قال تعالى: { وَاتْلُ عَلَيْهِم نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ وَاتـَّــبَعَ هَوَاهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذيِنَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ سَاءَ مَثَلاً القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ } [الأعراف/175-176-177].
قال ابن القيم رحمه الله: فشبَّه سبحانه مَن آتاه كتابه وعلَّمه العلمَ الذي منعه غيرَه فترك العمل به واتَّبع هواه وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوق على الخالق بالكلب الذي هو مِن أخبث الحيوانات وأوضعها قدراً، وأخسِّها نفساً، وهمَّته لا تتعدى بطنه، وأشدها شرهاً وحرصاً، ومِن حرصه أنَّه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض يتشمَّم ويستروح حرصاً وشرهاً. ولا يزال يَشُمُّ دبره دون سائر أجزائه، وإذا رميتَ إليه بحجرٍ رجع إليه ليعضه من فرط نهمته، وهو مِن أمهن الحيوانات وأحملها للهوان وأرضاها بالدنايا. والجيفُ القذرة المروحة أحبُّ إليه مِن اللحم الطري. والعذرة أحبُّ إليه مِن الحلوى وإذا ظفر بميتةٍ تكفي مائةَ كلـبٍ لم يَدَع كلباً واحداً يتناول منها شيئاً إلاّ هرَّ عليه وقهره لحرصه وبخله وشَرَهِه.
ومِن عجيبِ أمره وحرصه أنَّه إذا رأى ذا هيئةٍ رثةٍ وثيابٍ دنيَّةٍ وحالٍ زرِيَّةٍ نبحه وحمل عليه، كأنَّه يتصور مشاركتَه له ومنازعتَه في قُوتِه. وإذا رأى ذا هيئةٍ حسنةٍ وثيابٍ جميلةٍ ورياسةٍ وضع له خطمه بالأرض، وخضع له ولم يرفع إليه رأسه.
وفي تشبيه مَن آثر الدنيا وعاجلها على اللهِ والدارِ الآخرةِ مع وفور علمه بالكلب في حال لهثه سِرٌّ بديعٌ، وهو أنَّ هذا الذي حاله ما ذكره الله مِن انسلاخه مِن آياته واتباعه هواه إنما كان لشدة لـهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة فهو شديد اللهف عليها، ولـهفه نظير لـهف الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه. واللهف واللهث شقيقان وأخوان في اللفظ والمعنى.
قال ابن جريج: الكلبُ منقطعُ الفؤاد، لا فؤاد له، إنْ تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث فهو مثل الذي يترك الهُدى، لا فؤاد له، إنما فؤاده منقطعٌ.
قلت: مراده بانقطاع فؤاده أنَّه ليس له فؤادٌ يحمله على الصبر عن الدنيا وترك اللهف عليها فهذا يلهف على الدنيا مِن قلة صبره عنها،وهذا يلهث مِن قلة صبره عن الماء، فالكلب مِن أقل الحيوانات صبراً عن الماء، وإذ عطش أكل الثرى من العطش، وإنْ كان فيه صبرٌ على الجوع.
وعلى كلِّ حالٍ فهو مِن أشدِّ الحيوانات لـهثاً، يلهث قائماً وقاعداً وماشياً وواقفاً، وذلك لشدَّة حرصه، فحرارةُ الحرصِ في كبده توجبُ له دوام اللهث.
فهكذا مشبَّهه شدةُ الحرص وحرارةُ الشهوة في قلبه توجب له دوام اللهث، فإنْ حملتَ عليه بالموعظة والنصيحة فهو يلهث، وإن تركتَه ولم تعظْه فهو يلهث.
قال مجاهد: ذلك مثَل الذي أوتي الكتاب ولم يعمل به. وقال ابن عباس: إنْ تحمل عليه الحكمة لم يحملْها، وإن تتركْه لم يهتدِ إلى خيرٍ، كالكلب إنْ كان رابضاً لهث، وإنْ طرد لهث.
وقال الحسن: هو المنافق لا يثبت على الحقِّ، دُعي أو لم يُدْع، وُعظ أو لم يُوعظ، كالكلب يلهث طرداً وتركاً.
وقال عطاء: ينبح إنْ حملتَ عليه أو لم تحمل عليه.
وقال أبو محمد بن قتيبة: كلُّ شيءٍ يلهثُ فإنما يلهثُ مِن إعياءٍ أو عطشٍ إلا الكلب، فإنَّه يلهث في حالِ الكلال وحالِ الراحة وحالِ الصحة وحالِ المرض والعطش فضربه الله مثلاً لمن كذَّب بآياته، وقال: إنْ وعَظْتَه فهو ضالٌّ، وإن ترَكْتَه فهو ضالٌّ، كالكلب إنْ طردتَّهُ لهث وإنْ تركْتَه على حاله لهث ونظيره قوله سبحانه: { وَإِنْ تَدْعُوهُم إِلى الهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُم سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُم أَمْ أَنْتُم صَامِتُونَ } [الأعراف/193].
وتأمَّلْ ما في هذا المثل مِن الحِكم والمعاني:
– فمنها: قوله: { آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا } فأخبر سبحانه أنَّه هو الذي آتاه آياته، فإنَّها نعمةٌ، والله هو الذي أنعم بـها عليه، فأضافها إلى نفسه، ثم قال: { فَانْسَلَخَ مِنْهَا } أي: خرج منها كما تنسلخ الحيَّةُ مِن جلدها، وفارقها فراق الجلد يُسلخ عن اللحم. ولم يقل (فسلخناه منها) لأنَّه هو الذي تسبب إلى انسلاخه منها باتباعه هواه.
– ومنها: قوله سبحانه: { فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَان } أي: لحقه وأدركه، كما قال في قوم فرعون: { فَأَتْبَعُوهُم مُشْرِقِينَ } [الشعراء/60] وكان محفوظاً محروساً بآيات الله محميَّ الجانب بـها من الشيطان لا ينـال منه شيئاً إلا على غِرَّةٍ وخطفة. فلمَّا انسلخ مِن آيات الله ظفِر به الشيطانُ ظفَر الأسد بفريسته {فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ} العاملين بخلاف علمهم الذين يعرفون الحق ويعملون بخلافه كعلماء السوء.
– ومنها: أنَّه سبحانه قال: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } فأخبر سبحانه أنَّ الرفعة عنده ليست بمجرد العلم – فإنَّ هذا كان مِن العلماء- وإنَّما هي باتباع الحق وإيثاره وقصد مرضاة الله، فإنَّ هذا كان مِن أعلم أهل زمانه، ولم يرفعه الله بعلمه ولم ينفعه به، نعوذ بالله مِن علمٍ لا ينفع.
وأخبر سبحانه أنَّه هو الذي يرفع عبدَه إذا شاء بما آتاه من العلم، وإنْ لم يرفعه الله فهو موضوعٌ، لا يرفعُ أحدٌ به رأساً، فإنَّ الربَّ الخافضَ الرافعَ سبحانه خفضه ولم يرفعه. والمعنى: لو شئنا فضَّلناه وشرَّفْناه ورفعنا قدرَه ومنـزلته بالآيات التي آتيناه.
قال ابن عباس: لو شئنا لرفعناه بعلمه.
وقالت طائفة: الضمير في قوله: {لَرَفَعْنَاهُ } : عائدٌ على الكفر والمعنى: لو شئنا لرفعنا عنه الكفر بالإيمان وعصمناه.
وهذا المعنى حقٌّ ، والأول هو مراد الآية، وهذا مِن لوازم المراد ، وقد تقدم أنَّ السلف كثيراً ما ينبهون على لازمِ معنى الآية، فيظنُّ الظانُّ أنَّ ذلك هو المراد منها.
وقوله: { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ }. قال سعيد بن جبير: ركن إلى الأرض، وقال مجاهد: سكن. وقال مقاتل: رضي بالدنيا. وقال أبو عبيدة: لزمها وأبطأ.
والمـُخلِدُ من الرجال: هو الذي يبطىء في مِشْيته، ومِن الدواب: التي تبقى ثناياه إلى أنْ تخرج رَباعيَّتُه. وقال الزجاج: خلد وأخلد، وأصله من الخلود، وهو الدوام والبقاء. يقال: أخلد فلان بالمكان إذا أقام به. قال مالك بن نويرة:
بأبناء حيٍّ مِن قبائل مالك وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا
قلت: ومنه قوله تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِم وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} [الواقعة/17] أي: قد خُلقوا للبقاء لذلك لا يتغيرون ولا يكبرون، وهم على سنٍّ واحدٍ أبداً.
وقيل: هم المقرَّطون في آذانهم، والمسوَّرون في أيديهم. وأصحاب هذا القول فسَّروا اللفظة ببعض لوازمها، وذلك أمارة التخليد على ذلك السنِّ فلا تنافي بين القولين.
وقوله: { فَاتَّبَعَ هَوَاهُ }، قال الكلبي: اتَّبع مسافل الأمور وترك معاليها. وقال أبو رَوْق: اختار الدنيا على الآخرة. وقال عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه. وقال ابن زيد: كان هواه مع القوم، يعني الذين حاربوا موسى وقومه. وقال ابن يمان: اتَّبع امرأته لأنهَّا هي التي حملته على ما فعل.
فإنْ قيل: الاستدراك بـ (لكن) يقتضي أنْ يثبت بعدها ما نفى قبله، أو ينفي ما أثبت كما تقول: (لو شئتُ لأعطيتُه، لكني لم أعطِه) و (لو شئتُ لما فعلتُ كذا لكني فعلتُه).
والاستدراك يقتضي: (ولو شئنا لرفعناه بـها ولكنَّا لم نشأ، أو لم نرفعه)، فكيف استدرك بقوله: { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ } بعد قوله : { لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا }؟
قيل: هذا مِن الكلام الملحوظ فيه جانب المعنى، المعدول فيه عن مراعاة الألفاظ إلى المعاني وذلك أنَّ مضمون قوله: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } أنَّه لم يتعاط الأسباب التي تقتضي رفعه بالآيات: مِن إيثار الله ومرضاته على هواه، ولكنَّه آثر الدنيا وأخلدَ إلى الأرض واتَّبع هواه.
وقال الزمخشري: المعنى: ولو لزم آياتنا لرفعناه بـها، فذكر المشيئة، والمراد: ما هي تابعةٌ له ومسببةٌ عنه، كأنَّه قيل: ولو لزمها لرفعناه بـها. قال: ألا ترى إلى قوله: { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ } فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله، فوجب أنْ يكون { وَلَوْ شِئْنَا } في معنى ما هو فعله، ولو كان الكلام على ظاهره: لوجب أنْ يقال: ولو شئنا لرفعناه، ولكنَّا لم نشأ. ا.هـ.
فهذا من الزمخشري شنشنةٌ نعرفها مِن قدريٍّ نافٍ للمشيئة العامة، مبعد للنُّجعة في جعْلِ كلام الله معتزليّاً قدريّاً. فأين قوله: { وَلَوْ شِئْنَا } مِن قوله: ولو لزمها؟. ثم إذا كان اللزوم لها موقوفاً على مشيئة الله -وهو الحق- بَطَل أصله.
وقوله: (إنَّ مشيئة الله تابعةٌ للزوم الآيات) مِن أفسدِ الكلام وأبطلِه، بل لزومه لآياته تابعٌ لمشيئة الله، فمشيئةُ الله سبحانه متبوعةٌ لا تابعةٌ، وسببٌ لا مسبَّب، وموجب مقتضٍ لا مقتضى، فما شاء الله وجب وجوده، وما لم يشأ امتنع وجوده) ا.هـ .
انظر : ” أعلام الموقعين ” [1/165-169]. وانظر: ” الفوائد ” [ص150].
وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله:
ضرب اللهُ المثلَ لهذا الخسيس الذي آتاه آياته فانسلخ منها: بالكلب، ولم تكن حقارةُ الكلبِ مانعةً مِن ضربه تعالى المثلَ به. وكذلك ضربُ المثلِ بالذباب في قوله: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَ يَسْتَـنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ } [الحج/73] ، وكذلك ضربُ المثلِ ببيتِ العنكبوت في قوله: { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً، وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [العنكبوت/41]. وكذلك ضربُ الله المثلَ بالحمارِ في قوله: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةِ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ } [الجمعة/5] وهذه الآيات تدل على أنَّه تعالى لا يستحيي مِن بيانِ العلوم النفيسة عن طريق ضرب الأمثال بالأشياء الحقيرة. وقد صرَّح بهذا المدلول في قوله: { إنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحِيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } [البقرة/26]. ا.هـ (أضواء البيان [2/303]).
الشيخ بلعام
التوبة من الشرك والذنوب في آيتين وبيان معناهما
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أولاً : يتوهم بعض الناس في آيات الله تعالى المعارضة ، ويظن بعضهم أن بين آياته تعالى تناقضاً ، ومما وقع قديماً وحديثاً : ظن بعضهم التعارض بين قوله تعالى { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [ النساء / 48 ، 116 ] مع قوله تعالى {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ الزمر / 53 ] !
والواضح البيِّن أن لا تعارض بينهما ، وبيانه :
أن الآية الأولى إنما هي في حكم الآخرة وفي حق من لقي الله تعالى بشركٍ لم يتحول عنه إلى إسلام ، وبمعصية لم يتطهر منها .
فالأول : وهو المشرك : كتب الله تعالى على نفسه أنه لا يغفر له البتة .
والثاني : وهو صاحب المعصية الذي لم يتطهر منها : إنما هو في مشيئة الله تعالى إن شاء غفر له ، وإن شاء عذَّبه .
وأما الآية الثانية : فهي في حكم الدنيا ، وهي بشرى من الله لعباده العاصين ، بل والمشركين أنه تعالى يقبل توبتهم جميعاً في حال تطهرهم منها .
فليست الآية الأولى على ما يتوهمه بعضهم من أنها تشمل الدنيا لأن في ذلك إبطالا لنصوص القرآن والسنة واتفاق المسلمين أن من تاب : تاب الله عليه ، وقد قبل الله تعالى توبة المشركين من شركهم والكافرين من كفرهم ، ومن قال هذا فقد قال بقول سلفه من المعتزلة !
وليست الآية الثانية في الآخرة ؛ لأن في ذلك إبطالاً لنصوص الوعيد من القرآن والسنة فضلا عن اتفاق سلف هذه الأمة أنه لا مغفرة لمشرك يوم القيامة لم يتب من شركه ، وفيها إبطال لعقيدة المسلمين أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة أو مؤمنة ، فضلا عن اتفاق المسلمين على هذا خلافاً لمن جهل ساء فهمه – كما قال ابن القيم – فظن أنها عامة في الدنيا والآخرة .
ويؤيد ذلك : الكتاب والسنَّة :
أما الكتاب ففي آيات كثيرة ، منها :
1. قوله تعالى : { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً . إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً } [ الفرقان / 68 – 70 ] .
وهي واضحة الدلالة على مغفرة الله تعالى للذنوب جميعاً – ولو كانت شركاً – بل إن فيها بياناً لفضل عظيم وهو تبديل السيئات حسنات .
ومن دعا مع الله إلها آخر فلم يتب منه ، ولقي الله به : فله نصيب الآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به } .
2. قوله تعالى – على قول – {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } [ النساء / 137 ] .
ويؤيد الأول والثاني أحاديث من السنة كثيرة :
1. ” ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً لقيته بمثلها مغفرة ” .
رواه مسلم ( 2687 ) .
2. عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الدواوين عند الله عز وجل ثلاثة : ديوان لا يعبأ الله به شيئاً ، وديوان لا يترك الله منه شيئاً ، وديوان لا يغفره الله ، فأما الديوان الذي لا يغفره الله : فالشرك بالله قال الله عز وجل { إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة } ، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً : فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها ؛ فإن الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء ، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضاً ، القصاص لا محالة .
رواه أحمد ( 43 / 155 ) والحاكم ( 4 / 185 ) و ( 4 / 619 ) .
وفيه : صدقة بن موسى ، ضعفه يحي بن معين والنسائي ، ولذا ردَّ الإمام الذهبي على الحاكم تصحيح الحديث بقوله : صدقة : ضعفوه ، وابن بابنوس فيه جهالة .
قلت : لكن ابن بابنوس وثقه ابن حبان ، وقال ابن عدي : أحاديثه مشاهير ، وقال الدارقطني : لا بأس به .
انظر ” الثقات ” لابن حبان ( 5 / 548 ) ، ” سؤالات البرقاني ” ( ص 72 ) ، ” الكامل في ضعفاء الرجال ” ( 7 / 278 ) .
وله شاهد :
عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفره الله ، وظلم يغفره ، وظلم لا يتركه الله ، فأما الظلم الذي لا يغفره الله : فالشرك قال الله { إن الشرك لظلم عظيم } ، وأما الظلم الذي يغفره الله : فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم ، وأما الظلم الذي لا يتركه الله : فظلم العباد بعضهم بعضاً حتى يدين لبعضهم من بعض .
قال الهيثمي : رواه البزار عن شيخه أحمد بن مالك القشيري ولم أعرفه وبقية رجاله قد وثقوا على ضعفهم .
” مجمع الزوائد ” ( 10 / 348 ) .
قلت : ولعل الحديث أن يكون حسناً بمجموع الطريقين .
ثانياً : أقوال المفسرين والعلماء :
1. قال الطبري :
القول في تأويل قوله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً } :
يعني بذلك جل ثناؤه : إن الله لا يغفر لـ ” طعمة ” – رجل من المشركين – إذ أشرك ومات على شركه بالله !! ولا لغيره من خلقه بشركهم وكفرهم به .
{ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } يقول : ويغفر ما دون الشرك بالله من الذنوب لمن يشاء ، يعني بذلك جل ثناؤه : أن ” طعمة ” لولا أنه أشرك بالله ومات على شركه ! لكان في مشيئة الله على ما سلف من خيانته ومعصيته وكان إلى الله أمره في عذابه والعفو عنه ، وكذلك حكم كل من اجترم جرماً فإلى الله أمره إلا أن يكون جرمه شركاً بالله وكفراً ! فإنه ممن حتم ! عليه أنه من أهل النار إذا مات على شركه ! فإذا مات على شركه : فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار . ” التفسير ” ( 5 / 278 ) .
وقال :
وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركاً بالله . ” التفسير ” ( 5 / 126 ) .
وقال الطبري :
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال عنى تعالى ذكره بذلك جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك ! لأن الله عمَّ بقوله { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } جميع ! المسرفين فلم يخصِّص به مسرفاً دون مسرف .
فإن قال قائل : فيغفر الله الشرك ؟
قيل :نعم ، إذا تاب منه المشرك !
وإنما عنى بقوله { إن الله يغفر الذنوب جميعاً } لمن يشاء ، كما قد ذكرنا قبل أن ابن مسعود كان يقرؤه ، وأن الله قد استثنى منه الشرك إذا لم يتب منه صاحبه ، فقال : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فأخبر أنه لا يغفر الشرك إلا بعد توبة بقوله { إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً } فأما ما عداه : فإن صاحبه في مشيئة ربه إن شاء تفضَّل عليه فعفا له عنه ، وإن شاء عدل عليه فجازاه به .
” التفسير ” ( 24 / 16 ، 17 ) .
2. وقال ابن الجوزي :
والمراد من الآية : لا يغفر لمشركٍ مات على شركه ! وفي قوله { لمن يشاء } نعمة عظيمة من وجهين :
أحدهما : أنها تقتضي أن كل ميت على ذنب دون الشرك لا يُقطع عليه بالعذاب وإن مات مصرّاً .
والثاني : أن تعليقه بالمشيئة فيه نفع للمسلمين ، وهو أن يكونوا على خوف وطمع . ” زاد المسير ” ( 2 / 103 ، 104 ) .
3. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :
فصل
في قوله تعالى { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم . و أنيبوا إلى ربكم وأسلموا له } :
وقد ذكرنا في غير موضع أن هذه الآية في حق التائبين !! وأما آيتا النساء : قوله { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فلا يجوز ! أن تكون في حق التائبين كما يقوله من يقوله من المعتزلة !! فإن التائب من الشرك يغفر له الشرك أيضاً بنصوص القرآن واتفاق المسلمين ، وهذه الآية فيها تخصيص وتقييد وتلك الآية فيها تعميم وإطلاق ، هذه خص فيها الشرك بأنه لا يغفره ، وما عداه لم يجزم بمغفرته بل علَّقه بالمشيئة فقال : { و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء } …
والمقصود هنا أن قوله { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً } فيه نهي عن القنوط من رحمة الله تعالى وإن عظمت الذنوب وكثرت فلا يحل لأحد أن يقنط من رحمة الله وإن عظمت ذنوبه ولا أن يقنط الناس من رحمة الله .
قال بعض السلف : إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله ولا يجريهم على معاصي الله ….
فإن قيل : قوله { إن الله يغفر الذنوب جميعاً } معه عموم على وجه الإخبار فدل أن الله يغفر كل ذنب ، ومعلوم أنه لم يرد أن من أذنب من كافرٍ وغيره فإنه يغفر له ولا يعذبه لا في الدنيا ولا في الآخرة ؛ فإن هذا خلاف المعلوم بالضرورة والتواتر والقرآن والإجماع إذ كان الله أهلك أمماً كثيرة بذنوبها ، ومن هذه الأمَّة مَن عُذِّب بذنوبه إما قدراً و إما شرعاً في الدنيا قبل الآخرة ، وقد قال تعالى { من يعمل سوءاً يجز به } وقال { فمن يعمل مثقال ذرَّةٍ خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرَّةٍ شرّاً يره } فهذا يقتضي أن هذه الآية ليست على ظاهرها ، بل المراد أن الله قد يغفر الذنوب جميعا أي : ذلك مما قد يفعله ، أو أنه يغفره لكل تائبٍ .
” مجموع الفتاوى ” ( 16 / 18 – 22 ) .
وقال :
وكذلك قوله { يغفر الذنوب } عام في الذنوب ، مطلق في أحوالها ؛ فإن الذنب قد يكون صاحبه تائباً منه وقد يكون مصرّاً ، واللفظ لم يتعرض لذلك ، بل الكلام يبيِّن أن الذنب يُغفر في حال دون حال ؛ فإن الله أمر بفعل ما تُغفر به الذنوب ونَهى عمَّا به يحصل العذاب يوم القيامة بلا مغفرة فقال { وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون . أن تقول نفسٌ يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين . أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين . أو تقول حين ترى العذاب لو أنَّ لي كرةً فأكون من المحسنين . بلي قد جاءتك آياتي فكذبتَ بها واستكبرتَ وكنتَ من الكافرين } فهذا إخبار أنه يوم القيامة يعذِّب نفوساً لم يغفر لها كالتي كذَّبت بآياته واستكبرت وكانت من الكافرين ، ومثل هذه الذنوب غفرها الله لآخرين لأنهم تابوا منها . ” مجموع الفتاوى ” ( 16 / 27 ) .
وقال ابن تيمية :
والله سبحانه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب بل يغفر الشرك وغيره للتائبين كما قال تعالى { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم } ، وهذه الآية عامَّة مطلقة لأنَّها للتائبين ! ، وأما قوله { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فإنها مقيَّدة خاصَّة لأنَّها في حق غير التائبين ! لا يغفر لهم الشرك ، وما دون الشرك معلَّق بمشيئة الله تعالى .مجموع الفتاوى ( 2 / 358 ) .
وقال ابن تيمية :
وقد قال تعالى في كتابه { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فجعل ما دون ذلك الشرك معلَّقا بمشيئته ، ولا يجوز أن يُحمل هذا على التائب ؛ فإن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره ! كما قال سبحانه في الآية الأخرى { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً } فهنا عمَّم وأطلق ؛ لأن المراد به التائب ! وهناك خصَّ وعلَّق .
( 7 / 484 ، 485 ) .
4. وقال ابن القيم :
الوجه الرابع : أن الذنوب تُغفر بالتوبة النصوح ، فلو بلغت ذنوب العبد عنان السماء وعدد الرمل والحصا ثم تاب منها : تاب الله عليه قال تعالى : { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم } فهذا في حق التائب ! فإن التوبة تجبُّ ما قبلها ، والتائب مِن الذنب كمن لا ذنب له ، والتوحيد يكفِّر الذنوب كما في الحديث الصحيح الإلهي ” ابن آدم لو لقيتَني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لقيتُك بقرابِها مغفرة ” . ” هداية الحيارى ” ( 130 ) .
وقال ابن القيم :
وكاتكال بعضهم على قوله تعالى { إن الله يغفر الذنوب جميعاً } وهذا أيضاً مِن أقبح الجهل ! فإن الشرك داخل في هذه الآية ، فإنه رأس الذنوب وأساسها ، ولا خلاف ! أن هذه الآية في حق التائبين فإنه يغفر ذنب كلِّ تائبٍ أي ذنب كان .
ولو كانت الآية في حق غير التائبين لبطلت نصوص الوعيد كلها وأحاديث إخراج قوم من الموحدين من النار بالشفاعة ، وهذا إنما أوتي صاحبه من قلة علمه وفهمه ! فإنه سبحانه ها هنا عمَّم وأطلق ، فعلم أنه أراد التائبين ، وفي سورة ” النساء ” خصَّص وقيَّد فقال { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فأخبر الله سبحانه أنَّه لا يَغفر الشرك ، وأخبر أنه يغفر ما دونه ، ولو كان هذا في حق التائب لم يفرق بين الشرك وغيره . ” الجواب الكافي ” ( ص 12 ) .
5. وقال ابن كثير :
وهذه الآية التي في سورة تنزيل – أي : الزمر – مشروطة بالتوبة ، فمن تاب من أيِّ ذنب ! وقد تكرر منه : تاب الله عليه ، ولهذا قال { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } أي : بشرط التوبة ، ولو لم يكن كذلك : لدخل الشرك فيه ، ولا يصح ذلك !! لأنه تعالى قد حكم هاهنا بأنه ” لا يغفر الشرك ” ! وحكم بأنه يغفر ما عداه لمن يشاء ! أي : وإن لم يتب صاحبه ، فهذه أرجى من تلك من هذا الوجه ، والله أعلم .
” التفسير ” ( 1 / 512 ) .
6. وقال الشنقيطي :
قوله تعالى { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً } [ النساء / 48 ] ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى لا يغفر الإشراك به ، وأنه يغفر غير ذلك لمن يشاء ، وأن من أشرك به فقد افترى إثماً عظيماً .
وذكر في مواضع أخر : أن محل كونه لا يغفر الإشراك به إذا لم يتب المشرك من ذلك ، فإن تاب : غفر له ، كقواه { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً } الآية ، فإن الاستثناء راجع لقوله { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } وما عطف عليه ؛ لأن معنى الكل جمع في قوله { ومن يفعل ذلك يلق أثاماً } الآية ، وقوله { قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف } …
” أضواء البيان ” ( 1 / 290 ، 291 ) .
والله أعلم
الخوارج ، ورع في خنزير لأهل الكتاب واستحلال تابعي
عن أبي مجلز قال بينما عبد الله بن خباب في يد الخوارج إذ أتوا على نخل فتناول رجل منهم تمرة فأقبل عليه أصحابه فقالوا له : أخذتَ تمرةً مِن تمر أهل العهد !!!
وأتوا على خنـزير فنفخه رجل منهم بالسيف ، فأقبل عليه أصحابه فقالوا له قتلتَ خنـزيراً مِن خنازير أهل العهد !!!
قال : فقال عبد الله :
ألا أخبركم مَن هو أعظم عليكم حقا مِن هذا ؟
قالوا : مَن ؟
قال : أنا !! ما تركتُ صلاة ، ولا تركتُ كذا ، ولا تركتُ كذا !!
قال : فقتلوه !!!
قال : فلما جاءهم عليٌّ قال :
أقيدونا بعبد الله بن خباب
قالوا : كيف نقيدك به وكلنا شرك في دمه ؟
فاستحل قتالهم
” مصنف ابن أبي شيبة ” ( 7 / 560 )
وقال الحافظ ابن حجر :
فاستعرضوا الناس – أي : الخوارج – فقتلوا مَن اجتاز بهم من المسلمين
ومرَّ بهم عبد الله بن خباب بن الأرت وكان واليا لعلي على بعض تلك البلاد ومعه سريَّة – أي : أمَة – وهي حامل فقتلوه وبقروا بطن سريته عن ولد!!!
فبلغ عليا فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام فأوقع بهم بالنهروان ولم ينج منهم إلا دون العشرة ولا قتل ممن معه إلا نحو العشرة .
” فتح الباري ” ( 12 / 284 )
شبهة من يرى نجاة تارك جنس العمل
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
خاص بالأخت ” محبة الإسلام “
جواباً على ما أردتِ في أول المقال من بعض طلبة العلم :
شبهة يستند إليها من يرى نجاة تارك جنس العمل
لعل اعظم شبهة يستند إليها من يذهب إلى نجاة تارك العمل بالكلية هي أحاديث الشفاعة التي فيها أن الله يخرج من النار أقواما [لم يعملوا خيرا قط ]أو بعبارة [من غير عمل عملوه أو خير قدموه] وهي في الحقيقة شبهة قوية لمن لم يقف على ما سبق من إجماع الأمة الذي نقله الإمام الشافعي رحمه الله وغيره على كفر تارك العمل بالكلية وانه لا يجزئ اعتقاد القلب وقول اللسان مع ترك العمل بالكلية حيث أنه ركن فيه أو لازم له ويقف على تشديد العلماء على من يقول بنجاة تارك العمل بالكلية وأنه من المرجئة كما سبق النقل عن الإمام أحمد وسفيان وغيره ولنأت على هذه الشبهة بما يزيل الإشكال إن شاء الله :فأقول :
إن ظاهر هذا يرد عليه إشكالات عظيمة كالجبال مما يحملنا عل فهمه وفق النصوص الأخرى وما سبق نقله :
أولاً:
أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في كفر تارك الصلاة كقوله ” بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة “
وقوله صلى الله عليه وسلم ” العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر “
هذه النصوص المدعمة بإجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة كما روي عن عبد الله بن شقيق رضي الله عنه قال “لم يكن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة” (تعظيم قدر الصلاة ج: 2 ص: 904)
وروي أيضاً عن جابر رضي الله عنه وذكر الإجماع الإمام ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة وكذلك بن حزم في المحلى وابن تيمه في شرح العمدة وابن القيم في الصلاة وحكم تاركها هذا وإن قدح قادح في الإجماع فلا شك أن جمهور الصحابة يرون كفر تارك الصلاة ،فكيف نقطع بظاهر هذه الأحاديث مع هذا الإجماع من الصحابة أو رأي جمهورهم على الأقل ،خاصة وان الذين حفظ عنهم كفر تارك الصلاة هم الذين رووا أحاديث الشفاعة وفيها أن الله يخرج من النار أقواما لم يعملوا خيرا قط .
فعلى المتشبث بظاهر أحاديث الشفاعة وحديث البطاقة أن يجمع بين فهمه لها وفهم السلف من الصحابة الذين يرون كفر تارك الصلاة وهم مع هذا الذين رووا هذه الأحاديث.
ثانياً :
يلزم المتمسك بظاهر أحاديث الشفاعة أن يخرج من النار من لم يأت بالتوحيد وعمل الشرك لأن اللفظ الوارد مطلق عام يشمل كل الخير وكذلك كل خارج ولا نقول هذا تعسفاً ولكن لما وجدنا أن في كثير من الأحاديث التي فيها لفظ ( لم يعمل خيرا ً قط ) قد استثني فيها بعض الأعمال منها التوحيد كما في حديث الرجل الذي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته وكان أسرف على نفسه ففي الحديث أنه ( لم يعمل خيراً قط إلا التوحيد )
-وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن رجلا لم يعمل خيرا قط وكان يداين الناس فيقول لرسول خذ ما تيسر واترك ما عسر وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا فلما هلك قال الله تعالى (هل عملت خيرا قط قال لا إلا أنه كان لي غلام وكنت أداين الناس فإذا بعثته يتقاضى قلت له خذ ما تيسر واترك ما تعسر وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا قال الله فقد تجاوزت عنك)
-وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:” نزع رجل لم يعمل خيرا قط غصن شوك عن الطريق إما كان في شجرة فقطعه وألقاه وإما كان موضوعا فأماطه فشكر الله له بها فأدخله الجنة)”
ففي الأول استثنى التوحيد وفي الثاني والثالث ذكر أن له أعمال يجازيه الله عليها كل هذا مع قوله -لم يعمل خيرا قط -مما يجعلنا لا نتعسف في قولنا يلزمكم أن يخرج من النار من لم يأت بالتوحيد ويعمل الشرك طالما تمسكتم بظاهر اللفظ ولم توجهوه بما يتوافق مع باقي النصوص وأقوال السلف رحمهم الله .
وإذا أبوا التزام هذا وقالوا هناك نصوص أخر توضح وتقصر الخارجين على الموحدين فقط قلنا أولا خرجتم عن التمسك بظاهر اللفظ أنهم لم يعملوا خيراً قط حيث استثنيتم منهم الموحدين بنصوص أخرى .
ثانيا :
ما المانع أن تعملوا باقي النصوص ويقيد الخارج بالموحد الذي أتى بلوازم التوحيد من (جنس العمل) لا سيما الصلاة وتذكروا قول الإمام ابن تيميه نقلا عن ابي طالب المكي رحمه الله :
” ومن كان عقده الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام فهو كافر كفراً لا يثبت معه توحيد” وقوله ” وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب” فإذا قلت بنجاة من أتى بأصل الإيمان من التوحيد فجنس الأعمال من لوازمه .
ثالثا :
قام بعض أهل العلم بتوجيه هذه اللفظة حيث قال إمام الأئمة ابن خزيمة رحمه الله [ هذه اللفظة ” لم يعملوا خيرا قط ” من الجنس الذي تقول العرب بنفي الاسم عن الشيء لنقصه عن التمام والكمال فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل لم يعملوا خيرا قط على التمام والكمال لا على ما أوجب عليه ….]التوحيد
(أقول: وهذا التوجيه يشهد له حديث المسيء صلاته، حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم;: ” ارجع فصلِ فإنك لم تصل “، فنفى صلاته مع وقوعها، والمراد نفى صحة أدائها، وبه استدل أبو عبيد رحمه الله في مثل هذا.
وكذلك حديث قاتل المائة نفس الذي جاء: ” لم يعمل خيراً قط “؛ لأنه توجه تلقاء الأرض الصالحة، فمات قبل أن يصلها، فرأت ملائكة العذاب أنه لم يعمل خيراً قط بعد؛ إذ لم يزد على أن شرع في سبيل التوبة؛ ولهذا حكم الله تعالى بينهما وبين ملائكة الرحمة بقياس الأرض وإلحاقه بأقرب الدارين، ثم قبض هذه وباعد تلك؛ رحمة منه وإلا كان يهلك).
رابعا :
1) هذا وقد يمكن توجيه هذه النصوص التي تقول بظاهرها إن الشفاعة قد تنال أقواماً لم يعملوا خيراً قط بحالات وأمثلة تدخل في ذلك وقد دلت عليها نصوص أخرى فمنها على سبيل المثال والله تعالى أعلم:
أ – سكان الأطراف البعيدة والجزر النائية، ممن لم يصلهم من الإسلام إلا اسمه، وينتشر فيهم الشرك والجهل بالدين، فهم غافلون عنه أو معرضون عمن تعلمه، ولا يعرفون من أحكامه شيئاً، فهؤلاء لا شك أن فيهم المعذور وفيهم المؤاخذ. والمؤاخذون درجات. فقد يخرج بعضهم عن حكم الإسلام بمرة، وقد يكون ممن لا يخلد في النار…وهكذا مما لا يعلم حقيقته إلا علام الغيوب.
ب – بعض شرار الناس آخر الزمان، حين يفشو الجهل، ويندرس الدين، وعلى هذا جاء حيث حذيفة مرفوعاً: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم : « يَدْرُسُ الإِسْلاَمُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثّوْبِ. حَتّى لاَ يُدْرَىَ مَا صِيَامٌ وَلاَ صَلاَةٌ وَلاَ نُسُكٌ وَلاَ صَدَقَةٌ. وَلَيُسْرَىَ عَلَى كِتَابِ اللّهِ، عَزّ وَجَلّ، فِي لَيْلَةٍ. فَلاَ يَبْقَى فِي الأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ. وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنَ النّاسِ، الشّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ. يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ: لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ. فَنَحْنُ نَقُولُهَا » فَقَالَ لَهُ صِلَةُ: مَا تُغُنِي عَنْهُمْ: لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ، وَهُمْ لاَ يَدْرُونَ مَا صَلاَةٌ وَلاَ صِيَامٌ وَلاَ نُسُكٌ وَلاَ صَدَقَةٌ ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ. ثُمّ رَدّهَا عَلَيْهِ ثَلاَثاً. كُلّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ. ثُمّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الثّالِثَةِ، فَقَالَ: « يَا صِلَةُ تُنْجِيهِمْ مِنَ النّارِ » .
وهذا الحديث بقدر ما يدل على نجاة مخصوصة هو يدل على الأصل والقاعدة ألا ترى أن التابعي عجب وألح في سؤال الصحابي وما ذاك إلا لما علمه التابعون من إجماع الصحابة رضي الله عنهم; على أن تارك العمل ليس بمؤمن ولا ينجو في الدنيا من سيف المؤمنين ولا في الآخرة من عذاب رب العالمين. والله أعلم.
ت – ومنها من عاشوا في أوساط الكفار، ولم يظهروا شيئاً من أحكام الإسلام ولا عملوا بشيء من أحكام الدين، ولم يهاجروا إلى أرض الإسلام فقد ذكر الله أن هؤلاء من تناله الشفاعة يوم القيامة قال تعالى:{ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً. إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفوراً } .
رد ابن حزم على الأشاعرة في مسألة الإيمان
الرد على الأشاعرة في الإيمان
قال أبو محمد : أن الإيمان هو التصديق ، في اللغة فهذا حجة على الأشعرية والجهمية والكرَّامية مبطلة لأقوالهم إبطالا تامًّا كافياً لا يحتاج معه إلى غيره . وذلك قولهم أن الإيمان في اللغة التي بها نزل القرآن هو التصديق فليس كما قالوا على الإطلاق وما سمي قط التصديق بالقلب دون التصديق باللسان إيماناً في لغة العرب وما قال قط عربي أن من صدق شيئا بقلبه فأعلن التكذيب به بقلبه وبلسانه فإنه لا يسمى مصدقاً به أصلاً ولا مؤمناً به البتة .
وكذلك ما سمي قط التصديق باللسان دون التصديق بالقلب إيماناً في لغة العرب أصلا على الإطلاق ، ولا يسمى تصديقاً في لغة العرب ولا إيماناً مطلقاً إلا مَن صدق بالشيء بقلبه ولسانه معاً فبطل تعلق الجهمية والأشعرية باللغة جملةً!!.
ثم نقول لمن ذهب مذهب أبي حنيفة في أن الإيمان إنما هو التصديق باللسان والقلب معا وتعلق في ذلك باللغة : إن تعلقكم باللغة لا حجة لكم فيه أصلاً لأنَّ اللغة يجب فيها ضرورةً أنَّ كلَّ مَن صدَّق بشيءٍ فإنَّه مؤمنٌ به وأنتم والأشعريَّة والجهميَّة والكراميَّة كلكم توقعون اسم الإيمان ولا تطلقونه على كل مَن صدق بشيءٍ ما ، ولا تطلقونه إلا على صفةٍ محدودةٍ دون سائر الصفات وهي مَن صدَّق بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبكلِّ ما جاء به القرآن والبعث والجنة والنار والصلاة والزكاة وغير ذلك مما قد أجمعت الأمة على أنَّه لا يكون مؤمناً مَن لم يصدق به وهذا خلاف اللغة مجرد.
فإن قالوا : إنَّ الشريعةَ أوجبتْ علينا هذا .
قلنا : صدقتم فلا تتعلقوا باللغة حيث جاءت الشريعة بنقل اسمٍ منها عن موضوعه في اللغة كما فعلتم آنفاً سواءً بسواءٍ ولا فرق!!!.
قال أبو محمد : ولو كان ما قالوه صحيحاً لوجب أن يُطلق اسمُ الإيمان لكل مَن صدَّق بشيءٍ ما!! ولكان مَن صدَّق بإلهية الحلاج وبإلهية المسيح وبإلهية الأوثان مؤمنين!! لأنهم مصدقون بما صدقوا به!!. وهذا لا يقوله أحدٌ ممن ينتمي إلى الإسلام بل مَن قاله كافرٌ عند جميعهم ، ونصُّ القرآن يكفِّر مَن قال بهذا ، قال الله تعالى {ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا} فهذا الله عز وجل شهِد بأنَّ قوماً يؤمنون ببعض الرسل وبالله تعالى ويكفرون ببعضٍ فلم يجُز مع ذلك أنْ يطلق عليهم اسم الإيمان أصلاً بل أوجب لهم اسم الكفر بنص القرآن.
قال أبو محمد : وقول محمد بن زياد الحريري لازمٌ لهذه الطوائف كلها لا ينفكون عنه على مقتضى اللغة وموجبها وهو قول لم يختلف مسلمان في أنَّه كفرٌ مجرد وأنه خلاف للقرآن كما ذكرنا.
قال أبو محمد : فبطل تعلق هذه الطوائف باللغة جملةً.
وأما قولهم : إنه لو كان العمل يسمَّى إيماناً لكان مَن ضيَّع منه شيئاً فقد أضاع الإيمان ووجب أنْ لا يكون مؤمناً!!
فإني قلتُ لبعضهم وقد ألزمني هذا الإلزام كلاماً تفسيره وبسطه أنَّنا لا نسمِّي في الشريعة اسماً إلا بأنْ يأمرنا الله تعالى أن نسمِّيَه أو يبيح لنا الله بالنصِّ أنْ نسمِّيَه لأننا لا ندري مَا أراد الله عز وجل منا إلا بوحيٍ واردٍ مِن عنده علينا . ومع هذا فإنَّ الله عز وجل يقول منكراً لمن سمى في الشريعة شيئاً بغير إذنه عز وجل {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى أم للإنسان ما تمنى} وقال تعالى{وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا}، فصحَّ أنَّه لا تسميةَ مباحةً لملِك ولا لأنسيٍّ دون الله تعالى ومَن خالف هذا فقد افترى على الله عز وجل الكذب وخالف القرآن . فنحن لا نسمي مؤمناً إلا مَن سماه الله عز وجل مؤمناً ولا نسقط الإيمان بعد وجوبه إلا عمَّن أسقطه الله عز وجل عنه ووجدنا بعض الأعمال التي سماها الله عز وجل إيماناً لم يُسقط الله عز وجل اسمَ الإيمان عن تاركها فلم يجز لنا أن نسقطه عنه لذلك ، لكن نقول إنَّه ضيَّع بعض الإيمان ولم يضيع كله كما جاء النص على ما نبين إن شاء الله تعالى .
قال أبو محمد : فإذا سقطَ كلُّ ما موَّهت به هذه الطوائف كلُّها ولم يبق لهم حجةٌ أصلاً فلنقل بعون الله عز وجل وتأييده في بسط حجة القول الصحيح الذي هو قول جمهور أهل الإسلام ومذهب الجماعة! وأهل السنَّة! وأصحاب الآثار! مِن أنَّ الإيمانَ عقدٌ وقولٌ وعملٌ وفي بسط ما أجملناه مما نقدنا به قول المرجئة وبالله تعالى التوفيق .
قال أبو محمد : أصل الإيمان كما قلنا في اللغة التصديق بالقلب وباللسان معاً بأيِّ شيءٍ صدَّق المصدِّق لا شيءَ دون شيءٍ البتة إلا أنَّ الله عز وجل على لسان رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أوقعَ لفظةَ الإيمان على العَقد بالقلب لأشياءَ محدودةٍ مخصوصةٍ معروفةٍ على العقد لكلِّ شيءٍ ، وأوقعها أيضاً تعالى على الإقرار باللسان بتلك الأشياء خاصةً لا بما سواها وأوقعها أيضاً على أعمال الجوارح لكلِّ ما هو طاعةٌ له تعالى فقط ، فلا يحل لأحدٍ خلاف الله تعالى فيما أنزله وحكم به و هو تعالى خالقُ اللغةِ وأهلِها فهو أملك بتصريفها وإيقاع أسمائها على ما يشاء ولا عجبَ أعجبُ ممن أوجد لأمرىء القيس أو لزهير أو لجرير أو الحطيئة والطرماح أو لأعرابي أسدي بن سلمى أو تميمي أو من سائر أبناء العرب بوَّالٍ على عقبيه!! لفظاً في شعرٍ أو نثرٍ جملةً في اللغة وقطع به ولم يعترض فيه. ثم إذا وجد لله تعالى خالقِ اللغاتِ وأهلِها كلاماً لم يلتفتْ إليه ولا جعله حجةً وجعل يصرفه عن وجهه ويحرفه عن مواضعه ويتحيل في إحالته عما أوقعه الله عليه!! وإذا وجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم كلاماً فَعلَ به مثل ذلك . وتالله لقد كان محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم قبل أن يكرمه الله تعالى بالنُّبوة وأيام كونه فتىً بمكة بلا شك عند كل ذي مسكةٍ مِن عقلٍ أعلم بلغة قومه وأفصح فيها وأولى بأن يكون ما نطق به مِن ذلك حجةً من كل خندفي وقيسي وربيعي وأيادي وتميمي وقضاعي وحميري ، فكيف بعد أن اختصه الله تعالى للنذارة واجتباه للوساطة بينه وبين خلقه وأجرى على لسانه كلامه وضمِن حفظه وحفظ ما يأتي به ؟؟!! … ..
قال أبو محمد : فمِن الآيات التي أوقع الله تعالى فيها اسم الإيمان على أعمال الديانة قوله عز وجل { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم}.
قال أبو محمد : والتصديق بالشيء أي شيء كان لا يمكن البتة أن يقع فيه زيادةٌ ولا نقصٌ وكذلك التصديق بالتوحيد والنبوة لا يمكن البتة أن يكون فيه زيادةٌ ولا نقصٌ لأنه لا يخلو كلُّ معتقدٍ بقلبه أو مقرٍّ بلسانه بأيِّ شيءٍ أقرَّ أو أي شيءٍ اعتقد مِن أحدِ ثلاثةِ أوجهٍ لا رابع لها :
إما أن يصدق بما اعتقد وأقر . وإما أن يكذب بما اعتقد . وأما منزلة بينهما وهي الشك!! فمن المحال أن يكون إنسان مكذباً بما يصدق به ومن المحال أن يشك أحدٌ فيما يصدق به فلم يبقَ إلا أنَّه مصدِّقٌ بما اعتقد بلا شك ، ولا يجوز أن يكون تصديقُ واحدٍ أكثر مِن تصديق آخر لأنَّ أحد التصديقين إذا دخلتْه داخلةٌ فبالضرورة يدري كلُّ ذي حسٍّ سليمٍ أنه قد خرج عن التصديق ولا بد وحصل في الشك لأن معنى التصديق إنما هو أن يقع ويوقن بصحة وجود ما صدَّق به ولا سبيل إلى التفاضل في هذه الصفة فإن لم يقطع ولا أيقن بصحته فقد شك فيه فليس مصدقاً به ، وإذا لم يكن مصدقاً به فليس مؤمناً به فصحَّ أن الزيادة التي ذكر الله عز وجل في الإيمان ليست في التصديق أصلاً ولا في الاعتقاد البتة فهي ضرورةٌ في غير التصديق وليس هاهنا إلا الأعمال فقط فصحَّ يقيناً أن أعمال البر إيمان بنص القرآن وكذلك قول الله عز وجل{فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً} ، وقوله تعالى {الذين قال لهم النَّاس إن النَّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا}. أ.هـ “الفصل” (3/106-108)
وقفات مع رسالة العقائد للأستاذ حسن البنا
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
فهذه بعض وقفات مع “رسالة العقائد” للأستاذ حسن البنَّا ، وأسأل الله أن ينفع بها .
كتاب “العقائد” للأستاذ حسن البنا
أ. المصنَّف
هو الأستاذ حسن البنا مؤسِّسُ جماعةِ “الإخوان المسلمين” (توفي سنة 1949م)، وقد تربى في أحضان الطريقة “الحصافية” وهي طريقةٌ صوفيَّةٌ، وقد ظلَّ ملتزماً بها حتى بعد ما أسَّس الجماعة. قال أبو الحسن الندوي: وقد حدثني كبارُ رجاله وخواصُّ أصحابِه أنه بقِيَ -( أي: حسن البنا ) – متمسكاً بهذه الأشغال والأوراد إلى آخر عهده وفي زحمة أعماله. أ.ه . “التفسير السياسي للإسلام” (ص83). بل وصّرح هو – رحمه الله – أنه كان يزور قبور الأولياء! ويحضر الموالد والاحتفالات البدعيَّةَ. انظر “مذكرات الدعوة والداعية” ( ص 54، 200)
ب. الكتاب
نسب فيه – رحمه الله – للسلف ما ليس من اعتقادهم ، ونبيِّنُ ذلك – إن شاء الله – في المباحث التالية – وهي كلها في الرد عليه إلا النقطة الخامسة فعلى محقق رسالته.
1. قوله إن آيات وأحاديث الصفات من المتشابه وذلك في (ص 392 ) “مجموعة الرسائل”.
ويرد عليه بما يلي:
أ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأما إدخالُ أسماءِ الله وصفاته، أو بعضِ ذلك في المتشابه. الذي استأثر الله بعلم تأويله، فنقول: ما الدليل على ذلك؟ فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة لا أحمد بن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية وهي قوله تعالى { هوَ الذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ… } [ آل عمران /7 ]. ونفى أن يعلم أحد معناه، وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنـزلة الكلام الأعجمي الذي لا يُفهم، وإنما قالوا كلمات لها معانٍ صحيحة، قالوا في أحاديث الصفات: تُمَرُّ كما جاءت، ونهوا عن تأويلات الجهمية – وردُّوها وأبطلوها – التي مضمونها تعطيل النصوص عمّا دلت عليه. ونصوص ” أحمد ” والأئمة قبله بيِّنةٌ في أنهم كانوا يُبطلون تأويلات الجهمية ، ويُقرُّون النصوصَ على ما دلَّتْ عليه من معناها… – إلى أن قالرحمه الله – فهذا اتفاق مِن الأئمةِ على أنَّهم يعلمون معنى هذا المتشابه، وأن لا يُسكت عن بيانه وتفسيره، بل يُبيَّنُ ويفسَّرُ باتفاق الأئمة مِن غيرِ تحريفٍ له عن مواضعه أو إلحادٍ في أسماء الله وآياته. أ.ه ” مجموع الفتاوى” ( 13/294-305).
ب. وقال شيخنا عمر الأشقر حفظه الله: ومرادُ السلفِ بإجرائها على ظاهرها: الجزمُ بأنَّ لها معنى حقيقياً يليق بجلال الله وكماله، وهو المعنى الذي يظهر من اللفظ وفق ما تفقهه العرب من كلامها. أ.ه ” أسماء الله وصفاته” ( ص 121).
2. ذكر في كتابه ( ص 421)” ضمن مجموعة الرسائل “أسماءً لله تعالى غيرَ ثابتةٍ، وذلك اعتماداً منه على حديث ” الترمذي ” والذي فيه عدُّ أسماء الله.
لكنَّ هذا الحديثَ ضعيفٌ لا يصحُّ. قال الترمذي رحمه الله في “السنن”( 5/530-532): هذا حديث غريب -(أي: ضعيف كما هو اصطلاحه ) – حدثنا به غيرُ واحدٍ عن صفوان بن صالح ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح وهو ثقةٌ عند أهل الحديث. وقد روي هذا الحديث من غير وجهٍ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نعلمُ في كثيرِ شيءٍ من الروايات له إسنادٌ صحيح ذَكَرَ الأسماءَ إلا في هذا الحديث.وقد روى”آدم بن أبي إياس” هذا الحديث بإسنادٍ غير هذا عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام -وذكر فيه الأسماء- وليس له إسنادٌ صحيحٌ. أ.ه.
قلت: وقد ضعَّفه – كذلك – الحافظ ابن حجر في ” التلخيص الحبير” ( 4/172)، ونقل تضعيفه عن ابنِ حزمٍ والبيهقى وغيرِهما. وضعَّفه كذلك ” شيخُ الإسلامِ ” رحمه الله في ” مجموع الفتاوى ” ( 22/482).
3. ذَكَرَ – رحمه الله – في ( ص 422) أسماءَ زيادةً على ما في الحديث الضعيف، قائلاً إنَّها من أسماء الله مثل ” ذو الطول ” و” ذو المعارج ” و ” ذو الفضل “.
قال شيخُنا عمر الأشقر حفظه الله: الوارِدُ في الكتاب والسنَّةِ من الأسماء المبدوءة بـ ” ذو” المضافة إلى صفةٍ مِن صفات الله أو فعلٍ من أفعاله أو خلقٍ من مخلوقاته: من أعظم ما يُمدح به ربُّ العزَّةِ، ويدعى به، ولكنَّها لا تدخل في أسمائه الحسنى التسعة والتسعين على الأرجح… أ.ه ” أسماء الله وصفاته ” (ص64) . 4. قال في ( ص 444): وردتْ في القرآن الكريم آياتٌ، وفي السنَّةِ المطهَّرةِ أحاديث توهم بظاهرها مشابهة الحق تبارك وتعالى لخلقه في بعض صفاتهم، نورد بعضها على سبيل المثال… أ.ه ثم ذكر صفة “الوجه” و “العين” و “اليد” و “النفس” و “الاستواء”.
قلت: ذكر الأستاذُ البنَّا بعضَ صفاتِ الله تبارك وتعالى، وسمَّاها “الواجبة والتي يقتضيها كمال الألوهية “، وذكر منها: الوجود والقدم والبقاء والقدرة والسمع والبصر والعلم… الخ – وهي الصفات التي يثبتها الأشاعرة بمقتضى العقل، لا بمقتضى النص – وإليه الإشارة في قول الأستاذ ” الواجبة ” ! ولم نرَهُ ذَكَرَ عبارةَ ” توهم بظاهرها التشبيه ” مع أنها كذلك – على حدِّ قولهم وقاعدتهم- فالله تعالى – مثلا – قال ]إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ… فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا[ [الإنسان/2]. وقال ]حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ[ [ يس/39] أي القمر. وقال ]إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ[ [ المائدة/34] وقال ]يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ[ [ الروم / 19]… الخ. فَلِمَ كانت هذه الصفات لا توهِمُ في ظاهرها التشبيه بينما الصفات الأخرى كاليد والوجه توهم التشبيه في ظاهرها؟.
والجواب عند أهل السنَّةِ: أنَّ كلَّ صفةٍ نثبتها لله تعالى، إنما نثبتها بنصٍّ من كتابِ الله أو سنَّةِ نبيِّهِ عليه السلام مع قطعِ النَّظَرِ عن المشابهة -والأصح أن يقال ” المماثلة “، والتمثيل بدلا من ” المشابهة ” و ” التشبيه ” لأنه لفظ القرآن {ليس كمثله شيء}، ولأنه ما من شيئين إلا ويتشابهان من بعض الوجوه، ومنه صفات الله وصفات الخلق، وأما المماثلة من كل وجه فلا، قطعا. انظر ” مجموع الفتاوى ” ( 3/165-168) فهو تلخيص كلامه رحمه الله- لقوله تعالى: ]لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[وهو ردٌّ على ” المشبهة ” أو ” الممثلة”. ]وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[ [ الشورى/11] وهو ردٌّ على نفاة الصفات الذين ظنوا أن الاشتراك في الاسم يوجب المماثلة.
والعجيب أن الأستاذ البنا، قرَّر هذا، لكن في ” الصفات الواجبة ” – على حدِّ تقسيمه – فقال: والذي يجب أن يَتفطن له المؤمنُ أن المعنى الذي يُقصد باللفظ في صفات الله تبارك وتعالى يختلف اختلافاً كليّاً عن المعنى الذي يُقصد بهذا اللفظِ عينِه في صفاتِ المخلوقين. فأنتَ تقول: الله عالم، والعلم صفةٌ لله تعالى وتقول: فلانٌ عالم ، والعلم صفةٌ لفلان من الناس. فهل يقصد بلفظة ” العلم ” في التركيبين واحد؟ حاشا أن تكون كذلك وإنما علم الله تبارك وتعالى علمٌ لا يتناهى كماله ولا يُعدُّ علمُ المخلوقين شيئاً إلى جانبه وكذلك السمع وكذلك البصر وكذلك الكلام وكذلك القدرة والإرادة. فهذه كلها مدلولاتٌ، الألفاظ فيها تختلف عن مدلولاتها في حق المخلوق مِن حيث الكمال والكيفية اختلافاً كليّاً، لأنه تبارك وتعالى لا يشبه أحداً من خلقه. فتفطَّن لهذا المعنى فإنَّه دقيقٌ. أ.ه.
قلت: ومثل هذا الكلام والتقرير الدقيق! كان ينبغي أن يقال في صفات الله تعالى الأخرى التي قال ” إن ظاهرها يوهم التشبيه “. ورحم الله الإمام مالكاً حين قرر ذلك في قوله “الاستواء معلومٌ ” – أي: معناه في لغة العرب. ومن ظن أن معنى ” معلوم ” أي: موجود مذكور في القرآن فهو جاهل كما قال شيخ الإسلام رحمه الله ” مجموع الفتاوى” ( 5/149) و (13/309)-
والكيف مجهولٌ والإيمان بـــه – أي: بالكيف – واجبٌ، والسؤال عنه – أي: عن الكيف – بدعةٌ “- رواه اللالكائي في ” شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ” (3/441) والبيهقي في “الأسماء والصفات ” (ص 408) وصححه الذهبي وشيخ الإسلام والحافظ ابن حجر. ” مختصر العلو” (ص 141). ” مجموع الفتاوى(5/365). ” فتح الباري ” (13/501) بألفاظ متقاربة ومعنى متحد.
قال الإمام الذهبي رحمه الله: قد صار الظاهرُ اليومَ ظاهرين، أحدهما حقٌّ والثاني باطلٌ. فالحق أن يقول: إنه سميع بصير، مريد، متكلم، حي، عليم، كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهه، خلق آدم بيده، وكلَّم موسى تكليماً، واتخذ إبراهيم خليلاً، وأمثال ذلك، فنمره على ما جاء ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى، ولا نقول: له تأويلٌ يخالف ذلك.
والظاهر الآخر – وهو الباطل والضلال -: أن نعتقد قياس الغائب على الشاهد، ونمثل البارئ بخلقه، تعالى الله عن ذلك، بل صفاته كذاته، فلا عدل له ولا ضدَّ له، ولا نظير له، ولا مثل له، ولا شبيه له، وليس كمثله شيء ولا في ذاته، ولا في صفاته. وهذا أمر يستوي فيه الفقيه والعامي. والله أعلم” سير أعلام النبلاء ” ( 19/449).
وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله – رادّاً على ” البوطي ” وقد جاء بمثل ما جاء به “البنا ” -: نقول له: ليس الأمر كما ذكرت، فليس ظاهرها يدل على مشابهة صفات المخلوقين، وإنما هذا وهمٌ توهمتَه أنتَ، وتوهَّمه غيرُك، وليس هو ظاهرها، لأن ظاهرها هو ما يليق بجلال الله، وصفات الخالق تختص به، وصفات المخلوق تختص به. أ.ه ” تعقيبات على كتاب السلفية ليست مذهباً ” (ص32 ). وانظر ” مجموع الفتاوى ” ( 6/355-358 ) و (20/218 ).
ابن بطال والأشعرية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
فهذه مواضع منتقاة من كلام ابن بطال في شرح البخاري لابن حجر ” فتح الباري ” ، دعت الحاجة لكتابتها تحذيراً من مصنفات الأشعرية التي أفسدت كتب السلف .
وإن نقل ابن حجر لها – مما في شرحه – دون تعقب : يدل على موافقته لها .
وبما أن الإخوة الأفاضل وبخاصة الأخ عبد الله زقيل ينقل لنا ما خالف فيه الحافظ ابن حجر عقيدة السلف : فإنني أشارك في بيان ما أخطأ فيه ابن بطال ، وهو أصل مواضيع المناقشة كما هو معلوم .
وهذه المواضع موجودة في كتاب الشيخ عبد الله الغنيمان ” شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ” .
( 1 ) قال ابن بطال :
ومذهب الأشعري وأبي بكر بن الطيب ، وابن أبي زيد ، والداودي ، وأبي الحسن القابسي ، وجماعة علماء السنة !! : أن القرآن لا يفضل ! بعضه بعضاً ، إذ كله كلام الله وصفته ، وهو غير مخلوق ، ولا يجوز التفاضل إلا في المخلوقات ! . أ.هـ
قال الشيخ عبد الله الغنيمان :
فهذا النقل عمن ذكرهم – قال إحسان : أي : ابن بطال وابن الدراج – ، والزعم بأن هذا مجمع عليه من أهل السنة هو بحسب ظن هؤلاء – يعني ابن بطال ومن يقول ذلك – لأنهم ظنوا أن هذا القول الذي هو عدم المفاضلة لازم لمن يقول ” إن القرآن كلام الله ” فهو من صفاته ، والتفاضل لا يكون إلا في المخلوقات ، والقرآن عندهم غير مخلوق .
وهو ظن خطأ ! فلم ينقل عن أحد من السلف أنه نفى المفاضلة بين آيات القرآن وسوره .
ونحن نطالب مدعي الإجماع على نفي ذلك بالدليل ، ولن يجد ذلك .
والنصوص من الكتاب والسنة تبطل هذه الدعوى كما تقدمت الإشارة إلى ذلك .
وابن بطال – عفا الله عنا وعنه – كثيراً ما ينقل الإجماع على مسائل ؛ الحق على خلافها !! كما ستأتي الإشارة إلى بعضها إن شاء الله .
” شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ” ( ص 57 ، 58 ) .
قال الشيخ الغنيمان – عند حديث ” .. وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ” – :
… والله تعالى اسمه وصفته يختص به ، فرحمة الله صفة له عليا ، صفة كمال ، وسالمة من كل نقص أو عيب يمكن أن يلحق بالمخلوق .
فليست رحمته تعالى عن ضعف أو عجز ، بل عن كمال فضله وإحسانه .
ولا يجوز أن تؤول بالثواب أو العطى أو إرادة ذلك وما أشبهه مما يقوله أهل التأويل !! كما ذكر الحافظ ابن حجر عن شرَّاح البخاري وغيرهم ، كقول ابن بطَّال ! :
( إن المراد برحمته : إرادته ! تقع لمن سبق في علمه أنه ينفعه ، وأما الرحمة التي جعلها في قلوب عباده : فهي من صفات الفعل ! وصفها بأنه خلقها في قلوب عباده ! وهي رقة على المرحوم ، وهو سبحانه منـزه عن الوصف بذلك ! فتتأول بما يليق به !! ) أ.هـ
وذكر من هذا النوع أشياء تخالف نصوص كتاب الله ونصوص سنة النبي صلى الله عليه وسلم كما هي عادته !!!! لأنه عفا الله عنا وعنه على المذهب الأشعري !! الذي يعتمد على تأويل صفات رب العالمين ، وإن كان أحياناً يذكر مذهب السلف فيما ينقله ، ولكنه لا يتبناه !! بل يخلط بينه وبين ما يخالفه !! .
وهذا المذهب – يعني : مذهب الأشعرية الذي عليه أكثر المتأخرين – مخالف لما عليه رسل الله صلى الله عليهم وسلم ، ومخالف لكتبه ، ولما عليه أتباع الرسل ، كما اعترف بذلك يعض كبار علماء هذا المذهب ، كالفخر الرازي ، والجويني ، والغزالي ، والشهرستاني ، وغيرهم ، كما يأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى .
” شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ” ( 1 / 85 ، 86 )
الشعراني وابن حجر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
هذه خرافة في طبقات الشعراني ، أرجو أن يكون في ذكرها تبصرة لأولي الألباب .
قال الشعراني :.. ومنهم : سيدي ! الشيخ محمد بن أحمد الفرغل رضي الله تعالى عنه !! … مِن الرجال المتمكنين أصحاب التصريف .
ومِن كراماته :
… ومرَّ عليه شيخ الإسلام ابن حجر رضي الله عنه ! بمصر يوماً حين جاء في شفاعة لأولاد عمر ، فقال في سرِّه : ما اتَّخذ الله مِن وليٍّ جاهل ، ولو اتَّخذه لعلَّمه – على وجه الإنكار عليه – فقال له : قف يا قاضي ، فوقف فمسكه وصار يضربه ! ويصفعه على وجهه !! ويقول : بل اتَّخذني وعلَّمني !!!. أ.هـ “طبقات الشعراني” (2/95) ط دار البيان العربي . مصر .
التعليق :
1. إما أن يكون الشعراني كاذباً ، أو صادقاً ، فإن كان كاذباً : فلا كلام فيكفيه أن يبوء بإثم الكذب ونشر الخرافة !.
وإن كان صادقاً فلم سكت الحافظ ابن حجر عنه ، وهل وقع عنده تصديق أن هذا الزنديق مِن الأولياء ؟؟
2. أليس في هذه الخرافة ادَّعاء علم الغيب عند هؤلاء المتدثرين بثوب الإسلام ، المدَّعين للولاية ؟؟
3. هل يمكن للأولياء !! أن يُخبرونا لا بما في نفوس أعداء الإسلام علينا ، بل بما يقولونه سرّاً في اجتماعاتهم ؟؟ أم لا يعلمون إلا بما في نفوس المسلمين ؟؟
4. هل ضربُ الوجه وإهانة أهل العلم هو مما علَّم الله هذا الجاهل ؟؟
5. ها أنذا أتكلم على هذا المجنون الزنديق وأشباهه علناً لا سرّاً ، فهل يمكن أن يُخرج واحدٌ مِن الأولياء! يدَه مِن شاشة جهازي فيصفعني!؟؟
انتظروا حتى أخبركم !!!!
6. تكلمنا فيما سبق عن الشعراني وخرافاته فلم يرُق لبعض الناس كشف حقائق هؤلاء الزنادقة ، وذكرنا اعتقاد الحافظ ابن حجر وأنه من الأشاعرة فلم يرُق لهم الحديث ، فماذا سيقول هؤلاء في هذه الخرافة ، والتي جَمعت بين الإثنين ، الشعراني وابن حجر المصفوع على وجهه ؟؟
التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد موته
قال عبد الله علوان في ” تربية الأولاد في الإسلام ” (ص832) :
[ 8- صلاة الحاجة: وهي ركعتان، ثم يدعو بعدهما بهذه الأدعية المأثورة ” لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين… ” ، “اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي، اللهم فشفِّعه فيّ! ]
قلت: وهذه الصلاة غيرُ شرعيَّةٍ، وقد ذكر المصنف لها روايتين مع كلِّ روايةٍ دعاءٌ، وهذا بيانُ تفصيلِ كلِّ روايةٍ:
أ. أما الأولى : ودعاؤها “لا إله إلا الله الحليم… ” ؛ فهي صلاةٌ مرويةٌ – كما قال المصنف – في “الترمذي” ، ولو أنه كلّف نفسَه ورجع إلى “الترمذي” (2/344) لما سطَّر مثلَ هذا فإنه قال رحمه الله عقب روايته الحديث: هذا حديثٌ غريبٌ -(أي: ضعيف كما هو اصطلاحه رحمه الله )- وفي إسناده مقالٌ ، وفائد بن عبد الرحمن يُضعَّف في الحديث ، وفائد هو أبو الورقاء أ.هـ وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: و”فائد” – بالفاء في أوله – وهو ضعيفٌ جدّاً ، وقال البخاري: منكر الحديث ، وقال الحاكم: روى عن ابن أبي أوفى أحاديثَ موضوعةً ، وحديثه هذا رواه أيضا ابن ماجه (1/216) ، والحاكم في “المستدرك” (1/320) وزعم أنه إنما أخرج حديثه شاهداً وهو مستقيم الحديث ، وتعقبه الذهبي بأنه متروك أ.هـ كلام الشيخ أحمد شاكر.
قلت: وحديثه هذا إنما هو عن ابن أبي أوفى فهو حديثٌ ضعيفٌ جدّاً – أو موضوع – ، والمصنف يرى أنه: [ لا يجوز بناء الأحكام على الأحاديث الضعيفة ]، ويبدو أنه يجوز بناؤها على الأحاديث التالفة والموضوعة! .
ب. وأما الصلاة بدعائها الثاني : “اللهم إني أسألك بنبيك… ” فهو ما يسمى عند العلماء “حديث الضرير”، وهو عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه” أن رجلاً ضريرَ البصر أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: ادْعُ الله أَنْ يُعَافِيَني ، قاَلَ “إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لَكَ ، وَإِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ” (وفي روايةٍ “وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ”) ، فَقَالَ: ادْعُهُ ، فأَمَرَهُ أَنْ يتوَضَأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءهُ، فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلى رَبِّي في حَاجَتي هَذه فَتُقْضَى لي، اللَّهُمَّ فشفعهُ ِفيَّ (وَشَفِّعْني فِيهِ) ، قال: ففعل الرجل فبرأ.
رواه أحمد (4/138) ، والترمذي (5/569) ، وابن ماجه (1/441) ، وهو حديثٌ صحيحٌ.
وهذا الحديث لا حجة فيه على التوسل بذات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أو جاهه، لا في حياته ولا بعد مماته، ولا أنه عامٌّ لكلِّ أحدٍ، بل هو خاصٌّ بذلك الصحابي الأعمى، وفي زمن حياة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي دعائه صلى الله عليه وسلم الخاص له ، والأدلة على ذلك كثيرةٌ، منها:
1- أن الأعمى إنما جاء إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ليدعوَ له “ادْعُ الله أَنْ يُعَافِيَنِي”، وهو توسلٌ جائزٌ مشروعٌ، وهو التوسل بدعاء الرجل الصالح في حياته، ولا أصلحَ من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يُتوسل بدعائه ، ومثل هذا: توسل الصحابة بدعاء العباس رضي الله عنه في عهد عمر رضي الله عنه لما أصابهم الجدب.
2- نُصح النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالأفضل، وهو الصبر” وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ”، وإصراره رضي الله عنه على الدعاء “ادْعُهُ”.
3- توجيه النبي صلى الله عليه وسلم الرجلَ الأعمى لنوع آخر من التوسل المشروع، وهو التوسل بالعمل الصالح، فأمَرَه أنْ يتوضأَ ويصليَ ركعتين ويدعوَ لنفسه “فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ… “.
4- أنَّ الأعمى قال “اللهمَّ فَشِفِّعْهُ فيَّ ” ، أي: اقبل شفاعته، أي: دعاءه صلى الله عليه وسلم لي .
5- قول الأعمى “وَشَفِّعْنِي فِيهِ” – ولم يذكرْها المصنف – يعني: اقبل شفاعتي، أي: دعائي في أنْ تقبل شفاعته صلى الله عليه وسلم في ردِّ بصري.
6- لم يفعل أحدٌ من العميان في عصر السلف هذا الأمر، أي: الصلاة والدعاء، لأنهم لم يفهموا الحديث على عمومه، فليس هناك دعاءٌ منه صلى الله عليه وسلم لهم، وقد لقي ربه عز وجل، فكيف سيقولون مثل هذا الدعاء ؟! .
7- ذكر العلماء هذا الحديث في معجزاته صلى الله عليه وسلم كالبيهقي في “دلائل النبوة” وغيره .
ذكر هذه الوجوه: شيخنا الألباني رحمه الله في كتابه النافع “التوسل أنواعه وأحكامه” (ص69 فما بعدها) ، وانظر كلاماً متيناً لشيخ الإسلام رحمه الله على هذا الحديث في كتابه “قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة” (ص185).
– تنبيه
وممَّا يَستدلُّ به بعضُ المبتدعة أن رجلاً أعمى كان يتردد على عثمان بن عفان رضي الله عنه… وأن عثمان بن حنيف أمره بالصلاة والدعاء، وهي قصة ضعيفة ، وزعمهم أن “الطبراني” روى القصة وصححها: تلبيسٌ واضحٌ ، إذ الطبراني رواها مع الحديث السابق، وقال في آخرها : “حديث صحيح”، وهو -رحمه الله- لم يصحِّح القصةَ، وإنما الحديثَ، وهو صحيحٌ كما قال ، وانظر “التوسل” (ص86) و”كشف المتواري” (ص27-76).
من كتاب ” كتاب ” تربية الأولاد في الإسلام ” في ميزان النقد العلمي ” ( ص 191 – 194 )
الشيخ ابن باز يكذب من نسب إليه الفتوى بجواز لبس الصليب
الشيخ ابن باز يكذب من نسب إليه الفتوى بجواز لبس الصليب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد
فقد كثرت الافتراءات على مشايخنا وأئمتنا وطار بهذه الافتراءات بعض مَن لا خلاق عنده فصدقها وأشاعها حسبة للشيطان.
ومِن هذه الافتراءات شريط قلَّد فيه بعضُ مَن لا خوف عنده مِن الله صوت شيخنا وإمامنا عبد العزيز بن باز حفظه الله ، وفيه فتوى بجواز لبس الصليب!! حتى كفره لأجلها بعض الجهلة مِن المهوِّسين والمتصدِّرين حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام.
وقد بعث بعضُ إخواننا مِن “الأردن” رسالةً إلى الشيخ حفظه الله يستوثق منه هذه الفتوى ، فأرسل له الشيخ الرسالة التالية :
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم جعفر عارف العطار وفقه الله لما فيه رضاه وثبته على دينه . آمين.
فقد اطلعتُ على رسالتكم المؤرخة 14 ربيع الأول عام 1417 هـ الموجهة لفضيلة الدكتور محمد بن سعد الشويعر ، حول الشريط المنسوب إليَّ وفيه فتوى عن جواز لبس الصليب ، وأنني أجبتُ بجواز ذلك . فأحيطكم علماً أنَّ هذا لم يصدر مني وأنه كذبٌ عليَّ ولا أصل لذلك جازى الله مَن عمله بما يستحق .
وليست هذه أول كذبة يفتريها بعض المغرضين عليَّ وعلى غيري مِن أصحاب الفضيلة المشايخ وغيرهم ، فقد سبقها كثير ومِن ذلك ما نُشر عندكم في الأردن قبل شهرٍ في صحيفة “الرأي” وغيرها مِن أني أقول بأنَّ المرأة إذا ذهبت للعمل فهي زانية ، فقد ابتسروا مِن كلمةٍ لي صدرت منذ عشرين عاما ما يوافق أهواءهم وعنوانها “حكم مشاركة المرأة للرجل في العمل” وقد نشرت في “مركز الدعوة الإسلامية” بلاهور -الباكستان- ، الطبعة الأولى في ربيع الثاني عام 1399 هـ الموافق مارس 1979 م ، وضُمِّنت كتابنا “مجموع فتاوى ومقالات متنوعة” الجزء الأول من ص (422-432) ، وقد طبع هذا الجزء عام 1408 هـ الموافق 1987 م ، وكان إعادة نشر المقالة هو الرد على أولئك . ونرفق لكم نسخة منها.
ولذا نرجو مِن فضيلتكم تزويدنا بنسخةٍ مِن الشريط الذي نوَّهتم عنه للاطلاع وإجراء ما يلزم .. جعلنا الله وإياكم مِن المتعاونين على الحق ، الناصرين لدين الله ، المعينين على قمع البدع والأهواء .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
مفتي عام المملكة العربية السعودية
(الخاتم)
الرقم : 1477/1 التاريخ : 11/ 5 /1417 هـ
انظر الصورة في الأسفل

