الرئيسية بلوق الصفحة 519

خاطرة حول علم الجرح والتعديل وحوار مع جرَّاح

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
فقد يسَّر الله لي ” زيارة ” بعض مجالس ” آكلي لحوم البشر ” ! والجرَّاحين ” الأطفال ” الذين فهموا الشرع بالتقليد لبعض جهلة المتصدرين ، وأصبحوا كالببغاوات يرددون ما يسمعون منهم ضاربين عرض الحائط قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } ، وضاربين عرض الحائط كل حديث وأثر يأمرهم بالعدل والإنصاف والتثبت .

وفي هذا المجلس الذي لم يرق لبعضهم حضوري لما كان يسمعه عني زوراً وبهتاناً مما لا أصل له ، دار كلام ونقاش أحببت ذكر خلاصته وفائدته للقراء من إخواني لعل فيه عبرة وعظة .

قال بعضهم : قال بعض شيوخنا ! لا بدَّ من إحياء علم الجرح والتعديل من جديد !!
قلت : نعم ! ولكن فلننتبه لأمور :
1. نريد إحياء علم الجرح والتعديل ، لا ابتداع علم ” الجرح والتجريح ” !! فنحن لا نرى ممن يدعو هذه الدعوة أي تعديل ! بل تجريح في تجريح فحريٌّ بعلمهم هذا أن يسمى علم ” الجرح والتجريح ” !!

2. وعلم ” الجرح والتعديل ” لا يقوم به ” الصغار ” و ” الجهلة ” بل لا بد له من أئمة كسفيان ومالك وشعبة ويحي بن سعيد القطان وغيرهم ، والواقع اليوم أنه تجرأ على هذا العلم ” صغار ” القوم وأطفالهم ، فهل هذا كذاك ؟

3. ولا بدَّ لمن يقوم بهذا العلم من ” علم ” يطلع فيه على أحوال المتكلَّم عليه ، ولا بدَّ من الإحاطة بحياته وأقواله وأفعاله حتى يتسنى له العدل في الحكم ، أما الحكم على نقل مبتور ، أو خبر ضعيف ، أو الاعتماد على ” وكالة يقولون ” ! فليس هذا من دأب علماء ” الجرح والتعديل ” !

4. ولا بدَّ لمن يقوم بهذا العلم أن يكون ثقة عدلاً في دينه ، لا أن يكون ضعيفاً ساقط العدالة ! والواقع أن كثيراً ممن يقوم على هذا ” العلم ” ! اليوم – إلا من رحم الله – من النوع الثاني ، فنحن قد عرفنا بعض هؤلاء ” الجرَّاحين ” لا يصلي صلاة الجماعة في المسجد ! وبعضهم كان يتكلم في الشرع قدحاً وذمّاً في بعض الدعاة وصوت ” التلفاز ” يخرق آذاننا ! وبعضهم سارق لجهود غيره متشبع بما لم يعط ! ورابع وخامس وسادس .. الخ ! فهل على مثل هؤلاء يعتمد في الجرح والتعديل وهم أحق بالجرح وأولى به ؟!

5. وعلم الجرح والتعديل لا يقوم على ” التقليد ” بل على البينة والدليل ، فهل إذا ” جرح ” فلان – المجروح أصلاً – فلاناً يؤخذ بقوله على أنه قرآن منـزل ؟؟!! بل لا بدَّ من ذكر دليله وبيَّنته على هذا الجرح وإلا كان محض افتراء يردُّ في وجهه ! فكم لابن معين ! من تعديل مرفوض ! وكم لابن أبي حاتم ! من تجريح مرفوض ! أفيكون تجريح ” فلان ” ! وتعديله مقبولين هكذا على الإطلاق ؟؟!!

6. ولا بدَّ من تطبيق كافة قواعد الجرح والتعديل ، ومن أهمها تقديم التعديل المفسر على الجرح المجمل ، فكم من ” مجروح ” عُرفت عدالته ببينات كثيرة وبشهادات مختلفة ، ثم يأتي ” جرَّاح ” ويدَّعي ” جرحاً ” مجملاً ، أفيقبل مثل ” التجريح ” ؟؟!!

فبهت ” الجرَّاحون ” الذين في المجلس ولم يستطيعوا جواباً ، وكانوا قد ظنوا أن الأمر ” شوربة ” ! وفوضى !
والله المستعان

دعوة لنصرة العلماء ، والتوبة من الطعن فيهم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
فإن الناظر العاقل في أحوال الدعوة السلفية وشبابها ليحزن أشد الحزن على ما يجري في الساحة هذه الأيام .
ولا يهمنا من قريب ولا من بعيد أن يُتكلم على أحد بقدر ما يهمنا الكلام على أهل العلم ومحاولة تفريق الصف الواحد .
ومن يرى ذلك تنقية للصفوف وتمييزاً للطيب من الخبيث فهو مخطئ أشد الخطأ ؛ ذلك أن الكلام هو عن أهل العلم العاملين الذين يمثلون الدعوة السلفية عقيدة وعلماً ومنهجاً .
وإذا كان العلماء قديماً قد قالوا : إن الكلام في ” فلان ” طعن في السنَّة ، بل وقد قيلت هذه الكلمة في علمائنا المعاصرين ، فكيف يكون الحال إذا كان المتكلَّم فيهم هم أئمة أعلام من هذه الدعوة رضعوا من لبنها ، وارتووا من صافي نبعها توحيداً وعلماً ومنهجاً ؟؟

إخواني :
لن أطيل ، أرجو ممن له كلمة مسموعة أن يحاول رأب الصف ، وجمع الكلمة ، ولنعرف حجم أولئك الذين يريدون تفريق الكلمة وشق الصف ، وهم قلة قليلة فليتقوا الله وليقدموا المصلحة العامة على الخاصة .

فلأن يُتكلم في شيخ لنا أو يُحذَّر من كتاب له مع بقاء العامة والخاصة حول علمائهم أحب إلينا من نصرة أولئك الذين هم دونهم .

وقد تُكلم في بعض علماء أهل السنة – بحق وبغير حق أحياناً – فما فرَّق ذلك صفهم ولا حزَّبهم ، وبقي الإمام إماماً والكبير كبيراً سواء تكلم فيه بحق – حتى لو كان الكلام في خطأ عقيدي كالكلام في ابن خزيمة وقتادة وغيرهما – أو بغير حق – كالكلام الحاصل بين الأقران مثل كلام الذهلي في الإمام البخاري – .

وأرجو أن يكون ذلك عاجلاً غير آجل ، فالأمة بحاجة إلى علماء كبار يوجهونهم ويفتون لهم ، والأمة مُقدمة على مصائب ومحن أكثر مما هي عليها الآن ، وتصوروا لو وقعت فتنة في بلد إسلامي ، ولم يعرف العامة والخاصة وجه الصواب فيما يفعلون ، ولمن يكون الولاء ، ومع من يقاتلون – في حال حدوث فتنة عملية – ، فهل تراهم سيذهبون إلى أولئك الذين يطعنون في الكبار ؟؟

يغلب على الظن أن يرجع أولئك كلٌّ إلى بلده ! أو محله ! وسيتركون الناس في تخبطهم بعد أن أَسقطوا من أعينهم علماءهم الكبار ، وسترى أولئك في حيرة يلتفتون حولهم فلا يجدون من يَستأنس الناس برأيهم وحكمتهم ، فضلاً أن يعرفوا حكم الشرع ، وأنتم ترون أنه ما بقي لنا إلا القليل من العلماء الكبار .

وأقترح :
أن تجمع توقيعات العلماء والمشايخ واللجان العلمية السلفية في العالم كله نصرة للجنة الإفتاء وهيئة كبار العلماء ، تثبيتاً لها من مؤامرة تحاك ضدها ووشاية تريد إفناءها نصرة لبعض الناس على حساب المصلحة العامة وكافة المسلمين .

وهذه اللجنة – أي : اللجنة الدائمة – هي اللجنة السلفية الوحيدة في العالم التي تفتي الناس أجمع وفق الكتاب والسنة وعلى عقيدة السلف الصالح ، فهل تريدون المشاركة للقضاء عليها ؟؟

وهذه النصرة بهذه التواقيع تزيد من قناعة العامة أن كافة السلفيين على قلب رجل واحد في القضايا العامة والمصيرية ، وهذا لا يتأتى مع نزع الثقة فيهم وهو ما يُسعى إليه من قبل بعض المرضى .

وهذا الأمر يبين لنا حجم المخالف ، وماهية تفكيره وحرصه على الدعوة السلفية وعلمائها الكبار .
وفي الوقت نفسه ، فهذه دعوة لأولئك المخالفين أن يتوبوا إلى الله ويكفوا أيديهم وألسنتهم عن العلماء الكبار وبالأخص علماء اللجنة .

وليعلموا أن كل ما سيسببه عكس ذلك فسيكون في ميزان سيئاتهم .
وهؤلاء العلماء ليسوا أولاد أمس بل شابت لحاهم وبلغوا من العمر أعلاه وقد ارتضاهم شيخُهم وإمامهم الشيخ ابن باز ليكونوا معاونين له ، ومفتين معه ، فخذلانهم خذلان للسنة ولعلمائها وأئمتها الأحياء والأموات .

أسأل الله أن تكون هذه الخاطرة في محلها ، وأن تلاقي قلوباً صافية وعقولاً ناضجة .
وأدعو إخواني للتحرك كلٌّ في بلده لنصرة العلماء ودعوة المخالفين للتوبة وكف أيديهم وألسنتهم عنهم .
والله الهادي إلى سواء السبيل

تنبيهات :

1. من المعلوم لدى كل مطلع أنه يحدث خلاف بين أعضاء اللجنة أو هيئة كبار العلماء أو أعضاء المجامع العلمية ، لكن لكثرة العدد اعتبار ، فتخرج الفتوى باسم الهيئة أو المجمع أو اللجنة مع وجود المخالفين ، ويشار أحياناً إلى أسماء من خالف ، ولم يكن هذا مفرقاً لصفهم ولا سبيلاً لتحزب فئة على فئة . وعليه : فخلاف الواحد والاثنين لا ينبغي التكثر به وترك قول جمهور أولئك العلماء .

2. وليس اتفاقهم إجماعاً شرعيّاً لكن لا شك أنه أحب إلينا من مخالفة من هم دونه وخاصة في القضايا العقيدية والعامة المصيرية .

3. ولا بدَّ أن نفرِّق بين تخطئة أولئك العلماء في مسائل العقيدة والتوحيد ، وبين تخطئتهم في قضايا اجتهادية يقع في مثلها الخلاف. والحال لا يخرج عن الخلافات الواقعة بين سلفنا الصالح في مسائل الاجتهاد والاتفاق على مسائل التوحيد والعقيدة .

4. ونحمد الله أن أولئك العلماء ما دعوا إلى بدعة ولا إلى معصية بل يدعون إلى اعتقاد السلف وطاعة الرحمن .

5. وفائدة أخرى عظيمة وهي أن بعض الناس قد يفرح لفتاوى اللجنة وغيرها من فتاوى العلماء الكبار لا لأنهم ذو بال عنده بل لأن ذلك وافق هواه ! وقد كان بالأمس يذم فيهم ويطعن بعلمهم وفقههم ، على العكس من الطرف المقابل الذي كان يدعو لنصرتهم والأخذ برأيهم وحكمتهم وقد نكص على عقبيه الآن . فلتظهر حقيقة هذا الطرف كما ظهرت حقيقة الطرف الأول .

6. ولا أقصد بما سبق في نصرة اللجنة مسماها الوظيفي ! بل أهلها وعلماؤها سواء كانوا فيها أو تقاعدوا !

والله الهادي لما فيه خير المسلمين

معرفة الحزبيين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
علَّمَنا مشايخنا – مثل الشيخ عبد الرحمن عبد الصمد رحمه الله – أن من علامات الحزبيين والمتعصبين تغيير الرأي عند معرفة القائل !
وكان يقول : اعرض القول على هذا الحزبي ، فإن كان مُنكَراً فسينكره ويرفضه ، فإذا عرضت عليه اسم القائل تغير لون وجهه ووقع في إحراج ، وقال : لا !! طالما أن القائل فلان فلا يمكن أن يقصد كذا وكذا !!
وكذا لو كان هذا القول جيدا موافقا للحق الذي يعتقده ، فإنه سيثني عليه ، فإن تبين له أن القائل ليس من جماعته ولا من حزبه : رفضه وأنكره ، وقال : فلان قصده كذا وكذا ؟ وهكذا !!
ومن أقبح ما رأيتُ في هذا المقام – لا عند الحزبيين المعلنين لحزبيتهم بل عند من يتستر بمحاربة الحزبية ! – واحداً من طلبة العلم يخاطب آخر وأنا بجانبهم أسمع يقول : تصدِّق الشيخ ابن عثيمين ورَّطنا !!!!! قال نفس ما قاله الشيخ ( فلان ) !! كيف نرد عليه ؟؟!!
== والعبارة التي ورطهم فيها الشيخ هو ما نقلته عنه في جواب سؤال الأخ إفرست ==
فهل هذا منهج ؟ وهل هذا عدل وإنصاف ؟
لذا وحتى نعرف أن الأمر ليس بمنكر ، فإن المشايخ والعلماء السلفيين أقروا طبع كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب باسم : محمد بن سليمان التميمي !!
وفي إغفال اسم القائل فوائد ، منها :
1. معرفة الحزبي المتعصب من عكسه .
2. رفع التهمة عن القائل وإبراء دينه وعرضه .
3. رفع التهمة عن قائل لمثل هذا القول وأخف منه لكن طعن فيه لأنه ليس مشهوراً ! وليس من حزب القوم وجماعتهم !!
4. نشر العلم الذي عند هذا القائل .
5. معرفة المريض ! أنه بحاجة لطبيب جراح ! من أهل السنة ، يشرطه بمشرط العدل والإنصاف ! ويخيط جرحه بخيط التقوى والورع ! فإذا أفاق من بنج حزبيته وعصبيته ! شكر الذي دلَّه على مرضه قبل أن يشكر طبيبه !!

والله الهادي

التعليق على أدلة فتوى الشيخ القرضاوي في تجويزه المظاهرات

الحمد لله
لستُ في صدد ذكر حكم المظاهرات ولا أدلتها ، لكن استوقفتني أدلة الشيخ القرضاوي في ردِّه على ” إخوانه ” العلماء مستهجناً فتاواهم في المنع ، وذلك في حلقة أمس 2 / صفر / 1423 هـ من برنامج ” الشريعة والحياة ” ، وسأذكر أدلته وما فيها دون التعرض للمسألة ذاتها .
وأما قناعتي : فإنني أرى ما جاء في جواب الشيخ المنجد تحت السؤال رقم ( 11469 ) ، وفيه بيان محظورات التظاهر ، وأظن أنه يفرق بين الاحتجاح والمظاهرات ، وقد عدّ مفاسد المظاهرات ، وهو قوله :
وأما التظاهرات فإن فيها عدداً من المحذورات الشرعية يجب الحذر منها ، ومن ذلك :
خروج النساء متبرجات – واستعمال أصوات موسيقية أثناء المظاهرة – والهتاف بشعارات غير صحيحة مثل القدس عربية وستبقى عربية ( والصحيح أن القدس إسلامية وليست للعرب فقط ) – ووقوف المظاهرة أمام ضريح كافر أو لوضع إكليل من الزهور على قبره – التوسل للكفار بعبارات فيها مذلة للمسلمين – رفع صور أو دمى ذوات الأرواح – ظلم الآخرين كسد الطريق وتعطيل مرور الناس – استخدام سباب وشتائم لا تجوز شرعاً – اختلاط الرجال بالنساء أثناء المظاهرة – التشبه بالكفار بشيء من خصائصهم من لباس أو إشارة يضعها أو يرتديها المتظاهرون المسلمون – الاعتداء على ممتلكات الأبرياء كتحطيم محلاتهم أو نوافذهم أو إيقاد النار في المرافق العامة ونحو ذلك من المحرمات والله تعالى أعلم.
انتهى
قلت : وإذا خلت المظاهرات من هذا : فلن تكون هناك مظاهرات !

دليله الأول :
خروج النساء والأولاد في مجيء النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة !
الرواية :
” فلما دنا رسول الله من المدينة خرج الناس لتلقيه وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن طلع البدر علينا *** من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا *** ما دعا لله داع
الرد :
قال ابن القيم – رحمه الله – :
وبعض الرواة يهم في هذا ويقول إنما كان ذلك عند مقدمه إلى المدينة من مكة وهو وهم ظاهر لأن ثنيات الوادع إنما هي من ناحية الشام لا يراها القادم من مكة إلى المدينة ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام .
” زاد المعاد ” ( 3 / 551 ) .
وقال ابن حجر – رحمه الله – :
وأخرج أبو سعيد في شرف المصطفى ورويناه في فوائد الخلعي من طريق عبيد الله بن عائشة منقطعا لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة جعل الولائد يقلن :
طلع البدر علينا *** من ثنية الوداع
وجب الشكر علينا *** ما دعا لله داع
وهو سند معضل ، ولعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك …
” فتح الباري ” ( 7 / 261 ) .
وقال :
وقد روينا بسند منقطع في الحلبيات قول النسوة لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة طلع البدر علينا من ثنيات الوداع فقيل كان ذلك عند قدومه في الهجرة وقيل عند قدومه من غزوة تبوك .
” فتح الباري ” ( 8 / 129 ) .
وانظر : “أحاديث القصاص” لابن تيمية (17) . “تذكرة الموضوعات” (196).

دليله الثاني :
هجرة عمر رضي الله عنه العلنية !
الرواية :
((و لم يهاجر أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا متخفياً غير عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه و تنكب قوسه و انتضى في يده أسهماً – (و فيه أنه قال: ((من أراد أن يثكل أمه، أو يوتم ولده، أو ترمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي)) قال علي: فما اتبعه إلا قوم من المستضعفين علمهم ما أرشدهم ثم مضى لوجهه. أسد الغابة ج4 ص 58).
الرد :
قال شيخنا الألباني :
قلت: و عليه مؤاخذتان:
أولاً: قوله: ((و لم يهاجر …)) هذا النفي ما مستنده؟ فإن الرواية التي ذكرها عن علي رضي الله عنه ليس فيها شيء من ذلك، و إن كان عمدة الدكتور فيه إنما هو أنه لم يعلم ذلك إلا عن عمر، فالجواب أن العلماء يقولون: إن عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه. و هذا إذا صدر النفي من أهل العلم، فكيف إذا كان من مثل الدكتور البوطي؟!
ثانياً: جزمه بأن عمر رضي الله عنه هاجر علانية اعتماداً منه على رواية علي المذكورة، وجزمه بأن علياً رواها و ليس صواباً، لأن السند بـها إليه لا يصح، و صاحب ((أسد الغابة))، لم يجزم أولاً بنسبتها إليه رضي الله عنه، و هو ثانياً قد ساق إسناده بذلك إليه لتبرأ ذمته، و لينظر فيه من كان من أهل العلم، و قد وجدت مداره على الزبير بن محمد بن خالد العثماني: حدثنا عبد الله بن القاسم الأملي (كذا الأصل و لعله الأيلي) عن أبيه بإسناده إلى علي، و هؤلاء الثلاثة في عداد المجهولين، فإن أحداً من أهل الجرح و التعديل لم يذكرهم مطلقاً، فهل وجدهم الدكتور، و عرف عدالتهم و ضبطهم، حتى استجاز لنفسه أن يجزم بصحة الرواية عن علي أم شأنه فيها كشأنه في غيرها إنما هو جماع حطاب، أو كما تقول العامة عندنا في الشام: (خبط لزء)! ثم هو إلى ذلك يدعي أنه اعتمد على الروايات الصحيحة!
” الرد على البوطي ” .

دليله الثالث :
قول الصغار والمراهقين ! لجيش مؤتة لما رجع للمدينة : يا فرار يا فرار مع ضربهم بالحصى !
الرواية :
((فلما سمع أهل المدينة بجيش مؤتة قادمين، تلقوهم بـ (الجرف)، فجعل الناس يحثون في وجوههم التراب و يقولون: يا فرار (!) أفررتم من سبيل الله؟! فيقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: ليسوا بفرار، و لكنهم كرار إن شاء الله؟)).
الرد :
قال شيخنا الألباني – رحمه الله – :
فقلت : فهذا منكر بل باطل ظاهر البطلان، إذ كيف يعقل أن يقابل الجيش المنتصر مع قلة عدده و عدده على جيش الروم المتفوق عليهم في العَدد و العُدد أضعافاً مضاعفة، كيف يعقل أن يقابل هؤلاء من الناس المؤمنين بحثو التراب في وجوههم و رميهم بالفرار من الجهاد و هم لم يفروا، بل ثبتوا ثبوت الأبطال حتى نصرهم الله و فتح عليهم، كما في حديث البخاري: ((… حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم))؟!
و من العجائب أن الدكتور – أي : البوطي – بعد أن ذكر هذا الحديث الصحيح و أتبعه بقوله:
((و هذا الحديث يدل كما ترى أن الله أيد المسلمين بالنصر أخيراً)). فإنه مع ذلك أورد هذه الزيادة المنكرة فقال (2/180):
((و أما سبب قول الناس للمسلمين بعد رجوعهم إلى المدينة: يا فرار … فهو أنـهم لم يتبعوا الروم و من معهم في هزيمتهم …))!
فنقول: إن هذا التأويل بعيد جداً، ثم إن التأويل فرع التصحيح، كما هو مقرر في ((الأصول))، فهلا أثبت هذه الرواية يا فضيلة الدكتور! حتى يسوغ لك أن تتأولها لتقضي به على هذا المعنى المستنكر الظاهر منها؟! و إلا فالواقع أن الأمر كما تقول العامة: هذا الميت لا يستحق هذا العزاء!
و إن كان هذا التأويل يدل على شيء، فهو أن الدكتور، لا يفرق بين ما صح و ما لم يصح من الأخبار، فهو يسوقها كلها مساقاً واحداً، و يعاملها معاملة واحدة! فهو مثلاً لا يفرق بين ما رواه البخاري و ما رواه ابن سعد و لو بدون إسناد؟ و ما هكذا يكون صنيع العلماء!
و إذا شئت مثالاً على نقيض صنيعه، مصدره حافظ من حفاظ المسلمين، فخذ الحافظ ابن كثير مثلاً، فإنه ذكر هذه الرواية المستنكرة، في كتابه ((البداية))، (4/248) من رواية ابن إسحاق عن عروة مرسلاً، ثم قال: ((و هذا مرسل من هذا الوجه، و فيه غرابة، و عندي أن ابن إسحاق قد وهم في هذا السياق، فظن أن هذا الجمهور: الجيش، و إنما كان الذين فروا حين التقى الجمعان، و أما بقيتهم فلم يفروا، بل نصروا كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم المسلمين و هو على المنبر، فما كان المسلمون ليسمونـهم فراراً بعد ذلك، و إنما تلقوهم إكراماً و إعظاماً)).
فليت أن الدكتور رجع إلى كتاب هذا الحافظ، فاستعان به على تجلية ما قد يغمض عليه من الحقائق و المعارف، لا سيما و موضوعه في نفس موضوع كتابه و في متناول يده، ولكن العجلة في التأليف و عدم التروي في البحث، و العجز عن التحقيق فيه و شهوة التأليف فيما ليس من اختصاصه هو الذي يوقع صاحبه في مثل هذه الأخطاء الظاهرة، و الله المستعان.
” الرد على البوطي ” .
ملاحظة :
جاء في سؤال بعض السائلين في الحلقة نفسها قسمه بـ ” والنبي ” ! فلم يُعلِّق عليه الشيخ ، وكنتُ أرى كثيراً من العلماء يعلِّقون حتى على أسماء السائلين ! إذا كان فيها مخالفة فضلا عن المحاذير في أقوالهم .
والله أعلم


تعليق من الشيخ رضا أحمد صمدي
كل الردود التي ساقها الأخ إحسان لم ترد على محل الاستدلال …
أما الرد الأول … ففيه تضعيف لمقالة الشعر التي زعم أنها قيلت في الهجرة … وليس فيه
تعرض لتضعيف خروج الصبية والنساء والرجال … فتأمل …
أما الرد الثاني …فالشيخ الألباني نفسه قرر أن الزعم بأن كل الصحابة هاجر متخفيا إلا عمر
زعم فاسد … ومدلول خطابه أن من هاجر علانية أمر ممكن ، وغاية ما هناك أن الشيخ ضعف
رواية هجرة عمر علانية … مع عدم إنكاره أن يكون عمر أو غيره هاجر علانية …. فتامل .
أما الرد الثالث فإن ما نقله الشيخ الألباني عن الحافظ ابن كثير يفيد أن الشيخ الألباني لا ينكر
خروج الناس وتلقيهم للجيش ، ولكنه ينكر كون هذا الخروج في غزوة مؤتة ، وأنه خروج
لأجل الإنكار والتعيير ….
وسؤال بسيط : أين باقي الأدلة يا أخ إحسان ؟؟؟


قال الشيخ إحسان العتيبي :
الحمد لله
أولاً :
لا يوجد غير هذه الأدلة حتى تطلب مني غيرها ، وهذه حلقته بيني وبينك ، فتأمل !!
ثانياً :
خروج النساء والولدان والرجال : لم يحدث عند مجيء النبي صلى الله عليه وسلم ، لأسباب :
الأول : أن الحديث كاملاً – بقصته وشعره – ضعيف .
الثاني : أن الذي خرج هم الرجال ! لكن خرجوا لاستقبال النبي صلى الله عليه وسلم باللأمة والسلاح ! وأحاطوا به في مظهر عزة وكرامة ، لا مظاهرة ! وعلى من ستكون المظاهرة أصلاً ؟؟
عن أنس بن مالك قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف فأقام النبي صلى الله عليه وسلم فيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل إلى بني النجار فجاءوا متقلدي السيوف كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته وأبو بكر ردفه وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة … .
رواه البخاري ( 418 ) ومسلم ( 524 ) .
وقد جاء ذكر عددهم وأنهم كانوا ( 500 ) أنصاري ، كما ذكره الحافظ ابن حجر ، والباقي من الرجال صعد فوق بيته – كما سيأتي – .
الثالث : أنه ثبت أن النساء لم يخرجن بل صعدوا فوق بيوتهم ويقولون ” هذا رسول الله جاء ” و ” قدم رسول الله ” فقط من غير خروج ! والذي خرج في الطرقاتهم الأولاد والخدم ! فتأمل .
عن البراء رضي الله عنه قال : أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرئاننا القرآن ، ثم جاء عمار وبلال وسعد ، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين ، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء ” .
رواه البخاري ( 4657 ) و في ( 3710 ) ” قدم رسول الله ” .
وفي مسلم ( 2009 ) : ” فصعد الرجال والنساء فوق البيوت ، وتفرق الغلمان والخدم في الطرق ينادون : يا محمد يا رسول الله ، يا محمد يا رسول الله ” !
وأعلى ما جاء خروجهم على الطرقات وليس فيه اجتماعهم ، ثم لو صحَّ أنهم اجتمعوا فلم يكن الرجال معهم ، ولم يرفعوا أعلام الجاهلية ، ولا كتابات الجاهلية ، ولم يغلقوا طريقا ولم يحطموا أشياء غيرهم ، ولم يكن بينهم كفار … الخ فتأمل .
وعلى كل حال فاستقبال الفاتحين أو القادمين من حج أو سفر أو سجن … الخ : لا أعلم أحداً يمنعه ، وليس هو بحثنا ، فالاستدلال به على خروج النساء والرجال والمسلمين والكفار وأصحاب الطاعة والمعصية بالإسلام والجاهلية : من أبعد ما يكون عن الفقه والعلم .
ثالثاً :
قد سقنا كلام الشيخ الألباني في تضعيف قصة هجرة عمر علانية ، فمن أراد أن يثبت عكس ذلك وأنه خرج في مظاهرة ! فعليه الدليل ! وكان الكلام واضحاً والرد عليه غير واضح إنما هي احتمالات لا يثبت بها دليل فضلا عن استدلال ، بل إن عمر رضي الله عنه لما أعلن إسلامه ثار عليه المشركون فقاتلوه ! حتى أصابه الإعياء فقعد ! بل ثبت أن عمر رضي الله عنه كان خائفاً من المشركين أن يقتلوه لذا لزم بيته ، ولولا إجارة العاص بن وائل السهمي له لهموا بقتله ، ولعل هذا مما يرجح أنه لم يهاجر علانية – ولا أجزم به –
عن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال بينما هو – أي : عمر – في الدار خائفاً إذ جاءه العاص بن وائل السهمي أبو عمرو ، عليه حلة حبرة وقميص مكفوف بحرير ، وهو من بني سهم ، وهم حلفاؤنا في الجاهلية ، فقال له : ما بالك ؟ قال : زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت ! قال : لا سبيل إليك ، بعد أن قالها أمِنتُ !
فخرج العاص فلقي الناس قد سال بهم الوادي ، فقال : أين تريدون ؟ فقالوا : نريد هذا ابن الخطاب الذي صبا ، قال : لا سبيل إليه فكرَّ الناس .
رواه البخاري ( 3651 ) .
فتأمل !
رابعاً :
ومن الذي يمنع من استقبال الجيش العائد ليسارع كل واحد برؤية أهله فيه ؟ وهل يقول عاقل فضلا عن عالم إنه عليهم أن يمكثوا في بيوتهم حتى يأتيهم الجيش ؟ هذا الخروج – ولا يمنع منه شيء – هو أمر فطري لا يمكن أن تأتي الشريعة بما يضاده ، وليس خروجهم خروجَ عبادة ولا خروج مظاهرة للإنكار عليهم في رجوعهم ، كيف والرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر على منبره أن الراية أخذها سيف من سيوف الله ، وأنه قد فتح الله عليهم أي : أنهم منتصرون ، فأين المظاهرة ؟
خامساً :
أعجب من عالِم يأتي بمثل هذه الأدلة – وهي ضعيفة كلها ! – ليستدل به على أمرٍ لا نرى فيه إلا منكرات ، ثم ليرد على إخوانه العلماء الذين يمنعون منها لما فيها من مفاسد ، ولا أظن أنه إن خلت من هذه المفاسد أن يوجد من يمنع منها ، لكن هل ستبقى هذه مظاهرة ؟؟؟
ولا أظن عاقلا فضلاً عن عالم يرى ما رأينا ويسمع ما سمعنا من مظاهر المظاهرات عندنا في الأردن ويفتي بجوازها ! إذ فيها تذكية للعنصرية وإحياء للجاهلية عدا عن الفساد المادي من حرق الأشجار وتحطيم المحلات وتكسير السيارت ، ثم إن الفئات التي تقوم بها ما بين مسقيم مغفل أو مستغفل وما بين سكران أو شيوعي أو سبَّب رب ودين ، وحدِّث عن ترك الصلاة ولا حرج ، بل إنهم يبقون خارج المساجد انتظارا لانتهاء الصلاة ليسوقوا ! المصلين معهم !
وأخيراً :
يبدو أن القائل بالجواز قد أعيته الحجة في ذِكر دليل واضح صريح على المظاهرات الموجودة في زماننا فراح يأتي بأدلة ضعيفة دليلا واستدلالاً ، والواضح أنه يبحث عن أدلة فيها اجتماع للمسلمين ، وإذا كان كذلك فإننا ننصحه أن يستدل بما هو صحيح وهو اجتماع المسلمين في الجمعة وفي عرفة !!!
وأنا لا أرى أن المنع منها بسبب أنها تشبه ! ولا من باب أنها عبادة ! بل لما يترتب عليها من مفاسد ولما فيها من منكرات
فتأمل !
والله أعلم

رسالة من سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز إلى الملك حسين

رسالة من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز إلى الملك حسين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد
فهذا خطاب وجهه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله ورعاه إلى الملك حسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية . ورقم الخطاب 804/1 . تاريخه 14/11/1417هـ . ونذكُره هنا للعبرة والتذكرة لعل الله أن ينفع به مخلصا أو يهدي به ضالا.

من عبد العزيز بن باز إلى حضرة جلالة الملك الكريم حسين بن طلال ملك المملكة الأردنية الهاشمية – عمان – ، وفقه الله لما فيه رضاه ونصر به دينه .آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد:
فلقد أبلغني صاحب الفضيلة الشيخ سعد بن عبد الرحمن الحصين الملحق الديني بسفارة المملكة العربية السعودية في عمَّان في كتابه المؤرخ في 5/1/1417هـ أنَّ جلالتكم قد منع إقامة تمثالٍ لكم في عمَّان ، فسرَّني ذلك كثيراً ، وشكرتُ لجلالتكم هذا العمل ، ورأيتُ الكتابةَ إلى جلالتكم في ذلك شاكراً وراجياً مِن جلالتكم إصدارَ الأمرِ الكريمِ بتحكيمِ الشريعة المطهَّرة في المملكة الأردنية الهاشمية في جميع الشؤون ، كما حَكَمَ بها جَدُّكم أفضلُ الخلق محمَّد صلى الله عليه وسلم وحكم بها خلفاؤه الراشدون وأئمة الهدى بعدهم ، عملاً بقول الله سبحانه { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيتَ ويسلِّموا تسليماً } وقوله عز وجل { أفحكم الجاهلية يبغون ومَن أحسنُ مِن الله حُكماً لقومٍ يوقنون } ، { ومَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } ، { ومَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } .
ولا يخفى على مثل جلالتكم أنَّ في تحكيم الشريعة المطهَّرة صلاح أمر الدنيا والآخرة والفوز بالسعادة الأبدية.
فأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى أن يشرح صدركم لذلك ويعينكم عليه، وأن يصلح لكم البطانة ، وأن يعيذنا مِن مضلات الفتن وبطانة السوء ونزغات الشيطان . إنه جواد كريم .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء
وإدارات البحوث العلمية والإفتاء

المرجع: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (9/448-449) ط الإفتاء

دور الصوفية في الجهاد

دور الصوفية في الجهاد

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فقد رأيت بعض كتاب هذه الساحة قد ادعى أن للصوفية دوراً في الجهاد في تاريخ الأمة ، وأيدهم بعض من جمع الشر كله ولم يترك بدعة إلا تبناها ودافع عنها.
وادعاء أن للصوفية دوراً في جهاد الكفار مما يوزن بالكذب ويكال بالدجل، والصوفية فما نشروا إلا بدعاً وخرافات، ولنستمع إلى شهادات الأئمة والعلماء، ومنهم مَن قطع معهم شوطاً كبيراً ثم منَّ الله عليه بالهداية.

  1. قال الشيخ عبد الرحمن الوكيل(1) رحمه الله: ويزعمون أنَّ الصوفيَّةَ جاهدتْ حتى نشرتْ الإسلام في بقاع كثيرة ولقد علمتَ ما دين الصوفية؟ ! فما نشروا إلا أساطير حمقاء، وخرافات بلهاء، وبدعاً بلقاء شوهاء، ما نشروا إلا وثنيَّةً تؤلِّه الحجر، وتعبد الرمم، ما نشروا دينهم إلا في حماية الغاصب المستعمر، وطوع هوى الغاصب المستعمر. فعدوُّ الإسلام يوقن تماماً أنَّ البدع هي الوسيلة التي تصل إلى الهدف دائماً، لكي يقضوا على الإسلام وأهله، فَعَلَها قديما ويفعلها حديثا. اقرأوا تاريخكم إن كنتم تمترون، أروني صوفيّاً واحداً قاتل في سبيل الله؟ أروني صوفيّاً واحداً جالد الاستعمار أو كافحه أو دعا إلى ذلك؟ إنَّ كل من نُسب إليهم مكافحة المستعمر – وهم قلة – لم يكافحوه إلا حين تخلى عنهم، فلم يطعمهم السحت من يديه ولم يُبح لهم جمع الفتات من تحت قدميه، وإلا حين قهرت فيهم عزة الوطنية ذلَّ الصوفية فقاتلوه حميَّةً لا لِدينٍ.
    وقال أيضاً:

سقط بيت المقدس في يد الصليبيين عام (492ه‍). و”الغزالي “الزعيم الصوفي الكبير على قيد الحياة، فلم يحرك منه هذا الحادث الجلل شعوراً واحداً، ولم يجر قلمه بشيء عنه في كتبه. لقد عاش “الغزالي” بعد ذلك 13 عاماً – إذ مات (سنة 505ه‍) – فما ذرف دمعةً واحدةً ولا استنهض همة مسلم ليذود عن الكعبة الأولى. بينما سواه من الشعراء يقول:
أحلّ الكفرُ بالإسلام ضيْمــاً يطـول عليه للدين نحيـبُ
وكم من مسجدٍ جعلوه ديراً على محرابه نصب الصليبُ
دم الخنـزير فيه لهم خلـوفٌ وتحريق المصاحف فيه طيبُ
أهزَّ هذا الصراخ الموجع زعامة الغزالي؟ كلا. إذ كان عاكفاً على كتبه يقرر فيها أنَّ الجمادات تخاطب الأولياء، ويتحدث عن “الصحو” و”المحو”، ودون أن يقاتل أو يدعو غيره إلى قتالٍ.

و”ابن عربي “و “ابن الفارض” الزعيمان الصوفيان الكبيران عاشا في عهد الحروب الصليبية، فلم نسمع عن واحدٍ منهما أنَّه شارك في قتال، أو دعا إلى قتالٍ، أو سجّل في شعره أو نثره آهة حسرى على الفواجع التي نزلت بالمسلمين، لقد كانا يقرران للنَّاس أنَّ الله هو عين كلِّ شيءٍ. فلْيدع المسلمون الصليبيين، فما هم إلا الذات الإلهية متجسدة في تلك الصور. هذا حال أكبر زعماء الصوفية، وموقفهم من أعداء الله، فهل كافحوا غاصباً أو طاغيا؟.

وقال أيضا:

ثم اقرؤوا ما كتب الزعيم “مصطفى كامل” في كتابه “المسألة الشرقية” [ ومن الأمور المشهورة عن احتلال فرنسة ” للقيروان: أنَّ رجلاً فرنساويًّا دخل في الإسلام، وسمّى نفسه “سيد أحمد الهادي” واجتهد في تحصيل الشريعة حتى وصل إلى درجةٍ عاليةٍ، وعُيِّن إماماً لمسجد كبيرٍ في “القيروان” فلما اقترب الجنود الفرنساوية من المدينة: استعدَّ أهلها للدفاع عنها، وجاءوا يسألونه أنْ يستشير لهم ضريح شيخٍ في المسجد! يعتقدون فيه. فدخل “سيدأحمد” الضريح، ثم خرج مهوِّلاً لهم بما سينالهم من المصائب، وقال لهم بأنَّ الشيخ ينصحكم بالتسليم(2) لأنَّ وقوع البلاد صار بحتاً، فاتبع القوم البسطاء قوله، ولم يدافعوا عن “القيروان” أقل دفاع بل دخلها الفرنساويون آمنين] أ. ه‍.
وحين أغار الفرنجة على “المنصورة” قبل منتصف القرن السابع الهجري، اجتمع زعماء الصوفية، أتدري لماذا؟ لقراءة “رسالة القشيري” والمناقشة في كرامات الأولياء. [ من أجل ذلك يجب ألا نستغرب إذا رأينا المستعمرين يغدقون على الصوفية الجاه والمال. فربَّ مفوَّض سامٍ لم يكن يرضى أن يستقبل ذوي القيمة الحقيقية من وجوه البلاد، ثم تراه يسعى إلى زيارة “حلقة” من حلقات الذكر، ويقضي هنالك زيارة سياسية تستغرق الساعات. أليس التصوف الذي على هذا الشكل يقتل عناصر المقاومة في الأمم](3) أ. ه‍.

ثم إنَّ كل من نَسبت إليهم الصوفية أنهم جاهدوا في سبيل الله وعملوا على نشر الإسلام ليسوا صوفيين، وإنما حشرتهم الصوفية في زمرتها زوراً وبهتاناً وأستاذها في ذلك: “الشيعة” أ. ه‍. “هذه هي الصوفية” (ص170-172).

  1. وقال الشيخ “محمد أحمد لوح “حفظه الله: أما عقيدة وحدة الوجود التي نادى بها هؤلاء المتصوفة: فتهدف إلى إلغاء الأحكام -(أي: موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين)- تحت مظلة وحدة الأديان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – عند بيان المراتب الصوفية – ” وأما المرتبة الثالثة: أنْ لا يشهد طاعةً ولا معصيةً، فإنَّه يرى أنَّ الوجودَ واحدٌ، وعندهم أنَّ هذا غاية التحقيق والولاية لله، فإنَّ صاحب هذا المشهد يتخذ اليهود النصارى وسائر الكفار أولياء… أ. ه‍. (4)
    وهذا هو الواقع، فإنَّ الصوفي كلما تقدم به تصوفه وازداد غلوا فيه:، قلَّت غيرته الدينية. فالشيخ “عبدالرحمن الصباغ” الذي ضاق ذرعاً بالعيش في صعيد مصر لكثرة مَن به مِن اليهود والنصارى قال في أخريات حياته “إنه ليودُّ معانقة اليهود والنصارى كما يعانق أحد أبناء الإسلام”(5) .
    وبالغلو في الفكر الصوفي يصل المرء إلى حدٍّ لا يغضب لله بلْه الغيرة لدينه، كما يقرر “ابن عربي” في قوله ” ومَن اتسع في علم التوحيد ولم يلزم الأدب الشرعي فلم يغضب لله ولا لنفسه… فإن التوحيد يمنعه من الغضب، لأنه في نظره ما ثمَّ من يغضب عليه لأحدية العين عنده في جميع الأفعال المنسوبة إلى العالم، إذ لو كان عنده مغضوبٌ عليه لم يكن توحيدٌ، فإنَّ موجب الغضب إنما هو الفعل، ولا فاعل إلا الله”. (6)

ويبدو أن الصوفية قَضَوْا على مجاهدة الكفار بالسيف بواسطة بثِّ هذا الفكر، كما أماتوا الغيرة الدينية والانتصار للحق. فيقرر “التيجاني” أنَّ “الأصل في كل ذرة في الكون أنَّها مرتبة للحق سبحانه وتعالى، ويتجلى فيها بما شاء من أفعاله وأحكامه، والخلق كلهم مظاهر أحكامه وكمالات ألوهيته… ويستوى في هذا الميدان: الحيوان والجمادات والآدمي وغيره، ولا فرق بين الآدمي وبين المؤمن والكافر فإنهما مستويان في هذا البساط. ويكون على هذا، الأصل في الكافر التعظيم لأنه مرتبة من مراتب الحق… ولا يكون هذا إلا لمن عرف وحدة الوجود”(7).

فأنت ترى أنه أقرَّ أن من عرف وحدة الوجود: اعتقد أن تعظيم الكفار لا بد منه لكونهم مرتبة من مراتب الحق. أما إهانتهم وإذلالهم فلا تعدو أن تكون أحكاماً طارئة، والتعويل إنما هو على الأصل لا على ما طرأ.

وقال – (أي: التيجاني) – في رسالة إلى أهل فارس ” وسلِّموا للعامة وولاة الأمر ما أقامهم الله فيه من غير تعرض لمنافرة أو تبعيض أو تنكير، فإن الله هو الذي أقام خلقه فيما أراد، ولا قدرة لأحدٍ أن يخرج الخلق عمَّا أقامهم الله فيه”(8) .
ولا ريب أنَّ هذا الفكر يهدف إلى القضاء على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإسداء النصيحة لكل أحد، ومحو الجهاد باللسان قبل الجهاد بالسنان. وإلى مثل هؤلاء الناس أشار ابن تيمية حين قال “وهذا يقوله كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية، حتى إن أحدهم إذا أمر بقتال العدو يقول: “أُقاتلُ الله؟ ما أقدر أن أقاتل الله”، ونحو هذا الكلام الذي سمعناه من شيوخهم وبينا فساده لهم وضلالهم”(9) .
ومِن هنا انتقد كثيرٌ مِن الباحثين “أبا حامد الغزالي” لسكوته عن غزو الصليبيين للمسلمين رغم معايشته إياه، فلم يذكرهم بشيء في كتاباته الكثيرة، فضلاً عن أنْ يشارك في انتفاضة(10) المسلمين وجهادهم ضدهم. فيقول الدكتور الأعسم ” وهو يعني: سكوته عنهم – أمر يدعونا إلى نظر عميق في أنَّ الغزالي لا بد كان قد استبطن عقيدة حطّمت أمامه كل الفروق الدينية أو العنصرية، أو أنه فشل في أن يظل مكافحاً من أجل الدين، وإلا فما هو سببُ إهماله لذكر الصليبيين وأنَّهم أخطر على الإسلام من الباطنية والفلاسفة؟ فكل مؤلفات الغزالي التي ثبتت له خالية من الإشارة إلى الصليبيين”(11). أ. ه‍ “تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي” (1/568-570) للشيخ “محمد أحمد لوح”.

ج. ولما تحدى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله طائفة “الرفاعية” “الأحمدية” أمام نائب السلطنة (سنة 705ه‍) قال شيخ المنيبع “الشيخ صالح ” منهم: نحن أحوالنا إنما تنفق عند التتر‍‍ ليست تنفق عند الشرع! .

قال ابن كثير رحمه الله: فضبط الحاضرون عليه تلك الكلمة، وكثر الإنكار عليهم من كل أحد ثم اتفق الحال على أنهم يخلعون الأطواق الحديد من رقابهم، وأن مَن خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه. أ. ه‍ “البداية والنهاية” (14/38).

تنبيه : هذا الفصل مستل – وإن كره ذلك بعضهم- من كتابي “كتاب تربية الأولاد في الإسلام لـ”عبدالله علوان” في ميزان النقد العلمي”.

————————
(1) وقد كان من كبار أهل التصوف ثم هداه الله، فصار من أئمة السلفيين في مصر، وكان وكيلاً لجماعة أنصار السنة هناك، فرحمه الله.

 (2) والتاريخ يعيد نفسه، فلما جاء “السادات ” من “صلح الخزي” مع يهود استقبله شيوخ الطرق الصوفية في “مصر” في المطار، وكان عدد مندوبي “الطرق” 72 مندوبا! ، فوقف الشيخ “محمد جميل غازي” رحمه الله على المنبر، وقال “صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال “وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة” فاثنتان وسبعون في “المطار” وواحدة في “القاهرة “! .
(3) “عمر فرُّوخ” في كتابه “التصوف في الإسلام”.

(4) ” الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان” (ص93-94).

(5) “الصوفية في الإسلام” (ص87)

 (6) “الفتوحات المكية ” (5/270)

(7) “جواهر المعاني” (2/91-92).

(8)”جواهر المعاني” (2/165-166).

(9)”مجموعة الرسائل والمسائل” (1/110/111).

(10) وقد عدَّ الشيخ “بكر أبو زيد” هذا اللفظ من الألفاظ المولّدة الدخيلة وقال ” لا ينتفض إلا العليل كالمهموم والرعديد” أ. هـ “معجم المناهي اللفظية ” (ص 86).

 (11) “الفيلسوف الغزالي” (ص26-27).

سكوت الإمام أبي داود على الحديث

0

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
الأخت الفاضلة المنهاج حفظها الله
= أشكر لكم حسن الظن بي حيث طلبتم مني ذكر ما يتيسر من ملاحظات حول كتابكم “الأذكار”.
= وإني أعلمكم أني أملُّ من الكتابة حيث لا أحسن الطباعة كثيراً ، ولذا فقد يكون هناك بسط لكن أحتفظ به وقت الحاجة له.
= وإني لا أبالغ إذا قلتُ إنكم لا تحتاجون – كثيراً – لملاحظات كثيرٍ مِن الناس ، حيث نشهد لكم بعلمٍ غزيرٍ ، واطلاعٍ واسعٍ على كتب أهل العلم ، أسأل الله لكم الإعانة على النية.
= لكن : قد يترك الإنسان مجالاً لأخيه ليشارك في الأجر ، وقد تغيب فائدةٌ ، أو يزل قلمٌ ، أو يصير ذهولٌ ، يحتاج صاحبه مَن يكمل له ما أراد.
= واليوم بدأتُ بقراءة كتابكم المرسل إليَّ ، وبدا لي أن أرسل بالملاحظات أولاً بأولٍ .

= وأولى هذه الملاحظات:
أ. اعتدادكم بسكوت الإمام أبي داود على الحديث في صحيحه، وأنه يكون بذلك صحيحاً أو حسناً !
وإليكم هذه النقول عن بعض الأئمة مما – لعله – لم تطلعوا عليه:
1. قال الإمام الذهبي – رحمه الله – :
قال ابن داسة سمعت أبا داود يقول ذكرت في السنن الصحيح وما يقاربه فان كان فيه وهن شديد بينته.
قلت: فقد وفىَّ رحمه الله بذلك بحسب اجتهاده وبيَّن ما ضعفه شديدٌ ووهنه غير محتملٍ وكاسَر عن ما ضعفه خفيفٌ محتملٌ فلا يلزم من سكوته والحالة هذه عن الحديث أن يكون حسناً عنده ولا سيما إذا حكمنا على حد الحسن باصطلاحنا المولد الحادث الذي هو في عرف السلف يعود إلى قسمٍ من أقسام الصحيح الذي يجب العمل به عند جمهور العلماء ، أو الذي يرغب عنه أبو عبد الله البخاري ويمشِّيه مسلمٌ وبالعكس فهو داخل في أداني مراتب الصحة ، فإنَّه لو انحط عن ذلك لخرج عن الاحتجاج ولبقي متجاذباً بين الضعف والحسن.
فكتاب أبي داود أعلى ما فيه من الثابت ما أخرجه الشيخان وذلك نحو من شطر الكتاب ، ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر ، ثم يليه ما رغبا عنه وكان إسناده جيِّداً سالماً مِن علةٍ وشذوذٍ ، ثم يليه ما كان إسناده صالحاً وقبله العلماء لمجيئه مِن وجهين لينين فصاعداً يعضد كلُّ إسنادٍ منهما الآخر ، ثم يليه ما ضعف إسناده لنقص حفظ راويه ، فمثل هذا يمشِّيه أبو داود ويسكت عنه غالباً ، ثم يليه ما كان بيِّن الضعف من جهة راويه فهذا لا يسكت عنه بل يوهنه غالبا وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته والله أعلم.
” سير أعلام النبلاء ” (13 / 213-215).

2. قال الحافظ ابن حجر:
وفي قول أبي داود ” وما كان فيه وهن شديد بيَّنتُه” ما يفهم أن الذي يكون فيه وهن غير شديد أنه لا يبيِّنه .
ومن هنا يتبين أن جميع ما سكت عليه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن الاصطلاحي ، بل هو على أقسام :
1. منه ما هو في الصحيحين أو على شرط الصحة.
2. ومنه ما هو من قبيل الحسن لذاته.
3. ومنه ما هو من قبيل الحسن إذا اعتضد.
وهذان القسمان كثير في كتابه جدّاً .
4. ومنه ما هو ضعيفٌ ، لكنه من رواية مَن لم يُجمع على تركه غالباً.
وكل هذه الأقسام عنده تصلح للاحتجاج بها ، كما نقل ابن مندة عنه أنه يُخرِّج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره ، وأنه أقوى عنده مِن رأي الرجال.
وكذلك قال ابن عبد البر :
كل ما سكت عليه أبو داود فهو صحيحٌ عنده ، لا سيما إن كان لم يذكر في الباب غيره.أ.هـ
ونحو هذا ما روِّيناه عن الإمام أحمد بن حنبل فيما نقله ابن المنذر عنه أنه كان يحتج بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا لم يكن في الباب غيره.
وأصرح مِن هذا ما روِّيناه عنه فيما حكاه أبو العز بن كادش أنه قال لابنه : لو أردتُ أن أقتصر على ما صحَّ عندي لم أروِ مِن هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء ، ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث أني لا أخالف ما يضعف إلا إذا كان في الباب شيء يدفعه .أ.هـ …..

ومن هنا يظهر ضعف طريقة من يحتج بكل ما سكت عليه أبو داود فإنه يخرِّج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج ويسكت عنها مثل: ابن لهيعة ، وصالح مولى التوأمة ، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وموسى بن وردان ، وسلمة بن الفضل ، ودلهم بن صالح ، وغيرهم.

فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم ويتابعه في الاحتجاج بهم ، بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع فيعتضد به أو هو غريب فيتوقف فيه ، لا سيما إن كان مخالفا لرواية مَن هو أوثق منه ، فإنه ينحط إلى قبيل المنكر .

وقد يخرِّج لمن هو أضعف من هؤلاء بكثير كالحارث بن وجيه ، وصدقة الدقيقي ، وعثمان بن واقد العمري ، …..

وكذلك ما فيه من الأسانيد المنقطعة ، وأحاديث المدلسين بالعنعنة ، والأسانيد التي فيها من أبهمت أسماؤهم . فلا يتجه الحكم لأحاديث هؤلاء بالحسن من أجل سكوت أبي داود ؛ لأن سكوته:
تارة يكون اكتفاءً بما تقدم له من الكلام في ذلك الراوي في نفس كتابه .
وتارة يكون لذهول منه .
وتارة يكون لشدة وضوح ضعف ذلك الراوي واتفاق الأئمة على طرح روايته!! كأبي الحويرث ، ويحي بن العلاء .
وتارة يكون من اختلاف الرواة عنه وهو الأكثر … – قال إحسان : وذكر الحافظ أمثلة على ذلك – …
فالصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته لما وصفنا أنه يحتج بالأحاديث الضعيفة ، ويقدمها على القياس ، إن ثبت ذلك عنه .
والمعتمد على مجرد سكوته لا يرى الاحتجاج بذلك فكيف يقلده فيه ؟! أ.هـ
“النكت على ابن الصلاح” (1/435-443).
= وأما ما نقلتم – حفظكم الله – عن النووي ، فله كلام آخر في الموضوع نفسه يوافق الصواب ، وقد نقله الحافظ عنه :
3. قال النووي :
والحق أن ما وجدناه في سننه ما لم يبينه ، ولم ينص على صحته أو حُسنه أحدٌ ممن يُعتمد : فهو حسن ، وإن نصَّ على ضعفه مَن يُعتمد أو رأى العارف في سنده ما يقتضي الضعف ، ولا جابر له حُكم بضعفه ، ولم يُلتفت إلى سكوت أبي داود !!.أ.هـ

قال الحافظ ابن حجر : وهذا هو التحقيق ، لكنه خالف ذلك في مواضع مِن “شرح المهذب” وغيره!! مِن تصانيفه ، فاحتج بأحاديث كثيرة مِن أجل سكوت أبي داود عليها ، فلا يغتر بذلك . والله أعلم .أ.هـ
” النكت” (1/444-445) . وقد نقل السخاوي كلام النووي في “فتح المغيث” (1/92).
4. وهو الذي رجحه الصنعاني في “توضيح الأفكار” (1/196-199).
5. و شيخنا العلامة المحدث الألباني – سلمه الله – في “تمام المنة” (ص 27-28).
= هذا ، والله أعلم وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تخريج حديث الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون

0

الحديث رواه أبو يعلى ( 6 / 147 ) وغيره وهو حديث حسن وله شواهد لمعناه صحيحة .

قال ابن حجر :
وقد جمع البيهقي كتابا لطيفا في ” حياة الأنبياء في قبورهم ” أورد فيه حديث أنس ” الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ” أخرجه من طريق يحيى بن أبي كثير وهو من رجال الصحيح عن المستلم بن سعيد وقد وثقه أحمد وابن حبان عن الحجاج الأسود وهو ابن أبي زياد البصري وقد وثقه أحمد وابن معين عن ثابت عنه ، وأخرجه أيضا أبو يعلى في مسنده من هذا الوجه ، وأخرجه البزار لكن وقع عنده عن حجاج الصواف وهو وهم والصواب الحجاج الأسود كما وقع التصريح به في رواية البيهقي ، وصححه البيهقي ، وأخرجه أيضا من طريق الحسن بن قتيبة عن المستلم ، وكذلك أخرجه البزار وابن عدي .

والحسن بن قتيبة ضعيف ، وأخرجه البيهقي أيضا من رواية محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أحد فقهاء الكوفة عن ثابت بلفظ آخر قال ” أن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ولكنهم يصلون بين يدي الله حتى ينفخ في الصور ” ومحمد سيئ الحفظ ، وذكر الغزالي ثم الرافعي حديثا مرفوعا ” أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث ولا أصلي له ” إلا إن أخذ من رواية بن أبي ليلى هذه وليس الأخذ بجيد لأن رواية بن أبي ليلى قابلة للتأويل ، قال البيهقي : إن صح فالمراد أنهم لا يتركون يصلون إلا هذا المقدار ثم يكونون مصلين بين يدي الله .

قال البيهقي : وشاهد الحديث الأول : ما ثبت في صحيح مسلم من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رفعه ” مررت بموسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره ” وأخرجه أيضا من وجه آخر عن أنس .

فإن قيل : هذا خاص بموسى ، قلنا : قد وجدنا له شاهدا من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضا من طريق عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه ” لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي .. الحديث ، وفيه : وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعد كأنه وفيه وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم فحانت الصلاة فأممتهم ” .

قال البيهقي : وفي حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ” أنه لقيهم ببيت المقدس فحضرت الصلاة فأمهم نبينا صلى الله عليه وسلم ، ثم اجتمعوا في بيت المقدس ” وفي حديث أبي ذر ومالك بن صعصعة في قصة الإسراء ” أنه لقيهم بالسماوات ” ، وطرق ذلك صحيحة فيحمل على أنه رأى موسى قائما يصلي في قبره ثم عرج به هو ومن ذكر من الأنبياء إلى السماوات فلقيهم النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم اجتمعوا في بيت المقدس فحضرت الصلاة فأمهم نبينا صلى الله عليه وسلم ، قال : وصلاتهم في أوقات مختلفة وفي أماكن مختلفة لا يرده العقل ، وقد ثبت به النقل فدل ذلك على حياتهم … ( 6 / 487 ، 488 )

والحديث كان شيخنا الألباني رحمه الله يرى ضعفه برهة من الدهر – كما قال – ثم تبين له قوة إسناده فوضعه في سلسلته الصحيحة ( 621 ) ، وقال في معناه :

ثم اعلم أن الحياة التي أثبتها هذا الحديث للأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما هي حياة برزخية ، ليست من حياة الدنيا في شيء ، ولذلك وجب الإيمان بها دون ضرب الأمثال لها ، ومحاولة تكييفها وتشبيهها بما هو المعروف عندنا في حياة الدنيا .

هذا هو الموقف الذي يجب أن يتخذه المؤمن في هذا الصدد : الإيمان بما جاء في هذا الحديث دون الزيادة عليه بالأقيسة والآراء ، كما يفعل أهل البدع الذين وصل الأمر ببعضهم إلى ادعاء أن حياته صلى الله عليه وسلم في قبره حياة حقيقية ! قال : يأكل ويشرب ويجامع نساءه ! – في الهامش : راجع ” مراقي الفلاح ” – ، وإنما هي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله سبحانه وتعالى .

ويشهد للحديث رؤيته صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء لموسى قائما في قبره يصلي ، وسيأتي إن شاء الله برقم ( 2627 ) .

انتهى

فائدة :
جاء في حديث سؤال الملكين قول المؤمن لهما في قبره : دعوني حتى أصلي ، فيقولان : إنك ستفعل . وهو صريح – كما قال شيخنا الألباني – في أن المؤمن أيضا يصلي في قبره … الخ ” أحكام الجنائز ” ( ص 272 ) .

والله أعلم

قصة أبي قدامة الشامي والغلام عرض ونقد

0

القصة :
كان بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له أبو قدامة الشامي، وكان قد حبب الله إليه الجهاد في سبيل الله والغزو إلى بلاد الروم، فجلس يوماً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث مع أصحابه ، فقالوا له : يا أبا قدامة حدثنا بأعجب ما رأيت في الجهاد ؟ فقال أبو قدامة نعم إني دخلت في بعض السنين الرقة أطلب جملاً أشتريه ليحمل السلاح ، فبينما أنا يوماً جالساً إذ دخلت علي امرأة فقالت : يا أبا قدامة سمعتك وأنت تحدث عن الجهاد وتحث عليه وقد رُزقتُ من الشَّعر ما لم يُرزقه غيري من النساء ، وقد قصصته وأصلحت منه شكالا للفرس وعفرته بالتراب كي لا ينظر إليه أحد ، وقد أحببت أن تأخذه معك فإذا صرتَ في بلاد الكفار وجالت الأبطال ورُميت النبال وجُردت السيوف وشُرعت الأسنّة ، فإن احتجت إليه وإلا فادفعه إلى من يحتاج إليه ليحضر شعري ويصيبه الغبار في سبيل الله ، فأنا امرأة أرملة كان لي زوج وعصبة كلهم قُتلوا في سبيل الله ولو كان عليّ جهاد لجاهدت. وناولتني الشكال . وقالت : اعلم يا أبا قدامة أن زوجي لما قُتل خلف لي غلاماً من أحسن الشباب وقد تعلم القرآن والفروسية والرمي على القوس وهو قوام بالليل صوام بالنهار وله من العمر خمس عشرة سنة وهو غائب في ضيعة خلفها له أبوه فلعله يقدم قبل مسيرك فأوجهه معك هدية إلى الله عز وجل وأنا أسألك بحرمة الإسلام ، لا تحرمني ما طلبت من الثواب. فأخذت الشكال منها فإذا هو مظفور من شعرها. فقالت: ألقه في بعض رحالك وأنا أنظر إليه ليطمئن قلبي. فطرحته في رحلي وخرجتُ من الرقة ومعي أصحابي ، فلما صرنا عند حصن مسلمة بن عبدالملك إذا بفارس يهتف من ورائي: يا أبا قدامة قف علي قليلاً يرحمك الله ، فوقفت وقلت لأصحابي تقدموا أنتم حتى أنظر من هذا ، وإذا أنا بفارس قد دنا مني وعانقني وقال: الحمد لله الذي لم يحرمني صحبتك ولم يردني خائباً. قلت للصبي أسفر لي عن وجهك ، فإن كان يلزم مثلك غزو أمرتك بالمسير ، وإن لم يلزمك غزو رددتك ، فأسفر عن وجهه فإذا به غلام كأنه القمر ليلة البدر وعليه آثار النعمة. قال الصبي: يا أبا قدامة أما تعرفني قلت: لا. قال: أنا ابن صاحبة الوديعة، ما أسرع ما نسيت وصية أمي صاحبة الشكال، وأنا إن شاء الله الشهيد ابن الشهيد، سألتك بالله لا تحرمني الغزو معك في سبيل الله ، فإني حافظ لكتاب الله عارف بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عارف بالفروسية والرمي وما خلفت ورائي أفرس مني فلا تحقرني لصغر سني وإن أمي قد أقسمت على أن لا أرجع، وقالت: يا بني إذا لقيت الكفار فلا تولهم الدبر وهب نفسك لله واطلب مجاورة الله تعالى ومجاورة أبيك مع إخوانك الصالحين في الجنة فإذا رزقك الله الشهادة فاشفع فيّ فإنه قد بلغني أن الشهيد يشفع في سبعين من أهله، ثم ضمتني إلى صدرها ورفعت رأسها إلى السماء وقالت: إلهي وسيدي ومولاي هذا ولدي وريحانة قلبي وثمرة فؤادي سلمته إليك فقربه من أبيه. فلما سمعت كلام الغلام بكيت بكاءاً شديداً أسفاً على حسنه وجمال شبابه ورحمة لقلب والدته وتعجباً من صبرها عنه. فقال: يا عم مم بكاؤك؟ إن كنت تبكي لصغر سني فإن الله يعذب من هو أصغر مني إذا عصاه. قلت: لم أبك لصغر سنك ولكن أبكي لقلب والدتك كيف تكون بعدك. وسرنا ونزلنا تلك الليلة فلما كان الغداة رحلنا والغلام لا يفتر من ذكر الله تعالى، فتأملته فإذا هو أفرس منا إذا ركب وخادمنا إذا نزلنا منزلا، وصار كلما سرنا يقوى عزمه ويزداد نشاطه ويصفو قلبه وتظهر علامات الفرح عليه. فلم نزل سائرين حتى أشرفنا على ديار المشركين عند غروب الشمس فنزلنا فجلس الغلام يطبخ لنا طعاما لإفطارنا وكنا صياما، فغلبه النعاس فنام نومة طويلة فبينما هو نائم إذ تبسم في نومه فقلت لأصحابي ألا ترون إلى ضحك هذا الغلام في نومه، فلما استيقظ قلت: بني رأيتك الساعة ضاحكاً مبتسماً في منامك، قال: رأيت رؤيا فأعجبتني وأضحكتني. قلت: ما هي. قال: رأيت كأني في روضة خضراء أنيقة فبينما أنا أجول فيها إذ رأيت قصراً من فضة شُرفه من الدر والجواهر، وأبوابه من الذهب وستوره مرخية، وإذا جواري يرفعن الستور وجوههن كالأقمار فلما رأينني قلن لي: مرحبا بك فأردت أن أمد يدي إلى إحداهن فقالت: لا تعجل ما آن لك، ثم سمعت بعضهن يقول لبعض هذا زوج المرضية، وقلن لي تقدم يرحمك الله فتقدمت أمامي فإذا في أعلى القصر غرفة من الذهب الأحمر عليها سرير من الزبرجد الأخضر قوامه من الفضة البيضاء عليه جارية وجهها كأنه الشمس لولا أن الله ثبت علي بصري لذهب وذهب عقلي من حسن الغرفة وبهاء الجارية. فلما رأتني الجارية قالت: مرحبا وأهلا وسهلا يا ولي الله وحبيبه أنت لي وأنا لك فأردت أن أضمها إلى صدري فقالت: مهلا، لا تعجل، فإنك بعيد من الخنا، وإن الميعاد بيني وبينك غداً بعد صلاة الظهر فأبشر. قال أبو قدامة: قلت له: رأيت خيراً، وخيراً يكون. ثم بتنا متعجبين من منام الغلام، فلما أصبحنا تبادرنا فركبنا خيولنا فإذا المنادي ينادي: يا خيل الله اركبي وبالجنة أبشري، انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا. فما كان إلا ساعة، وإذا جيش الكفر خذله الله قد أقبل كالجراد المنتشر، فكان أول من حمل منّا فيهم الغلام فبدد شملهم وفرق جمعهم وغاص في وسطهم، فقتل منهم رجالاً وجندل أبطالاً فلما رأيته كذلك لحقته فأخذت بعنان فرسه وقلت: يا بني ارجع فأنت صبي ولا تعرف خدع الحرب. فقال: يا عم ألم تسمع قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار}، أتريد أن أدخل النار؟ فبينما هو يكلمني إذ حمل علينا المشركون حملة رجل واحد، حالوا بيني وبين الغلام ومنعوني منه واشتغل كل واحد منا بنفسه. وقُتل خلق كثير من المسلمين، فلما افترق الجمعان إذ القتلى لا يحُصون عددا فجعلت أجول بفرسي بين القتلى ودماؤهم تسيل على الأرض ووجوههم لا تعرف من كثرة الغبار والدماء، فبينما أنا أجول بين القتلى وإذا أنا بالغلام بين سنابك الخيل قد علاه التراب وهو يتقلب في دمه ويقول: يا معشر المسلمين، بالله ابعثوا لي عمي أبا قدامة فأقبلت عليه عندما سمعت صياحه فلم أعرف وجهه لكثرة الدماء والغبار ودوس الدواب فقلت: أنا أبو قدامة. قال: يا عم صدقت الرؤيا ورب الكعبة أنا ابن صاحبة الشكال، فعندها رميت بنفسي عليه فقبلت بين عينيه ومسحت التراب والدم عن محاسنه وقلت: يا بني لا تنس عمك أبا قدامة في شفاعتك يوم القيامة. فقال: مثلك لا يُنسى لا تمسح وجهي بثوبك ثوبي أحق به من ثوبك، دعه يا عم ألقى الله تعالى به، يا عم هذه الحوراء التي وصفتها لك قائمة على رأسي تنتظر خروج روحي وتقول لي عجّل فأنا مشتاقة إليك، بالله يا عم إن ردّك الله سالماً فتحمل ثيابي هذه المضمخة بالدم لوالدتي المسكينة الثكلاء الحزينة وتسلمها إليها لتعلم أني لم أضيع وصيتها ولم أجبن عند لقاء المشركين، واقرأ مني السلام عليها، وقل لها أن الله قد قبل الهدية التي أهديتها، ولي يا عم أخت صغيرة لها من العمر عشر سنين كنت كلما دخلت استقبلتني تسلم علي، وإذا خرجتُ تكون آخر من يودعني عند مخرجي، وقد قالت لي بالله يا أخي لا تبط عنّا فإذا لقيتَها فاقرأ عليها مني السلام وقل لها يقول لك أخوك: الله خليفتي عليك إلى يوم القيامة، ثم تبسم وقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده وأشهد أن محمداً عبده ورسوله هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، ثم خرجت روحه فكفناه في ثيابه ووريناه رضي الله عنه وعنا به. فلما رجعنا من غزوتنا تلك ودخلنا الرقة لم تكن لي همة إلا دار أم الغلام، فإذا جارية تشبه الغلام في حسنه وجماله وهي قائمة بالباب وتقول لكل من مر بها: يا عم من أين جئت فيقول من الغزو، فتقول: أما رجع معكم أخي فيقولون لا نعرفه، فلما سمعتها تقدمت إليها فقالت لي: يا عم من أين جئت، قلت: من الغزو قالت: أما رجع معكم أخي ثم بكت وقالت ما أبالي، يرجعون وأخي لم يرجع فغلبتني العبرة، ثم قلت لها: يا جارية قولي لصاحبة البيت أن أبا قدامة على الباب، فسمعت المرأة كلامي فخرجت وتغير لونها فسلمت عليها فردت السلام وقالت: أمبشراً جئت أم معزياً. قلت: بيّني لي البشارة من التعزية رحمك الله. قالت: إن كان ولدي رجع سالماً فأنت معز، وإن كان قُتل في سبيل الله فأنت مبشر. فقلت: أبشري. فقد قُبلت هديتك فبكت وقالت: الحمد لله الذي جعله ذخيرة يوم القيامة، قلت فما فعلت الجارية أخت الغلام. قالت: هي التي تكلمك الساعة فتقدمت إلي فقلت لها إن أخاك يسلم عليك ويقول لك: الله خليفتي عليك إلى يوم القيامة، ثم سلمت ثياب الغلام التي كانت معي لأمه وودعتها وانصرفت حزيناً على الغلام ومتعجباً من صبر أمهما.

النقد :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
فإن القصة قد اشتهرت بين الناس فخطب بها الخطباء ، ودرَّرسها المدرسون ، وتناقلها العامة والخاصة ، وهي – عند التأمل – واضحة البطلان ، وفيها أشياء كثيرة منكرة فإلى بيان بعضها :

1. قال “ رجل يقال له أبو قدامة الشامي “ قلنا : ولو كان معروفاً لسمِّي ، فهي إذن عن مجاهيل ، وليس لها إسناد ، ولا زمام ولا خطام .
2. قال “ فبينما أنا يوماً جالساً إذ دخلت علي امرأة “ قلنا : صوابه “ جالس “ ثم : أين كان جالساً؟؟ وكيف استجاز الكلام مع أجنبية ؟ ومن كان ثالثهما ؟
3. قال “ وقد رُزقتُ من الشَّعر ما لم يُرزقه غيري من النساء “
قلنا : شعر النساء عورة بالاتفاق ، ولا أظن أحداً يخالف في هذا ! فكيف تصف المرأة شيئاً من عورتها لأجنبي ، وفي خلوة – كما هو ظاهر – ؟؟؟
4. قال “ فإن احتجت إليه وإلا فادفعه إلى من يحتاج إليه ليحضر شعري ويصيبه الغبار في سبيل الله “
قلنا : وهل هذا الفعل جائز في الشرع – أعني قص الشعر لهذا السبب – ؟؟ وماذا في إصابة الغبار شعرها ؟ وهل غاب مثل هذا الفعل عن أمهات المؤمنين والتابعيات ، حتى تتفطن له هذه المجهولة الجهولة ؟؟
5. قال “ وأنا أسألك بحرمة الإسلام ، لا تحرمني ما طلبت من الثواب “
قلنا : هل السؤال بحرمة الإسلام جائز ؟
6. قال “ قال : لا بل أنا خارج معك أطلب ثأر والدي “
قلنا : هل هذه نية المجاهدين ؟ وهل الذي يقاتل حمية أو عصبية عدَّه النبي صلى الله عليه وسلم من المجاهدين في سبيل الله ؟؟؟؟
7. قال “ لا تحرمني الغزو معك في سبيل الله ، فإني حافظ لكتاب الله عارف بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم “
قلنا : وما علاقة حفظ القرآن بالغزو في سبيل الله ؟ أليس قوله أنه على علم بالفروسية والرمي بالقوس كافٍ ؟ وهل كان يرد النبي صلى الله عليه وسلم الصغار لجهلهم بالسنة وقلة حفظهم ؟ وأليس كان يقبل الصغار الذين يحسنون المصارعة دون السؤال عن حفظهم ؟ هل هذا جهاد أم “ ناشىء في رحاب القرآن ؟ ! “ .
8. قال “ قد بلغني أن الشهيد يشفع في سبعين من أهله وسبعين من جيرانه “
قلنا : ومن أين جاءت بالسبعين من جيرانه ؟ وكيف استجاز ناقل القصة مثل هذا الافتراء والهراء ؟ ورواية الترمذي وابن ماجه ” من أقاربه ” ورواية أبي داود ” أهل بيته ” ! وإنما هي سبعين واحدة !
9. قال “ إن كنت تبكي لصغر سني فإن الله يعذب من هو أصغر مني إذا عصاه “
قلنا : لا يعذب الصغير إلا إن بلغ الحلم ! وهذا الولد عمره 15 كما في الخرافة ! فكم عمر الصغير الذي يعذب على زعمه إن عصى الله ؟
10. قال “ فأردت أن أضمها إلى صدري فقالت : مهلا ، لا تعجل ، فإنك بعيد من الخنا “
قلنا : سبحان الله ، يكذبون ولا يحسنون الكذب ، فهل الذي يواقع أجنبية في المنام يعد من أهل الخنا ؟ وهل حكم المنامات هو مثل حكم الحقيقة في الزنى أو الكفر أو المعاصي أو الطاعات ؟
11. قال “ وقلت : يا بني لا تنس عمك أبا قدامة في شفاعتك يوم القيامة “
قلنا : هل هو حراج ؟ وهل هو من أقربائه ؟ أو من جيرانه – كما زعمت الأم !! – ؟
12. قال “ وقل لها أن الله قد قبل الهدية التي أهديتها “
قلنا : وهذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ، فكيف عرف هذا الولد أن الله قبله عنده ؟ وكيف رضي كاتب القصة بمثل هذه الخرافات التي فيها الكذب على الله ؟ وكبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل الله قبول ركعتين منه – كابن مسعود وابن عمر – وهذا الولد يجزم بقبوله عند الله ! إن هذا لمن العجب !
13. قال “ فكفناه في ثيابه ووريناه رضي الله عنه وعنا به “
قلنا : وهل تجوز لفظة “ وعنا به “ ؟ فهي في ظاهرها منكرة ، فإذا رضي الله عن فلان فهل يرضى عن غيره برضاه عن الأول ؟ وواضح منها أنها استشفاع بالمخلوق على الخالق ، وهي منكرة .
14. قال “ فصرختْ ووقعتْ على وجهها مغشياً عليها ، فحركتها بعد ساعة ، فإذا هي ميتة فتعجبت من ذلك “
قلنا : هكذا بكل سهولة ! وهل هذه التربية التي تربت عليها البنت من أمها – صاحبة الشعر الطويل – وأخيها – الحافظ لكتاب الله العارف ! بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وهل هذا إلا كما يعرف عن المتصوفة بخرافاتهم من موت عند سماع آية أو صعقة عند رؤية ولي ؟؟

والله أعلم
 

ضعف حديث يطلُع عليكم الآن رجل من أهل الجنَّة

0

بسم الله الرحمن الرحيم

عن أنس قال: ” كنا جلوسا مع رسول الله فقال: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه، قد تعلق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال رسول الله مثل، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان في اليوم الثالث قال رسول الله مثل مقالته أيضا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام رسول الله تبعه عبدالله بن عمرو بن العاص، فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت، قال: نعم، قال أنس: فكان عبدالله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئا، غير أنه إذا تعار وتقلب على فراشه ذكر الله وكبر، حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبدالله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبدالله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولاهجر، ولكني سمعت رسول الله يقول لك ثلاث مرار: يطلع الآن رجل من أهل الجنة، فطلعت أنت الثلاث المرار، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي بك، فلم أرك تعلم كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله؟، قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما وليت دعاني: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا، ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه، قال عبدالله: هذه التي بلغت بك وهي التي لاتطاق”،
 



” إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت”
سأل بعض الإخوة السؤال التالي :
كيف يمكن توجيه مقولة عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه الموضحة أعلاه ؟
أليس هذا من الكذب ؟
فأجبته :
الإسناد صحيح كالشمس ! – في ظاهره – وهو على شرط البخاري ومسلم !
= وأنا وقع في قلبي هذا الإشكال قديماً ، فجمعني مجلس علمي مع شيخنا الألباني رحمه الله ، في ” عمان ” – قبل أكثر من 17 عاماً – وكان في المجلس : شيخنا عمر الأشقر .
وسألت شيخنا الألباني عن هذا الإشكال فأجاب – ما ملخصه – :
أن الكذب لم يحرم لما فيه من حروف ” الكاف ” و ” الذال ” و ” الباء ” لكن لما يؤدي إليه من القطيعة وأكل حقوق الآخرين وما شابه ذلك .
وهنا لا مفسدة من قول الصحابي ……….
= والحقيقة أنني لم أستحسن هذا الجواب وقتها ، لكن لم يكن عندي جواب عن هذا الإشكال .
ثم وقع في قلبي جواب : وهو أن الصحابي رضي الله عنه استعمل المعاريض والتورية ، وهي : أنه قد لاحى والده قديماً ، فأوهم كلامه أنه الآن .

ثم أضفت :
= أشار الحافظ ابن كثير إلى أن فيه شيئاُ بقوله :
وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين لكن رواه عقيل وغيره عن الزهري عن رجل عن أنس.
والله أعلم
” تفسير ابن كثير ” 4 / 339
= والبيهقي بقوله :
هكذا قال عبدالرزاق عن معمر عن الزهري قال أخبرني أنس
ورواه ابن المبارك عن معمر فقال عن الزهري عن أنس
ورواه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري كما :
أخبرنا أبو عبدالله الحافظ أخبرني أبو محمد أحمد بن عبدالله المزني ببخارى أنا علي يعني بن محمد بن عيسى نا الحكم بن نافع أبو اليمان أخبرني شعيب عن الزهري قال حدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك أنه قال بينما نحن ثم رسول الله صلى الله عليه……
” شعب الإيمان ” 5 / 265 .
= والمزي في ” تحفة الأشراف ” – كما في المرجع الذي بعده –
= وصرح الحافظ ابن حجر بأنه معلول في ” النكت الظراف ” ( 1 / 394 ).
= والذي يبدو لي الآن أن الخطأ من ” معمر ” ، وقد رواه عن الزهري بلفظ ” حدثني من لا أتهم ” اثنان من كبار أصحابه : عُقيل ، وشعيب .
= فأنا الآن متوقف في كونه صحيحاً
= مع الشكر لأبي سعدة
= وعدنان عبد القادر
= وأنا قد عدلت كلامي
والحق أحق أن يتبع
والله أعلم .

قلت : ثم رأيت تضعيف الحديث عند شيخنا الألباني في ” ضعيف الترغيب والترهيب “
والحمد لله .

ثم أضيف الآن – 10 جمادى الآخر 1431 هـ – وقد مرَّ على ذلك المقال سنوات طويلة – :
أنني أجزم بضعف الحديث – وقد جزم بذلك كثير من الباحثين بعد ذلك المقال – :
1. قال الدارقطني – رحمه الله – :
هذا الحديث لم يسمعه الزهري من أنس .
رواه شعيب بن أبي حمزة ، وعُقيل ، عن الزهري ، قال: حدثني من لا أتهم ، عن أنس ، وهو الصواب .
” العلل ” ( 12 / 204 ) .

2. قال الحافظ حمزة الكناني – رحمه الله – :
لم يسمعه الزهريُّ من أنس ، رواه عن رجل عن أنس . كذلك رواه عقيل وإسحاق بن راشد وغير واحد عن الزهريِّ ، وهو الصواب .
” تحفة الأشراف ” ( 1 / 394 ) .

3. قال البيهقي :
هكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال أخبرني أنس ، ورواه ابن المبارك عن معمر فقال عن الزهري عن أنس ، ورواه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال : حدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك .
وكذلك رواه عقيل بن خالد عن الزهري في الإسناد ، غير أنه قال في متنه : فطلع سعد بن أبي وقاص لم يقل رجل من الأنصار .
” شعب الإيمان ” ( 5 / 264 ، 265 ) باختصار .

4. الحافظ المِزِّي رحمه الله .

5. الحافظ ابن حجر رحمه الله – .
وانظر المرجع في المقال السابق .

6. قال الشيخ الألباني – رحمه الله – معلقاً على تصحيح الحافظ المنذري للحديث – :
قلت : هو كما قال ، لولا أنه منقطع بين الزهري وأنس ، بينهما رجل لم يسم ، كما قال الحافظ حمزة الكناني على ما ذكره الحافظ المزي في ” تحفة الأشراف ” ( 1 / 395 ) ثم الناجي ، وقال – ( أي : الناجي ) – ( 198 / 2 ) : ” وهذه العلة لم ينتبه لها المؤلف – ( أي : الحافظ المنذري ) – ” ثم أفاد أن النسائي إنما رواه في ” اليوم والليلة ” لا في ” السنن ” على العادة المتكررة في الكتاب ، فتنبه ” .
قلت : أخرجه عبد الرزاق في المصنف ( 11 / 287 / 20559 ) ومن طريقه جماعة منهم أحمد : قال : أخبرنا معمر عن الزهري قال : أخبرني أنس بن مالك ، وهذا إسناد ظاهر الصحة ، وعليه جرى المؤلف والعراقي في ” تخريج الإحياء ” ( 3 / 187 ) وجرينا على ذلك برهة من الزمن حتى تبينت العلة ، فقال البيهقي في ” الشعب ” عقبه ( 5 / 265 ) : ” ورواه ابن المبارك عن معمر فقال : عن معمر عن الزهري عن أنس ، ورواه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري ، قال : حدثني من لا أتهم عن أنس …. ، وكذلك رواه عقيل بن خالد عن الزهري ” .
وانظر ” أعلام النبلاء ” ( 1 / 109 )
ولذلك قال الحافظ عقبه في ” النكت الظراف على الأطراف ” :
” فقد ظهر أنه معلول ” .
” ضعيف الترغيب والترهيب ” ( 2 / 247 ) .

والله أعلم