الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله :
جاء في ” صحيح ابن خزيمة ” ( 4 / 95 ) :
باب فضل الصدقة على غيرها من الأعمال إن صح الخبر فإني لا أعرف أبا فروة بعدالة ولا جرح
2433 حدثنا محمد بن رافع حدثنا أبو الحسن النضر بن إسماعيل عن أبي فروة قال : سمعت سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال : ذُكر لي (( قال يقول )) إن الأعمال تتباهى فتقول الصدقة أنا أفضلكم .
وعلَّق شيخنا الألباني – رحمه الله – في الهامش بقوله :
قلت : إسناده ضعيف ، لجهالة أبي فروة ، والنضر ضعيف ، ثم هو موقوف .
والخطأ هو :
1. أن ” أبا فروة ” تصحيف ، والصواب أنه : ” أبو قرة ” وهو الأسدي الصيداوي ، وهو مجهول .
2. أن ” النضر بن إسماعيل ” تصحيف ، والصواب أنه : ” النضر بن شميل ” وهو ثقة ثبت .
والأثر رواه الحاكم في ” المستدرك ” ( 1 / 576 ) ، وإسناده فيه :
1518 أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ثنا الفضل بن عبد الجبار ثنا النضر بن شميل عن قرة قال : سمعت سعيد بن المسيب يحدث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ذكر لي أن الأعمال تباهى فتقول الصدقة أنا أفضلكم .
وهذا خطأ وتصحيف :
وصوابه ” أبو قرة ” كما سبق ذكره .
وكنتُ أظن أن إسناد ابن خزيمة غير إسناد الحاكم ، فلعله أن يكون له شاهداً ، فوقع في قلبي أن يكون ما في ” ابن خزيمة ” تصحيف ، ثم تأكدت من ذلك ، والحمد لله أولا وآخراً .
ومما يؤكد ما ذكرتُه آنفاً :
1. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في ترجمة أبي قرة الأسدي :
و أخرج ابن خزيمة حديثه في ” صحيحه ” ، و قال : لا أعرفه بعدالة و لا جرح .
“تهذيب التهذيب” ( 12 / 227 ) .
وللفائدة :
قال الذهبي في ترجمته :
10539 ( ت ) أبو قرة الأسدي ( ت ) حدث ببلد صيداء عن سعيد بن المسيب .
مجهول .
قلت : تفرد عنه النضر بن شميل
” ميزان الاعتدال ” ( 7 / 415 ) .
2. وقال الحافظ المزي في ترجمة أبي قرة :
روى عن :
سعيد بن المسيب ( ت ) .
روى عنه :
النضر بن شميل ( ت ) .
” تهذيب الكمال ” ( 34 / 201 ) .
3. وقال في ترجمة النضر بن شميل :
روى عن :
أبي قرة الأسدي الصيداوي ( ت ) .
روى عنه :
محمد بن رافع النيسابوري ( س ) – قلت : وكذا عند ابن خزيمة – .
” تهذيب الكمال ” ( 29 / 381 ) .
تنبيه على التصحيفات في صحيح ابن خزيمة والحاكم وأخطاء عند الشيخ الألباني رحمه الله
تخريج قصة أصابت امرأة وأخطأ عمر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله :
الأثر عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – له ثلاث طرق ، ولا تخلو طريق من مقال :
الأولى :
رواه أبو يعلى – كما في ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 468 ) – قال : حدثنا أبو خيثمة حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني محمد بن عبد الرحمن عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق قال : ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصَّدُقات فيما بينهم أربع مائة درهم فما دون ذلك ، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها فلا أعرفنَّ ما زاد رجل في صداق امرأة على أربع مئة درهم ، قال : ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت : يا أمير المؤمنين نهيتَ النَّاس أن يزيدوا في مهر النساء على أربع مائة درهم ؟ قال : نعم ، فقالت : أما سمعت ما أنزل الله في القرآن ؟ قال : وأي ذلك ؟ فقالت : أما سمعت الله يقول { وآتيتُم إحداهنَّ قنطاراً } الآية ؟ قال : فقال : اللهمَّ غفراً ، كل النَّاس أفقه من عمر ، ثم رجع فركب المنبر ، فقال : أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربع مائة درهم ، فمن شاء أن يعطى من ماله ما أحب . قال أبو يعلى : وأظنه قال : فمن طابت نفسه فليفعل .
قلت : وإسناده ضعيف ، فيه : مجالد بن سعيد ، وقد ضعَّفه يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن مهدي وأحمد بن حنبل والنسائي والدارقطني وغيرهم .
انظر ” التاريخ الكبير ” للبخاري ( 8 / 9 ) ، و” الضعفاء والمتروكين ” لابن الجوزي ( 3 / 35 ) .
والأثر رواه البيهقي ( 7 / 233 ) لكن بإسقاط ” مسروق ” بين الشعبي وعمر ، لذا قال عنه البيهقي : هذا منقطع .
فالشعبي – وهو عامر بن شراحيل – وُلد لست سنين مضت من خلافة عمر على المشهور ، كما في ” تهذيب الكمال ” للمزي ( 14 / 28 ) ، وروايته عن عمر مرسلة كما قال أبو زرعة الرازي وأيده العلائي في ” جامع التحصيل ” ( ص 204 ) ، وبيَّن المزي في ” تهذيب الكمال ” ( 14 / 30 ) أنه لم يسمع من عمر .
وأظن أن الوهم فيه من ” مجالد ” فيكون قد ذكر – مرة – مسروقاً ، ومرة أسقطه .
تنبيه :
الحديث في ” أبي يعلى الكبير ” كما قال الهيثمي في ” مجمع الزوائد ” ( 4 / 284 ) والعجلوني في ” كشف الخفاء ” ( 2 / 154 ) ، وليس هو في ” مسنده ” المطبوع البتة .
الثانية :
رواه عبد الرزاق في ” المصنف ” ( 6 / 180 ) عن قيس بن الربيع عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : قال عمر بن الخطاب : لا تغالوا في مهور النساء ، فقالت امرأة : ليس ذلك لك يا عمر ؛ إن الله يقول ” وآتيتم إحداهن قنطاراً من ذهب ” – قال : وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود – ” فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئاً ” ، فقال عمر : إن امرأة خاصمتْ عمر فخصمتْه .
قلت : وهو ضعيف ، فيه علتان :
أولاهما : الانقطاع بين أبي عبد الرحمن السلمي وعمر بن الخطاب ، فهو لم يسمع منه كما قال ابن معين وأقره العلائي في ” جامع التحصيل ” ( ص 208 ) .
والثانية : ضعف قيس بن الربيع ، قال يحيى بن معين – عنه – : ليس بشيءٍ ، وقال – مرة – : ضعيف ، وقال – مرة – : لا يُكتب حديثه ، وقيل لأحمد :لم ترك الناس حديثه ؟ قال : كان يتشيع ، وكان كثير الخطأ في الحديث ، وروى أحاديث منكرة ، وكان ابن المديني ووكيع يضعفانه ، وقال السعدي : ساقط ، وقال الدارقطني : ضعيف الحديث ، وقال النسائي : متروك الحديث .
انظر ” ميزان الاعتدال ” ( 5 / 477 ) و ” الضعفاء والمتروكين ” لابن الجوزي ( 3 / 19 ) .
وقد ذكر شيخنا الألباني – رحمه الله – العلتين في ” إرواء الغليل ” ( 6 / 348 ) .
الثالثة :
رواه الزبير بن بكار – كما في ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 468 ) – قال : حدثني عمِّي مصعب بن عبد الله عن جدِّي قال : قال عمر بن الخطاب : لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي الغصة – يعني : يزيد بن الحصين الحارثي – فمَن زاد ألقيتُ الزيادة في بيت المال ، فقالت امرأةٌ من صفة النِّساء طويلة ، في أنفها فطس : ما ذاك لك ، قال : ولم ؟ قالت : إنَّ الله قال { وآتيتم إحداهنَّ قنطاراً } الآية ، فقال عمر : امرأة أصابت ، ورجل أخطأ .
قلت : وإسناده ضعيف ، فيه علتان :
الأولى : ضعف جدِّ مصعب بن عبد الله وهو مصعب بن ثابت ، قال يحيى بن معين : ضعيف ، وقال – مرة – : ليس بشيءٍ ، وقال أحمد : أراه ضعيف الحديث ، وقال السعدي :لم أر النَّاس يحدِّثون عنه ، وقال ابن حبان : انفرد بالمناكير عن المشاهير فلمَّا كثر منه استحق مجانبة حديثه .
انظر ” الضعفاء ” للعقيلي ” ( 4 / 196 ) ، و” المجروحين ” لابن حبان ( 3 / 28 ) ، و” الضعفاء والمتروكين ” لابن الجوزي ( 3 / 122 )
والثانية : الانقطاع بينه وبين عمر – رضي الله عنه – .
وبعد ، فلا يطمئن القلب لتحسين القصة عن عمر لكثرة علل طرقها ، ولعل هذا مما يزيدها ضعفاً ، وهو أن لا تأتي مثل هذه القصة المشهورة إلا من طريق هؤلاء الضعفاء .
ومما يدل على ضعف إنكار المرأة على عمر أمران :
الأول : أنه قد صح عن عمر النهي عن المغالاة في المهور من طريق صحيح ، وليست فيه هذه الزيادة المنكرة :
عن أبي العجفاء السلمي قال : قال عمر بن الخطاب : ” ألا لا تغالوا صدقة النساء ؛ فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم ، ما علمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئاً مِن نسائه ولا أَنكح شيئاً مِن بناته على أكثر من ثنتي عشرة أوقية ” . رواه الترمذي ( والنسائي ( 3349 ) وأبو داود ( 2106 ) وابن ماجه ( 1887 ) .
قال أبو عيسى الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
والأوقية : أربعون درهماً – كما ذكره الترمذي – .
تنبيه :
ذكر العجلوني في ” كشف الخفاء ” ( 1 / ) و ( 2 / 155 ) رواية عبد الرزاق من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن عمر ، وجعلها عن أبي العجفاء عن عمر ! وهو وهم ، فلم يأت إنكار المرأة من طريق أبي العجفاء البتة ، وهي رواية السنن ، وها هما الروايتان – ولله الحمد – بين أيدينا ، وإنما نبهتُ على هذا لأن الدارقطني – كما سيأتي – رجح رواية أبي العجفاء فلعل أحداً أن يخلط بين الخطأ الذي في ” الكشف ” وبين الصواب الذي في السنن ” فلزم التنبيه .
والثاني : أنه لا يخفى على مثل عمر – إن شاء الله – مثل هذه الآية ، وأنه كلامه ليس في النهي الشرعي ، بل هو للإرشاد كما هو واضح عند أدنى تأمل ، ومما يمكن الاستئناس به للأمرين – وهما علمه بالآية وأنه لم ينه النهي الشرعي – ما رواه البيهقي عنه قال – رضي الله عنه – : ” لقد خرجتُ وأنا أريد أن أنهى عن كثرة مهور النساء حتى قرأت هذه الآية { وآتيتم إحداهن قنطاراً } .
قال البيهقي : هذا مرسلٌ جيِّدٌ .
وقضية غياب آية { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ } [ آل عمران / 144 ] التي غابت عنه يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمكن الاستدلال بها لتثبيت غياب هذه الآية كذلك ؛ لأن سبب غياب تلك الآية معقول وهو مصيبة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم التي تنسي المحب ما يعلم ، وليس الأمر كذلك هنا ، فلا سبب يمكن أن يقال في ذهول عمر عن هذه الآية ، أو يقال كان جاهلا بها ، ويرده ما سبق ذكره من أثر البيهقي ، وما هو معلوم عن عمر من دقة فهمه – لا حفظه فقط – لكتاب الله تعالى ، ويدل على ذلك حديث الصحيحين في اختبار الصحابة في معنى قوله تعالى { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ …} الآيات ، فلما لم يعلم الصحابة معناها وأمر ابنَ عباس أن يقول لهم ما يعلم وقال : إنها أجلُ النبي صلى الله عليه وسلم ، قال عمر : ما أعلم منها إلا ما تعلم ، والحديث في الصحيحين :
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ، فقال بعضهم :لم تُدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله ؟ فقال : إنه ممن قد علمتم ، قال : فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم ، قال : وما رئيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني ، فقال : ما تقولون في { إذا جاء نصر الله والفتح . ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً } حتى ختم السورة ؟ فقال بعضهم : أُمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا ، وقال بعضهم : لا ندري ، أو لم يقل بعضهم شيئاً ، فقال لي : يا ابن عباس أكذاك تقول ؟ قلت : لا ، قال : فما تقول ؟ قلت : هو أجَلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له { إذا جاء نصر الله والفتح } فتح مكة فذاك علامة أجلك { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً } قال عمر : ما أعلم منها إلا ما تعلم .
رواه البخاري ( 4043 ) في كتاب المغازي ، باب منزل النبي يوم الفتح ، و ( 4686 ) في كتاب تفسير القرآن ، باب قوله { فسبِّح بحمد ربِّك واستغفره إنه كان توَّاباً } .
وأما ما ورد من حفظه للقرآن فكثير ومن أشهره : إنكاره على هشام بن حكيم قراءته سورة الفرقان ، وهو حديث مشهور معلوم رواه البخاري ( 2287 ) ومسلم ( 818 ) .
فائدة ( 1 ) :
سئل الدارقطني – رحمه الله – عن حديث السنن السابق ، وتكلم عليه ، وذكر طريق مجالد وتكلَّم عليها ، وخلاصة ما قال :
ولا يصح هذا الحديث إلا عن أبي العجفاء .
” علل الدارقطني ” ( 2 / 238 ) .
فائدة ( 2 ) :
يستدل الرافضة بهذا الأثر كثيراً للطعن في عمر – رضي الله عنه – وأنه صوَّبته امرأة في حكم شرعي ، ولما كان الرافضة أغبى الطوائف المنتسبة للإسلام فإنهم لم يتنبهوا إلى أن في القصة – على فرض صحتها – تزكية عظيمة لعمر – رضي الله عنه – من قبوله للحق ممن هو دونه ، بل ومن امرأة ، ومن ثّمَّ اعترافه بذلك أمام الناس ، وهو مما لا يفعله إلا القلائل من خلق الله على مدى العصور .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
والجواب : أن هذه القصة دليل على كمال فضل عمر ودينه وتقواه ورجوعه إلى الحق إذا تبين له ، وأنه يقبل الحق حتى من امرأة ، ويتواضع له ، وأنه معترف بفضل الواحد عليه ولو في أدنى مسألة ، وليس من شرطِ الأفضل أن لا ينبهه المفضول لأمرٍ من الأمور ، فقد قال الهدهد لسليمان { أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأٍ بنبأٍ يقينٍ } [ سورة النمل / 22 ] ، وقد قال موسى للخضر { هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً } [ سورة الكهف / 66 ] ، والفرق بين موسى والخضر أعظم من الفرق بين عمر وبين أشباهه من الصحابة ، ولم يكن هذا بالذي أوجب أن يكون الخضر قريباً من موسى فضلاً عن أن يكون مثله ، بل الأنبياء المتِّبعون لموسى كهارون ويوشع وداود وسليمان وغيرهم أفضل من الخضر . وما كان عمر قد رآه فهو مما يقع مثله للمجتهد الفاضل .
” منهاج السنة ” ( 6 / 76 ، 77 ) .
والله أعلم .
تخريج حديث اتقول فراسة المؤمن
السلام عليكم
جزاكم الله خيراً يا نسيم السحر
الحديث : ضعيف جدّاً .
رواه الترمذي ( 3127 ) من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – ، وإسناده ضعيف ، فيه عطية بن سعيد العوفي ضعَّفه أحمد وأبو زرعة ، وفيه مصعب بن سلاَّم ضعَّفه علي بن المديني ، ولابن معين فيه قولان ، وقال ابن حبان : كثير الغلط لا يحتج به ، وقال ابن عدي : ولمصعب أحاديث غير ما ذكرت غرائب وأرجو أنه لا بأس به وأما ما انقلبت عليه فإنه غلط منه لا تعمد .
والظاهر أن حديثه هذا مما غلط فيه ، وانقلب عليه ، فقد روى الحديثَ سفيانُ عن عمرو بن قيس – الراوي عنه مصعب هذا الحديث – قال : كان يقال ” اتقوا فراسة المؤمن ” ، وهو الذي صوَّبه العقيلي في ” الضعفاء ” ( 4 / 129 ) ، والخطيب البغدادي في ” تاريخ بغداد ” ( 3 / 191 ، 192 ) .
ورواه الطبراني في ” الكبير ” من حديث أبي أمامة – رضي الله عنه – ، وإسناده ضعيف ، فيه : عبد الله بن صالح وهو كاتب الليث بن سعد ، ضعَّفه أحمد وابن المديني والنسائي وصالح جزرة وابن حبان.
ورواه ابن جرير الطبري في ” التفسير ” ( 14 / 46 ) ، وأبو نعيم في ” حلية الأولياء ” ( 4 / 94 ) من حديث ابن عمر – رضي الله عنه – ، وإسناده ضعيف جدّاً ، فيه فرات بن السائب ، قال البخاري : منكر الحديث ، تركوه ، وقال الدارقطني : متروك .
ورواه ابن جرير – أيضاً – ( 14 / 46 ) من حديث ثوبان – رضي الله عنه – ، وإسناده ضعيف جدّاً ، فيه مؤمل بن سعيد وسليمان بن سلمة ، وكلاهما منكر الحديث كما قال أبو حاتم الرازي ، وقال ابن حبان عن مؤمل بن سعيد : منكر الحديث جدّاً ، روى عنه سليمان بن سلمة الخبائري ، فلا أدري البلية منه أو من سليمان .
والحديث : حكم عليه الحافظ ابن الجوزي بالوضع ، والشيخ الألباني بالضعف – كما في ” السلسلة الضعيفة ” ( 1821 ) – ، والصواب : التوسط وأنه ضعيف جدّاً .
ويغني عن هذا الحديث : حديث أنس – رضي الله عنه – قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :” إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم ” ، رواه الطبراني في ” الأوسط ” ( 3 / 207 ) ، وابن جرير الطبري في ” التفسير ” ( 14 / 46 ) .
قال الهيثمي : رواه البزار والطبراني في الأوسط وإسناده حسن .
” مجمع الزوائد ” ( 10 / 268 ) .
وحسَّنه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1693 ) .
والله أعلم
فوائد من أحاديث ولوغ الكلب في الإناء
فوائد من أحاديث ولوغ الكلب في الإناء
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد
فهذا فصل من كتابي “الفوائد العِذاب فيما جاء في الكلاب” ، رأيت أن في عرضه نفعاً إن شاء الله.
1- عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ في إِنَاءِ أحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ. رواه مسلم [3/182]
ولفظ البخاري: إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ في إِنَاءِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعاً. [1/364].
2- عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: طُهُورُ إِنَاءِ أحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ. رواه مسلم [3/183].
وفي رواية لمسلم [3/183]: إِذَا وَلَغَ الكُلْبُ في الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ.
فوائد الأحاديث :
1- نجاسة ما ولغ فيه الكلب، لأنَّ إراقة الماء إضاعة له-ذكر الإمام!! الشعراني الصوفي أنَّ علة النهي عن شرب سؤر الكلب قسوة القلب!!.ا.هـ مقدمة المغني [ص24]. وهذا كلامٌ ساقطٌ، وله مثله كثير- فلو كان طاهراً لم نُؤمر بإراقته. وهو قول جماهير العلماء.
2- لا فرق بين أنْ يكون في الإناء ماءٌ أو لبنٌ أو زيتٌ أو طعامٌ لعموم قوله: (فليُرِقْه) وعموم قوله (طُهُورُ إِنَاءِ) وعليه فتفريق المالكية بين إناء الماء فيراق ويغسل وبين إناء الطعام فيؤكل ثم يغسل الإناء تعبداً مما لا دليل عليه.
3- تنجس الإناء، ووجوب تطهيره، لعموم قوله (طُهُورُ إِنَاءِ …).
4- الأمر بالإراقة لما في الإناء.
وقد تكلم بعض العلماء – كالنسائي وحمزة الكناني وابن عبد البر وابن مندة. انظر: فتح الباري [1/365]- على زيادة (فليُرِقْه) عند مسلم، وحكموا عليها بالشذوذ، ولا داعي لهذا فالمعنى فيها صحيح، إذ الحكم بنجاسة الإناء يستلزم الإراقة، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: (طُهُورُ إِنَاءِ…) وراوي هذه الزيادة هو: (علي بن مُسهِر) عن الأعمش وهو ثقةٌ احتج به البخاري ومسلم، ووثقه أحمد وابن معين والعجلي وغيرهم فلا يضر تفرُّده.
5- اقتصار هذا الحكم على الولوغ والشرب، دون الصيد والأكل وإدخال الرأس.
6- اقتصار الحكم على الولوغ والشرب بالفم دون باقي أجزائه أو أعضائه. فلو أصاب عضوٌ من أعضائه شيئاً طاهراً -سواء في حال الرطوبة أو عدمها – لا يجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب، إذا قلنا بنجاسة الكلب وإذا قلنا بطهارته -كما هو الراجح- لم يجب الغسل أصلاً.
ومثله يقال في بول الكلب وروثه، فإنهما وإنْ كانا نجسين إلا أنهما ليس لهما الحكم نفسه-قال النووي: وقيل: يكفي غسله في غير الولوغ -كالبول والروث- مرة كسائر النجاسات، حكاه المتولي والرافعي وغيرهما، وهذا الوجه متجه وقوي من حيث الدليل.ا.هـ المجموع [2/604]-.
7- العموم في الكلاب، لعموم اللفظ، فيشمل المأذون باتخاذه والمنهي عنه.
وادّعى بعض المالكية -كابن عبد البر- في التمهيد [1/336] أنَّ المأمور بالغسل من ولوغه هو: الكلب المنهي عن اتخاذه، دون الكلب المأذون فيه.
والرد على هذا من وجوه: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
أ- يحتاج هذا الأمر إلى ثبوت تقدم النهي عن الاتخاذ على الأمر بالغسل.
ب- ويحتاج إلى قرينة تدل على أنَّ المراد ما لم يؤذن في اتخاذه.
جـ- أنَّ الظاهر من (اللام) في قوله (الكلب) أنها للجنس أو لتعريف الماهية، فيحتاج المدّعي أنها للعهد إلى دليل .ا.هـ (الفتح [1/367]).
وقال الإمام النووي:
د- ويدلُّ لإبطال هذا القول رواية عبد الله بن مغفل قال: أمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِ الكِلاَبِ ثُمَّ قال: (مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الكِلاَبِ) ثُمَّ رَخَّصَ في كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الغَنَمِ، وقال: (إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ في الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ) -شرح مسلم [3/83] وقد قاس ابن عبد البر سؤر الكلب على سؤر الهرة، وقال: إنَّ الجامع بينهما أنهما من الطوافين علينا !! وهذا إنْ كان صحيحاً فإن النصَّ قد أخرج (الكلب) فبقيت العلة في غيره-.
8- إذا ولغ كلبان أو أكثر، أو ولغ كلب واحد مرات، فالصحيح أنه يكفيه للجميع سبع مراتٍ أولاهنَّ بالتراب.
9- وجوب التسبيع، إذ لا صارف للأمر عن الوجوب وهو قول الشافعي ومالك وأحمد وابن المنذر. (المغني [1/45] ، (المجموع [2/580]).
وعليه: فمن قال بالاستحباب -كأبي حنيفة كما في (بدائع الصنائع [1/87])- فقد أخطأ.
ويرى أبو حنيفة أنَّ الغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات، واحتج له أصحابه بما يلي:
أ- عن أبي هريرة موقوفاً: أنه يغسل من ولوغه ثلاث مرات-وانظر المحلى [1/124] ففيه ردٌّ وافٍ أيضاً-.
قالوا: وأبو هريرة هو الراوي للغسل من الولوغ سبعاً، فالعبرة بما رأى لا بما روى تحسيناً للظن عن مخالفة النص.
قلت: الأثر رواه الدارقطني [1/66]، وقال: هذا موقوفٌ، ولم يروه هكذا غير عبد الملك عن عطاء، والله أعلم.ا.هـ.
وقال البيهقي [1/242]: وفي ذلك دلالة على خطأ رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة في الثلاث. وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف الثقات.ا.هـ.
وقال الحافظ: … فالموافقة- أي: موافقة رأي أبي هريرة لما رواه من السبع – وَرَدَتْ من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه. وهذا من أصح الأسانيد وأما المخالفة: فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه، وهو دون الأول في القوة بكثير. ا.هـ (الفتح [1/367]). وانظر (المجموع [2/599-600]).
– وأما قولهم (العبرة بما رأى لا بما روى) فباطلٌ لأنَّه:
أولاً: غيرُ ثابتٍ أنَّه رضي الله عنه خالف ما روى.
وثانياً:
قال ابن حزم:
لكن السنَّة الثابتة لا يحل خلافها، وما نبالي بخلاف ابن عباس [أي: في بيع أمهات الأولاد]، فقد يخالفها متأوِّلاً أنَّه خصوصٌ، أو قد ينسى ما روى، وما كلَّفَنا الله تعالى أنْ نراعي أقوال القائلين، إنما أَمرنا بقبول رواية النافرين ليتفقهوا في الدين، المنذرين لمن خلفهم من المؤمنين، بما بلغهم وصحَّ عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ا.هـ – انظر “الإحكام في أصول الأحكام” [4/161-162]-.
وقال ابن القيم:
والذي نَدينُ الله به، ولا يَسَعُنا غيره، وهو القصد في هذا الباب: بأنَّ الحديثَ إذا صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصحَّ عنه حديثٌ آخر ينسخه أنَّ الفرض علينا وعلى الأمَّة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحدٍ من الناس كائناً من كان لا راويه ولا غيره، إذ من الممكن أنْ ينسى الراوي الحديث، أو لايحضره وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألـة أو يتأول فيه تأويلاً مرجوحاً، أو يقوم في ظنِّه ما يعارضه ولا يكون معارضاً في نفس الأمر أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنَّه أعلم منه، أو أنَّه إنما خالفه لما هو أقوى منه.
ولو قُدِّر انتفاء ذلك كله -ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه- لم يكن الراوي معصوماً، ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط عدالته حتى تغلب سيئاتُه حسناتِه، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له حجة. ا.هـ.- انظر “إعلام الموقعين” [3/52]-.
وقال الشوكاني:
وترجيح رأي الصحابي على روايته عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ورواية غيره: من الغرائب التي لا يُدرَى ما الحامل عليها. ا.هـ.- انظر “نيل الأوطار” [1/21].
ب- واحتجوا لأبي حنيفة أيضاً بأنه جاء في بعض طرق حديث أبي هريرة مرفوعاً: في الكلب يلغ في الإناء يغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً.
قلت: الرواية في الدارقطني [1/66] وهي روايةٌ ضعيفةٌ جدّاً، لأنَّ فيها (عبد الوهاب ابن الضحاك) وهو متروك -كما قال الدارقطني نفسه بعد تلك الرواية- وفيها (إسماعيل ابن عياش) وروايته عن الحجازيين ضعيفةٌ وهي هنا عن واحدٍ منهم وهو هشام بن عروة.-وانظر المجموع [2/599] ففيه تفصيلٌ لما أجملناه من سبب ضعف الحديث-.
جـ- وقال الأحناف: إنَّ الحديثَ محمولٌ على حالة الأمر بقتل الكلاب، فلما نهى عن قتلها نسخ ذلك.
قلت: وهذا مردودٌ لأنَّ النسخ لا يثبت بالحدس والرأي. بل ظاهر سياق حديث عبد الله بن مغفل عند مسلم: أمره بالتسبيع من ولوغها بعد النهي عن قتلها، فإنه قال فيه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم قال: (مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الكِلاَبِ؟) ثم رخص في كلب الصيد والغنم وقال: (إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ في الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ).
يؤيده: أنَّ الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة ، والأمر بالغسل متأخرٌ جدّاً لأنه من رواية أبي هريرة وعبد الله بن مغفل. وقد ذكر ابن مغفل أنَّه سمع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يأمر بالغسل وكان إسلامه سنة سبعٍ كأبي هريرة.
د- واستدل بعضهم بفعل البغيِّ التي سقت الكلبَ بخفِّها؟
قال ابن حزم: وهذا عجبٌ جدّاً، لأنَّ ذلك الخبر كان في غيرنا، ولا تلزمنا شريعة مَن قبلَنا. وأيضاً: فمن أين لهم أنَّ ذلك الخف شُرب فيه ما بعد ذلك، وأنه لم يغسل، وأنَّ تلك البغي عرفتْ سنَّةَ غسل الإناء من ولوغ الكلب؟ ولم تكن تلك البغي نَبيَّةً فيحتج بفعلها. وهذا كله دفعٌ بالراح، وخبطٌ يجب أن يُستحى منه.ا.هـ (المحلى [1/125]).
هـ- واستدل بعضهم: بأنَّ العذرة أشد في النجاسة مِن سؤر الكلب ولم يقيد بالسبع فيكون الولوغ كذلك مِن باب الأولى.
قال الحافظ ابن حجر:
لا يلزم مِن كونها أشد منه في الاستقذار أن لا يكون أشد منها في تغليظ الحكم. وبأنَّه قياسٌ في مقابلة النَّص وهو فاسد الاعتبار. (الفتح [1/367]).
10- وجوب التتريب في الغسل – أي استعمال التراب- وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور والطبري وأكثر الظاهرية.
ومَن لم يقُلْ به -كبعض المالكية- فليس له حجةٌ إلا عدم ذكر التراب في الرواية الأولى (سَبْعَ مِرَارٍ) و (سَبْعاً) ويرد عليه بثبوت (أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ) و (عَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ) وكلاهما في “مسلم” وعن أبي هريرة.
11- لا يقوم الصابون والأشنان -والأشنان: شجر يدق ويكون حبيبات كحبيبات السكر تغسل به الثياب وهو منظفٌ ومزيلٌ-وما أشبههما مقام التراب، إذ الأمر تعبدي.
12- ما هو الإناء الذي يراق ما فيه من ولوغ الكلب؟
قال ابن القيم:
وإذا كان لابد لهم مِن تقييد الحديث وتخصيصه ومخالفة ظاهره: كان أسعد الناس به: مَن حمله على الولوغ المعتاد في الآنية المعتادة التي يمكن إراقتها-قلت: وهو يشبه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ في إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ . رواه البخاري [10/306]، والمراد: الإناء المعتاد. والله أعلم- وهو ولوغٌ متتابعٌ في آنيةٍ صغارٍ يتحلل مِن فم الكلب في كلِّ مرَّةٍ ريقٌ ولعابٌ نجسٌ يخالط الماء، ولا يخالف لونُه لونَه فيظهر فيه التغير، فتكون أعيان النجاسة قائمة بالماء وإن لم تُر. فأمر بإراقته وغسل الإناء، فهذا المعنى أقـرب إلى الحديث وألصـق به، وليس في حمله عليه ما يخالف ظاهره، بل الظاهر أنَّه أراد الآنية المعتادة التي تتخذ للاستعمال فيلغ فيها الكلاب.ا.هـ (تهذيب سنن أبي داود [1/69]).
13- كيف نجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: (أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ) وقوله: (إِحْدَاهُنَّ) وقوله: (عَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ) ورابعة (السَّابِعَةَ بِالتُّرَابِ)؟.
قال الحافظ ابن حجر:
فطريق الجمع أنْ يقال: (إِحْدَاهُنَّ) -وهذا على فرض صحتها، وإلا فهي ضعيفةٌ، لأنَّ في إسنادها الجارود بن يزيد وهو متروكٌ. وانظر :سبل السلام [1/53]- مبهمةٌ. و (أُولاَهُنَّ) و (السَّابِعَةَ) معينة. و (أَوْ) إنْ كانتْ في نفس الخبر فهي للتخيير، فمقتضى حمل المطلق على المقيد: أنْ يحمل على أحدهما لأنَّ فيه زيـادة على الرواية المعينة… وإنْ كانتْ شكّاً من الراوي، فرواية مَن عيّن ولم يشك أولى من رواية من أبهم أو شك. فيبقى النظر في الترجيح بين رواية (أُولاَهُنَّ) ورواية (السَّابِعَةَ)، ورواية (أُولاَهُنَّ): أرجح مِن حيث الأحفظية والأكثرية ومِن حيث المعنى. لأنَّ في تتريب الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسله أخرى لتنظيفه. ا.هـ (الفتح [1/36]).
وقال ابن حزم: وكل ذلك لا يختلف معناه، لأنَّ الأُولى: هي بلا شك إحدى الغسلات وفي لفظة (الأولى) بيان أيتهن هي فمن جعل التراب في (أُولاَهُنَّ) فقد جعله في (إِحْدَاهُنَّ) بلا شك واستعمل اللفظتين معاً. ومن جعله في غير أولاهن فقد خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنْ يكون ذلك في (أُولاَهُنَّ) وهذا لا يحل. ولا شك ندري أنَّ تعفيره بالتراب في أولاهن تطهيرٌ ثامنٌ إلى السبع غسلات وأنَّ تلك الغسلة سابقة لسائرهن إذا جمعهن، وبهذا تصح الطاعة لجميع ألفاظه عليه السلام في هذا الخبر.ا.هـ (المحلى [1/121-122]).
14- من لم يجد إلا ماء مولوغاً فيه، هل يتوضأ به أم يتيمم؟.
قال شيخ الإسلام :
وأما التوضأ بماء الولوغ: فلا يجوز عند جماهير العلماء، بل يعدل عنه إلى التيمم.ا.هـ
(مجموع الفتاوى [21/80]). وانظر (فتح الباري [1/368]).-قلت: ويَستدل بعضهم بطهارة سؤر السباع بحديث جابر عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنه سئل أيُتوضأ بما أفضلت الحُمُر؟ قال: نعم وبما أفضلت السباع.
والحديثُ ضعيفٌ فيه: الحصين والد داود وهو ضعيف. وفيه: الإبراهيمان: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى وإبراهيم بن إسماعيل بن حبيبة. وقد ضعّفه البغوي وابن الجوزي والنووي. انظر :شرح السنة [2/71]و التحقيق [1/67]و المجموع [1/226]-.
15- أدخل كلب رأسه في إناء وأخرجه ولم يُعلم هل ولغ فيه أو لا، فما حكم الماء؟.
قال النووي رحمه الله:
قال صاحب الحاوي وغيره: إنْ كان فمه يابساً، فالماء طاهرٌ بلا خلاف، وإنْ كان رطباً: فوجهان: (أحدهما) يحكم بنجاسة الماء لأنَّ الرطوبة دليلٌ ظاهرٌ في ولوغه، فصار كالحيوان إذا بال في ماءٍ ثم وجده متغيراً، حكم بنجاسته بناءً على هذا السبب المعين.
(وأصحهما) أنَّ الماء باقٍ على طهارته. لأنَّ الطهارةَ يقينٌ والنجاسةَ مشكوكٌ فيها.
ويحتمل كون الرطوبة من لعابه، وليس كمسألة بول الحيوان، لأنَّا هناك تيَقنَّا حصول النجاسة وهو سبب ظاهر في تغير الماء بخلاف هذا. ا.هـ (المجموع [1/233]).
16- لو وقع كلب في ماء -بئر أو غيره- فمات، فما حكم الماء؟
قال ابن المنذر رحمه الله:
أجمع أهل العلم أنَّ الماء القليل أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسةٌ فغيّرتْ النجاسةُ الماءَ طعماً أو لوناً أو ريحاً: أنه نجس مادام الماء كذلك ولا يجزئ الوضوء والاغتسال به. ا.هـ (الأوسط [1/260]).
فأما إذا لم تُغيِّر النجاسةُ لوناً أو طعماً أو ريحاً فهو طاهر وهو الذي رجّحه ابن المنذر وهو قول: ابن عباس وابن المسيب والحسن البصري وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجابر بن زيد ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي-انظر الأوسط [1/273-276]و التمهيد [1/327]-.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله:
أيُّ بئرٍ وقع فيه شيءٌ مما ذكر -أي: كلبٌ أو خنـزيرٌ أو جملٌ أو بقرةٌ أو شاةٌ أو غيره- إنْ كان الماء لم يتغير بالنجاسة فهو طاهرٌ، فإنْ كانت عينُ النجاسة باقيةً: نُزحت منه وأُلقيت، وسائر الماء طاهر وشعر الكلب والخنـزير إذا بقي في الماء لم يضره ذلك في أصح قولي العلماء، فإنه طاهرٌ في أحد أقوالهم، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وهذا القول أظهر في الدليل، فإنَّ جميع الشعر والريش والوبر والصوف طاهر، سواء كان على جلد ما يؤكل لحمه أو جلد ما لا يؤكل لحمه. وسواء كان على حيٍّ أو ميِّتٍ.
وهذا أظهر الأقوال للعلماء، وهو إحدى الروايات عن أحمد. وأما إن كان الماء قد تغير بالنجاسة، فإنه ينـزح منه حتى يَطيبَ، وإن لم يتغير الماء لم ينـزح منه شيء. ا.هـ (مجموع الفتاوى [21/38-39]).
17- ما معنى حديث ابن عمر :كَانَتِ الكِلاَبُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ في المَسْجِدِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرشُّونَ شَيْئاً مِنْ ذلكَ. رواه البخاري [1/369 ].
قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله:
أشكل هذا الحديث على العلماء -رحمهم الله- واختلفوا في تخريجه:
فقال أبو داود: إنَّ الأرض إذا يَبِست طَهُرت واستدل بهذا الحديث وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام فإنَّه ذكر أنَّ الأرض تطهر بالشمس والريح، واستدل بهذا الحديث.
وذهب بعض العلماء إلى أنَّ قوله: (وَتَبُولُ) يعني: في غير المسجد وأنَّ الذي في المسجد إنما هو الإقبال والإدبار. لكنَّ هذا التخريجَ ضعيفٌ، لأنها لو كانت لا تبول في المسجد لم يكن فائدة في قوله: (وَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئاً مِنْ ذلكَ).
وقال ابن حجر في فتح الباري: والأقرب أنْ يقال أنَّ ذلك في أول الأمر قبل أنْ يؤمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها. والذي يظهر لي: أنَّ كلام شيخ الإسلام هو الصحيح وأنَّ الأرض إذا أصابتْها النجاسة فيبست حتى زال أثرها فإنها تطهر لأنَّ الحكم يدور مع علته، فإذا لم يبق للنجاسة أثرٌ صارت معدومة فتطهر الأرض بذلك. ا.هـ- انظر “مجموع فتاوى ابن عثيمين” [ص247].
18- هل يقاس الخنـزير على الكلب في تطهير الإناء من الولوغ؟.
قاله بعض العلماء -كالشافعي وأحمد رحمهما الله . انظر المجموع [2/604] وقال النووي: واعلم أنَّ الراجح من حيث الدليل: أنه يكفي غسلة واحدة بلا تراب، وبه قال أكثر العلماء الذين قالوا بنجاسة الخنـزير وهذا هو المختار لأنَّ الأصل عدم الوجوب حتى يرد الشرع. ا.هـ -وردَّ عليهم ابن حزم رحمه الله فقال:
وأما قياس الخنـزير على الكلب فخطأٌ ظاهر -لو كان القياس حقّاً- لأنَّ الكلب بعض السباع، لم يحرم إلا بعموم تحريم لحوم السباع فقط، فكان قياس السباع وما ولغت فيه على الكلب الذي هو بعضها والتي يجوز أكل صيدها إذا علِّمت أولى من قياس الخنـزير على الكلب.
وكما لم يجز أنْ يقاس الخنـزير على الكلب في جواز اتخاذه وأكل صيده فكذلك لا يجـوز أنْ يقاس الخنـزير على الكلب في عدد غسل الإناء من ولوغه ، فكيف والقياس كلُّه باطلٌ!!.ا.هـ.-انظر المحلى [1/123]-.
انظر في فوائد هذه الأحاديث: معالم السنن [1/76 هامش مختصر السنن]. شرح مسلم
[3/184]. طرح التثريب [2/123]. شرح السنَّة [2/71-75].
والله أعلم وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
فائدة نفيسة في الحروف المقطعة لابن القيم
فائدة
السر في حروف ألم :
تأمل سر { ألم } كيف اشتملت على هذه الحروف الثلاثة :
فالألف : إذا بدئ بها أولاً كانت همزة ، وهي أول المخارج من أقصى الصدر .
واللام : من وسط المخارج ، وهي أشد الحروف اعتمادا على اللسان.
والميم : آخر الحروف ، ومخرجها من الفم .
وهذه الثلاثة : هي أصول مخارج الحروف ، أعني : الحلق ، واللسان، والشفتين ، وترتيب في التنـزيل من البداية إلى الوسط إلى النهاية .
فهذه الحروف معتمد المخارج الثلاثة التي تتفرع منها ستة عشر مخرجا فيصير منها تسعة وعشرون حرفا ، عليها دار كلام الأمم الأولين والآخرين ، مع تضمنها سرّاً عجيباً وهو :
أن الألف : البداية
واللام : التوسط
والميم : النهاية
فاشتملت الأحرف الثلاثة على البداية ، والنهاية ، والواسطة بينهما.
وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف الثلاثة : فهي مشتملة على بدء الخلق ، ونهايته ، وتوسطه : فمشتملة على تخليق العالم ، وغايته، وعلى التوسط بين البداية والنهاية من التشريع والأوامر .
فتأمل ذلك في البقرة ، وآل عمران ، وتنـزيل السجدة ، وسورة الروم .
وتأمل اقتران الطاء بالسين والهاء في القرآن ، فإن الطاء جمعت من صفات الحروف خمس صفات لم يجمعها غيرها وهي : الجهر ، والشدة ، والاستعلاء ، والإطباق ، والسين مهموس رخو مستفل صفيري منفتح ، فلا يمكن أن يجمع إلى الطاء حرف يقابلها كالسين والهاء .
فذكر الحرفين اللذيْن جمعا صفات الحروف .
وتأمل السور التي اشتملت على الحروف المفردة كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف :
فمن ذلك ” ق ” ، والسورة مبنيَّة على الكلمات القافية : من ذِكر القرآن ، وذِكر الخلق ، وتكرير القول ، ومراجعته مراراً ، والقرب من ابن آدم ، وتلقي الملكين قول العبد ، وذكر الرقيب ، وذكر السائق والقرين ، والإلقاء في جهنم ، والتقدم بالوعيد ، وذكر المتقين ، وذكر القلب ، والقرون ، والتنقيب في البلاد ، وذكر القيل مرتين ، وتشقق الأرض ، وإلقاء الرواسي فيها ، وبسوق النخل ، والرزق ، وذكر القوم ، وحقوق الوعيد .
ولو لم يكن إلا تكرار القول والمحاورة .
وسر آخر :
وهو أن كل معاني هذه السورة مناسبة لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعلو والانفتاح .
وإذا أردت زيادة إيضاح هذا :
فتأمل ما اشتملت عليه سورة ” ص ” من الخصومات المتعددة :
فأولها : خصومة الكفار مع النبي { أجعل الآلهة لها واحداً } إلى أخر كلامهم ، ثم اختصام الخصمين عند داود ، ثم تخاصم أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى في العلم وهو الدرجات والكفارات ، ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لآدم ، ثم خصامه
ثانياً في شأن بنيه : حلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم .
فليتأمل اللبيب الفطن :
هل يليق بهذه السورة غير ” ص ” وسورة ” ق ” غير حرفها ؟!
وهذه قطرة من بحر من بعض أسرار هذه الحروف .
المصدر : ” بدائع الفوائد ” ( 3 / 692 ، 693 ) .
فائدة أخرى :
قال الإمام ابن كثير :
قلت : مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا وهي : ا ل م س ر ك هـ ي ع ط ص ح ق ن يجمعها قولك : ” نص حكيم قاطع له سر ” !!
وهي نصف الحروف عددا ، والمذكور منها: أشرف من المتروك وبيان ذلك من صناعة التصريف .
المصدر : ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 38 )
والله أعلم
الحرف في القرآن الكريم، ما معناه؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أولاً :
بادئ ذي بدء لا يصح أن نحمل الألفاظ الشرعية على المعاني الاصطلاحية المتأخرة – أو على بعضها – دون بيِّنة ودليل ؛ لأن واضع هذه الاصطلاحات لم يرد تبيين معاني تلك الألفاظ الشرعية ، وقد يكون التوافق في الألفاظ فقط دون حقائق المسميات والمعاني .
ومن هذا الباب أود التنبيه على أمرٍ قد يخفى على كثيرين ، وسبب الخطأ فيه هو ما سبق ذِكره .
وهذا الأمر هو الأجر المترتب على قراءة آيات القرآن الكريم ، فالحرف الذي ورد ذِكره في الحديث ليس هو الحرف الذي اصطلح عليه علماء اللغة في بعض إطلاقاته ، وهو ما يسمى ” حروف الهجاء ” .
فإن الحرف عند علماء اللغة والنحو يطلق على حروف الهجاء وعلى الحروف التي ليست باسم ولا فعل وقد جاءت لمعنى في غيرها مثل ” في ” و ” من ” و ” على ” …..
وكما أن لفظ ” الحرف ” يطلق – كذلك – على الكلمة وعلى الجملة الكاملة .
ثانياً :
وهذه بعض النصوص والآثار على إطلاقات لفظ ” حرف ” :
1. إطلاق الحرف على حروف الهجاء :
أ. عن أبي وائل قال جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله فقال يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف ألفاً تجده أم ياءً { مِن ماء غير آسن } أو { مِن ماء غير ياسن } . قال : فقال عبد الله : وكلَّ القرآن قد أحصيتَ غير هذا ! ؟ قال : إني لأقرأ المفصل في ركعة ، فقال عبد الله : هذّاً كهذِّ الشِّعر . رواه مسلم ( 822 ) .
ب . قال البخاري :
باب من دعا صاحبه فنقص من اسمه حرفا وقال أبو حازم عن أبي هريرة قال لي النَّبي صلى الله عليه وسلم يا أبا هر . كتاب الأدب
وروى تحته حديثين وهما :
أ. عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام ، قلت : وعليه السلام ورحمة الله ، قالت : وهو يرى ما لا نرى . رواه البخاري ( 5848 ) ومسلم ( 2447 ) .
ب. عن أنس رضي الله عنه قال : كانت أم سليم في الثقل ، وأنجشة غلام النَّبي صلى الله عليه وسلم يسوق بهنَّ ، فقال النَّبي صلَّى الله عليه وسلم : يا أنجش رويدك سوقك بالقوارير .
رواه البخاري ( 5849 ) .
2. إطلاق الحرف على الكلمة الاصطلاحية سواء كان اسماً أو فعلاً أو حرفاً – وهي أقسام الكلام – واسم حروف الهجاء :
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أقرأني جبريل على حرفٍ ، فلم أزل أستزيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف . رواه البخاري ( 3047 ) ومسلم ( 819 ) .
قال الحافظ ابن حجر :
… وهذه الأحاديث تقوِّي أن المراد بالأحرف : اللغات أو القراءات ، أي : أُنزل القرآن على سبع لغات أو قراءات ، والأحرف : جمع حرف ، مثل : فلس وأفلس ، فعلى الأول يكون المعنى على سبعة أوجه من اللغات ؛ لأن أحد معاني الحرف في اللغة الوجه ، كقوله تعالى { ومن الناس من يعبد الله على حرف } ، وعلى الثاني يكون المراد من إطلاق الحرف على الكلمة مجازا لكونه بعضها . ” فتح الباري ” ( 9 / 24 ) .
3. إطلاق الحرف على الجملة :
أ. عن ابن عباس قال : بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته .
رواه مسلم ( 806 ) .
قال السندي :
( نقيضا ) صوتاً كصوت الباب إذا فتح ، ( أبشر ) من الإبشار ، ( أوتيتهما ) على بناء المفعول وكذا لم يؤتهما ، ( حرفا منهما ) أي : مما فيه من الدعاء ، ( إلا أعطيته ) أي : أعطيت مقتضاه ، والمرجو أن هذا لا يختص به بل يعمه وأمته صلى الله تعالى عليه وسلم .
” حاشية السندي ” ( 2 / 138 ، 139 ) .
ب. عن عائشة قالت : جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة ؟ فقال : لا ، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلِّي . رواه مسلم ( 333 ) .
وقال :
… وفي حديث حماد بن زيد زيادة حرف تركنا ذِكره .
قال النووي :
قوله ” وفي حديث حماد بن زيد زيادة حرف تركنا ذِكره ” : قال القاضي عياض رضي الله عنه : الحرف الذي تركه هو قول ” اغسلي عنك الدم وتوضئي ” ، ذَكر هذه الزيادة النسائي وغيره ، وأسقطها مسلم ؛ لأنها مما انفرد به حماد . ” شرح مسلم ” ( 4 / 22 ) .
وللعلم فقد تكرر كثيراً في كلام الإمام مسلم مثل هذا الاستعمال والإطلاق وكذا وجدته عند الترمذي وأبي داود ، وذلك في تعليقاتهم على الأحاديث وبيان اختلاف الرواة في بعض ألفاظ الحديث وجمله .
ثالثاً :
والذي يظهر أن ” الحرف ” المراد من حديث ابن مسعود في فضل قراءة القرآن هو بالمعنى الثاني وهو الحرف بمعنى الكلمة لا بالمعنى الأول ولا الثالث ! وبيان ذلك :
عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” مَن قرأ حرفاً مِن كتاب الله فله به حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول { الم } حرف ، ولكن ألِف حرف ، ولامٌ حرف ، وميمٌ حرف ” .
رواه الترمذي ( 2910 ) ، وقال : هذا حديث حسن صحيح غريب .
وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 6469 ) .
وإذا دقَّقنا النظر في الحديث وألفاظه نجد أن الأجر كان على الحرف ، والحرف الذي ذَكره النبي صلى الله عليه وسلم مثالاً هو : ألِف ، و لام ، و ميم .
والحرف هنا هو الكلمة التامة أو الضمير دون الحرف الاصطلاحي وإلا لكان الأجر على قراءة الألِف في { الم } هو : ثلاثون حسنة مضاعفة ! لأننا نقرأ هذا الحرف – المراد في الحديث – ثلاثة أحرف اصطلاحية – بالمعنى الأول السابق – وهي : أ ، ل ، م !! لكن ليس هذا هو مقصود الحديث ، بل جعل اللفظ كاملا وهو ” ألِف ” والتي كتبت : ا ، هو الذي يكسب قارئه عشر حسنات مضاعفة !
رابعاً :
ويمكن توضيح ما سبق بمثال ، وهو أن نقول :
ما هو الأجر المترتب على قراءة أول سورة الشرح هو قوله تعالى { ألم نشرح .. } ؟
إنه بحسب المشهور : ثلاثون حسنة مضاعفة لأنهم يقولون : أ : عشر حسنات مضاعفة ، و : ل : كذلك ، و م : كذلك !
ولئن سألتَ هذا القائل : لم قلتَ هذا ؟ لقال لك : لأنها ثلاثة حروف وكل حرف بعشر حسنات !
لكن هل هذا هو الفهم الصحيح للحديث ؟
الجواب : لا .
فالحرف الأول – المراد في الحديث – من أول سورة ” البقرة ” لا يساوي في النطق والقراءة الحرفَ الأول من أول سورة ” الشرح ” فنطق الحرف الأول من الأولى ” ألِف ” بينما نطق الحرف الأول من الثانية ” أَ ” !
وهكذا يقال في الحرف الثاني ” لام ” فإنه لا يساوي ” ل ” ، والحرف الثالث ” ميم ” لا يساوي ” م ” .
وينبغي تذكر أن الأجر لو كان على النطق للحرف الهجائي لكان الأجر على نطقك للحرف الثاني من أول سورة البقرة – مثلا – وهو ” لام ” – ثلاثين حسنة مضاعفة ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الأجر عشر حسنات مضاعفة .
ومثال ثانٍ :
قوله تعالى { ن } في أول سورة ” القلم ” ، مع قوله تعالى { وذا النون } [ الأنبياء / 87 ] !
فمن حيث النطق والقراءة للحرف الأول من سورة ” القلم ” هو مثل قراءة الكلمة كاملة – من غير أل التعريف – مِن الآية الأخرى من سورة ” الأنبياء ” ، فهل يكون أجر قراءة الحرف الأول { ن } مساوياً في الأجر لكلمة كاملة فيها حرفا ” ن ” – عدا عن ” و ” !؟
الجواب : نعم .
فإذا مشيتَ على غير هذا فإنك تجعل قراءة كلمة ” نون ” من سورة الأنبياء بثلاثين حسنة مع جعلك للفظ نفسه وبالنطق نفسه لأول سورة ” القلم ” بعشر حسنات ! وهو ما ليس بظاهر .
فالعبرة إذن بالمثال الذي ذَكره النبي صلى الله عليه وسلم ، والأجر على القراءة للحرف بمعنى الكلمة لا الحرف الهجائي .
خامساً :
فإن قال قائل : يُعكِّر على هذا حديثان :
الأول :
قال الطبراني :
حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الله بن محمد الفهمي قال حدثنا سليمان بن بلال عن أبي عبد العزيز موسى بن عبيدة الربذي عن محمد بن أبي محمد عن عوف بن مالك الأشجعي قال : قال رسول الله : ” مَن قرأ حرفاً مِن القرآن كُتبت له حسنةٌ ، ولا أقول { الم ذلك الكتاب } ولكن الألف حرف ، واللام حرف ، والميم حرف ، والذال حرف ، واللام حرف ، والكاف حرف .
رواه الطبراني في ” المعجم الأوسط ” ( 1 / 101 ) ، وفي ” المعجم الكبير ” ( 18 / 76 ) .
الثاني :
قال البيهقي :
أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن دالويه الدقاق ثنا أحمد بن حفص بن عبد الله حدثني أبي حدثني إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي عن عوف عن مالك الأصمعي أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” مَن قرأ حرفاً مِن القرآن كُتب له بها حسنةٌ ، لا أقول بسم ، ولكن باء ، وسين ، وميم ، ولا أقول { الم } ولكن الألف ، واللام ، والميم ” .
رواه البيهقي في ” شعب الإيمان ” ( 2 / 341 ) .
فالجواب عنهما :
أن الحديث ضعيف ، فيه : موسى بن عبيدة الربذي .
قال على بن المدينى ، عن يحيى بن سعيد القطان : كنا نتقى حديث موسى بن عبيدة تلك الأيام ، ثم قال يحيى : كان بمكة فلم نأته .
وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى : سمعت أحمد بن حنبل يقول : لا تحل عندي الرواية عن موسى بن عبيدة ، قال : فقلت : يا أبا عبد الله لا تحل ؟ قال : عندي ، قلت : فإن سفيان يروي عن موسى بن عبيدة ، و يروي شعبة عنه يقول : حدثنا أبو عبد العزيز الربذي ؟ قال : لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه .
وقال محمد بن إسماعيل الصائغ : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما تحل أو ما تنبغي الرواية عنه ، قلت : مَن يا أبا عبد الله ؟ قال : موسى بن عبيدة الربذى .
وقال أحمد بن الحسن الترمذى : سمعت أحمد بن حنبل يقول : لا تكتب حديث أربعة : موسى بن عبيدة ، و إسحاق بن أبى فروة ، و جويبر ، و عبد الرحمن بن زياد .
وقال البخارى : قال أحمد : منكر الحديث .
وقال أبو طالب : قال أحمد بن حنبل : لما مر حديث موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب ، عن ابن عباس ، قال : هذا متاع موسى بن عبيدة و ضم فمه و عوجه و نفض يده ، وقال : كان لا يحفظ الحديث .
وقال عباس الدوري ، عن يحيى بن معين : لا يحتج بحديثه .
وقال أبو زرعة : ليس بقوى الحديث ، وقال أبو حاتم : منكر الحديث .
وقال الترمذى : يضعف ، وقال النسائى : ضعيف ، وقال في موضع آخر : ليس بثقة ، وقال محمد بن سعد : كان ثقة ، كثير الحديث ، وليس بحجة .
وقال يعقوب بن شيبة : صدوق ، ضعيف الحديث جدّاً ، ومن الناس من لا يكتب حديثه لوهائه ، وضعفه ، وكثرة اختلاطه ، وكان من أهل الصدق .
وقال أبو أحمد بن عدى : وهذه الأحاديث التي ذكرتها لموسى بن عبيدة بأسانيد مختلفة مما ينفرد بها من يرويها عنه ، وعامة متونها غير محفوظة ، و له غير ما ذكرت من الحديث ، والضعف على رواياته بيِّن .
وقال أبو بكر البزار : موسى بن عبيدة رجل مفيد و ليس بالحافظ ، وأحسب أنما قصر به عن حفظ الحديث شغله بالعبادة ، وقال أبو أحمد الحاكم : ليس بالقوى عندهم ، وقال الساجى : منكر الحديث ، و كان رجلا صالحاً ، وكان القطان لا يحدث عنه ، وقد حدث عنه وكيع ، وقال : كان ثقة ، وقد حدث عن عبد الله بن دينار أحاديث لم يتابع عليها .
وذكره البرقي في باب من كان الضعف غالباً في حديثه : وقد تركه بعض أهل العلم ، وقال ابن قانع : فيه ضعف ، وقال ابن حبان : ضعيف .
مختصر من ” تهذيب الكمال ” و ” تهذيب التهذيب ” .
والملاحظ : اتفاق كلمة العلماء – تقريباً – على ضعفه ، ومن قال بأنه ثقة أو صدوق فالمراد أن ذلك في دينه لا في حديثه ، فتأمل ، أو أنه لم يتبين له أمره .
سادساً :
فائدة ( 1 ) :
قال تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } [ الحج / 11 ] .
وحرف هنا بمعنى : شك ، وكل شاك فهو على حرف لا يثبت ولا يدوم .
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال { ومن الناس من يعبد الله على حرف } قال : كان الرجل يقدم المدينة ، فإن ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله قال : هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء . رواه البخاري ( 4465 ) .
فائدة ( 2 )
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
كما كانوا يستعملون الحرف في الاسم فيقولون : هذا حرف غريب ، أي : لفظ الاسم غريب ، وقسَّم سيبويه الكلام إلى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم وفعل ، وكل من هذه الأقسام يسمَّى حرفاً لكن خاصة الثالث أنه حرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل ، وسمَّى حروف الهجاء باسم الحرف وهي أسماء ، ولفظ ” الحرف ” يتناول هذه الأسماء وغيرها ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ” مَن قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات : أما أني لا أقول : { الم } حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ” ، وقد سأل الخليل أصحابَه عن النطق بحرف الزاي من زيد فقالوا : زاي فقال : جئتم بالاسم ، وإنما الحرف ” ز ” .
ثم إن النحاة اصطلحوا على أن هذا المسمَّى في اللغة بالحرف يسمى ” كلمة ” ، وأن لفظ ” الحرف ” يخص لما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل كحروف الجر ونحوها ، وأما ألفاظ حروف الهجاء فيعبر تارة بالحرف عن نفس الحرف من اللفظ وتارة باسم ذلك الحرف ولما غلب هذا الاصطلاح صار يتوهم من اعتاده أنه هكذا في لغة العرب .
” مجموع فتاوى ابن تيمية ” ( 10 / 232، 233 ) .
فائدة ( 3 )
وقال شيخ الإسلام – أيضاً – :
ولفظ الحرف يراد به الاسم والفعل وحروف المعاني واسم حروف الهجاء ، ولهذا سأل الخليل أصحابه : كيف تنطقون بالزاي من زيد ؟ فقالوا : زاي ، فقال : نطقتم بالاسم وإنما الحرف ” زه ” ، فبيَّن الخليل أن هذه التي تسمَّى حروف الهجاء هي أسماء ، وكثيراً ما يوجد في كلام المتقدمين : ” هذا حرف من الغريب ” ، يعبرون بذلك عن الاسم التام ، فقوله صلى الله عليه وسلم : ” فله بكل حرفٍ ” مثَّله بقوله : ” ولكن ألِف حرفٌ ولامٌ حرفٌ وميمٌ حرفٌ ” ، وعلى نهج ذلك : و { ذلك } حرف ، و { الكتاب } حرف ، ونحو ذلك .
وقد قيل : إن ذلك أحرف والكتاب أحرف وروي ذلك مفسَّراً في بعض الطرق .
” مجموع الفتاوى ” ( 12 / 108 ، 109 ) .
قلت : وهذا التفسير في الطرق التي أشار إليها شيخ الإسلام قد بيَّنتُ أنها ضعيفة .
فائدة ( 4 )
وقال ابن مفلح الحنبلي :
واختار الشيخ تقي الدين – [ أي : ابن تيمية ] – أن المراد بالحروف : الكلمة ، سواءً كانت اسماً أو فعلاً أو حرفاً أو اصطلاحاً ، واحتج بالخبر المذكور ، فلولا أن المراد بالحرف الكلمة لا حرف الهجاء : لكان في ” ألف لام ميم ” تسعون حسنة ، والخبر إنما جعل فيها ثلاثين حسنة ، وهذا وإن كان خلافَ المفهوم والمعروف مِن إطلاق الحرف ، فقد استعمله الشارع هنا ، والله أعلم .
” الآداب الشرعيَّة ” ( 2 / 312 ، 313 ) .
والله أعلم
50 فائدة من مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
50 فائدة وقاعدة
من ” مقدمة أصول التفسير “
لشيخ الإسلام ابن تيمية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
فهذا ملخص لما احتوته رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية والمسماة ” مقدمة في أصول التفسير ” من قواعد وفوائد ، وأسأل الله تعالى أن ينفع بها .
وما بين المعكوفين هو من نص كلام شيخ الإسلام ، وما بين القوسين في نص كلامه فهو من بياني وتوضيحي .
1. [ فقد سألني بعضُ الإخوان أن أكتبَ له مقدمةً تتضمن…] .
= قلت : و هذا أحد أسباب التأليف .
مثال آخر« العقيدة الواسطية » فقد كتبها بناء على رغبة أحد قضاة ” واسط ” تكون عمدة له ولأهل بيته.
و السبب الثاني : أن يكون ذلك ابتداء من المصنف بحسب ما يرى حاجة الناس .
مثاله : « الصارم المسلول » لشيخ الإسلام ابن تيمية .
و السبب الثالث: أن يُسأل المؤلف سؤالا فيجيب برسالة أو مصنف .
مثاله : « المنار المنيف » لابن القيم .
و السبب الرابع: أن يكون المؤَلف رداً على مبتدع أو ضال أو مؤَلف ضار للناس .
مثاله « منهاج السنة » لشيخ الإسلام ابن تيمية .
= وقوله [ مقدمة ] : يقال في ضبطها :
أ. بفتح الدال المشددة ، وتعني أن الكاتب قدَّمها على متن الكتاب .
ب. وبكسر الدال المشددة ، وتعني أنها تقدِّم الكتاب .
2. [ فإن الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث و السمين ، و الباطل و الواضح و الحق المبين] .
قلت: مثاله: تفسير الزمخشري « الكشاف » و الثعلبي و الفخر الرازي .
3. [ و العلم إما نقل مصدق عن معصوم ، و إما قول عليه دليل معلوم ، و ما سوى ذلك فإما مزيف مردود ، و إما موقوف لا يُعلَم أنه بهرج – ( مغشوش ) – و لا منقود – ( الجيد من الدراهم) – ] .
قلت : الأول : الحديث الشريف.
و الثاني : أقوال العلماء المستندة إلى دليل.
و ماسوى ذلك: إما ضعيف أو موضوع ، و إما شيء متوقف فيه: لا يقبل و لايرد.
4. [ يجب أن يعلم أن النبي صلى الله عليه و سلم بيَّن لأصحابه معاني القرآن كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى { لتبين للناس ما نزل إليهم } يتناول هذا و هذا ] .
= قلت : و المسألة فيها خلاف ، و الصواب فيها : أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يبيِّن للأمة كل معاني القرآن و لا ترك تبيينه على الإطلاق و إنما بيَّن ما احتاجوا إليه.
= وقلت : أوجه بيان السنَّة للقرآن :
أ. بيان المجمل : كبيانه صلى الله عليه وسلم لمواقيت الصلاة وعدد ركعاتها ، ومقادير الزكاة .
ب. توضيح المشكل : كتوضيحه صلى الله عليه وسلم لما أشكل على عدي بن حاتم في معنى قوله تعالى { حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } وأنه بياض النهار وسواد الليل .
ج. تخصيص العام : كتخصيصه صلى الله عليه وسلم عموم الظلم في قوله تعالى { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } بأنه الشرك .
د. تقييد المطلق : كتقييد مطلق اليد في قوله تعالى { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } بأنها اليد اليمنى وإلى الرسغ .
هـ. بيان معاني بعض الألفاظ : كبيانه صلى الله عليه وسلم معنى { المغضوب عليهم } وأنهم اليهود ، ومعنى { الضالين } وأنهم النصارى .
و. نسخ أحكام القرآن : كنسخ حكم الثيب الزانية من الحبس في البيوت الوارد في قوله تعالى { حتى يتوفاهن الموت } إلى الرجم .
5. [ تدبر القرآن بدون فهم معانيه لا يمكن ] .
قلت: لذلك روي عن ابن عمر أنه قام على حفظ البقرة عدة سنين ، وكان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون العشر آيات حتى يتعلموها و يعملوا بها.
6. [كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جداً ، و إن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة] .
قلت: و السبب في كثرة الخلاف بين التابعين بالنسبة إلى عصر الصحابة:
أ. دخول العجم و العجمة على اللسان العربي.
ب. كثرة الأهواء و الفتن.
7. [ كلما كان العصر أشرف كان الإجتماع والإئتلاف و العلم والبيان فيه أكثر] .
8. [ قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به و لهذا يعتمد على تفسيره: الشافعي و البخاري و غيرهما من أهل العلم و كذلك الإمام أحمد و غيره ممن صنف في التفسير] .
9. [الخلاف بين السلف فى التفسير قليل وخلافهم فى الأحكام أكثر من خلافهم فى التفسير وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع الى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد] .
10. [ خلاف التنوع صنفان: أحدهما أن يعبر كل واحد منهما – أي من المختلفين – عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى فى المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى… كما قيل فى اسم السيف الصارم( بمعنى القاطع ) والمهند( بالنسبةإلى صناعته في الهند )، وذلك مثل أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله صلى الله عليه وسلم وأسماء القرآن.
فان أسماء الله كلها تدل على مسمى واحد فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضادا
لدعائه باسم آخر بل الامر كما قال تعالى : { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } …
الصنف الثانى : أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه
المستمع على النوع… مثل سائل أعجمى سأل عن مسمى لفظ الخبز فأرى رغيفا وقيل له هذا فالاشارة الى نوع هذا لا الى هذا الرغيف وحده.]
قلت: وذكر رحمه الله صنفين آخرين من اختلاف التنوع فقال:
[ 3 – ومن التنازع الموجود عنهم: ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين: إما لكونه مشتركا فى اللفظ – ( اللفظ المشترك : ما اتحد لفظه وتعدد معناه ) – كلفظ { قسورة } الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد ، ولفظ { عسعس } الذي يراد به إقبال الليل وإدباره.
وأما لكونه متواطئا – ( المتواطئ : هو الذي طابق لفظه معناه مثل : إنسان، حجر،… ) – في الأصل ، لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين كالضمائر فى قوله { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } – ( قال بعضهم : الذي دنا هو الله عز وجل ، وقال آخرون : هو جبريل عليه السلام ) – وكلفظ { والفجر } – ( قال بعضهم : هو النهار ، وقال آخرون : هو صلاة الفجر ) – و { والشفع والوتر } – ( قال بعضهم : المخلوق والخالق ، وقال بعضهم : هو العدد ) – وما أشبه ذلك .
فمثل هذا قد يجوز أن يراد به كل المعانى التى قالها السلف وقد لا يجوز ذلك.
4– ومن الأقوال الموجودة عنهم – ويجعلها بعض الناس اختلافا – أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة لا مترادفة… وقلَّ أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدى جميع معناه بل يكون فيه تقريب لمعناه وهذا من أسباب إعجاز القرآن فإذا قال القائل { يوم تمور السماء موراً } إن المور الحركة كان تقريباً ، إذ المور حركة خفيفة سريعة ] .
11. [ وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة – ( و هي بهذا الإعتبار مترادفة ) – وعلى الصفة التى تضمنها الاسم – ( و هي بهذا الإعتبار متباينة ) – كالعليم يدل على الذات والعلم ، والقدير يدل على الذات والقدرة … ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ممن يدعى الظاهر فقوله من جنس قول غلاة الباطنية القرامطة… فإن أولئك القرامطة الباطنية لا ينكرون اسما هو علم محض كالمضمرات وإنما ينكرون ما فى أسمائه الحسنى من صفات الإثبات] .
12. [ لم يقل أحد من علماء المسلمين إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين وإنما غاية ما يقال أنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ] .
13. [ معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية ؛ فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب – ( أي الآية و الحديث) – ] .
14. [وقولهم نزلت هذه الآية فى كذا يراد به تارة أنه سبب النزول ويراد به تارة أن ذلك داخل فى الآية وان لم يكن السبب كما تقول عنى بهذه الآية كذا] .
قلت: فللعلماء ثلاث عبارات في سبب النزول إحداها صريحة و الثانية: ظاهرة و الثالثة: محتملة.
فالظاهرة: قولهم “حصل كذا فنزلت الآية” ، مثاله : ” استشار رسول الله صلى الله عليه و سلم في الأسرى (( بدر)) فأنزل الله { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } “.
و الصريحة: قولهم ” سبب نزول الآية كذا و كذا” ، مثاله : ” سبب نزول آية اللعان كذا و كذا…”.
ج- و المحتملة: قولهم ” نزلت هذه الآية في كذا و كذا” – وهو ما جاء في رسالة شيخ الإسلام – ، مثاله: قوله تعالى { و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } قال أبو أيوب الأنصاري : نزلت فينا معشر الأنصار ، و قال حذيفة: نزلت في النفقة.
15. [ وقد تنازع العلماء فى قول الصاحب نزلت هذه الآية فى كذا هل يجرى مجرى المسند كما يذكر السبب الذى أنزلت لأجله أو يجرى مجرى التفسير منه الذى ليس بمسند فالبخارى يدخله فى المسند وغيره لا يدخله فى المسند وأكثر المساند على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره بخلاف ما اذا ذكر سببا نزلت عقبه فانهم كلهم يدخلون مثل هذا فى المسند] .
16. [ وإذا عرف هذا فقول أحدهم نزلت فى كذا لا ينافى قول الآخر نزلت فى كذا اذا كان اللفظ يتناولهما كما ذكرناه فى التفسير بالمثال] .
17. [ وإذا ذكر أحدهم لها سبباً نزلت لأجله وذكر الآخر سببا فقد يمكن صدقهما بأن تكون نزلت عقب تلك الأسباب].
قلت: مثاله: قوله تعالى { ما كان للنبي و الذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين و لو كانوا أولي قربى } فإنها نزلت بعد وفاة أبي طالب ووعد النبي صلى الله عليه و سلم الاستغفار له.
و نزلت بعد ما استأذن النبي صلى الله عليه و سلم في الاستغفار لأمِّه ، هكذا روى الصحابة رضي الله عنهم.
18. [الترادف في اللغة قليل ، وأما في ألفاظ القرآن : فإما نادر وإما معدوم ] .
قلت : والمراد به الترادف في المعاني ، أما الترادف في الأعيان – كأسماء الأسد والسيف – فكثير .
19. [ والعرب تضمِّن الفعل معنى الفعل وتعديه تعديته ، ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض كما يقولون فى قوله { لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } أي : مع نعاجه… والتحقيق : ما قاله نحاة البصرة من التضمين ، فسؤال النعجة يتضمن جمعها وضمها مع نعاجه] .
20. [والاختلاف قد يكون لخفاء الدليل ، أو لذهول عنه ، وقد يكون لعدم سماعه ، وقد يكون للغلط فى فهم النص ، وقد يكون لاعتقاد معارض راجح ] .
قلت: انظر رسالة شيخ الإسلام « رفع الملام عن الأئمة الأعلام ».
و رسالة الشيخ ابن عثيمين « اختلاف العلماء و موقفنا منه».
21. [ الاختلاف فى التفسير على نوعين: النوع الأول: الخلاف الواقع قي التفسير من جهة النقل ، و أما النوع الثاني من سببي الاختلاف: و هو ما يعلم بالإستدلال لا بالنقل] .
22. [ جنس المنقول سواء كان عن المعصوم أو غير المعصوم – وهذا هو النوع الأول – : منه ما يمكن معرفة الصحيح منه والضعيف ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه.
وهذا القسم الثانى من المنقول وهو ما لا طريق لنا الى جزم بالصدق منه عامته مما لا فائدة فيه فالكلام فيه من فضول الكلام وأما ما يحتاج المسلمون الى معرفته فإن الله نصب على الحق فيه دليلا] .
23. [ فمثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه : اختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف ، وفي البعض الذي ضَرَبَ به موسى من البقرة ، وفي مقدار سفينة نوح وما كان خشبها ، وفي اسم الغلام الذى قتله الخضر ، ونحو ذلك.
فهذه الأمور طريق العلم بها النقل فما كان من هذا منقولا نقلا صحيحا عن النبى صلى الله عليه وسلم كاسم صاحب موسى أنه الخضر فهذا معلوم.
وما لم يكن كذلك، بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب… فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة كما ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا حدَّثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه] .
24. [ فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض وما نقل فى ذلك عن بعض الصحابة نقلا صحيحا فالنفس إليه أسكن مما نقل عن بعض التابعين،
أ. لأن احتمال أن يكون سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم أو من بعض من سمعه منه أقوى.
ب. ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين .] .
25. [ الاختلاف الذي لا يعلم صحيحه ولا تفيد حكاية الأقوال فيه هو كالمعرفة لما يروى من الحديث الذى لا دليل على صحته ] .
26. [ المنقولات التي يُحتاج إليها فى الدين قد نصب الله الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره] .
27. [ المنقول فى التفسير: أكثره كالمنقول فى المغازي والملاحم ، ولهذا قال الإمام أحمد : ثلاثة أمور ليس لها إسناد : التفسير والملاحم والمغازي ] .
28. [ أعلم الناس بالمغازى: أهل المدينة ثم أهل الشام ثم أهل العراق :
فأهل المدينة أعلم بها لأنها كانت عندهم وأهل الشام كانوا أهل غزو وجهاد ] .
29. [ وأما التفسير: فإن أعلم الناس به: أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء بن أبى رباح وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم] .
30. [ و المراسيل إذا تعددت طرقها وخلت عن المواطأة قصداً أو الاتفاق بغير قصد : كانت صحيحة قطعاً ] .
قلت : ويعرِّف بعضُهم المرسل بأنه الإسناد الذي سقط منه الصحابي ، وهو خطأ فلو كان الذي سقط من الإسناد هو صحابي لكان الحديث صحيحاً لعدالة الصحابة وعدم تأثير الجهل به .
والصواب أن المرسل هو ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه من غير واسطة .
31. [ لكن مثل هذا – ( أي : الروايات المرسلة و المتعددة الجهات ) – لا تُضبط به الألفاظ والدقائق التى لا تعلم إلا بهذه الطريق ، بل يَحتاج ذلك إلى طريق يثبت بها مثل تلك الألفاظ والدقائق ] .
32. [ الحديث الطويل إذا روي – مثلا – من وجهين مختلفين من غير مواطأة : امتنع عليه أن يكون غلطا، كما امتنع أن يكون كذبا ؛ فإن الغلط لا يكون فى قصة طويلة متنوعة ، وإنما يكون في بعضها ، فإذا روى هذا قصة طويلة متنوعة ورواها الآخر مثلما رواها الأول من غير مواطأة: امتنع الغلط فى جميعها، كما امتنع الكذب فى جميعها من غير مواطأة ، ولهذا إنما يقع في مثل ذلك غلط فى بعض ما جرى فى القصة ] .
33. [ ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد اذا تلقته الأمة بالقبول تصديقا له – ( إذا كان خبراً ) – أو عملا به – ( إذا كان طلباً ) – أنه يوجب العلم ، وهذا هو الذى ذكره المصنفون فى أصول الفقه من أصحاب أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا فى ذلك طائفة من اهل الكلام انكروا ذلك ، ولكن كثيرا من أهل الكلام أو أكثرهم يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسلف على ذلك ] .
34. [ وإذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجبا للقطع به : فالاعتبار في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث ، كما أن الاعتبار فى الإجماع على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر والنهى والإباحة ] .
35. [ وطرف ممن يدعى اتباع الحديث والعمل به كلما وجد لفظاً في حديث قد رواه ثقة أو رأى حديثاً بإسناد ظاهره الصحة يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة أو يجعله دليلا له في مسائل العلم مع أن أهل العلم بالحديث يعرفون أن مثل هذا غلط ] .
36. [ وكما أن على الحديث أدلة يعلم بها أنه صدق، وقد يقطع بذلك ، فعليه أدلة يعلم بها أنه كذب ويقطع بذلك ] .
37. [ وفي التفسير من هذه الموضوعات قطعة كبيرة، مثل الحديث الذى يرويه الثعلبى والواحدى والزمخشرى فى فضائل سور القرآن سورة سورة فإنه موضوع باتفاق أهل العلم ] .
38. [ الثعلبي – ( وهو : أحمد بن إبراهيم النيسابوري ت 427هـ ) – هو في نفسه كان فيه خير ودين وكان حاطب ليل ينقل ما وجد فى كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع.
و الواحدي – ( وهو : علي بن أحمد النيسابوري ت 468 هـ ) – صاحبه كان أبصر منه بالعربية، لكن هو أبعد عن السلامة واتباع السلف.
والبغوي – ( وهو : الحسين بن مسعود الفراء ت 510 هـ ) – تفسيره مختصر من الثعلبي، لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة ] .
39. [ وأما النوع الثانى من سببي الاختلاف – وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل – فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثنا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم باحسان…
أحدهما: قوم اعتقدوا معانى ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها – ( مثل من يعتقد نفي الصفات ثم يستدل بقوله تعالى: { ليس كمثله شيء } ، أو يعتقد جواز التوسل البدعي ثم يستدل بقوله تعالى : { وابتغوا إليه الوسيلة } ) – .
و الثاني: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده مَن كان مِن الناطقين بلغة العرب بكلامه من غير نظر الى المتكلم بالقرآن – ( و هو الله عز و جل ) – والمنزل عليه – ( و هو النبي صلى الله عليه و سلم ) – والمخاطَب به – ( و هم المرسل إليهم ) – .
فالأولون: راعوا المعنى الذى رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان.
و الآخرون: راعَوا مجرد اللفظ ، وما يجوز أن يريد به عندهم العربى من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم وسياق الكلام ] .
40. [ والأولون صنفان : تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به.
وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به ] .
41. [ أصول المعتزلة خمسة يسمُّونها هم: التوحيد – ( و هو نفي الصفات و نفي رؤية الله يوم القيامة ، و أن القرآن مخلوق… ) – و العدل – ( و هو عدم خلق الله لأفعال العباد لا خيرها و لا شرها ، و أن الله ما أراد إلا ما أمر به شرعا ، و ما سوى ذلك فإنه يكون بغير مشيئة ) – ، و المنزلة بين المنزلتين – ( و هي منزلة اخترعوها لمرتكب الكبيرة فلا هو مؤمن و لا هو كافر، و إن كان حكمه في الآخرة عندهم : الخلود في النار!!) – و إنفاذ الوعيد – ( كل ما توعد الله به أصحاب الكبائر فإنه نافذ و لا بد) – و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر – ( و هو الخروج على ولاة الأمر) – ] .
42. [ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة، فصيحا، ويدس البدع فى كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون كصاحب « الكشاف » ونحوه ، حتى إنه يروج على خلق كثير ممن لا يعتقد الباطل من تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله ، وقد رأيت من العلماء المفسرين وغيرهم من يذكر فى كتابه وكلامه من تفسيرهم ما يوافق أصولهم التى يعلم، أو يعتقد فسادها ولا يهتدى لذلك] .
43. [و تفسير ابن عطية وأمثاله: أتبع للسنة والجماعة وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشرى ولو ذكر كلام السلف الموجود فى التفاسير المأثورة عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل ] .
قلت : ابن عطية هو عبد الحق بن عطية الأندلسي الغرناطي ، توفي 546 هـ ، وتفسيره هو ” تفسير ابن عطية ” أو ” المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز” ، وهو مطبوع إلى سورة ” الأنفال ” .
44. [ تفسير ابن جرير الطبرى وهو من أجلِّ التفاسير وأعظمها قدراً ] .
قلت : هو محمد بن جرير الطبري ، توفي 310 هـ ، وكتابه هو ” جامع البيان في تفسير القرآن ” .
45. [ من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا فى ذلك بل مبتدعا وإن كان مجتهداً مغفوراً له خطؤه ].
= قلت : ومن مميزات التفسير في عصر الصحابة :
أ. لم يُفسَّر القرآن كله ، إنما فسِّر بعض منه وهو ما غمض فهمه .
ب. قلة الاختلاف بينهم في فهم معانيه .
ج. ندرة الاستنباط العلمي للأحكام الفقهية وعدم وجود الانتصار للمذاهب الدينية فليس عنهم أهواء وعقائد ضالة .
د. لم يُدوَّن شيء من التفسير في هذا العصر .
هـ. اتخذ التفسير في هذه المرحلة شكل الحديث من حيث الرواية .
= قلت : أدوات الاجتهاد في التفسير عند الصحابة :
أ. معرفة أوضاع اللغة وأسرارها .
ب. معرفة عادات العرب وأحوال اليهود والنصارى .
ج. قوة الفهم وسعة الإدراك .
د. معرفتهم أسباب النزول .
= قلت : من أسباب نبوغ عبد الله بن عباس في التفسير :
أ. دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالعلم بالتأويل .
ب. نشأته في بيت النبوة وملازمته للرسول صلى الله عليه وسلم .
ج. ملازمته لأكابر الصحابة رضي الله عنهم .
د. علمه باللغة العربية .
46. [ و المقصود هنا: التنبيه على مثار الاختلاف فى التفسير، وإن من أعظم أسبابه: البدع الباطلة التى دعت أهلها الى أن حرفوا الكلم عن مواضعه، وفسروا كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بغير ما أريد به، وتأولوه على غير تأويله ] .
47. [ إن أصح الطرق فى تفسير القرآن:
أ- أن يُفسر القرآن بالقرآن ، فما أُجمل في مكان فإنه قد فسر فى موضع آخر ، وما اختصر من مكان فقد بسط فى موضع آخر.
ب- فإن أعياك ذلك فعليك بالسنَّة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له.
ج- وحينئذ إذا لم نجد التفسير فى القرآن ولا في السنَّة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال التى اختصوا بها ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح.
د- إذا لم تجد التفسير فى القرآن ولا فى السنة ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة فى ذلك إلى أقوال التابعين ] .
48. [ الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد] .
49. [فإنها على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق ، فذاك صحيح.
والثانى: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه وتجوز حكايته وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود الى أمر ديني ] .
50. [أحسن ما يكون فى حكاية الخلاف أن تُستوعب الأقوال في ذلك المقام ، وأن ينبه على الصحيح منها ويبطل الباطل ، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته فيشتغل به عن الأهم ، فأما من حكى خلافا فى مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص ؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضا ، فإن صحح غير الصحيح عامداً فقد تعمد الكذب ، أو جاهلا فقد أخطأ ] .
للمزيد من الشرح يراجع ما استفدنا منه :
أ. ” شرح الرسالة ” للشيخ محمد الصالح بن عثيمين .
ب. ” بحوث في أصول التفسير ” للشيخ محمد بن لطفي الصبَّاغ .
ج. ” التفسير والمفسرون ” للدكتور الذهبي .
وكتب علوم القرآن ، ومقدمة ” أضواء البيان ” للشنقيطي رحمه الله .
وقد تمَّ شرح هذه الرسالة المباركة مراراً ، آخرها للإخوة في غرفة ” حامل المسك ” – في البال توك – وفقهم الله .
مع الشكر للذي طبعها ونسَّقها ونشرها .
وكتبه
أبو طارق
إحسان بن محمد بن عايش العتيـبي
وقفات مع كتاب في ظلال القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
فهذه حلقة جديدة من الوقفات مع بعض الكتب المشهورة ليعلم المسلم ما فيها من خطأ فيجتنبه ويذهب كدرها ويصفو له ماؤها قيشرب آمنا مطمئنا ، وإن غلب شرها على خيرها فليطرحه ولا يجازف فلعله يسقط وهو لا يدري.
وكتاب “الظلال” هو للأستاذ سيد قطب رحمه الله ، وأسأل الله أن يكون من الشهداء . لكن الحق أحب إلى أنفسنا من أهلنا . وعلى كل من أحب هذا الأستاذ أن يشارك في تنقيح كتبه ، حتى لا تزيد الآثام ويضل الناس بكلمة منه ، وأخص بالذكر هنا أخاه الأستاذ محمد قطب حفظه الله ، والذي يرفض إلى الآن أي تعديل على كتب أخيه ، وكأنها قرآن مُنزل!!
ولا داعي للمزايدات على الأستاذ ، ولعلي لا أرد على أحد رد على هذا المقال ،إلا من رأيت منه الصدق في البحث عن الحق والصواب ، ولا أدعي هذا لنفسي لكن بالبحث والنقاش تتضح الأمور ويزول الغبش والذهول.
أما “الظلال” للأستاذ سيد قطب رحمه الله: فليس من كتب “التفسير” أصلاً – كما صرّح هو في مقدمة كتابه – وفيه من الملاحظات الشيء الكثيرُ -وقد ذكرتُ هنا أمثلة من “الجزء الأول والثاني فقط” وهما كالمثال لبقية الكتاب- ومنها:
1. إنكارُه حديثَ الآحادِ في العقيدة، وعليه فقد ردَّ بعض الأحاديث الصحيحة في هذا مثل ما جاء في سحرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري ومسلم.
2. الإكثار من الأحاديث الضعيفة والموضوعة مثل حديث “في المال حق سوى الزكاة” فقد رواه الترمذي، وضعفه (3/48). “الظلال” (1/231).
3. تأويله لبعضِ الصفات كصفة الاستواء التي قال عنها إنَّها [رمز السيطرة]. أ.ه ”الظلال” (1/54). ومثله صفة العلو والفوقية. “الظلال” (2/1122).
4. مخالفتُه بعضَ الأحاديث الصحيحة، وظاهر الآيات كقوله عن “مسخ اليهود قردة وخنازير” [ وليس من الضروري أنْ يستحيلوا قردة بأجسامهم فقد استحالوا إليها بأرواحهم وأفكارهم] (1/77) ومثل قوله عن قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ الله مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [ البقرة/243] قال [كيف، هل بَعَثَهم مِن موت وردَّ عليهم الحياة؟ هل… لم يَرِدْ عنه تفصيلٌ فلا ضرورة لأن نذهب وراءه في التأويل لئلا نتيه في أساطيرَ لا سندَ لها!.] (1/264).
5. مخالفةُ المفسرين قاطبةً أو إحداثُ رأيٍ في سببِ نزولٍ ليس له دليلٌ. كقوله في قوله تعالى{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ الله أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [ البقرة/114] أنها في [ تحويل القبلة وسعي اليهود لصدِّ المسلمين عن التوجه إلى الكعبة ] “الظلال” (1/104-111). ومثله (4/1915) قوله عن عذاب قومِ لوطٍ بالحجارة إنها [ انفجار بركاني].
6. نفيُ علوِّ الذات لله تعالى بعبارات أشعريَّةٍ اعتزاليَّةٍ كما أشار بقوله عن “الله” تعالى [ الذي لا يتميز في مكان ] (1/128).
7. تغييرُ بعضِ الألفاظ الشرعيَّةِ إلى ألفاظٍ غيرِ شرعيَّةٍ كتسميته “الزكاة” ضريبة (1/161). وتسميتُه الأحكامَ الشرعيَّةَ “القانون” (1/257).
8. كلامُه في ” الفقه” بغيرِ وجهٍ سديدٍ، أو نَقْلُ “إجماع” وليس كذلك. كما قال [فالعمرة ليست فريضةً عند الجميع] (1/194) وقد قال بوجوبها الشافعي في الجديد والإمام أحمد رحمهما الله. انظر “مجموع الفتاوى” (26/5).
وقوله (1/255) عن “المرأة” [ ولها أن تُزوِّجَ نفسَها ممن ترضى ] وهو باطل فقد قال صلى الله عليه وسلم ” أيما امرأة نكحتْ نفسَها بغير إذنِ وليِّها فنكاحها باطلٌ فنكاحها باطلٌ فنكاحها باطلٌ” -رواه أحمد (6/47).الترمذي (3/408). أبو داود (2/229).ابن ماجه (1/605).وحسّنه الترمذي، وصححه شيخنا الألباني في “الإرواء” (6/243)-
وقوله عمَّن استنصر بالكفار إنَّه [خارجٌ مِن الإسلام] (1/385) وهذا من الغلو. والاستنصار بالكفار عظيمٌ وهو من الكبائر، لكن لا يَكفرُ فاعلُه دون الاستفصال.
9. الوَهَمُ والتخليط في رواة الأحاديث. كقوله (1/578) [ روى البخاري بإسناده أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم “اخترْ مِنْهُنَّ أَرْبَعاً”] والحديث إنَّما رواه أحمد (2/44) والترمذي (3/436) وابن ماجه (1/628). وصحَّحه شيخُنا “الألباني” في “الإرواء” (6/291).
10. مخالفةُ اعتقادِ أهلِ السنَّةِ في “حقِّ الأنبياء” كما فعل عند قوله تعالى {وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء/164] قال [ فلا نعلم إلا أنَّه كان كلاماً، ولكن ما طبيعته؟ كيف تم؟ بأيَّةِ حاسَّةٍ أو قوَّةٍ كان موسى يتلقَّاه؟ كلُّ ذلك غيبٌ لم يحدِّثْنا عنه القرآنُ وليس وراء القرآنِ في هذا الباب إلا أساطير لا تستند إلى برهانٍ] (2/805). قلت: وهو يدلُّ على قلة علمه بعقيدةِ أهلِ السنَّةِ، وتناقضِه، فما كان هو الظاهر من القرآن، أو جاء في أحاديثَ صحيحةٍ، قال إنَّها خزعبلات وأساطير وأحاديث آحاد. وما لم يثبت في الشرع أو لم يقله السلف فهو عنده صحيحٌ، ويعتقده! سبحان الله! .
11. التهاونُ مع أهلِ الكتاب حيث قال عند قوله تعالى {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}… : [ إنما يشملهم – (أي: الإسلام) – بجوٍّ من المشاركة الاجتماعيَّة والمودة! والمجاملة والخلطة ] (2/848). وهذا خلاف قوله تعالى {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ} [المجادلة/22] .
وانظر في الردِّ على “الظلال”: “المورد الزلال في التنبيه على أخطاء الظلال” للشيخ عبد الله درويش رحمه الله – ومنه استفدت ما سبق-. و “المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات” للشيخ محمد المغراوي. و “العواصم مما كتب سيد قطب من القواصم” للدكتور ربيع بن هادي المدخلي .
الشيخ بلعام
قال تعالى: { وَاتْلُ عَلَيْهِم نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ وَاتـَّــبَعَ هَوَاهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذيِنَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ سَاءَ مَثَلاً القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ } [الأعراف/175-176-177].
قال ابن القيم رحمه الله: فشبَّه سبحانه مَن آتاه كتابه وعلَّمه العلمَ الذي منعه غيرَه فترك العمل به واتَّبع هواه وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوق على الخالق بالكلب الذي هو مِن أخبث الحيوانات وأوضعها قدراً، وأخسِّها نفساً، وهمَّته لا تتعدى بطنه، وأشدها شرهاً وحرصاً، ومِن حرصه أنَّه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض يتشمَّم ويستروح حرصاً وشرهاً. ولا يزال يَشُمُّ دبره دون سائر أجزائه، وإذا رميتَ إليه بحجرٍ رجع إليه ليعضه من فرط نهمته، وهو مِن أمهن الحيوانات وأحملها للهوان وأرضاها بالدنايا. والجيفُ القذرة المروحة أحبُّ إليه مِن اللحم الطري. والعذرة أحبُّ إليه مِن الحلوى وإذا ظفر بميتةٍ تكفي مائةَ كلـبٍ لم يَدَع كلباً واحداً يتناول منها شيئاً إلاّ هرَّ عليه وقهره لحرصه وبخله وشَرَهِه.
ومِن عجيبِ أمره وحرصه أنَّه إذا رأى ذا هيئةٍ رثةٍ وثيابٍ دنيَّةٍ وحالٍ زرِيَّةٍ نبحه وحمل عليه، كأنَّه يتصور مشاركتَه له ومنازعتَه في قُوتِه. وإذا رأى ذا هيئةٍ حسنةٍ وثيابٍ جميلةٍ ورياسةٍ وضع له خطمه بالأرض، وخضع له ولم يرفع إليه رأسه.
وفي تشبيه مَن آثر الدنيا وعاجلها على اللهِ والدارِ الآخرةِ مع وفور علمه بالكلب في حال لهثه سِرٌّ بديعٌ، وهو أنَّ هذا الذي حاله ما ذكره الله مِن انسلاخه مِن آياته واتباعه هواه إنما كان لشدة لـهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة فهو شديد اللهف عليها، ولـهفه نظير لـهف الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه. واللهف واللهث شقيقان وأخوان في اللفظ والمعنى.
قال ابن جريج: الكلبُ منقطعُ الفؤاد، لا فؤاد له، إنْ تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث فهو مثل الذي يترك الهُدى، لا فؤاد له، إنما فؤاده منقطعٌ.
قلت: مراده بانقطاع فؤاده أنَّه ليس له فؤادٌ يحمله على الصبر عن الدنيا وترك اللهف عليها فهذا يلهف على الدنيا مِن قلة صبره عنها،وهذا يلهث مِن قلة صبره عن الماء، فالكلب مِن أقل الحيوانات صبراً عن الماء، وإذ عطش أكل الثرى من العطش، وإنْ كان فيه صبرٌ على الجوع.
وعلى كلِّ حالٍ فهو مِن أشدِّ الحيوانات لـهثاً، يلهث قائماً وقاعداً وماشياً وواقفاً، وذلك لشدَّة حرصه، فحرارةُ الحرصِ في كبده توجبُ له دوام اللهث.
فهكذا مشبَّهه شدةُ الحرص وحرارةُ الشهوة في قلبه توجب له دوام اللهث، فإنْ حملتَ عليه بالموعظة والنصيحة فهو يلهث، وإن تركتَه ولم تعظْه فهو يلهث.
قال مجاهد: ذلك مثَل الذي أوتي الكتاب ولم يعمل به. وقال ابن عباس: إنْ تحمل عليه الحكمة لم يحملْها، وإن تتركْه لم يهتدِ إلى خيرٍ، كالكلب إنْ كان رابضاً لهث، وإنْ طرد لهث.
وقال الحسن: هو المنافق لا يثبت على الحقِّ، دُعي أو لم يُدْع، وُعظ أو لم يُوعظ، كالكلب يلهث طرداً وتركاً.
وقال عطاء: ينبح إنْ حملتَ عليه أو لم تحمل عليه.
وقال أبو محمد بن قتيبة: كلُّ شيءٍ يلهثُ فإنما يلهثُ مِن إعياءٍ أو عطشٍ إلا الكلب، فإنَّه يلهث في حالِ الكلال وحالِ الراحة وحالِ الصحة وحالِ المرض والعطش فضربه الله مثلاً لمن كذَّب بآياته، وقال: إنْ وعَظْتَه فهو ضالٌّ، وإن ترَكْتَه فهو ضالٌّ، كالكلب إنْ طردتَّهُ لهث وإنْ تركْتَه على حاله لهث ونظيره قوله سبحانه: { وَإِنْ تَدْعُوهُم إِلى الهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُم سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُم أَمْ أَنْتُم صَامِتُونَ } [الأعراف/193].
وتأمَّلْ ما في هذا المثل مِن الحِكم والمعاني:
– فمنها: قوله: { آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا } فأخبر سبحانه أنَّه هو الذي آتاه آياته، فإنَّها نعمةٌ، والله هو الذي أنعم بـها عليه، فأضافها إلى نفسه، ثم قال: { فَانْسَلَخَ مِنْهَا } أي: خرج منها كما تنسلخ الحيَّةُ مِن جلدها، وفارقها فراق الجلد يُسلخ عن اللحم. ولم يقل (فسلخناه منها) لأنَّه هو الذي تسبب إلى انسلاخه منها باتباعه هواه.
– ومنها: قوله سبحانه: { فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَان } أي: لحقه وأدركه، كما قال في قوم فرعون: { فَأَتْبَعُوهُم مُشْرِقِينَ } [الشعراء/60] وكان محفوظاً محروساً بآيات الله محميَّ الجانب بـها من الشيطان لا ينـال منه شيئاً إلا على غِرَّةٍ وخطفة. فلمَّا انسلخ مِن آيات الله ظفِر به الشيطانُ ظفَر الأسد بفريسته {فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ} العاملين بخلاف علمهم الذين يعرفون الحق ويعملون بخلافه كعلماء السوء.
– ومنها: أنَّه سبحانه قال: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } فأخبر سبحانه أنَّ الرفعة عنده ليست بمجرد العلم – فإنَّ هذا كان مِن العلماء- وإنَّما هي باتباع الحق وإيثاره وقصد مرضاة الله، فإنَّ هذا كان مِن أعلم أهل زمانه، ولم يرفعه الله بعلمه ولم ينفعه به، نعوذ بالله مِن علمٍ لا ينفع.
وأخبر سبحانه أنَّه هو الذي يرفع عبدَه إذا شاء بما آتاه من العلم، وإنْ لم يرفعه الله فهو موضوعٌ، لا يرفعُ أحدٌ به رأساً، فإنَّ الربَّ الخافضَ الرافعَ سبحانه خفضه ولم يرفعه. والمعنى: لو شئنا فضَّلناه وشرَّفْناه ورفعنا قدرَه ومنـزلته بالآيات التي آتيناه.
قال ابن عباس: لو شئنا لرفعناه بعلمه.
وقالت طائفة: الضمير في قوله: {لَرَفَعْنَاهُ } : عائدٌ على الكفر والمعنى: لو شئنا لرفعنا عنه الكفر بالإيمان وعصمناه.
وهذا المعنى حقٌّ ، والأول هو مراد الآية، وهذا مِن لوازم المراد ، وقد تقدم أنَّ السلف كثيراً ما ينبهون على لازمِ معنى الآية، فيظنُّ الظانُّ أنَّ ذلك هو المراد منها.
وقوله: { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ }. قال سعيد بن جبير: ركن إلى الأرض، وقال مجاهد: سكن. وقال مقاتل: رضي بالدنيا. وقال أبو عبيدة: لزمها وأبطأ.
والمـُخلِدُ من الرجال: هو الذي يبطىء في مِشْيته، ومِن الدواب: التي تبقى ثناياه إلى أنْ تخرج رَباعيَّتُه. وقال الزجاج: خلد وأخلد، وأصله من الخلود، وهو الدوام والبقاء. يقال: أخلد فلان بالمكان إذا أقام به. قال مالك بن نويرة:
بأبناء حيٍّ مِن قبائل مالك وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا
قلت: ومنه قوله تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِم وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} [الواقعة/17] أي: قد خُلقوا للبقاء لذلك لا يتغيرون ولا يكبرون، وهم على سنٍّ واحدٍ أبداً.
وقيل: هم المقرَّطون في آذانهم، والمسوَّرون في أيديهم. وأصحاب هذا القول فسَّروا اللفظة ببعض لوازمها، وذلك أمارة التخليد على ذلك السنِّ فلا تنافي بين القولين.
وقوله: { فَاتَّبَعَ هَوَاهُ }، قال الكلبي: اتَّبع مسافل الأمور وترك معاليها. وقال أبو رَوْق: اختار الدنيا على الآخرة. وقال عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه. وقال ابن زيد: كان هواه مع القوم، يعني الذين حاربوا موسى وقومه. وقال ابن يمان: اتَّبع امرأته لأنهَّا هي التي حملته على ما فعل.
فإنْ قيل: الاستدراك بـ (لكن) يقتضي أنْ يثبت بعدها ما نفى قبله، أو ينفي ما أثبت كما تقول: (لو شئتُ لأعطيتُه، لكني لم أعطِه) و (لو شئتُ لما فعلتُ كذا لكني فعلتُه).
والاستدراك يقتضي: (ولو شئنا لرفعناه بـها ولكنَّا لم نشأ، أو لم نرفعه)، فكيف استدرك بقوله: { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ } بعد قوله : { لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا }؟
قيل: هذا مِن الكلام الملحوظ فيه جانب المعنى، المعدول فيه عن مراعاة الألفاظ إلى المعاني وذلك أنَّ مضمون قوله: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } أنَّه لم يتعاط الأسباب التي تقتضي رفعه بالآيات: مِن إيثار الله ومرضاته على هواه، ولكنَّه آثر الدنيا وأخلدَ إلى الأرض واتَّبع هواه.
وقال الزمخشري: المعنى: ولو لزم آياتنا لرفعناه بـها، فذكر المشيئة، والمراد: ما هي تابعةٌ له ومسببةٌ عنه، كأنَّه قيل: ولو لزمها لرفعناه بـها. قال: ألا ترى إلى قوله: { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ } فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله، فوجب أنْ يكون { وَلَوْ شِئْنَا } في معنى ما هو فعله، ولو كان الكلام على ظاهره: لوجب أنْ يقال: ولو شئنا لرفعناه، ولكنَّا لم نشأ. ا.هـ.
فهذا من الزمخشري شنشنةٌ نعرفها مِن قدريٍّ نافٍ للمشيئة العامة، مبعد للنُّجعة في جعْلِ كلام الله معتزليّاً قدريّاً. فأين قوله: { وَلَوْ شِئْنَا } مِن قوله: ولو لزمها؟. ثم إذا كان اللزوم لها موقوفاً على مشيئة الله -وهو الحق- بَطَل أصله.
وقوله: (إنَّ مشيئة الله تابعةٌ للزوم الآيات) مِن أفسدِ الكلام وأبطلِه، بل لزومه لآياته تابعٌ لمشيئة الله، فمشيئةُ الله سبحانه متبوعةٌ لا تابعةٌ، وسببٌ لا مسبَّب، وموجب مقتضٍ لا مقتضى، فما شاء الله وجب وجوده، وما لم يشأ امتنع وجوده) ا.هـ .
انظر : ” أعلام الموقعين ” [1/165-169]. وانظر: ” الفوائد ” [ص150].
وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله:
ضرب اللهُ المثلَ لهذا الخسيس الذي آتاه آياته فانسلخ منها: بالكلب، ولم تكن حقارةُ الكلبِ مانعةً مِن ضربه تعالى المثلَ به. وكذلك ضربُ المثلِ بالذباب في قوله: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَ يَسْتَـنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ } [الحج/73] ، وكذلك ضربُ المثلِ ببيتِ العنكبوت في قوله: { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً، وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [العنكبوت/41]. وكذلك ضربُ الله المثلَ بالحمارِ في قوله: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةِ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ } [الجمعة/5] وهذه الآيات تدل على أنَّه تعالى لا يستحيي مِن بيانِ العلوم النفيسة عن طريق ضرب الأمثال بالأشياء الحقيرة. وقد صرَّح بهذا المدلول في قوله: { إنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحِيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } [البقرة/26]. ا.هـ (أضواء البيان [2/303]).
التوبة من الشرك والذنوب في آيتين وبيان معناهما
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أولاً : يتوهم بعض الناس في آيات الله تعالى المعارضة ، ويظن بعضهم أن بين آياته تعالى تناقضاً ، ومما وقع قديماً وحديثاً : ظن بعضهم التعارض بين قوله تعالى { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [ النساء / 48 ، 116 ] مع قوله تعالى {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ الزمر / 53 ] !
والواضح البيِّن أن لا تعارض بينهما ، وبيانه :
أن الآية الأولى إنما هي في حكم الآخرة وفي حق من لقي الله تعالى بشركٍ لم يتحول عنه إلى إسلام ، وبمعصية لم يتطهر منها .
فالأول : وهو المشرك : كتب الله تعالى على نفسه أنه لا يغفر له البتة .
والثاني : وهو صاحب المعصية الذي لم يتطهر منها : إنما هو في مشيئة الله تعالى إن شاء غفر له ، وإن شاء عذَّبه .
وأما الآية الثانية : فهي في حكم الدنيا ، وهي بشرى من الله لعباده العاصين ، بل والمشركين أنه تعالى يقبل توبتهم جميعاً في حال تطهرهم منها .
فليست الآية الأولى على ما يتوهمه بعضهم من أنها تشمل الدنيا لأن في ذلك إبطالا لنصوص القرآن والسنة واتفاق المسلمين أن من تاب : تاب الله عليه ، وقد قبل الله تعالى توبة المشركين من شركهم والكافرين من كفرهم ، ومن قال هذا فقد قال بقول سلفه من المعتزلة !
وليست الآية الثانية في الآخرة ؛ لأن في ذلك إبطالاً لنصوص الوعيد من القرآن والسنة فضلا عن اتفاق سلف هذه الأمة أنه لا مغفرة لمشرك يوم القيامة لم يتب من شركه ، وفيها إبطال لعقيدة المسلمين أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة أو مؤمنة ، فضلا عن اتفاق المسلمين على هذا خلافاً لمن جهل ساء فهمه – كما قال ابن القيم – فظن أنها عامة في الدنيا والآخرة .
ويؤيد ذلك : الكتاب والسنَّة :
أما الكتاب ففي آيات كثيرة ، منها :
1. قوله تعالى : { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً . إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً } [ الفرقان / 68 – 70 ] .
وهي واضحة الدلالة على مغفرة الله تعالى للذنوب جميعاً – ولو كانت شركاً – بل إن فيها بياناً لفضل عظيم وهو تبديل السيئات حسنات .
ومن دعا مع الله إلها آخر فلم يتب منه ، ولقي الله به : فله نصيب الآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به } .
2. قوله تعالى – على قول – {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } [ النساء / 137 ] .
ويؤيد الأول والثاني أحاديث من السنة كثيرة :
1. ” ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً لقيته بمثلها مغفرة ” .
رواه مسلم ( 2687 ) .
2. عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الدواوين عند الله عز وجل ثلاثة : ديوان لا يعبأ الله به شيئاً ، وديوان لا يترك الله منه شيئاً ، وديوان لا يغفره الله ، فأما الديوان الذي لا يغفره الله : فالشرك بالله قال الله عز وجل { إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة } ، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً : فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها ؛ فإن الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء ، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضاً ، القصاص لا محالة .
رواه أحمد ( 43 / 155 ) والحاكم ( 4 / 185 ) و ( 4 / 619 ) .
وفيه : صدقة بن موسى ، ضعفه يحي بن معين والنسائي ، ولذا ردَّ الإمام الذهبي على الحاكم تصحيح الحديث بقوله : صدقة : ضعفوه ، وابن بابنوس فيه جهالة .
قلت : لكن ابن بابنوس وثقه ابن حبان ، وقال ابن عدي : أحاديثه مشاهير ، وقال الدارقطني : لا بأس به .
انظر ” الثقات ” لابن حبان ( 5 / 548 ) ، ” سؤالات البرقاني ” ( ص 72 ) ، ” الكامل في ضعفاء الرجال ” ( 7 / 278 ) .
وله شاهد :
عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفره الله ، وظلم يغفره ، وظلم لا يتركه الله ، فأما الظلم الذي لا يغفره الله : فالشرك قال الله { إن الشرك لظلم عظيم } ، وأما الظلم الذي يغفره الله : فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم ، وأما الظلم الذي لا يتركه الله : فظلم العباد بعضهم بعضاً حتى يدين لبعضهم من بعض .
قال الهيثمي : رواه البزار عن شيخه أحمد بن مالك القشيري ولم أعرفه وبقية رجاله قد وثقوا على ضعفهم .
” مجمع الزوائد ” ( 10 / 348 ) .
قلت : ولعل الحديث أن يكون حسناً بمجموع الطريقين .
ثانياً : أقوال المفسرين والعلماء :
1. قال الطبري :
القول في تأويل قوله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً } :
يعني بذلك جل ثناؤه : إن الله لا يغفر لـ ” طعمة ” – رجل من المشركين – إذ أشرك ومات على شركه بالله !! ولا لغيره من خلقه بشركهم وكفرهم به .
{ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } يقول : ويغفر ما دون الشرك بالله من الذنوب لمن يشاء ، يعني بذلك جل ثناؤه : أن ” طعمة ” لولا أنه أشرك بالله ومات على شركه ! لكان في مشيئة الله على ما سلف من خيانته ومعصيته وكان إلى الله أمره في عذابه والعفو عنه ، وكذلك حكم كل من اجترم جرماً فإلى الله أمره إلا أن يكون جرمه شركاً بالله وكفراً ! فإنه ممن حتم ! عليه أنه من أهل النار إذا مات على شركه ! فإذا مات على شركه : فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار . ” التفسير ” ( 5 / 278 ) .
وقال :
وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركاً بالله . ” التفسير ” ( 5 / 126 ) .
وقال الطبري :
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال عنى تعالى ذكره بذلك جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك ! لأن الله عمَّ بقوله { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } جميع ! المسرفين فلم يخصِّص به مسرفاً دون مسرف .
فإن قال قائل : فيغفر الله الشرك ؟
قيل :نعم ، إذا تاب منه المشرك !
وإنما عنى بقوله { إن الله يغفر الذنوب جميعاً } لمن يشاء ، كما قد ذكرنا قبل أن ابن مسعود كان يقرؤه ، وأن الله قد استثنى منه الشرك إذا لم يتب منه صاحبه ، فقال : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فأخبر أنه لا يغفر الشرك إلا بعد توبة بقوله { إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً } فأما ما عداه : فإن صاحبه في مشيئة ربه إن شاء تفضَّل عليه فعفا له عنه ، وإن شاء عدل عليه فجازاه به .
” التفسير ” ( 24 / 16 ، 17 ) .
2. وقال ابن الجوزي :
والمراد من الآية : لا يغفر لمشركٍ مات على شركه ! وفي قوله { لمن يشاء } نعمة عظيمة من وجهين :
أحدهما : أنها تقتضي أن كل ميت على ذنب دون الشرك لا يُقطع عليه بالعذاب وإن مات مصرّاً .
والثاني : أن تعليقه بالمشيئة فيه نفع للمسلمين ، وهو أن يكونوا على خوف وطمع . ” زاد المسير ” ( 2 / 103 ، 104 ) .
3. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :
فصل
في قوله تعالى { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم . و أنيبوا إلى ربكم وأسلموا له } :
وقد ذكرنا في غير موضع أن هذه الآية في حق التائبين !! وأما آيتا النساء : قوله { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فلا يجوز ! أن تكون في حق التائبين كما يقوله من يقوله من المعتزلة !! فإن التائب من الشرك يغفر له الشرك أيضاً بنصوص القرآن واتفاق المسلمين ، وهذه الآية فيها تخصيص وتقييد وتلك الآية فيها تعميم وإطلاق ، هذه خص فيها الشرك بأنه لا يغفره ، وما عداه لم يجزم بمغفرته بل علَّقه بالمشيئة فقال : { و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء } …
والمقصود هنا أن قوله { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً } فيه نهي عن القنوط من رحمة الله تعالى وإن عظمت الذنوب وكثرت فلا يحل لأحد أن يقنط من رحمة الله وإن عظمت ذنوبه ولا أن يقنط الناس من رحمة الله .
قال بعض السلف : إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله ولا يجريهم على معاصي الله ….
فإن قيل : قوله { إن الله يغفر الذنوب جميعاً } معه عموم على وجه الإخبار فدل أن الله يغفر كل ذنب ، ومعلوم أنه لم يرد أن من أذنب من كافرٍ وغيره فإنه يغفر له ولا يعذبه لا في الدنيا ولا في الآخرة ؛ فإن هذا خلاف المعلوم بالضرورة والتواتر والقرآن والإجماع إذ كان الله أهلك أمماً كثيرة بذنوبها ، ومن هذه الأمَّة مَن عُذِّب بذنوبه إما قدراً و إما شرعاً في الدنيا قبل الآخرة ، وقد قال تعالى { من يعمل سوءاً يجز به } وقال { فمن يعمل مثقال ذرَّةٍ خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرَّةٍ شرّاً يره } فهذا يقتضي أن هذه الآية ليست على ظاهرها ، بل المراد أن الله قد يغفر الذنوب جميعا أي : ذلك مما قد يفعله ، أو أنه يغفره لكل تائبٍ .
” مجموع الفتاوى ” ( 16 / 18 – 22 ) .
وقال :
وكذلك قوله { يغفر الذنوب } عام في الذنوب ، مطلق في أحوالها ؛ فإن الذنب قد يكون صاحبه تائباً منه وقد يكون مصرّاً ، واللفظ لم يتعرض لذلك ، بل الكلام يبيِّن أن الذنب يُغفر في حال دون حال ؛ فإن الله أمر بفعل ما تُغفر به الذنوب ونَهى عمَّا به يحصل العذاب يوم القيامة بلا مغفرة فقال { وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون . أن تقول نفسٌ يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين . أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين . أو تقول حين ترى العذاب لو أنَّ لي كرةً فأكون من المحسنين . بلي قد جاءتك آياتي فكذبتَ بها واستكبرتَ وكنتَ من الكافرين } فهذا إخبار أنه يوم القيامة يعذِّب نفوساً لم يغفر لها كالتي كذَّبت بآياته واستكبرت وكانت من الكافرين ، ومثل هذه الذنوب غفرها الله لآخرين لأنهم تابوا منها . ” مجموع الفتاوى ” ( 16 / 27 ) .
وقال ابن تيمية :
والله سبحانه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب بل يغفر الشرك وغيره للتائبين كما قال تعالى { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم } ، وهذه الآية عامَّة مطلقة لأنَّها للتائبين ! ، وأما قوله { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فإنها مقيَّدة خاصَّة لأنَّها في حق غير التائبين ! لا يغفر لهم الشرك ، وما دون الشرك معلَّق بمشيئة الله تعالى .مجموع الفتاوى ( 2 / 358 ) .
وقال ابن تيمية :
وقد قال تعالى في كتابه { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فجعل ما دون ذلك الشرك معلَّقا بمشيئته ، ولا يجوز أن يُحمل هذا على التائب ؛ فإن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره ! كما قال سبحانه في الآية الأخرى { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً } فهنا عمَّم وأطلق ؛ لأن المراد به التائب ! وهناك خصَّ وعلَّق .
( 7 / 484 ، 485 ) .
4. وقال ابن القيم :
الوجه الرابع : أن الذنوب تُغفر بالتوبة النصوح ، فلو بلغت ذنوب العبد عنان السماء وعدد الرمل والحصا ثم تاب منها : تاب الله عليه قال تعالى : { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم } فهذا في حق التائب ! فإن التوبة تجبُّ ما قبلها ، والتائب مِن الذنب كمن لا ذنب له ، والتوحيد يكفِّر الذنوب كما في الحديث الصحيح الإلهي ” ابن آدم لو لقيتَني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لقيتُك بقرابِها مغفرة ” . ” هداية الحيارى ” ( 130 ) .
وقال ابن القيم :
وكاتكال بعضهم على قوله تعالى { إن الله يغفر الذنوب جميعاً } وهذا أيضاً مِن أقبح الجهل ! فإن الشرك داخل في هذه الآية ، فإنه رأس الذنوب وأساسها ، ولا خلاف ! أن هذه الآية في حق التائبين فإنه يغفر ذنب كلِّ تائبٍ أي ذنب كان .
ولو كانت الآية في حق غير التائبين لبطلت نصوص الوعيد كلها وأحاديث إخراج قوم من الموحدين من النار بالشفاعة ، وهذا إنما أوتي صاحبه من قلة علمه وفهمه ! فإنه سبحانه ها هنا عمَّم وأطلق ، فعلم أنه أراد التائبين ، وفي سورة ” النساء ” خصَّص وقيَّد فقال { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فأخبر الله سبحانه أنَّه لا يَغفر الشرك ، وأخبر أنه يغفر ما دونه ، ولو كان هذا في حق التائب لم يفرق بين الشرك وغيره . ” الجواب الكافي ” ( ص 12 ) .
5. وقال ابن كثير :
وهذه الآية التي في سورة تنزيل – أي : الزمر – مشروطة بالتوبة ، فمن تاب من أيِّ ذنب ! وقد تكرر منه : تاب الله عليه ، ولهذا قال { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } أي : بشرط التوبة ، ولو لم يكن كذلك : لدخل الشرك فيه ، ولا يصح ذلك !! لأنه تعالى قد حكم هاهنا بأنه ” لا يغفر الشرك ” ! وحكم بأنه يغفر ما عداه لمن يشاء ! أي : وإن لم يتب صاحبه ، فهذه أرجى من تلك من هذا الوجه ، والله أعلم .
” التفسير ” ( 1 / 512 ) .
6. وقال الشنقيطي :
قوله تعالى { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً } [ النساء / 48 ] ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى لا يغفر الإشراك به ، وأنه يغفر غير ذلك لمن يشاء ، وأن من أشرك به فقد افترى إثماً عظيماً .
وذكر في مواضع أخر : أن محل كونه لا يغفر الإشراك به إذا لم يتب المشرك من ذلك ، فإن تاب : غفر له ، كقواه { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً } الآية ، فإن الاستثناء راجع لقوله { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } وما عطف عليه ؛ لأن معنى الكل جمع في قوله { ومن يفعل ذلك يلق أثاماً } الآية ، وقوله { قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف } …
” أضواء البيان ” ( 1 / 290 ، 291 ) .
والله أعلم

