تعليقات علمية على كلام للأخ زين خير الله في تزوج أبناء آدم عليه السلام بأخواتهم.

السؤال

ما الصواب وما الخطأ فيما قاله الأخ المتحدث “زين خير الله” في المقطع؟

الجواب

الحمد لله

بعد الاستماع إلى المقطع يتبين أن الأخ المتحدث زين خير الله وفقه الله ، قد جانب الصواب في مسائل، وتسرع في نفي أمور ثابتة بحجة أنها من الإسرائيليات، ولم يضبط مدلولات القرآن وقواعد التفسير.

وإليك التفصيل العلمي لما ذكره:

أولا:

مسألة زواج أبناء آدم بعضهم من بعض: هنا أخطأ الأخ زين وفقه الله، وقد نفى أَمْرًا أجمع عليه المفسرون سَلَفًا وخَلَفًا.

وادعاؤه أن القرآن لم يذكر شَيْئًا عن تكاثر البشرية خطأ؛ فالله تعالى يقول صراحة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} النساء/ ١.

وهذا نص قرآني صريح على أن جميع البشر جاؤوا من طريق آدم وحواء فحسب، مما يدل ضرورة على زواج الإخوة في بداية الخلق، وهذا لا ينكره أحد كما نص على ذلك الأئمة.

وهذه المسألة فقهية تشريعية تقبل النسخ، وليست مسألة عقائدية كما يظن المتحدث.

واعتراض المتحدث إنما ينبع من افتراض أن كل تحريم في الشريعة أزلي ثابت لا يتغير، وهذا مخالف لما هو مقرر في أصول الفقه من إمكان النسخ والتدرج في الأحكام الفرعية بحسب الحكمة والمصلحة، وقد رأينا فعلاً نظير ذلك في محرمات النكاح ذاتها، كنكاح زوجة الأب، فقد كان في حكم المباح حتى حرمته الشريعة.

فليست المسألة عقدية يلزم منها فساد في أصل الدين، بل هي مسألة فقهية فرعية تحتمل ما تحتمله سائر أحكام النسخ.

قال ابن كثير -رحمه الله-:

وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف، أن الله تعالى قد شرع لآدم عليه السلام أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال.

“تفسير ابن كثير”.

وقال العيني -رحمه الله-:

فلا شك أن نكاح الأخوات كان مشروعًا في شريعة آدم -عليه السلام-، وبه حصل التناسل، وهذا لا ينكره أحد، ثم نسخ ذلك في شريعة غيره.

“شرح سنن أبي داود”.

وقال ابن علان -رحمه الله-:

وكان شريعة آدم عليه السلام؛ أن بطون حواء كانت بمنزلة الأقارب الأباعد، وحكمته تعذر التزوج، فاقتضت مصلحة بقاء النسل تجويز ذلك.

“دليل الفالحين”.

فالأخ المتحدث وفقه الله أراد أن يفسر تصرف آدم عليه السلام بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم! وهذا خطأ؛ لأن الوحي نص بأن لكل نبي شرعة ومنهاجا، مع اتفاقهم في أصل دين الإسلام.

قال الله تعالى:{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} المائدة/٤٨.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:

والذي أنزله الله هو دين واحد، اتفقت عليه الكتب والرسل، وهم متفقون في أصول الدين وقواعد الشريعة، وإن تنوعوا في الشرعة والمنهاج، بين ناسخ ومنسوخ ، فهو شبيه بتنوع حال الكتاب الواحد، فإن المسلمين كانوا أولا مأمورين بالصلاة لبيت المقدس، ثم أمروا أن يصلوا إلى المسجد الحرام، وفي كلا الأمرين إنما اتبعوا ما أنزل الله عز وجل.

“الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح”.

وأما استدلاله بقدرة الله على خلق آدم وعيسى بغير تزاوج للقول بإمكانية تكاثر البشرية دون زواج الإخوة، فهو قياس غير معتبر؛ فنحن لا نشك في قدرة الله، ولكننا نتحدث عن السنَّة الكونية التي أجراها الله في تكاثر بني آدم كما نص القرآن.

وأصل قصة الخلاف بين ابني آدم مذكور في القرآن في قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ} المائدة/ ٢٧، فالنص واضح أن الخلاف في قبول القربان لا في نكاح الأخوات.

فائدة (١) مهمة:

في مقطع قديم -عام ٢٠٢٢ م للأخ المتحدث زين خير الله، سُئل عن شبهة لملحد يستنكر زواج أبناء آدم، فأقر صَرَاحَةً بالحق مبررا إياه بقوله: “أُحِلَّ هذا الأمر لفترة ثم حُرِّم”، وأنه “أمر للضرورة”.

ثم خرج علينا اليوم في عام ٢٠٢٦ م لينكر هذا الإجماع بتمامه، ويقلل من شأن من يقول به، ويصفه بأنه خرافة من الإسرائيليات! فهو بهذا يرد على نفسه، ويهدم قوله القديم دون أن يشعر، ومثل هذه التصرفات لا تصلح وخاصة من الإخوة الذين يناظرون ويجادلون الملاحدة والمبتدعة، فقديمهم منشور مبثوث يسهل العثور عليه ليوقعوهم في الإحراج والتناقض.

فائدة (٢) مهمة:

الأخ المتحدث وفقه الله تحدث حين ضاق ذرعا بشبهة الملحد -في مقطعه القديم-، فاقترح نَظَرِيَّةً ليتخلص من زواج الإخوة، فقال إن الله قد يكون خلق أبناء آدم من أضلاع بعضهم بعضا كما خلق حواء! وقال قولا غلطا: “في ذلك الوقت أصلا لم يكن هناك شريعة”، وهذا ليس صوابا؛ فالأنبياء جَمِيعًا بعثهم الله تعالى بشرع ودين.

والقرآن الكريم يثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن آدم عليه السلام وبنيه كانت تحكمهم شريعة إلهية واضحة، ويدل على ذلك:

​١. تقديم القربان هو فعل تعبدي محض، ولا يكون إلا بتشريع يحدد كيفيته. وقد بين القرآن أن القبول مشروط بالتقوى، مما يعني وجود ميزان شرعي للأعمال، قال تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} المائدة/ ٢٧.

​٢. ابن آدم الصالح كان يعرف بوضوح أن القتل جريمة وإثم، وهذا استدلال بشريعة قائمة تحرم الاعتداء، حيث قال: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} المائدة/ ٢٩.

فمصطلحات الإثم، والنار، والجزاء، لا تُعرف إلا بوحي.

​٣. حين أهبط الله آدم لم يتركه سدًى، بل تكفل له ولذريته بالهدى المشرِّع، قال تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} البقرة/ ٣٨.

​٤. آدم نبي مكلَّم، والنبوة تقتضي تلقي الوحي والأوامر والنواهي لتبليغها لأبنائه، فكيف يُقال إنه لم تكن هناك شريعة؟

ثانيا:

مسألة سبب وجودنا في الأرض وخطيئة آدم عليه السلام:

ما قاله الأخ المتحدث وفقه الله فيه جزء من الصواب لكن تنقصه الدقة.

فالله جل جلاله خلق آدم ليكون خليفة في الأرض كما قال تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} البقرة/ ٣٠، وهذا الإخبار كان قبل خلقه أصلا.

لكن هبوطه إلى الأرض كان بسبب الأكل من الشجرة، وهو هبوط ابتلاء لا هبوط إهانة، لأن الله تاب عليه واجتباه.

ثالثا:

مسألة تحميل حواء مسؤولية الخروج من الجنة:

أصاب الأخ المتحدث في هذه المسألة، فالقول بأن حواء هي سبب الخطيئة وهي من أغوت آدم هو من عقائد أهل الكتاب المحرفة.

وفي ديننا ينسب القرآن الخطأ إليهما مَعًا كما قال تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} البقرة/ ٣٦، وقال: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ} الأعراف/ ٢٠، وتارة ينسبه لآدم عليه السلام وحده: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} طه/ ١٢١.

رابعا:

مسألة مرض نبي الله أيوب عليه السلام:

أصاب المتحدث في نفي القصص المكذوبة حول مرض أيوب عليه السلام كقصة خروج الدود من جسده.

فهذه من الإسرائيليات الباطلة التي تتنافى مع عصمة الأنبياء، إذ إنهم منزهون عن الأمراض المنفرة التي تبعد الناس عنهم.

خامسا:

قوله “إن الله تعالى قادر أن يكثر البشرية بالطريقة التي تليق به تعالى وبجلاله”!:

هذه العبارة التي أطلقها الأخ المتحدث وفقه الله فيها خلل منهجي، وعدم تصور لقواعد الاعتقاد ومصطلحاته، وتوضيح ذلك من وجوه:

١. عبارة “بما يليق بجلاله وعظمته” تقال حَصْرًا في باب “الصفات الإلهية الذاتية و الفعلية”.

فنحن نثبت لله تعالى صفات كالاستواء، والنزول، والمجيء، والرضا، والغضب، ونقول: “على الوجه الذي يليق بجلاله وعظمته”، قَصْدًا لنفي التكييف ونفي المماثلة للمخلوقين.

٢. إطلاق هذه العبارة على أفعال الله في خلقه وتشريعه كطريقة تكاثر البشرية ليس صوابا؛ فخلق الله للبشر وطريقة تكاثرهم ليسا صفة قائمة بذات الله حتى يقال فيها “تليق بجلاله”، بل هي مفعولات ومخلوقات منفصلة عنه سبحانه، وتخضع لمشيئته وحكمته وسننه الكونية، لا لقاعدة “ما يليق بجلاله”.

٣. إن تشريعات الله تعالى وأفعاله في خلقه توصف بأنها مبنية على الحكمة البالغة والعدل والرحمة.

فتشريعه لزواج أبناء آدم في بدء الخليقة كان لحكمة بالغة تقتضيها الضرورة لبقاء النسل، ولا يقال إن هذا التشريع لا يليق بجلال الله، أو أن الطريقة الأخرى هي التي تليق بجلاله! فهذا توظيف غلط لمصطلحات العقيدة في غير محلها؛ للتخلص من الإقرار بما أجمع عليه المفسرون، ولم ينكره أحد.

والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي

٢٣ صفر ١٤٤٨ هـ – ٦ آب ٢٠٢٦ م

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة