم :
تأمل سر { ألم } كيف اشتملت على هذه الحروف الثلاثة :
فالألف : إذا بدئ بها أولاً كانت همزة ، وهي أول المخارج من أقصى الصدر .
واللام : من وسط المخارج ، وهي أشد الحروف اعتمادا على اللسان.
والميم : آخر الحروف ، ومخرجها من الفم .
وهذه الثلاثة : هي أصول مخارج الحروف ، أعني : الحلق ، واللسان، والشفتين ، وترتيب في التنـزيل من البداية إلى الوسط إلى النهاية .
فهذه الحروف معتمد المخارج الثلاثة التي تتفرع منها ستة عشر مخرجا فيصير منها تسعة وعشرون حرفا ، عليها دار كلام الأمم الأولين والآخرين ، مع تضمنها سرّاً عجيباً وهو :
أن الألف : البداية
واللام : التوسط
والميم : النهاية
فاشتملت الأحرف الثلاثة على البداية ، والنهاية ، والواسطة بينهما.
وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف الثلاثة : فهي مشتملة على بدء الخلق ، ونهايته ، وتوسطه : فمشتملة على تخليق العالم ، وغايته، وعلى التوسط بين البداية والنهاية من التشريع والأوامر .
فتأمل ذلك في البقرة ، وآل عمران ، وتنـزيل السجدة ، وسورة الروم .
وتأمل اقتران الطاء بالسين والهاء في القرآن ، فإن الطاء جمعت من صفات الحروف خمس صفات لم يجمعها غيرها وهي : الجهر ، والشدة ، والاستعلاء ، والإطباق ، والسين مهموس رخو مستفل صفيري منفتح ، فلا يمكن أن يجمع إلى الطاء حرف يقابلها كالسين والهاء .
فذكر الحرفين اللذيْن جمعا صفات الحروف .
وتأمل السور التي اشتملت على الحروف المفردة كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف :
فمن ذلك ” ق ” ، والسورة مبنيَّة على الكلمات القافية : من ذِكر القرآن ، وذِكر الخلق ، وتكرير القول ، ومراجعته مراراً ، والقرب من ابن آدم ، وتلقي الملكين قول العبد ، وذكر الرقيب ، وذكر السائق والقرين ، والإلقاء في جهنم ، والتقدم بالوعيد ، وذكر المتقين ، وذكر القلب ، والقرون ، والتنقيب في البلاد ، وذكر القيل مرتين ، وتشقق الأرض ، وإلقاء الرواسي فيها ، وبسوق النخل ، والرزق ، وذكر القوم ، وحقوق الوعيد .
ولو لم يكن إلا تكرار القول والمحاورة .
وسر آخر :
وهو أن كل معاني هذه السورة مناسبة لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعلو والانفتاح .
وإذا أردت زيادة إيضاح هذا :
فتأمل ما اشتملت عليه سورة ” ص ” من الخصومات المتعددة :
فأولها : خصومة الكفار مع النبي { أجعل الآلهة لها واحداً } إلى أخر كلامهم ، ثم اختصام الخصمين عند داود ، ثم تخاصم أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى في العلم وهو الدرجات والكفارات ، ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لآدم ، ثم خصامه
ثانياً في شأن بنيه : حلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم .
فليتأمل اللبيب الفطن :
هل يليق بهذه السورة غير ” ص ” وسورة ” ق ” غير حرفها ؟!
وهذه قطرة من بحر من بعض أسرار هذه الحروف .
المصدر : ” بدائع الفوائد ” ( 3 / 692 ، 693 ) .
فائدة أخرى :
قال الإمام ابن كثير :
قلت : مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا وهي : ا ل م س ر ك هـ ي ع ط ص ح ق ن يجمعها قولك : ” نص حكيم قاطع له سر ” !!
وهي نصف الحروف عددا ، والمذكور منها: أشرف من المتروك وبيان ذلك من صناعة التصريف .
المصدر : ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 38 )
والله أعلم
الحرف في القرآن الكريم، ما معناه؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أولاً :
بادئ ذي بدء لا يصح أن نحمل الألفاظ الشرعية على المعاني الاصطلاحية المتأخرة – أو على بعضها – دون بيِّنة ودليل ؛ لأن واضع هذه الاصطلاحات لم يرد تبيين معاني تلك الألفاظ الشرعية ، وقد يكون التوافق في الألفاظ فقط دون حقائق المسميات والمعاني .
ومن هذا الباب أود التنبيه على أمرٍ قد يخفى على كثيرين ، وسبب الخطأ فيه هو ما سبق ذِكره .
وهذا الأمر هو الأجر المترتب على قراءة آيات القرآن الكريم ، فالحرف الذي ورد ذِكره في الحديث ليس هو الحرف الذي اصطلح عليه علماء اللغة في بعض إطلاقاته ، وهو ما يسمى ” حروف الهجاء ” .
فإن الحرف عند علماء اللغة والنحو يطلق على حروف الهجاء وعلى الحروف التي ليست باسم ولا فعل وقد جاءت لمعنى في غيرها مثل ” في ” و ” من ” و ” على ” …..
وكما أن لفظ ” الحرف ” يطلق – كذلك – على الكلمة وعلى الجملة الكاملة .
ثانياً :
وهذه بعض النصوص والآثار على إطلاقات لفظ ” حرف ” :
1. إطلاق الحرف على حروف الهجاء :
أ. عن أبي وائل قال جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله فقال يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف ألفاً تجده أم ياءً { مِن ماء غير آسن } أو { مِن ماء غير ياسن } . قال : فقال عبد الله : وكلَّ القرآن قد أحصيتَ غير هذا ! ؟ قال : إني لأقرأ المفصل في ركعة ، فقال عبد الله : هذّاً كهذِّ الشِّعر . رواه مسلم ( 822 ) .
ب . قال البخاري :
باب من دعا صاحبه فنقص من اسمه حرفا وقال أبو حازم عن أبي هريرة قال لي النَّبي صلى الله عليه وسلم يا أبا هر . كتاب الأدب
وروى تحته حديثين وهما :
أ. عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام ، قلت : وعليه السلام ورحمة الله ، قالت : وهو يرى ما لا نرى . رواه البخاري ( 5848 ) ومسلم ( 2447 ) .
ب. عن أنس رضي الله عنه قال : كانت أم سليم في الثقل ، وأنجشة غلام النَّبي صلى الله عليه وسلم يسوق بهنَّ ، فقال النَّبي صلَّى الله عليه وسلم : يا أنجش رويدك سوقك بالقوارير .
رواه البخاري ( 5849 ) .
2. إطلاق الحرف على الكلمة الاصطلاحية سواء كان اسماً أو فعلاً أو حرفاً – وهي أقسام الكلام – واسم حروف الهجاء :
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أقرأني جبريل على حرفٍ ، فلم أزل أستزيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف . رواه البخاري ( 3047 ) ومسلم ( 819 ) .
قال الحافظ ابن حجر :
… وهذه الأحاديث تقوِّي أن المراد بالأحرف : اللغات أو القراءات ، أي : أُنزل القرآن على سبع لغات أو قراءات ، والأحرف : جمع حرف ، مثل : فلس وأفلس ، فعلى الأول يكون المعنى على سبعة أوجه من اللغات ؛ لأن أحد معاني الحرف في اللغة الوجه ، كقوله تعالى { ومن الناس من يعبد الله على حرف } ، وعلى الثاني يكون المراد من إطلاق الحرف على الكلمة مجازا لكونه بعضها . ” فتح الباري ” ( 9 / 24 ) .
3. إطلاق الحرف على الجملة :
أ. عن ابن عباس قال : بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته .
رواه مسلم ( 806 ) .
قال السندي :
( نقيضا ) صوتاً كصوت الباب إذا فتح ، ( أبشر ) من الإبشار ، ( أوتيتهما ) على بناء المفعول وكذا لم يؤتهما ، ( حرفا منهما ) أي : مما فيه من الدعاء ، ( إلا أعطيته ) أي : أعطيت مقتضاه ، والمرجو أن هذا لا يختص به بل يعمه وأمته صلى الله تعالى عليه وسلم .
” حاشية السندي ” ( 2 / 138 ، 139 ) .
ب. عن عائشة قالت : جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة ؟ فقال : لا ، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلِّي . رواه مسلم ( 333 ) .
وقال :
… وفي حديث حماد بن زيد زيادة حرف تركنا ذِكره .
قال النووي :
قوله ” وفي حديث حماد بن زيد زيادة حرف تركنا ذِكره ” : قال القاضي عياض رضي الله عنه : الحرف الذي تركه هو قول ” اغسلي عنك الدم وتوضئي ” ، ذَكر هذه الزيادة النسائي وغيره ، وأسقطها مسلم ؛ لأنها مما انفرد به حماد . ” شرح مسلم ” ( 4 / 22 ) .
وللعلم فقد تكرر كثيراً في كلام الإمام مسلم مثل هذا الاستعمال والإطلاق وكذا وجدته عند الترمذي وأبي داود ، وذلك في تعليقاتهم على الأحاديث وبيان اختلاف الرواة في بعض ألفاظ الحديث وجمله .
ثالثاً :
والذي يظهر أن ” الحرف ” المراد من حديث ابن مسعود في فضل قراءة القرآن هو بالمعنى الثاني وهو الحرف بمعنى الكلمة لا بالمعنى الأول ولا الثالث ! وبيان ذلك :
عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” مَن قرأ حرفاً مِن كتاب الله فله به حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول { الم } حرف ، ولكن ألِف حرف ، ولامٌ حرف ، وميمٌ حرف ” .
رواه الترمذي ( 2910 ) ، وقال : هذا حديث حسن صحيح غريب .
وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 6469 ) .
وإذا دقَّقنا النظر في الحديث وألفاظه نجد أن الأجر كان على الحرف ، والحرف الذي ذَكره النبي صلى الله عليه وسلم مثالاً هو : ألِف ، و لام ، و ميم .
والحرف هنا هو الكلمة التامة أو الضمير دون الحرف الاصطلاحي وإلا لكان الأجر على قراءة الألِف في { الم } هو : ثلاثون حسنة مضاعفة ! لأننا نقرأ هذا الحرف – المراد في الحديث – ثلاثة أحرف اصطلاحية – بالمعنى الأول السابق – وهي : أ ، ل ، م !! لكن ليس هذا هو مقصود الحديث ، بل جعل اللفظ كاملا وهو ” ألِف ” والتي كتبت : ا ، هو الذي يكسب قارئه عشر حسنات مضاعفة !
رابعاً :
ويمكن توضيح ما سبق بمثال ، وهو أن نقول :
ما هو الأجر المترتب على قراءة أول سورة الشرح هو قوله تعالى { ألم نشرح .. } ؟
إنه بحسب المشهور : ثلاثون حسنة مضاعفة لأنهم يقولون : أ : عشر حسنات مضاعفة ، و : ل : كذلك ، و م : كذلك !
ولئن سألتَ هذا القائل : لم قلتَ هذا ؟ لقال لك : لأنها ثلاثة حروف وكل حرف بعشر حسنات !
لكن هل هذا هو الفهم الصحيح للحديث ؟
الجواب : لا .
فالحرف الأول – المراد في الحديث – من أول سورة ” البقرة ” لا يساوي في النطق والقراءة الحرفَ الأول من أول سورة ” الشرح ” فنطق الحرف الأول من الأولى ” ألِف ” بينما نطق الحرف الأول من الثانية ” أَ ” !
وهكذا يقال في الحرف الثاني ” لام ” فإنه لا يساوي ” ل ” ، والحرف الثالث ” ميم ” لا يساوي ” م ” .
وينبغي تذكر أن الأجر لو كان على النطق للحرف الهجائي لكان الأجر على نطقك للحرف الثاني من أول سورة البقرة – مثلا – وهو ” لام ” – ثلاثين حسنة مضاعفة ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الأجر عشر حسنات مضاعفة .
ومثال ثانٍ :
قوله تعالى { ن } في أول سورة ” القلم ” ، مع قوله تعالى { وذا النون } [ الأنبياء / 87 ] !
فمن حيث النطق والقراءة للحرف الأول من سورة ” القلم ” هو مثل قراءة الكلمة كاملة – من غير أل التعريف – مِن الآية الأخرى من سورة ” الأنبياء ” ، فهل يكون أجر قراءة الحرف الأول { ن } مساوياً في الأجر لكلمة كاملة فيها حرفا ” ن ” – عدا عن ” و ” !؟
الجواب : نعم .
فإذا مشيتَ على غير هذا فإنك تجعل قراءة كلمة ” نون ” من سورة الأنبياء بثلاثين حسنة مع جعلك للفظ نفسه وبالنطق نفسه لأول سورة ” القلم ” بعشر حسنات ! وهو ما ليس بظاهر .
فالعبرة إذن بالمثال الذي ذَكره النبي صلى الله عليه وسلم ، والأجر على القراءة للحرف بمعنى الكلمة لا الحرف الهجائي .
خامساً :
فإن قال قائل : يُعكِّر على هذا حديثان :
الأول :
قال الطبراني :
حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الله بن محمد الفهمي قال حدثنا سليمان بن بلال عن أبي عبد العزيز موسى بن عبيدة الربذي عن محمد بن أبي محمد عن عوف بن مالك الأشجعي قال : قال رسول الله : ” مَن قرأ حرفاً مِن القرآن كُتبت له حسنةٌ ، ولا أقول { الم ذلك الكتاب } ولكن الألف حرف ، واللام حرف ، والميم حرف ، والذال حرف ، واللام حرف ، والكاف حرف .
رواه الطبراني في ” المعجم الأوسط ” ( 1 / 101 ) ، وفي ” المعجم الكبير ” ( 18 / 76 ) .
الثاني :
قال البيهقي :
أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن دالويه الدقاق ثنا أحمد بن حفص بن عبد الله حدثني أبي حدثني إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي عن عوف عن مالك الأصمعي أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” مَن قرأ حرفاً مِن القرآن كُتب له بها حسنةٌ ، لا أقول بسم ، ولكن باء ، وسين ، وميم ، ولا أقول { الم } ولكن الألف ، واللام ، والميم ” .
رواه البيهقي في ” شعب الإيمان ” ( 2 / 341 ) .
فالجواب عنهما :
أن الحديث ضعيف ، فيه : موسى بن عبيدة الربذي .
قال على بن المدينى ، عن يحيى بن سعيد القطان : كنا نتقى حديث موسى بن عبيدة تلك الأيام ، ثم قال يحيى : كان بمكة فلم نأته .
وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى : سمعت أحمد بن حنبل يقول : لا تحل عندي الرواية عن موسى بن عبيدة ، قال : فقلت : يا أبا عبد الله لا تحل ؟ قال : عندي ، قلت : فإن سفيان يروي عن موسى بن عبيدة ، و يروي شعبة عنه يقول : حدثنا أبو عبد العزيز الربذي ؟ قال : لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه .
وقال محمد بن إسماعيل الصائغ : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما تحل أو ما تنبغي الرواية عنه ، قلت : مَن يا أبا عبد الله ؟ قال : موسى بن عبيدة الربذى .
وقال أحمد بن الحسن الترمذى : سمعت أحمد بن حنبل يقول : لا تكتب حديث أربعة : موسى بن عبيدة ، و إسحاق بن أبى فروة ، و جويبر ، و عبد الرحمن بن زياد .
وقال البخارى : قال أحمد : منكر الحديث .
وقال أبو طالب : قال أحمد بن حنبل : لما مر حديث موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب ، عن ابن عباس ، قال : هذا متاع موسى بن عبيدة و ضم فمه و عوجه و نفض يده ، وقال : كان لا يحفظ الحديث .
وقال عباس الدوري ، عن يحيى بن معين : لا يحتج بحديثه .
وقال أبو زرعة : ليس بقوى الحديث ، وقال أبو حاتم : منكر الحديث .
وقال الترمذى : يضعف ، وقال النسائى : ضعيف ، وقال في موضع آخر : ليس بثقة ، وقال محمد بن سعد : كان ثقة ، كثير الحديث ، وليس بحجة .
وقال يعقوب بن شيبة : صدوق ، ضعيف الحديث جدّاً ، ومن الناس من لا يكتب حديثه لوهائه ، وضعفه ، وكثرة اختلاطه ، وكان من أهل الصدق .
وقال أبو أحمد بن عدى : وهذه الأحاديث التي ذكرتها لموسى بن عبيدة بأسانيد مختلفة مما ينفرد بها من يرويها عنه ، وعامة متونها غير محفوظة ، و له غير ما ذكرت من الحديث ، والضعف على رواياته بيِّن .
وقال أبو بكر البزار : موسى بن عبيدة رجل مفيد و ليس بالحافظ ، وأحسب أنما قصر به عن حفظ الحديث شغله بالعبادة ، وقال أبو أحمد الحاكم : ليس بالقوى عندهم ، وقال الساجى : منكر الحديث ، و كان رجلا صالحاً ، وكان القطان لا يحدث عنه ، وقد حدث عنه وكيع ، وقال : كان ثقة ، وقد حدث عن عبد الله بن دينار أحاديث لم يتابع عليها .
وذكره البرقي في باب من كان الضعف غالباً في حديثه : وقد تركه بعض أهل العلم ، وقال ابن قانع : فيه ضعف ، وقال ابن حبان : ضعيف .
مختصر من ” تهذيب الكمال ” و ” تهذيب التهذيب ” .
والملاحظ : اتفاق كلمة العلماء – تقريباً – على ضعفه ، ومن قال بأنه ثقة أو صدوق فالمراد أن ذلك في دينه لا في حديثه ، فتأمل ، أو أنه لم يتبين له أمره .
سادساً :
فائدة ( 1 ) :
قال تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } [ الحج / 11 ] .
وحرف هنا بمعنى : شك ، وكل شاك فهو على حرف لا يثبت ولا يدوم .
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال { ومن الناس من يعبد الله على حرف } قال : كان الرجل يقدم المدينة ، فإن ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله قال : هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء . رواه البخاري ( 4465 ) .
فائدة ( 2 )
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
كما كانوا يستعملون الحرف في الاسم فيقولون : هذا حرف غريب ، أي : لفظ الاسم غريب ، وقسَّم سيبويه الكلام إلى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم وفعل ، وكل من هذه الأقسام يسمَّى حرفاً لكن خاصة الثالث أنه حرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل ، وسمَّى حروف الهجاء باسم الحرف وهي أسماء ، ولفظ ” الحرف ” يتناول هذه الأسماء وغيرها ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ” مَن قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات : أما أني لا أقول : { الم } حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ” ، وقد سأل الخليل أصحابَه عن النطق بحرف الزاي من زيد فقالوا : زاي فقال : جئتم بالاسم ، وإنما الحرف ” ز ” .
ثم إن النحاة اصطلحوا على أن هذا المسمَّى في اللغة بالحرف يسمى ” كلمة ” ، وأن لفظ ” الحرف ” يخص لما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل كحروف الجر ونحوها ، وأما ألفاظ حروف الهجاء فيعبر تارة بالحرف عن نفس الحرف من اللفظ وتارة باسم ذلك الحرف ولما غلب هذا الاصطلاح صار يتوهم من اعتاده أنه هكذا في لغة العرب .
” مجموع فتاوى ابن تيمية ” ( 10 / 232، 233 ) .
فائدة ( 3 )
وقال شيخ الإسلام – أيضاً – :
ولفظ الحرف يراد به الاسم والفعل وحروف المعاني واسم حروف الهجاء ، ولهذا سأل الخليل أصحابه : كيف تنطقون بالزاي من زيد ؟ فقالوا : زاي ، فقال : نطقتم بالاسم وإنما الحرف ” زه ” ، فبيَّن الخليل أن هذه التي تسمَّى حروف الهجاء هي أسماء ، وكثيراً ما يوجد في كلام المتقدمين : ” هذا حرف من الغريب ” ، يعبرون بذلك عن الاسم التام ، فقوله صلى الله عليه وسلم : ” فله بكل حرفٍ ” مثَّله بقوله : ” ولكن ألِف حرفٌ ولامٌ حرفٌ وميمٌ حرفٌ ” ، وعلى نهج ذلك : و { ذلك } حرف ، و { الكتاب } حرف ، ونحو ذلك .
وقد قيل : إن ذلك أحرف والكتاب أحرف وروي ذلك مفسَّراً في بعض الطرق .
” مجموع الفتاوى ” ( 12 / 108 ، 109 ) .
قلت : وهذا التفسير في الطرق التي أشار إليها شيخ الإسلام قد بيَّنتُ أنها ضعيفة .
فائدة ( 4 )
وقال ابن مفلح الحنبلي :
واختار الشيخ تقي الدين – [ أي : ابن تيمية ] – أن المراد بالحروف : الكلمة ، سواءً كانت اسماً أو فعلاً أو حرفاً أو اصطلاحاً ، واحتج بالخبر المذكور ، فلولا أن المراد بالحرف الكلمة لا حرف الهجاء : لكان في ” ألف لام ميم ” تسعون حسنة ، والخبر إنما جعل فيها ثلاثين حسنة ، وهذا وإن كان خلافَ المفهوم والمعروف مِن إطلاق الحرف ، فقد استعمله الشارع هنا ، والله أعلم .
” الآداب الشرعيَّة ” ( 2 / 312 ، 313 ) .
والله أعلم

