الرئيسية بلوق الصفحة 520

الحرف في القرآن الكريم، ما معناه؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أولاً :
بادئ ذي بدء لا يصح أن نحمل الألفاظ الشرعية على المعاني الاصطلاحية المتأخرة – أو على بعضها – دون بيِّنة ودليل ؛ لأن واضع هذه الاصطلاحات لم يرد تبيين معاني تلك الألفاظ الشرعية ، وقد يكون التوافق في الألفاظ فقط دون حقائق المسميات والمعاني .
ومن هذا الباب أود التنبيه على أمرٍ قد يخفى على كثيرين ، وسبب الخطأ فيه هو ما سبق ذِكره .
وهذا الأمر هو الأجر المترتب على قراءة آيات القرآن الكريم ، فالحرف الذي ورد ذِكره في الحديث ليس هو الحرف الذي اصطلح عليه علماء اللغة في بعض إطلاقاته ، وهو ما يسمى ” حروف الهجاء ” .
فإن الحرف عند علماء اللغة والنحو يطلق على حروف الهجاء وعلى الحروف التي ليست باسم ولا فعل وقد جاءت لمعنى في غيرها مثل ” في ” و ” من ” و ” على ” …..
وكما أن لفظ ” الحرف ” يطلق – كذلك – على الكلمة وعلى الجملة الكاملة .

ثانياً :
وهذه بعض النصوص والآثار على إطلاقات لفظ ” حرف ” :
1. إطلاق الحرف على حروف الهجاء :
أ. عن أبي وائل قال جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله فقال يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف ألفاً تجده أم ياءً { مِن ماء غير آسن } أو { مِن ماء غير ياسن } . قال : فقال عبد الله : وكلَّ القرآن قد أحصيتَ غير هذا ! ؟ قال : إني لأقرأ المفصل في ركعة ، فقال عبد الله : هذّاً كهذِّ الشِّعر . رواه مسلم ( 822 ) .
ب . قال البخاري :
باب من دعا صاحبه فنقص من اسمه حرفا وقال أبو حازم عن أبي هريرة قال لي النَّبي صلى الله عليه وسلم يا أبا هر . كتاب الأدب
وروى تحته حديثين وهما :
أ. عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام ، قلت : وعليه السلام ورحمة الله ، قالت : وهو يرى ما لا نرى . رواه البخاري ( 5848 ) ومسلم ( 2447 ) .
ب. عن أنس رضي الله عنه قال : كانت أم سليم في الثقل ، وأنجشة غلام النَّبي صلى الله عليه وسلم يسوق بهنَّ ، فقال النَّبي صلَّى الله عليه وسلم : يا أنجش رويدك سوقك بالقوارير .
رواه البخاري ( 5849 ) .

2. إطلاق الحرف على الكلمة الاصطلاحية سواء كان اسماً أو فعلاً أو حرفاً – وهي أقسام الكلام – واسم حروف الهجاء :
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أقرأني جبريل على حرفٍ ، فلم أزل أستزيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف . رواه البخاري ( 3047 ) ومسلم ( 819 ) .
قال الحافظ ابن حجر :
… وهذه الأحاديث تقوِّي أن المراد بالأحرف : اللغات أو القراءات ، أي : أُنزل القرآن على سبع لغات أو قراءات ، والأحرف : جمع حرف ، مثل : فلس وأفلس ، فعلى الأول يكون المعنى على سبعة أوجه من اللغات ؛ لأن أحد معاني الحرف في اللغة الوجه ، كقوله تعالى { ومن الناس من يعبد الله على حرف } ، وعلى الثاني يكون المراد من إطلاق الحرف على الكلمة مجازا لكونه بعضها . ” فتح الباري ” ( 9 / 24 ) .

3. إطلاق الحرف على الجملة :
أ. عن ابن عباس قال : بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته .
رواه مسلم ( 806 ) .
قال السندي :
( نقيضا ) صوتاً كصوت الباب إذا فتح ، ( أبشر ) من الإبشار ، ( أوتيتهما ) على بناء المفعول وكذا لم يؤتهما ، ( حرفا منهما ) أي : مما فيه من الدعاء ، ( إلا أعطيته ) أي : أعطيت مقتضاه ، والمرجو أن هذا لا يختص به بل يعمه وأمته صلى الله تعالى عليه وسلم .
” حاشية السندي ” ( 2 / 138 ، 139 ) .

ب. عن عائشة قالت : جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة ؟ فقال : لا ، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلِّي . رواه مسلم ( 333 ) .
وقال :
… وفي حديث حماد بن زيد زيادة حرف تركنا ذِكره .
قال النووي :
قوله ” وفي حديث حماد بن زيد زيادة حرف تركنا ذِكره ” : قال القاضي عياض رضي الله عنه : الحرف الذي تركه هو قول ” اغسلي عنك الدم وتوضئي ” ، ذَكر هذه الزيادة النسائي وغيره ، وأسقطها مسلم ؛ لأنها مما انفرد به حماد . ” شرح مسلم ” ( 4 / 22 ) .
وللعلم فقد تكرر كثيراً في كلام الإمام مسلم مثل هذا الاستعمال والإطلاق وكذا وجدته عند الترمذي وأبي داود ، وذلك في تعليقاتهم على الأحاديث وبيان اختلاف الرواة في بعض ألفاظ الحديث وجمله .

ثالثاً :
والذي يظهر أن ” الحرف ” المراد من حديث ابن مسعود في فضل قراءة القرآن هو بالمعنى الثاني وهو الحرف بمعنى الكلمة لا بالمعنى الأول ولا الثالث ! وبيان ذلك :
عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” مَن قرأ حرفاً مِن كتاب الله فله به حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول { الم } حرف ، ولكن ألِف حرف ، ولامٌ حرف ، وميمٌ حرف ” .
رواه الترمذي ( 2910 ) ، وقال : هذا حديث حسن صحيح غريب .
وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 6469 ) .
وإذا دقَّقنا النظر في الحديث وألفاظه نجد أن الأجر كان على الحرف ، والحرف الذي ذَكره النبي صلى الله عليه وسلم مثالاً هو : ألِف ، و لام ، و ميم .
والحرف هنا هو الكلمة التامة أو الضمير دون الحرف الاصطلاحي وإلا لكان الأجر على قراءة الألِف في { الم } هو : ثلاثون حسنة مضاعفة ! لأننا نقرأ هذا الحرف – المراد في الحديث – ثلاثة أحرف اصطلاحية – بالمعنى الأول السابق – وهي : أ ، ل ، م !! لكن ليس هذا هو مقصود الحديث ، بل جعل اللفظ كاملا وهو ” ألِف ” والتي كتبت : ا ، هو الذي يكسب قارئه عشر حسنات مضاعفة !

رابعاً :
ويمكن توضيح ما سبق بمثال ، وهو أن نقول :
ما هو الأجر المترتب على قراءة أول سورة الشرح هو قوله تعالى { ألم نشرح .. } ؟
إنه بحسب المشهور : ثلاثون حسنة مضاعفة لأنهم يقولون : أ : عشر حسنات مضاعفة ، و : ل : كذلك ، و م : كذلك !
ولئن سألتَ هذا القائل : لم قلتَ هذا ؟ لقال لك : لأنها ثلاثة حروف وكل حرف بعشر حسنات !
لكن هل هذا هو الفهم الصحيح للحديث ؟
الجواب : لا .
فالحرف الأول – المراد في الحديث – من أول سورة ” البقرة ” لا يساوي في النطق والقراءة الحرفَ الأول من أول سورة ” الشرح ” فنطق الحرف الأول من الأولى ” ألِف ” بينما نطق الحرف الأول من الثانية ” أَ ” !
وهكذا يقال في الحرف الثاني ” لام ” فإنه لا يساوي ” ل ” ، والحرف الثالث ” ميم ” لا يساوي ” م ” .
وينبغي تذكر أن الأجر لو كان على النطق للحرف الهجائي لكان الأجر على نطقك للحرف الثاني من أول سورة البقرة – مثلا – وهو ” لام ” – ثلاثين حسنة مضاعفة ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الأجر عشر حسنات مضاعفة .
ومثال ثانٍ :
قوله تعالى { ن } في أول سورة ” القلم ” ، مع قوله تعالى { وذا النون } [ الأنبياء / 87 ] !

فمن حيث النطق والقراءة للحرف الأول من سورة ” القلم ” هو مثل قراءة الكلمة كاملة – من غير أل التعريف – مِن الآية الأخرى من سورة ” الأنبياء ” ، فهل يكون أجر قراءة الحرف الأول { ن } مساوياً في الأجر لكلمة كاملة فيها حرفا ” ن ” – عدا عن ” و ” !؟
الجواب : نعم .
فإذا مشيتَ على غير هذا فإنك تجعل قراءة كلمة ” نون ” من سورة الأنبياء بثلاثين حسنة مع جعلك للفظ نفسه وبالنطق نفسه لأول سورة ” القلم ” بعشر حسنات ! وهو ما ليس بظاهر .

فالعبرة إذن بالمثال الذي ذَكره النبي صلى الله عليه وسلم ، والأجر على القراءة للحرف بمعنى الكلمة لا الحرف الهجائي .

خامساً :
فإن قال قائل : يُعكِّر على هذا حديثان :
الأول :
قال الطبراني :
حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الله بن محمد الفهمي قال حدثنا سليمان بن بلال عن أبي عبد العزيز موسى بن عبيدة الربذي عن محمد بن أبي محمد عن عوف بن مالك الأشجعي قال : قال رسول الله : ” مَن قرأ حرفاً مِن القرآن كُتبت له حسنةٌ ، ولا أقول { الم ذلك الكتاب } ولكن الألف حرف ، واللام حرف ، والميم حرف ، والذال حرف ، واللام حرف ، والكاف حرف .
رواه الطبراني في ” المعجم الأوسط ” ( 1 / 101 ) ، وفي ” المعجم الكبير ” ( 18 / 76 ) .

الثاني :
قال البيهقي :
أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن دالويه الدقاق ثنا أحمد بن حفص بن عبد الله حدثني أبي حدثني إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي عن عوف عن مالك الأصمعي أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” مَن قرأ حرفاً مِن القرآن كُتب له بها حسنةٌ ، لا أقول بسم ، ولكن باء ، وسين ، وميم ، ولا أقول { الم } ولكن الألف ، واللام ، والميم ” .
رواه البيهقي في ” شعب الإيمان ” ( 2 / 341 ) .

فالجواب عنهما :
أن الحديث ضعيف ، فيه : موسى بن عبيدة الربذي .
قال على بن المدينى ، عن يحيى بن سعيد القطان : كنا نتقى حديث موسى بن عبيدة تلك الأيام ، ثم قال يحيى : كان بمكة فلم نأته .
وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى : سمعت أحمد بن حنبل يقول : لا تحل عندي الرواية عن موسى بن عبيدة ، قال : فقلت : يا أبا عبد الله لا تحل ؟ قال : عندي ، قلت : فإن سفيان يروي عن موسى بن عبيدة ، و يروي شعبة عنه يقول : حدثنا أبو عبد العزيز الربذي ؟ قال : لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه .
وقال محمد بن إسماعيل الصائغ : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما تحل أو ما تنبغي الرواية عنه ، قلت : مَن يا أبا عبد الله ؟ قال : موسى بن عبيدة الربذى .
وقال أحمد بن الحسن الترمذى : سمعت أحمد بن حنبل يقول : لا تكتب حديث أربعة : موسى بن عبيدة ، و إسحاق بن أبى فروة ، و جويبر ، و عبد الرحمن بن زياد .
وقال البخارى : قال أحمد : منكر الحديث .
وقال أبو طالب : قال أحمد بن حنبل : لما مر حديث موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب ، عن ابن عباس ، قال : هذا متاع موسى بن عبيدة و ضم فمه و عوجه و نفض يده ، وقال : كان لا يحفظ الحديث .
وقال عباس الدوري ، عن يحيى بن معين : لا يحتج بحديثه .
وقال أبو زرعة : ليس بقوى الحديث ، وقال أبو حاتم : منكر الحديث .
وقال الترمذى : يضعف ، وقال النسائى : ضعيف ، وقال في موضع آخر : ليس بثقة ، وقال محمد بن سعد : كان ثقة ، كثير الحديث ، وليس بحجة .
وقال يعقوب بن شيبة : صدوق ، ضعيف الحديث جدّاً ، ومن الناس من لا يكتب حديثه لوهائه ، وضعفه ، وكثرة اختلاطه ، وكان من أهل الصدق .
وقال أبو أحمد بن عدى : وهذه الأحاديث التي ذكرتها لموسى بن عبيدة بأسانيد مختلفة مما ينفرد بها من يرويها عنه ، وعامة متونها غير محفوظة ، و له غير ما ذكرت من الحديث ، والضعف على رواياته بيِّن .
وقال أبو بكر البزار : موسى بن عبيدة رجل مفيد و ليس بالحافظ ، وأحسب أنما قصر به عن حفظ الحديث شغله بالعبادة ، وقال أبو أحمد الحاكم : ليس بالقوى عندهم ، وقال الساجى : منكر الحديث ، و كان رجلا صالحاً ، وكان القطان لا يحدث عنه ، وقد حدث عنه وكيع ، وقال : كان ثقة ، وقد حدث عن عبد الله بن دينار أحاديث لم يتابع عليها .
وذكره البرقي في باب من كان الضعف غالباً في حديثه : وقد تركه بعض أهل العلم ، وقال ابن قانع : فيه ضعف ، وقال ابن حبان : ضعيف .
مختصر من ” تهذيب الكمال ” و ” تهذيب التهذيب ” .

والملاحظ : اتفاق كلمة العلماء – تقريباً – على ضعفه ، ومن قال بأنه ثقة أو صدوق فالمراد أن ذلك في دينه لا في حديثه ، فتأمل ، أو أنه لم يتبين له أمره .

سادساً :
فائدة ( 1 ) :
قال تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } [ الحج / 11 ] .
وحرف هنا بمعنى : شك ، وكل شاك فهو على حرف لا يثبت ولا يدوم .
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال { ومن الناس من يعبد الله على حرف } قال : كان الرجل يقدم المدينة ، فإن ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله قال : هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء . رواه البخاري ( 4465 ) .

فائدة ( 2 )
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
كما كانوا يستعملون الحرف في الاسم فيقولون : هذا حرف غريب ، أي : لفظ الاسم غريب ، وقسَّم سيبويه الكلام إلى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم وفعل ، وكل من هذه الأقسام يسمَّى حرفاً لكن خاصة الثالث أنه حرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل ، وسمَّى حروف الهجاء باسم الحرف وهي أسماء ، ولفظ ” الحرف ” يتناول هذه الأسماء وغيرها ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ” مَن قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات : أما أني لا أقول : { الم } حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ” ، وقد سأل الخليل أصحابَه عن النطق بحرف الزاي من زيد فقالوا : زاي فقال : جئتم بالاسم ، وإنما الحرف ” ز ” .

ثم إن النحاة اصطلحوا على أن هذا المسمَّى في اللغة بالحرف يسمى ” كلمة ” ، وأن لفظ ” الحرف ” يخص لما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل كحروف الجر ونحوها ، وأما ألفاظ حروف الهجاء فيعبر تارة بالحرف عن نفس الحرف من اللفظ وتارة باسم ذلك الحرف ولما غلب هذا الاصطلاح صار يتوهم من اعتاده أنه هكذا في لغة العرب .
” مجموع فتاوى ابن تيمية ” ( 10 / 232، 233 ) .

فائدة ( 3 )
وقال شيخ الإسلام – أيضاً – :
ولفظ الحرف يراد به الاسم والفعل وحروف المعاني واسم حروف الهجاء ، ولهذا سأل الخليل أصحابه : كيف تنطقون بالزاي من زيد ؟ فقالوا : زاي ، فقال : نطقتم بالاسم وإنما الحرف ” زه ” ، فبيَّن الخليل أن هذه التي تسمَّى حروف الهجاء هي أسماء ، وكثيراً ما يوجد في كلام المتقدمين : ” هذا حرف من الغريب ” ، يعبرون بذلك عن الاسم التام ، فقوله صلى الله عليه وسلم : ” فله بكل حرفٍ ” مثَّله بقوله : ” ولكن ألِف حرفٌ ولامٌ حرفٌ وميمٌ حرفٌ ” ، وعلى نهج ذلك : و { ذلك } حرف ، و { الكتاب } حرف ، ونحو ذلك .
وقد قيل : إن ذلك أحرف والكتاب أحرف وروي ذلك مفسَّراً في بعض الطرق .
” مجموع الفتاوى ” ( 12 / 108 ، 109 ) .
قلت : وهذا التفسير في الطرق التي أشار إليها شيخ الإسلام قد بيَّنتُ أنها ضعيفة .

فائدة ( 4 )
وقال ابن مفلح الحنبلي :
واختار الشيخ تقي الدين – [ أي : ابن تيمية ] – أن المراد بالحروف : الكلمة ، سواءً كانت اسماً أو فعلاً أو حرفاً أو اصطلاحاً ، واحتج بالخبر المذكور ، فلولا أن المراد بالحرف الكلمة لا حرف الهجاء : لكان في ” ألف لام ميم ” تسعون حسنة ، والخبر إنما جعل فيها ثلاثين حسنة ، وهذا وإن كان خلافَ المفهوم والمعروف مِن إطلاق الحرف ، فقد استعمله الشارع هنا ، والله أعلم .
” الآداب الشرعيَّة ” ( 2 / 312 ، 313 ) .

والله أعلم

50 فائدة من مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

50 فائدة وقاعدة

من ” مقدمة أصول التفسير “

لشيخ الإسلام ابن تيمية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله 

فهذا ملخص لما احتوته رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية والمسماة ” مقدمة في أصول التفسير ” من قواعد وفوائد ، وأسأل الله تعالى أن ينفع بها .

وما بين المعكوفين هو من نص كلام شيخ الإسلام ، وما بين القوسين في نص كلامه فهو من بياني وتوضيحي .

1. [ فقد سألني بعضُ الإخوان أن أكتبَ له مقدمةً تتضمن…] .

= قلت :  و هذا أحد أسباب التأليف . 

مثال آخر« العقيدة الواسطية » فقد كتبها بناء على رغبة أحد قضاة ” واسط ” تكون عمدة له ولأهل بيته.

و السبب الثاني : أن يكون ذلك ابتداء من المصنف بحسب ما يرى حاجة الناس . 

مثاله : « الصارم المسلول » لشيخ الإسلام ابن تيمية .

و السبب الثالث: أن يُسأل المؤلف سؤالا فيجيب برسالة أو مصنف .

مثاله : « المنار المنيف » لابن القيم .

و السبب الرابع: أن يكون المؤَلف رداً على مبتدع أو ضال أو مؤَلف ضار للناس .

مثاله « منهاج السنة » لشيخ الإسلام ابن تيمية .

= وقوله [ مقدمة ] : يقال في ضبطها :

أ. بفتح الدال المشددة ، وتعني أن الكاتب قدَّمها على متن الكتاب .

ب. وبكسر الدال المشددة ، وتعني أنها تقدِّم الكتاب .

2.  [ فإن الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث و السمين ، و الباطل و الواضح و الحق المبين] .

قلت:  مثاله: تفسير الزمخشري « الكشاف » و الثعلبي و الفخر الرازي .

3. [ و العلم إما نقل مصدق عن معصوم ، و إما قول عليه دليل معلوم ،  و ما سوى ذلك فإما مزيف مردود ، و إما موقوف لا يُعلَم أنه بهرج – ( مغشوش ) –  و لا منقود – ( الجيد من الدراهم) – ] .

قلت : الأول : الحديث الشريف. 

و الثاني : أقوال العلماء المستندة إلى دليل.

و ماسوى ذلك: إما ضعيف أو موضوع ،  و إما شيء متوقف فيه: لا يقبل و لايرد.

4. [ يجب أن يعلم أن النبي صلى الله عليه و سلم بيَّن لأصحابه معاني القرآن  كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى { لتبين للناس ما نزل إليهم } يتناول هذا و هذا ] .

= قلت :  و المسألة فيها خلاف ، و الصواب فيها : أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يبيِّن للأمة كل معاني القرآن و لا ترك تبيينه على الإطلاق و إنما بيَّن ما احتاجوا إليه.

= وقلت : أوجه بيان السنَّة للقرآن :

أ. بيان المجمل : كبيانه صلى الله عليه وسلم لمواقيت الصلاة وعدد ركعاتها ، ومقادير الزكاة .

ب. توضيح المشكل : كتوضيحه صلى الله عليه وسلم لما أشكل على عدي بن حاتم في معنى قوله تعالى { حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } وأنه بياض النهار وسواد الليل .

ج. تخصيص العام : كتخصيصه صلى الله عليه وسلم عموم الظلم في قوله تعالى { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } بأنه الشرك .

د. تقييد المطلق : كتقييد مطلق اليد في قوله تعالى { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } بأنها اليد اليمنى وإلى الرسغ .

هـ. بيان معاني بعض الألفاظ : كبيانه صلى الله عليه وسلم معنى { المغضوب عليهم } وأنهم اليهود ، ومعنى { الضالين } وأنهم النصارى .

و. نسخ أحكام القرآن : كنسخ حكم الثيب الزانية من الحبس في البيوت الوارد في قوله تعالى { حتى يتوفاهن الموت } إلى الرجم .

5. [ تدبر القرآن بدون فهم معانيه لا يمكن ] .

قلت: لذلك روي عن ابن عمر أنه قام على حفظ البقرة عدة سنين ،  وكان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون العشر آيات حتى يتعلموها و يعملوا بها.

6. [كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جداً ، و إن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة] .

قلت: و السبب في كثرة الخلاف بين التابعين بالنسبة إلى عصر الصحابة:

أ. دخول العجم و العجمة على اللسان العربي.

ب. كثرة الأهواء و الفتن.

7. [ كلما كان العصر أشرف كان الإجتماع والإئتلاف و العلم والبيان فيه أكثر] .

8. [ قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به و لهذا يعتمد على تفسيره: الشافعي و البخاري و غيرهما من أهل العلم و كذلك الإمام أحمد و غيره ممن صنف في التفسير] .

9. [الخلاف بين السلف فى التفسير قليل وخلافهم فى الأحكام أكثر من خلافهم فى التفسير وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع الى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد] .

10. [ خلاف التنوع صنفان: أحدهما أن يعبر كل واحد منهما – أي من المختلفين –  عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى فى المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى… كما قيل فى اسم السيف الصارم( بمعنى القاطع ) والمهند( بالنسبةإلى صناعته في الهند )،  وذلك مثل أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله صلى الله عليه وسلم وأسماء القرآن.

فان أسماء الله كلها تدل على مسمى واحد فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضادا

 لدعائه باسم آخر بل الامر كما قال تعالى : { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } …

الصنف الثانى : أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه 

المستمع على النوع… مثل سائل أعجمى سأل عن مسمى لفظ الخبز فأرى رغيفا وقيل له هذا فالاشارة الى نوع هذا لا الى هذا الرغيف وحده.] 

قلت: وذكر رحمه الله صنفين آخرين من اختلاف التنوع فقال:

[    3 – ومن التنازع الموجود عنهم: ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين: إما لكونه مشتركا فى اللفظ – ( اللفظ المشترك : ما اتحد لفظه وتعدد معناه ) –  كلفظ { قسورة } الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد ، ولفظ { عسعس } الذي يراد به إقبال الليل وإدباره.

وأما لكونه متواطئا –  ( المتواطئ : هو الذي طابق لفظه معناه مثل : إنسان، حجر،… ) –  في الأصل ، لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين كالضمائر فى قوله { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } – ( قال بعضهم : الذي دنا هو الله عز وجل ، وقال آخرون : هو جبريل عليه السلام ) –  وكلفظ {  والفجر } – ( قال بعضهم : هو النهار ، وقال آخرون : هو صلاة الفجر ) –  و { والشفع والوتر }  – ( قال بعضهم : المخلوق والخالق ، وقال بعضهم : هو العدد ) –  وما أشبه ذلك .

فمثل هذا قد يجوز أن يراد به كل المعانى التى قالها السلف وقد لا يجوز ذلك.

4–  ومن الأقوال الموجودة عنهم – ويجعلها بعض الناس اختلافا – أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة لا مترادفة… وقلَّ أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدى جميع معناه بل يكون فيه تقريب لمعناه وهذا من أسباب إعجاز القرآن فإذا قال القائل {  يوم تمور السماء موراً } إن المور الحركة كان تقريباً ، إذ المور حركة خفيفة سريعة ] .

11. [ وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة – (  و هي بهذا الإعتبار مترادفة ) –  وعلى الصفة التى تضمنها الاسم – (  و هي بهذا الإعتبار متباينة ) –  كالعليم يدل على الذات والعلم ، والقدير يدل على الذات والقدرة …  ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ممن يدعى الظاهر فقوله من جنس قول غلاة الباطنية القرامطة… فإن أولئك القرامطة الباطنية لا ينكرون اسما هو علم محض كالمضمرات وإنما ينكرون ما فى أسمائه الحسنى من صفات الإثبات] .

12. [ لم يقل أحد من علماء المسلمين إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين وإنما غاية ما يقال أنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ] . 

13. [ معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية ؛ فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب – ( أي الآية و الحديث) – ] .

14. [وقولهم نزلت هذه الآية فى كذا يراد به تارة أنه سبب النزول ويراد به تارة أن ذلك داخل فى الآية وان لم يكن السبب كما تقول عنى بهذه الآية كذا] .

قلت: فللعلماء ثلاث عبارات في سبب النزول إحداها صريحة و الثانية: ظاهرة و الثالثة: محتملة.

فالظاهرة: قولهم “حصل كذا فنزلت الآية” ، مثاله : ” استشار رسول الله صلى الله عليه و سلم في الأسرى (( بدر)) فأنزل الله  { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } “.

و الصريحة: قولهم ” سبب نزول الآية كذا و كذا” ، مثاله : ” سبب نزول آية اللعان كذا و كذا…”. 

ج-  و المحتملة: قولهم ” نزلت هذه الآية في كذا و كذا” –  وهو ما جاء في رسالة شيخ الإسلام – ، مثاله: قوله تعالى { و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } قال أبو أيوب الأنصاري :  نزلت فينا معشر الأنصار ، و قال حذيفة: نزلت في النفقة.

15. [ وقد تنازع العلماء فى قول الصاحب نزلت هذه الآية فى كذا هل يجرى مجرى المسند كما يذكر السبب الذى أنزلت لأجله أو يجرى مجرى التفسير منه الذى ليس بمسند فالبخارى يدخله فى المسند وغيره لا يدخله فى المسند وأكثر المساند على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره بخلاف ما اذا ذكر سببا نزلت عقبه فانهم كلهم يدخلون مثل هذا فى المسند] .

16. [ وإذا عرف هذا فقول أحدهم نزلت فى كذا لا ينافى قول الآخر نزلت فى كذا اذا كان اللفظ يتناولهما كما ذكرناه فى التفسير بالمثال] .

17. [ وإذا ذكر أحدهم لها سبباً نزلت لأجله وذكر الآخر سببا فقد يمكن صدقهما بأن تكون نزلت عقب تلك الأسباب].

قلت:  مثاله:  قوله تعالى {  ما كان للنبي و الذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين و لو كانوا أولي قربى } فإنها نزلت بعد وفاة أبي طالب ووعد النبي صلى الله عليه و سلم الاستغفار له.

و نزلت بعد ما استأذن النبي صلى الله عليه و سلم في الاستغفار لأمِّه ، هكذا روى الصحابة رضي الله عنهم.

18. [الترادف في اللغة قليل ،  وأما في ألفاظ القرآن : فإما نادر وإما معدوم ] .

قلت : والمراد به الترادف في المعاني ، أما الترادف في الأعيان – كأسماء الأسد والسيف – فكثير .

19. [ والعرب تضمِّن الفعل معنى الفعل وتعديه تعديته ، ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض كما يقولون فى قوله { لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } أي : مع نعاجه… والتحقيق : ما قاله نحاة البصرة من التضمين ، فسؤال النعجة يتضمن جمعها وضمها مع نعاجه] .

20. [والاختلاف قد يكون لخفاء الدليل ، أو لذهول عنه ، وقد يكون لعدم سماعه ،  وقد يكون للغلط فى فهم النص ، وقد يكون لاعتقاد معارض راجح ] .

قلت: انظر رسالة شيخ الإسلام « رفع الملام عن الأئمة الأعلام ».

و رسالة الشيخ ابن عثيمين « اختلاف العلماء و موقفنا منه».

21. [ الاختلاف فى التفسير على نوعين: النوع الأول: الخلاف الواقع قي التفسير من جهة النقل ،  و أما النوع الثاني من سببي الاختلاف: و هو ما يعلم بالإستدلال لا بالنقل] .

22. [ جنس المنقول سواء كان عن المعصوم أو غير المعصوم – وهذا هو النوع الأول –  : منه  ما يمكن معرفة الصحيح منه والضعيف ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه.

وهذا القسم الثانى من المنقول وهو ما لا طريق لنا الى جزم بالصدق منه عامته مما لا فائدة فيه فالكلام فيه من فضول الكلام وأما ما يحتاج المسلمون الى معرفته فإن الله نصب على الحق فيه دليلا] .

23. [ فمثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه : اختلافهم في  لون كلب أصحاب الكهف ، وفي البعض الذي ضَرَبَ به موسى من البقرة ، وفي  مقدار سفينة نوح وما كان خشبها ، وفي اسم الغلام الذى قتله الخضر ، ونحو ذلك.

فهذه الأمور طريق العلم بها النقل فما كان من هذا منقولا نقلا صحيحا عن النبى صلى الله عليه وسلم كاسم صاحب موسى أنه الخضر فهذا معلوم.

 وما لم يكن كذلك، بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب… فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة كما ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا حدَّثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه] .

24. [  فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض وما نقل فى ذلك عن بعض الصحابة نقلا صحيحا فالنفس إليه أسكن مما نقل عن بعض التابعين،

أ. لأن احتمال أن يكون سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم أو من بعض من سمعه منه أقوى.

ب. ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين .] .

25. [ الاختلاف الذي لا يعلم صحيحه ولا تفيد حكاية الأقوال فيه هو كالمعرفة لما يروى من الحديث الذى لا دليل على صحته ] .

26. [ المنقولات التي  يُحتاج إليها فى الدين قد نصب الله الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره] .

27. [ المنقول فى التفسير: أكثره كالمنقول فى المغازي والملاحم ، ولهذا قال الإمام أحمد : ثلاثة أمور ليس لها إسناد : التفسير والملاحم والمغازي ] .

28. [ أعلم الناس بالمغازى: أهل المدينة ثم أهل الشام ثم أهل العراق :

 فأهل المدينة أعلم بها لأنها كانت عندهم وأهل الشام كانوا أهل غزو وجهاد ] .

29. [ وأما التفسير:  فإن أعلم الناس به: أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء بن أبى رباح وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم] .

30. [  و المراسيل إذا تعددت طرقها وخلت عن المواطأة قصداً أو الاتفاق بغير قصد : كانت صحيحة قطعاً ] .

قلت : ويعرِّف بعضُهم المرسل بأنه الإسناد الذي سقط منه الصحابي ، وهو خطأ فلو كان الذي سقط من الإسناد هو صحابي لكان الحديث صحيحاً لعدالة الصحابة وعدم تأثير الجهل به .

والصواب أن المرسل هو ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه من غير واسطة .

31. [ لكن مثل هذا – ( أي : الروايات المرسلة و المتعددة الجهات ) – لا تُضبط به الألفاظ والدقائق التى لا تعلم إلا بهذه الطريق ، بل يَحتاج ذلك إلى طريق يثبت بها مثل تلك الألفاظ والدقائق ] .

32. [ الحديث الطويل إذا روي – مثلا – من وجهين مختلفين من غير مواطأة : امتنع عليه أن يكون غلطا، كما امتنع أن يكون كذبا ؛ فإن الغلط لا يكون فى قصة طويلة متنوعة ، وإنما يكون في  بعضها ، فإذا روى هذا قصة طويلة متنوعة ورواها الآخر مثلما رواها الأول من غير مواطأة: امتنع الغلط فى جميعها، كما امتنع الكذب فى جميعها من غير مواطأة ، ولهذا إنما يقع في مثل ذلك غلط فى بعض ما جرى فى القصة ] .

33. [  ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد اذا تلقته الأمة بالقبول تصديقا له – ( إذا كان خبراً ) – أو عملا به – ( إذا كان طلباً ) – أنه يوجب العلم ،  وهذا هو الذى ذكره المصنفون فى أصول الفقه من أصحاب أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا فى ذلك طائفة من اهل الكلام انكروا ذلك ،  ولكن كثيرا من أهل الكلام أو أكثرهم يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسلف على ذلك ] .

34. [ وإذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجبا للقطع به : فالاعتبار في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث ، كما أن الاعتبار فى الإجماع على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر والنهى والإباحة ] .

35. [ وطرف ممن يدعى اتباع الحديث والعمل به كلما وجد لفظاً في  حديث قد رواه ثقة أو رأى حديثاً بإسناد ظاهره الصحة يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة أو يجعله دليلا  له في مسائل العلم مع أن أهل العلم بالحديث يعرفون أن مثل هذا غلط ] .

36. [ وكما أن على الحديث أدلة يعلم بها أنه صدق،  وقد يقطع بذلك ، فعليه أدلة يعلم بها أنه كذب ويقطع بذلك ] .

37. [ وفي التفسير من هذه الموضوعات قطعة كبيرة، مثل الحديث الذى يرويه الثعلبى والواحدى والزمخشرى فى فضائل سور القرآن سورة سورة فإنه موضوع باتفاق أهل العلم ] .

38. [ الثعلبي – ( وهو : أحمد بن إبراهيم النيسابوري ت 427هـ ) – هو في نفسه كان فيه خير ودين وكان حاطب ليل ينقل ما وجد فى كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع.

و الواحدي – ( وهو : علي بن أحمد النيسابوري ت 468 هـ )  – صاحبه كان أبصر منه بالعربية، لكن هو أبعد عن السلامة واتباع السلف.

 والبغوي –  ( وهو : الحسين بن مسعود الفراء ت 510 هـ ) – تفسيره مختصر من الثعلبي، لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة ] .

39. [ وأما النوع الثانى من سببي الاختلاف –  وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل –  فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثنا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم باحسان…

أحدهما:  قوم اعتقدوا معانى ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها – ( مثل من يعتقد نفي الصفات ثم يستدل بقوله تعالى: {  ليس كمثله شيء } ، أو يعتقد جواز التوسل البدعي ثم يستدل بقوله تعالى : { وابتغوا إليه الوسيلة } ) – .

 و الثاني:  قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده مَن كان مِن الناطقين بلغة العرب بكلامه من غير نظر الى المتكلم بالقرآن – ( و هو الله عز و جل )  – والمنزل عليه – ( و هو النبي صلى الله عليه و سلم ) – والمخاطَب به – ( و هم المرسل إليهم ) – .

فالأولون: راعوا المعنى الذى رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان.

و الآخرون: راعَوا مجرد اللفظ ،  وما يجوز أن يريد به عندهم العربى من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم وسياق الكلام ] .

40. [ والأولون صنفان : تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به.

 وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به ] .

41. [ أصول المعتزلة خمسة يسمُّونها هم: التوحيد – ( و هو نفي الصفات و نفي رؤية الله يوم القيامة ، و أن القرآن مخلوق… ) – و العدل – ( و هو عدم خلق الله لأفعال العباد لا خيرها و لا شرها ، و أن الله ما أراد إلا ما أمر به شرعا ، و ما سوى ذلك فإنه يكون بغير مشيئة ) – ،  و المنزلة بين المنزلتين – ( و هي منزلة اخترعوها لمرتكب الكبيرة فلا هو مؤمن و لا هو كافر، و إن كان حكمه في الآخرة عندهم : الخلود في النار!!) – و إنفاذ الوعيد – ( كل ما توعد الله به أصحاب الكبائر فإنه نافذ و لا بد) – و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر – ( و هو الخروج على ولاة الأمر) – ] .

42. [ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة، فصيحا، ويدس البدع فى كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون كصاحب « الكشاف » ونحوه ، حتى إنه يروج على خلق كثير ممن لا يعتقد الباطل من تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله ، وقد رأيت من العلماء المفسرين وغيرهم من يذكر فى كتابه وكلامه من تفسيرهم ما يوافق أصولهم التى يعلم، أو يعتقد فسادها ولا يهتدى لذلك] .

43. [و تفسير ابن عطية وأمثاله: أتبع للسنة والجماعة وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشرى ولو ذكر كلام السلف الموجود فى التفاسير المأثورة عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل ] .

قلت : ابن عطية هو عبد الحق بن عطية الأندلسي الغرناطي ، توفي 546 هـ ، وتفسيره هو ” تفسير ابن عطية ” أو ” المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز” ، وهو مطبوع إلى سورة ” الأنفال ” .

44. [ تفسير ابن جرير الطبرى وهو من أجلِّ التفاسير وأعظمها قدراً ] .

قلت : هو محمد بن جرير الطبري ، توفي 310 هـ ، وكتابه هو ” جامع البيان في تفسير القرآن ” .

45. [ من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا فى ذلك بل مبتدعا وإن كان مجتهداً مغفوراً له خطؤه ].

= قلت : ومن مميزات التفسير في عصر الصحابة :

أ. لم يُفسَّر القرآن كله ، إنما فسِّر بعض منه وهو ما غمض فهمه .

ب. قلة الاختلاف بينهم في فهم معانيه .

ج. ندرة الاستنباط العلمي للأحكام الفقهية وعدم وجود الانتصار للمذاهب الدينية فليس عنهم أهواء وعقائد ضالة .

د. لم يُدوَّن شيء من التفسير في هذا العصر .

هـ. اتخذ التفسير في هذه المرحلة شكل الحديث من حيث الرواية .

= قلت : أدوات الاجتهاد في التفسير عند الصحابة :

أ. معرفة أوضاع اللغة وأسرارها .

ب. معرفة عادات العرب وأحوال اليهود والنصارى .

ج. قوة الفهم وسعة الإدراك .

د. معرفتهم أسباب النزول .

= قلت : من أسباب نبوغ عبد الله بن عباس في التفسير :

أ. دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالعلم بالتأويل .

ب. نشأته في بيت النبوة وملازمته للرسول صلى الله عليه وسلم .

ج. ملازمته لأكابر الصحابة رضي الله عنهم .

د. علمه باللغة العربية .

46. [ و المقصود هنا: التنبيه على مثار الاختلاف فى التفسير، وإن من أعظم أسبابه: البدع الباطلة التى دعت أهلها الى أن حرفوا الكلم عن مواضعه، وفسروا كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بغير ما أريد به، وتأولوه على غير تأويله ] .

47. [ إن أصح الطرق فى تفسير القرآن:

أ- أن يُفسر القرآن بالقرآن ، فما أُجمل في مكان فإنه قد فسر فى موضع آخر ،  وما اختصر من مكان فقد بسط فى موضع آخر.

ب- فإن أعياك ذلك فعليك بالسنَّة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له.

ج- وحينئذ إذا لم نجد التفسير فى القرآن ولا في السنَّة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال التى اختصوا بها ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح.

د- إذا لم تجد التفسير فى القرآن ولا فى السنة ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة فى ذلك إلى أقوال التابعين ] .

48. [ الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد] .

49. [فإنها على ثلاثة أقسام:

أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق ، فذاك صحيح.

والثانى: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.

والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه وتجوز حكايته وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود الى أمر ديني ] .

50. [أحسن ما يكون فى حكاية الخلاف أن تُستوعب الأقوال في ذلك المقام ، وأن ينبه على الصحيح منها ويبطل الباطل ، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته فيشتغل به عن الأهم ، فأما من حكى خلافا فى مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص ؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضا ، فإن صحح غير الصحيح عامداً فقد تعمد الكذب ، أو جاهلا فقد أخطأ ] .

للمزيد من الشرح يراجع ما استفدنا منه :

أ. ” شرح الرسالة ” للشيخ محمد الصالح بن عثيمين .

ب. ” بحوث في أصول التفسير ” للشيخ محمد بن لطفي الصبَّاغ .

ج. ” التفسير والمفسرون ” للدكتور الذهبي .

وكتب علوم القرآن ، ومقدمة ” أضواء البيان ” للشنقيطي رحمه الله .

وقد تمَّ شرح هذه الرسالة المباركة مراراً ، آخرها للإخوة في غرفة ” حامل المسك ” – في البال توك – وفقهم الله .

مع الشكر للذي طبعها ونسَّقها ونشرها .

وكتبه

أبو طارق

إحسان بن محمد بن عايش العتيـبي

وقفات مع كتاب في ظلال القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

فهذه حلقة جديدة من الوقفات مع بعض الكتب المشهورة ليعلم المسلم ما فيها من خطأ فيجتنبه ويذهب كدرها ويصفو له ماؤها قيشرب آمنا مطمئنا ، وإن غلب شرها على خيرها فليطرحه ولا يجازف فلعله يسقط وهو لا يدري.

وكتاب “الظلال” هو للأستاذ سيد قطب رحمه الله ، وأسأل الله أن يكون من الشهداء . لكن الحق أحب إلى أنفسنا من أهلنا . وعلى كل من أحب هذا الأستاذ أن يشارك في تنقيح كتبه ، حتى لا تزيد الآثام ويضل الناس بكلمة منه ، وأخص بالذكر هنا أخاه الأستاذ محمد قطب حفظه الله ، والذي يرفض إلى الآن أي تعديل على كتب أخيه ، وكأنها قرآن مُنزل!!

ولا داعي للمزايدات على الأستاذ ، ولعلي لا أرد على أحد رد على هذا المقال ،إلا من رأيت منه الصدق في البحث عن الحق والصواب ، ولا أدعي هذا لنفسي لكن بالبحث والنقاش تتضح الأمور ويزول الغبش والذهول.

أما “الظلال” للأستاذ سيد قطب رحمه الله: فليس من كتب “التفسير” أصلاً – كما صرّح هو في مقدمة كتابه – وفيه من الملاحظات الشيء الكثيرُ -وقد ذكرتُ هنا أمثلة من “الجزء الأول والثاني فقط” وهما كالمثال لبقية الكتاب- ومنها:

1. إنكارُه حديثَ الآحادِ في العقيدة، وعليه فقد ردَّ بعض الأحاديث الصحيحة في هذا مثل ما جاء في سحرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري ومسلم.

2. الإكثار من الأحاديث الضعيفة والموضوعة مثل حديث “في المال حق سوى الزكاة” فقد رواه الترمذي، وضعفه (3/48). “الظلال” (1/231).

3. تأويله لبعضِ الصفات كصفة الاستواء التي قال عنها إنَّها [رمز السيطرة]. أ.ه‍ ‍”الظلال” (1/54). ومثله صفة العلو والفوقية. “الظلال” (2/1122).

4. مخالفتُه بعضَ الأحاديث الصحيحة، وظاهر الآيات كقوله عن “مسخ اليهود قردة وخنازير” [ وليس من الضروري أنْ يستحيلوا قردة بأجسامهم فقد استحالوا إليها بأرواحهم وأفكارهم] (1/77) ومثل قوله عن قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ الله مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [ البقرة/243] قال [كيف، هل بَعَثَهم مِن موت وردَّ عليهم الحياة؟ هل… لم يَرِدْ عنه تفصيلٌ فلا ضرورة لأن نذهب وراءه في التأويل لئلا نتيه في أساطيرَ لا سندَ لها!.] (1/264).

5. مخالفةُ المفسرين قاطبةً أو إحداثُ رأيٍ في سببِ نزولٍ ليس له دليلٌ. كقوله في قوله تعالى{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ الله أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [ البقرة/114] أنها في [ تحويل القبلة وسعي اليهود لصدِّ المسلمين عن التوجه إلى الكعبة ] “الظلال” (1/104-111). ومثله (4/1915) قوله عن عذاب قومِ لوطٍ بالحجارة إنها [ انفجار بركاني].

6. نفيُ علوِّ الذات لله تعالى بعبارات أشعريَّةٍ اعتزاليَّةٍ كما أشار بقوله عن “الله” تعالى [ الذي لا يتميز في مكان ] (1/128).

7. تغييرُ بعضِ الألفاظ الشرعيَّةِ إلى ألفاظٍ غيرِ شرعيَّةٍ كتسميته “الزكاة” ضريبة (1/161). وتسميتُه الأحكامَ الشرعيَّةَ “القانون” (1/257).

8. كلامُه في ” الفقه” بغيرِ وجهٍ سديدٍ، أو نَقْلُ “إجماع” وليس كذلك. كما قال [فالعمرة ليست فريضةً عند الجميع] (1/194) وقد قال بوجوبها الشافعي في الجديد والإمام أحمد رحمهما الله. انظر “مجموع الفتاوى” (26/5).
وقوله (1/255) عن “المرأة” [ ولها أن تُزوِّجَ نفسَها ممن ترضى ] وهو باطل فقد قال صلى الله عليه وسلم ” أيما امرأة نكحتْ نفسَها بغير إذنِ وليِّها فنكاحها باطلٌ فنكاحها باطلٌ فنكاحها باطلٌ” -رواه أحمد (6/47).الترمذي (3/408). أبو داود (2/229).ابن ماجه (1/605).وحسّنه الترمذي، وصححه شيخنا الألباني في “الإرواء” (6/243)-
وقوله عمَّن استنصر بالكفار إنَّه [خارجٌ مِن الإسلام] (1/385) وهذا من الغلو. والاستنصار بالكفار عظيمٌ وهو من الكبائر، لكن لا يَكفرُ فاعلُه دون الاستفصال.

9. الوَهَمُ والتخليط في رواة الأحاديث. كقوله (1/578) [ روى البخاري بإسناده أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم “اخترْ مِنْهُنَّ أَرْبَعاً”] والحديث إنَّما رواه أحمد (2/44) والترمذي (3/436) وابن ماجه (1/628). وصحَّحه شيخُنا “الألباني” في “الإرواء” (6/291).

10. مخالفةُ اعتقادِ أهلِ السنَّةِ في “حقِّ الأنبياء” كما فعل عند قوله تعالى {وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء/164] قال [ فلا نعلم إلا أنَّه كان كلاماً، ولكن ما طبيعته؟ كيف تم؟ بأيَّةِ حاسَّةٍ أو قوَّةٍ كان موسى يتلقَّاه؟ كلُّ ذلك غيبٌ لم يحدِّثْنا عنه القرآنُ وليس وراء القرآنِ في هذا الباب إلا أساطير لا تستند إلى برهانٍ] (2/805). قلت: وهو يدلُّ على قلة علمه بعقيدةِ أهلِ السنَّةِ، وتناقضِه، فما كان هو الظاهر من القرآن، أو جاء في أحاديثَ صحيحةٍ، قال إنَّها خزعبلات وأساطير وأحاديث آحاد. وما لم يثبت في الشرع أو لم يقله السلف فهو عنده صحيحٌ، ويعتقده! سبحان الله! .

11. التهاونُ مع أهلِ الكتاب حيث قال عند قوله تعالى {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}… : [ إنما يشملهم – (أي: الإسلام) – بجوٍّ من المشاركة الاجتماعيَّة والمودة! والمجاملة والخلطة ] (2/848). وهذا خلاف قوله تعالى {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ} [المجادلة/22] .

وانظر في الردِّ على “الظلال”: “المورد الزلال في التنبيه على أخطاء الظلال” للشيخ عبد الله درويش رحمه الله – ومنه استفدت ما سبق-. و “المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات” للشيخ محمد المغراوي. و “العواصم مما كتب سيد قطب من القواصم” للدكتور ربيع بن هادي المدخلي .

الشيخ بلعام

قال تعالى: { وَاتْلُ عَلَيْهِم نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ وَاتـَّــبَعَ هَوَاهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذيِنَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ سَاءَ مَثَلاً القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ } [الأعراف/175-176-177].
قال ابن القيم رحمه الله: فشبَّه سبحانه مَن آتاه كتابه وعلَّمه العلمَ الذي منعه غيرَه فترك العمل به واتَّبع هواه وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوق على الخالق بالكلب الذي هو مِن أخبث الحيوانات وأوضعها قدراً، وأخسِّها نفساً، وهمَّته لا تتعدى بطنه، وأشدها شرهاً وحرصاً، ومِن حرصه أنَّه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض يتشمَّم ويستروح حرصاً وشرهاً. ولا يزال يَشُمُّ دبره دون سائر أجزائه، وإذا رميتَ إليه بحجرٍ رجع إليه ليعضه من فرط نهمته، وهو مِن أمهن الحيوانات وأحملها للهوان وأرضاها بالدنايا. والجيفُ القذرة المروحة أحبُّ إليه مِن اللحم الطري. والعذرة أحبُّ إليه مِن الحلوى وإذا ظفر بميتةٍ تكفي مائةَ كلـبٍ لم يَدَع كلباً واحداً يتناول منها شيئاً إلاّ هرَّ عليه وقهره لحرصه وبخله وشَرَهِه.
ومِن عجيبِ أمره وحرصه أنَّه إذا رأى ذا هيئةٍ رثةٍ وثيابٍ دنيَّةٍ وحالٍ زرِيَّةٍ نبحه وحمل عليه، كأنَّه يتصور مشاركتَه له ومنازعتَه في قُوتِه. وإذا رأى ذا هيئةٍ حسنةٍ وثيابٍ جميلةٍ ورياسةٍ وضع له خطمه بالأرض، وخضع له ولم يرفع إليه رأسه.
وفي تشبيه مَن آثر الدنيا وعاجلها على اللهِ والدارِ الآخرةِ مع وفور علمه بالكلب في حال لهثه سِرٌّ بديعٌ، وهو أنَّ هذا الذي حاله ما ذكره الله مِن انسلاخه مِن آياته واتباعه هواه إنما كان لشدة لـهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة فهو شديد اللهف عليها، ولـهفه نظير لـهف الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه. واللهف واللهث شقيقان وأخوان في اللفظ والمعنى.
قال ابن جريج: الكلبُ منقطعُ الفؤاد، لا فؤاد له، إنْ تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث فهو مثل الذي يترك الهُدى، لا فؤاد له، إنما فؤاده منقطعٌ.
قلت: مراده بانقطاع فؤاده أنَّه ليس له فؤادٌ يحمله على الصبر عن الدنيا وترك اللهف عليها فهذا يلهف على الدنيا مِن قلة صبره عنها،وهذا يلهث مِن قلة صبره عن الماء، فالكلب مِن أقل الحيوانات صبراً عن الماء، وإذ عطش أكل الثرى من العطش، وإنْ كان فيه صبرٌ على الجوع.
وعلى كلِّ حالٍ فهو مِن أشدِّ الحيوانات لـهثاً، يلهث قائماً وقاعداً وماشياً وواقفاً، وذلك لشدَّة حرصه، فحرارةُ الحرصِ في كبده توجبُ له دوام اللهث.
فهكذا مشبَّهه شدةُ الحرص وحرارةُ الشهوة في قلبه توجب له دوام اللهث، فإنْ حملتَ عليه بالموعظة والنصيحة فهو يلهث، وإن تركتَه ولم تعظْه فهو يلهث.
قال مجاهد: ذلك مثَل الذي أوتي الكتاب ولم يعمل به. وقال ابن عباس: إنْ تحمل عليه الحكمة لم يحملْها، وإن تتركْه لم يهتدِ إلى خيرٍ، كالكلب إنْ كان رابضاً لهث، وإنْ طرد لهث.
وقال الحسن: هو المنافق لا يثبت على الحقِّ، دُعي أو لم يُدْع، وُعظ أو لم يُوعظ، كالكلب يلهث طرداً وتركاً.
وقال عطاء: ينبح إنْ حملتَ عليه أو لم تحمل عليه.
وقال أبو محمد بن قتيبة: كلُّ شيءٍ يلهثُ فإنما يلهثُ مِن إعياءٍ أو عطشٍ إلا الكلب، فإنَّه يلهث في حالِ الكلال وحالِ الراحة وحالِ الصحة وحالِ المرض والعطش فضربه الله مثلاً لمن كذَّب بآياته، وقال: إنْ وعَظْتَه فهو ضالٌّ، وإن ترَكْتَه فهو ضالٌّ، كالكلب إنْ طردتَّهُ لهث وإنْ تركْتَه على حاله لهث ونظيره قوله سبحانه: { وَإِنْ تَدْعُوهُم إِلى الهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُم سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُم أَمْ أَنْتُم صَامِتُونَ } [الأعراف/193].
وتأمَّلْ ما في هذا المثل مِن الحِكم والمعاني:
– فمنها: قوله: { آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا } فأخبر سبحانه أنَّه هو الذي آتاه آياته، فإنَّها نعمةٌ، والله هو الذي أنعم بـها عليه، فأضافها إلى نفسه، ثم قال: { فَانْسَلَخَ مِنْهَا } أي: خرج منها كما تنسلخ الحيَّةُ مِن جلدها، وفارقها فراق الجلد يُسلخ عن اللحم. ولم يقل (فسلخناه منها) لأنَّه هو الذي تسبب إلى انسلاخه منها باتباعه هواه.
– ومنها: قوله سبحانه: { فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَان } أي: لحقه وأدركه، كما قال في قوم فرعون: { فَأَتْبَعُوهُم مُشْرِقِينَ } [الشعراء/60] وكان محفوظاً محروساً بآيات الله محميَّ الجانب بـها من الشيطان لا ينـال منه شيئاً إلا على غِرَّةٍ وخطفة. فلمَّا انسلخ مِن آيات الله ظفِر به الشيطانُ ظفَر الأسد بفريسته {فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ} العاملين بخلاف علمهم الذين يعرفون الحق ويعملون بخلافه كعلماء السوء.
– ومنها: أنَّه سبحانه قال: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } فأخبر سبحانه أنَّ الرفعة عنده ليست بمجرد العلم – فإنَّ هذا كان مِن العلماء- وإنَّما هي باتباع الحق وإيثاره وقصد مرضاة الله، فإنَّ هذا كان مِن أعلم أهل زمانه، ولم يرفعه الله بعلمه ولم ينفعه به، نعوذ بالله مِن علمٍ لا ينفع.
وأخبر سبحانه أنَّه هو الذي يرفع عبدَه إذا شاء بما آتاه من العلم، وإنْ لم يرفعه الله فهو موضوعٌ، لا يرفعُ أحدٌ به رأساً، فإنَّ الربَّ الخافضَ الرافعَ سبحانه خفضه ولم يرفعه. والمعنى: لو شئنا فضَّلناه وشرَّفْناه ورفعنا قدرَه ومنـزلته بالآيات التي آتيناه.
قال ابن عباس: لو شئنا لرفعناه بعلمه.
وقالت طائفة: الضمير في قوله: {لَرَفَعْنَاهُ } : عائدٌ على الكفر والمعنى: لو شئنا لرفعنا عنه الكفر بالإيمان وعصمناه.
وهذا المعنى حقٌّ ، والأول هو مراد الآية، وهذا مِن لوازم المراد ، وقد تقدم أنَّ السلف كثيراً ما ينبهون على لازمِ معنى الآية، فيظنُّ الظانُّ أنَّ ذلك هو المراد منها.
وقوله: { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ }. قال سعيد بن جبير: ركن إلى الأرض، وقال مجاهد: سكن. وقال مقاتل: رضي بالدنيا. وقال أبو عبيدة: لزمها وأبطأ.
والمـُخلِدُ من الرجال: هو الذي يبطىء في مِشْيته، ومِن الدواب: التي تبقى ثناياه إلى أنْ تخرج رَباعيَّتُه. وقال الزجاج: خلد وأخلد، وأصله من الخلود، وهو الدوام والبقاء. يقال: أخلد فلان بالمكان إذا أقام به. قال مالك بن نويرة:
بأبناء حيٍّ مِن قبائل مالك وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا
قلت: ومنه قوله تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِم وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} [الواقعة/17] أي: قد خُلقوا للبقاء لذلك لا يتغيرون ولا يكبرون، وهم على سنٍّ واحدٍ أبداً.
وقيل: هم المقرَّطون في آذانهم، والمسوَّرون في أيديهم. وأصحاب هذا القول فسَّروا اللفظة ببعض لوازمها، وذلك أمارة التخليد على ذلك السنِّ فلا تنافي بين القولين.
وقوله: { فَاتَّبَعَ هَوَاهُ }، قال الكلبي: اتَّبع مسافل الأمور وترك معاليها. وقال أبو رَوْق: اختار الدنيا على الآخرة. وقال عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه. وقال ابن زيد: كان هواه مع القوم، يعني الذين حاربوا موسى وقومه. وقال ابن يمان: اتَّبع امرأته لأنهَّا هي التي حملته على ما فعل.
فإنْ قيل: الاستدراك بـ (لكن) يقتضي أنْ يثبت بعدها ما نفى قبله، أو ينفي ما أثبت كما تقول: (لو شئتُ لأعطيتُه، لكني لم أعطِه) و (لو شئتُ لما فعلتُ كذا لكني فعلتُه).
والاستدراك يقتضي: (ولو شئنا لرفعناه بـها ولكنَّا لم نشأ، أو لم نرفعه)، فكيف استدرك بقوله: { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ } بعد قوله : { لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا }؟
قيل: هذا مِن الكلام الملحوظ فيه جانب المعنى، المعدول فيه عن مراعاة الألفاظ إلى المعاني وذلك أنَّ مضمون قوله: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } أنَّه لم يتعاط الأسباب التي تقتضي رفعه بالآيات: مِن إيثار الله ومرضاته على هواه، ولكنَّه آثر الدنيا وأخلدَ إلى الأرض واتَّبع هواه.
وقال الزمخشري: المعنى: ولو لزم آياتنا لرفعناه بـها، فذكر المشيئة، والمراد: ما هي تابعةٌ له ومسببةٌ عنه، كأنَّه قيل: ولو لزمها لرفعناه بـها. قال: ألا ترى إلى قوله: { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ } فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله، فوجب أنْ يكون { وَلَوْ شِئْنَا } في معنى ما هو فعله، ولو كان الكلام على ظاهره: لوجب أنْ يقال: ولو شئنا لرفعناه، ولكنَّا لم نشأ. ا.هـ.
فهذا من الزمخشري شنشنةٌ نعرفها مِن قدريٍّ نافٍ للمشيئة العامة، مبعد للنُّجعة في جعْلِ كلام الله معتزليّاً قدريّاً. فأين قوله: { وَلَوْ شِئْنَا } مِن قوله: ولو لزمها؟. ثم إذا كان اللزوم لها موقوفاً على مشيئة الله -وهو الحق- بَطَل أصله.
وقوله: (إنَّ مشيئة الله تابعةٌ للزوم الآيات) مِن أفسدِ الكلام وأبطلِه، بل لزومه لآياته تابعٌ لمشيئة الله، فمشيئةُ الله سبحانه متبوعةٌ لا تابعةٌ، وسببٌ لا مسبَّب، وموجب مقتضٍ لا مقتضى، فما شاء الله وجب وجوده، وما لم يشأ امتنع وجوده) ا.هـ .
انظر : ” أعلام الموقعين ” [1/165-169]. وانظر: ” الفوائد ” [ص150].
وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله:
ضرب اللهُ المثلَ لهذا الخسيس الذي آتاه آياته فانسلخ منها: بالكلب، ولم تكن حقارةُ الكلبِ مانعةً مِن ضربه تعالى المثلَ به. وكذلك ضربُ المثلِ بالذباب في قوله: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَ يَسْتَـنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ } [الحج/73] ، وكذلك ضربُ المثلِ ببيتِ العنكبوت في قوله: { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً، وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [العنكبوت/41]. وكذلك ضربُ الله المثلَ بالحمارِ في قوله: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةِ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ } [الجمعة/5] وهذه الآيات تدل على أنَّه تعالى لا يستحيي مِن بيانِ العلوم النفيسة عن طريق ضرب الأمثال بالأشياء الحقيرة. وقد صرَّح بهذا المدلول في قوله: { إنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحِيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } [البقرة/26]. ا.هـ (أضواء البيان [2/303]).

التوبة من الشرك والذنوب في آيتين وبيان معناهما

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

أولاً : يتوهم بعض الناس في آيات الله تعالى المعارضة ، ويظن بعضهم أن بين آياته تعالى تناقضاً ، ومما وقع قديماً وحديثاً : ظن بعضهم التعارض بين قوله تعالى { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [ النساء / 48 ، 116 ] مع قوله تعالى {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ الزمر / 53 ] !
والواضح البيِّن أن لا تعارض بينهما ، وبيانه :

أن الآية الأولى إنما هي في حكم الآخرة وفي حق من لقي الله تعالى بشركٍ لم يتحول عنه إلى إسلام ، وبمعصية لم يتطهر منها .

فالأول : وهو المشرك : كتب الله تعالى على نفسه أنه لا يغفر له البتة .

والثاني : وهو صاحب المعصية الذي لم يتطهر منها : إنما هو في مشيئة الله تعالى إن شاء غفر له ، وإن شاء عذَّبه .

وأما الآية الثانية : فهي في حكم الدنيا ، وهي بشرى من الله لعباده العاصين ، بل والمشركين أنه تعالى يقبل توبتهم جميعاً في حال تطهرهم منها .

فليست الآية الأولى على ما يتوهمه بعضهم من أنها تشمل الدنيا لأن في ذلك إبطالا لنصوص القرآن والسنة واتفاق المسلمين أن من تاب : تاب الله عليه ، وقد قبل الله تعالى توبة المشركين من شركهم والكافرين من كفرهم ، ومن قال هذا فقد قال بقول سلفه من المعتزلة !

وليست الآية الثانية في الآخرة ؛ لأن في ذلك إبطالاً لنصوص الوعيد من القرآن والسنة فضلا عن اتفاق سلف هذه الأمة أنه لا مغفرة لمشرك يوم القيامة لم يتب من شركه ، وفيها إبطال لعقيدة المسلمين أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة أو مؤمنة ، فضلا عن اتفاق المسلمين على هذا خلافاً لمن جهل ساء فهمه – كما قال ابن القيم – فظن أنها عامة في الدنيا والآخرة .
ويؤيد ذلك : الكتاب والسنَّة :
أما الكتاب ففي آيات كثيرة ، منها :
1. قوله تعالى : { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً . إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً } [ الفرقان / 68 – 70 ] .
وهي واضحة الدلالة على مغفرة الله تعالى للذنوب جميعاً – ولو كانت شركاً – بل إن فيها بياناً لفضل عظيم وهو تبديل السيئات حسنات .
ومن دعا مع الله إلها آخر فلم يتب منه ، ولقي الله به : فله نصيب الآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به } .
2. قوله تعالى – على قول – {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } [ النساء / 137 ] .

ويؤيد الأول والثاني أحاديث من السنة كثيرة :
1. ” ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً لقيته بمثلها مغفرة ” .
رواه مسلم ( 2687 ) .
2. عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الدواوين عند الله عز وجل ثلاثة : ديوان لا يعبأ الله به شيئاً ، وديوان لا يترك الله منه شيئاً ، وديوان لا يغفره الله ، فأما الديوان الذي لا يغفره الله : فالشرك بالله قال الله عز وجل { إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة } ، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً : فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها ؛ فإن الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء ، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضاً ، القصاص لا محالة .
رواه أحمد ( 43 / 155 ) والحاكم ( 4 / 185 ) و ( 4 / 619 ) .
وفيه : صدقة بن موسى ، ضعفه يحي بن معين والنسائي ، ولذا ردَّ الإمام الذهبي على الحاكم تصحيح الحديث بقوله : صدقة : ضعفوه ، وابن بابنوس فيه جهالة .
قلت : لكن ابن بابنوس وثقه ابن حبان ، وقال ابن عدي : أحاديثه مشاهير ، وقال الدارقطني : لا بأس به .
انظر ” الثقات ” لابن حبان ( 5 / 548 ) ، ” سؤالات البرقاني ” ( ص 72 ) ، ” الكامل في ضعفاء الرجال ” ( 7 / 278 ) .
وله شاهد :
عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفره الله ، وظلم يغفره ، وظلم لا يتركه الله ، فأما الظلم الذي لا يغفره الله : فالشرك قال الله { إن الشرك لظلم عظيم } ، وأما الظلم الذي يغفره الله : فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم ، وأما الظلم الذي لا يتركه الله : فظلم العباد بعضهم بعضاً حتى يدين لبعضهم من بعض .
قال الهيثمي : رواه البزار عن شيخه أحمد بن مالك القشيري ولم أعرفه وبقية رجاله قد وثقوا على ضعفهم .
” مجمع الزوائد ” ( 10 / 348 ) .
قلت : ولعل الحديث أن يكون حسناً بمجموع الطريقين .

ثانياً : أقوال المفسرين والعلماء :
1. قال الطبري :
القول في تأويل قوله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً } :
يعني بذلك جل ثناؤه : إن الله لا يغفر لـ ” طعمة ” – رجل من المشركين – إذ أشرك ومات على شركه بالله !! ولا لغيره من خلقه بشركهم وكفرهم به .
{ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } يقول : ويغفر ما دون الشرك بالله من الذنوب لمن يشاء ، يعني بذلك جل ثناؤه : أن ” طعمة ” لولا أنه أشرك بالله ومات على شركه ! لكان في مشيئة الله على ما سلف من خيانته ومعصيته وكان إلى الله أمره في عذابه والعفو عنه ، وكذلك حكم كل من اجترم جرماً فإلى الله أمره إلا أن يكون جرمه شركاً بالله وكفراً ! فإنه ممن حتم ! عليه أنه من أهل النار إذا مات على شركه ! فإذا مات على شركه : فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار .  ” التفسير ” ( 5 / 278 ) .
وقال :
وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركاً بالله . ” التفسير ” ( 5 / 126 ) .
وقال الطبري :
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال عنى تعالى ذكره بذلك جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك ! لأن الله عمَّ بقوله { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } جميع ! المسرفين فلم يخصِّص به مسرفاً دون مسرف .
فإن قال قائل : فيغفر الله الشرك ؟
قيل :نعم ، إذا تاب منه المشرك !
وإنما عنى بقوله { إن الله يغفر الذنوب جميعاً } لمن يشاء ، كما قد ذكرنا قبل أن ابن مسعود كان يقرؤه ، وأن الله قد استثنى منه الشرك إذا لم يتب منه صاحبه ، فقال : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فأخبر أنه لا يغفر الشرك إلا بعد توبة بقوله { إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً } فأما ما عداه : فإن صاحبه في مشيئة ربه إن شاء تفضَّل عليه فعفا له عنه ، وإن شاء عدل عليه فجازاه به .
” التفسير ” ( 24 / 16 ، 17 ) .
2. وقال ابن الجوزي :
والمراد من الآية : لا يغفر لمشركٍ مات على شركه ! وفي قوله { لمن يشاء } نعمة عظيمة من وجهين :
أحدهما : أنها تقتضي أن كل ميت على ذنب دون الشرك لا يُقطع عليه بالعذاب وإن مات مصرّاً .
والثاني : أن تعليقه بالمشيئة فيه نفع للمسلمين ، وهو أن يكونوا على خوف وطمع . ” زاد المسير ” ( 2 / 103 ، 104 ) .
3. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :
فصل
في قوله تعالى { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم . و أنيبوا إلى ربكم وأسلموا له } :
وقد ذكرنا في غير موضع أن هذه الآية في حق التائبين !! وأما آيتا النساء : قوله { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فلا يجوز ! أن تكون في حق التائبين كما يقوله من يقوله من المعتزلة !! فإن التائب من الشرك يغفر له الشرك أيضاً بنصوص القرآن واتفاق المسلمين ، وهذه الآية فيها تخصيص وتقييد وتلك الآية فيها تعميم وإطلاق ، هذه خص فيها الشرك بأنه لا يغفره ، وما عداه لم يجزم بمغفرته بل علَّقه بالمشيئة فقال : { و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء } …
والمقصود هنا أن قوله { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً } فيه نهي عن القنوط من رحمة الله تعالى وإن عظمت الذنوب وكثرت فلا يحل لأحد أن يقنط من رحمة الله وإن عظمت ذنوبه ولا أن يقنط الناس من رحمة الله .
قال بعض السلف : إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله ولا يجريهم على معاصي الله ….
فإن قيل : قوله { إن الله يغفر الذنوب جميعاً } معه عموم على وجه الإخبار فدل أن الله يغفر كل ذنب ، ومعلوم أنه لم يرد أن من أذنب من كافرٍ وغيره فإنه يغفر له ولا يعذبه لا في الدنيا ولا في الآخرة ؛ فإن هذا خلاف المعلوم بالضرورة والتواتر والقرآن والإجماع إذ كان الله أهلك أمماً كثيرة بذنوبها ، ومن هذه الأمَّة مَن عُذِّب بذنوبه إما قدراً و إما شرعاً في الدنيا قبل الآخرة ، وقد قال تعالى { من يعمل سوءاً يجز به } وقال { فمن يعمل مثقال ذرَّةٍ خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرَّةٍ شرّاً يره } فهذا يقتضي أن هذه الآية ليست على ظاهرها ، بل المراد أن الله قد يغفر الذنوب جميعا أي : ذلك مما قد يفعله ، أو أنه يغفره لكل تائبٍ .
” مجموع الفتاوى ” ( 16 / 18 – 22 ) .
وقال :
وكذلك قوله { يغفر الذنوب } عام في الذنوب ، مطلق في أحوالها ؛ فإن الذنب قد يكون صاحبه تائباً منه وقد يكون مصرّاً ، واللفظ لم يتعرض لذلك ، بل الكلام يبيِّن أن الذنب يُغفر في حال دون حال ؛ فإن الله أمر بفعل ما تُغفر به الذنوب ونَهى عمَّا به يحصل العذاب يوم القيامة بلا مغفرة فقال { وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون . أن تقول نفسٌ يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين . أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين . أو تقول حين ترى العذاب لو أنَّ لي كرةً فأكون من المحسنين . بلي قد جاءتك آياتي فكذبتَ بها واستكبرتَ وكنتَ من الكافرين } فهذا إخبار أنه يوم القيامة يعذِّب نفوساً لم يغفر لها كالتي كذَّبت بآياته واستكبرت وكانت من الكافرين ، ومثل هذه الذنوب غفرها الله لآخرين لأنهم تابوا منها . ” مجموع الفتاوى ” ( 16 / 27 ) .
وقال ابن تيمية :
والله سبحانه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب بل يغفر الشرك وغيره للتائبين كما قال تعالى { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم } ، وهذه الآية عامَّة مطلقة لأنَّها للتائبين ! ، وأما قوله { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فإنها مقيَّدة خاصَّة لأنَّها في حق غير التائبين ! لا يغفر لهم الشرك ، وما دون الشرك معلَّق بمشيئة الله تعالى .مجموع الفتاوى ( 2 / 358 ) .
وقال ابن تيمية :
وقد قال تعالى في كتابه { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فجعل ما دون ذلك الشرك معلَّقا بمشيئته ، ولا يجوز أن يُحمل هذا على التائب ؛ فإن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره ! كما قال سبحانه في الآية الأخرى { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً } فهنا عمَّم وأطلق ؛ لأن المراد به التائب ! وهناك خصَّ وعلَّق .
( 7 / 484 ، 485 ) .
4. وقال ابن القيم :
الوجه الرابع : أن الذنوب تُغفر بالتوبة النصوح ، فلو بلغت ذنوب العبد عنان السماء وعدد الرمل والحصا ثم تاب منها : تاب الله عليه قال تعالى : { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم } فهذا في حق التائب ! فإن التوبة تجبُّ ما قبلها ، والتائب مِن الذنب كمن لا ذنب له ، والتوحيد يكفِّر الذنوب كما في الحديث الصحيح الإلهي ” ابن آدم لو لقيتَني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لقيتُك بقرابِها مغفرة ” . ” هداية الحيارى ” ( 130 ) .
وقال ابن القيم :
وكاتكال بعضهم على قوله تعالى { إن الله يغفر الذنوب جميعاً } وهذا أيضاً مِن أقبح الجهل ! فإن الشرك داخل في هذه الآية ، فإنه رأس الذنوب وأساسها ، ولا خلاف ! أن هذه الآية في حق التائبين فإنه يغفر ذنب كلِّ تائبٍ أي ذنب كان .
ولو كانت الآية في حق غير التائبين لبطلت نصوص الوعيد كلها وأحاديث إخراج قوم من الموحدين من النار بالشفاعة ، وهذا إنما أوتي صاحبه من قلة علمه وفهمه ! فإنه سبحانه ها هنا عمَّم وأطلق ، فعلم أنه أراد التائبين ، وفي سورة ” النساء ” خصَّص وقيَّد فقال { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فأخبر الله سبحانه أنَّه لا يَغفر الشرك ، وأخبر أنه يغفر ما دونه ، ولو كان هذا في حق التائب لم يفرق بين الشرك وغيره . ” الجواب الكافي ” ( ص 12 ) .
5. وقال ابن كثير :
وهذه الآية التي في سورة تنزيل – أي : الزمر – مشروطة بالتوبة ، فمن تاب من أيِّ ذنب ! وقد تكرر منه : تاب الله عليه ، ولهذا قال { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } أي : بشرط التوبة ، ولو لم يكن كذلك : لدخل الشرك فيه ، ولا يصح ذلك !! لأنه تعالى قد حكم هاهنا بأنه ” لا يغفر الشرك ” ! وحكم بأنه يغفر ما عداه لمن يشاء ! أي : وإن لم يتب صاحبه ، فهذه أرجى من تلك من هذا الوجه ، والله أعلم .
” التفسير ” ( 1 / 512 ) .
6. وقال الشنقيطي :
قوله تعالى { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً } [ النساء / 48 ] ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى لا يغفر الإشراك به ، وأنه يغفر غير ذلك لمن يشاء ، وأن من أشرك به فقد افترى إثماً عظيماً .
وذكر في مواضع أخر : أن محل كونه لا يغفر الإشراك به إذا لم يتب المشرك من ذلك ، فإن تاب : غفر له ، كقواه { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً } الآية ، فإن الاستثناء راجع لقوله { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } وما عطف عليه ؛ لأن معنى الكل جمع في قوله { ومن يفعل ذلك يلق أثاماً } الآية ، وقوله { قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف } …
” أضواء البيان ” ( 1 / 290 ، 291 ) .

والله أعلم

الخوارج ، ورع في خنزير لأهل الكتاب واستحلال تابعي

0

عن أبي مجلز قال بينما عبد الله بن خباب في يد الخوارج إذ أتوا على نخل فتناول رجل منهم تمرة فأقبل عليه أصحابه فقالوا له : أخذتَ تمرةً مِن تمر أهل العهد !!!
وأتوا على خنـزير فنفخه رجل منهم بالسيف ، فأقبل عليه أصحابه فقالوا له قتلتَ خنـزيراً مِن خنازير أهل العهد !!!
قال : فقال عبد الله :
ألا أخبركم مَن هو أعظم عليكم حقا مِن هذا ؟
قالوا : مَن ؟
قال : أنا !! ما تركتُ صلاة ، ولا تركتُ كذا ، ولا تركتُ كذا !!
قال : فقتلوه !!!
قال : فلما جاءهم عليٌّ قال :
أقيدونا بعبد الله بن خباب
قالوا : كيف نقيدك به وكلنا شرك في دمه ؟
فاستحل قتالهم
” مصنف ابن أبي شيبة ” ( 7 / 560 )

وقال الحافظ ابن حجر :
فاستعرضوا الناس – أي : الخوارج – فقتلوا مَن اجتاز بهم من المسلمين
ومرَّ بهم عبد الله بن خباب بن الأرت وكان واليا لعلي على بعض تلك البلاد ومعه سريَّة – أي : أمَة – وهي حامل فقتلوه وبقروا بطن سريته عن ولد!!!

فبلغ عليا فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام فأوقع بهم بالنهروان ولم ينج منهم إلا دون العشرة ولا قتل ممن معه إلا نحو العشرة .
” فتح الباري ” ( 12 / 284 )

شبهة من يرى نجاة تارك جنس العمل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
خاص بالأخت ” محبة الإسلام “
جواباً على ما أردتِ في أول المقال من بعض طلبة العلم :
شبهة يستند إليها من يرى نجاة تارك جنس العمل
لعل اعظم شبهة يستند إليها من يذهب إلى نجاة تارك العمل بالكلية هي أحاديث الشفاعة التي فيها أن الله يخرج من النار أقواما [لم يعملوا خيرا قط ]أو بعبارة [من غير عمل عملوه أو خير قدموه] وهي في الحقيقة شبهة قوية لمن لم يقف على ما سبق من إجماع الأمة الذي نقله الإمام الشافعي رحمه الله وغيره على كفر تارك العمل بالكلية وانه لا يجزئ اعتقاد القلب وقول اللسان مع ترك العمل بالكلية حيث أنه ركن فيه أو لازم له ويقف على تشديد العلماء على من يقول بنجاة تارك العمل بالكلية وأنه من المرجئة كما سبق النقل عن الإمام أحمد وسفيان وغيره ولنأت على هذه الشبهة بما يزيل الإشكال إن شاء الله :فأقول :
إن ظاهر هذا يرد عليه إشكالات عظيمة كالجبال مما يحملنا عل فهمه وفق النصوص الأخرى وما سبق نقله :

أولاً:
أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في كفر تارك الصلاة كقوله ” بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة “
وقوله صلى الله عليه وسلم ” العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر “
هذه النصوص المدعمة بإجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة كما روي عن عبد الله بن شقيق رضي الله عنه قال “لم يكن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة” (تعظيم قدر الصلاة ج: 2 ص: 904)
وروي أيضاً عن جابر رضي الله عنه وذكر الإجماع الإمام ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة وكذلك بن حزم في المحلى وابن تيمه في شرح العمدة وابن القيم في الصلاة وحكم تاركها هذا وإن قدح قادح في الإجماع فلا شك أن جمهور الصحابة يرون كفر تارك الصلاة ،فكيف نقطع بظاهر هذه الأحاديث مع هذا الإجماع من الصحابة أو رأي جمهورهم على الأقل ،خاصة وان الذين حفظ عنهم كفر تارك الصلاة هم الذين رووا أحاديث الشفاعة وفيها أن الله يخرج من النار أقواما لم يعملوا خيرا قط .
فعلى المتشبث بظاهر أحاديث الشفاعة وحديث البطاقة أن يجمع بين فهمه لها وفهم السلف من الصحابة الذين يرون كفر تارك الصلاة وهم مع هذا الذين رووا هذه الأحاديث.

ثانياً :
يلزم المتمسك بظاهر أحاديث الشفاعة أن يخرج من النار من لم يأت بالتوحيد وعمل الشرك لأن اللفظ الوارد مطلق عام يشمل كل الخير وكذلك كل خارج ولا نقول هذا تعسفاً ولكن لما وجدنا أن في كثير من الأحاديث التي فيها لفظ ( لم يعمل خيرا ً قط ) قد استثني فيها بعض الأعمال منها التوحيد كما في حديث الرجل الذي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته وكان أسرف على نفسه ففي الحديث أنه ( لم يعمل خيراً قط إلا التوحيد )

-وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن رجلا لم يعمل خيرا قط وكان يداين الناس فيقول لرسول خذ ما تيسر واترك ما عسر وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا فلما هلك قال الله تعالى (هل عملت خيرا قط قال لا إلا أنه كان لي غلام وكنت أداين الناس فإذا بعثته يتقاضى قلت له خذ ما تيسر واترك ما تعسر وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا قال الله فقد تجاوزت عنك)
-وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:” نزع رجل لم يعمل خيرا قط غصن شوك عن الطريق إما كان في شجرة فقطعه وألقاه وإما كان موضوعا فأماطه فشكر الله له بها فأدخله الجنة)”
ففي الأول استثنى التوحيد وفي الثاني والثالث ذكر أن له أعمال يجازيه الله عليها كل هذا مع قوله -لم يعمل خيرا قط -مما يجعلنا لا نتعسف في قولنا يلزمكم أن يخرج من النار من لم يأت بالتوحيد ويعمل الشرك طالما تمسكتم بظاهر اللفظ ولم توجهوه بما يتوافق مع باقي النصوص وأقوال السلف رحمهم الله .
وإذا أبوا التزام هذا وقالوا هناك نصوص أخر توضح وتقصر الخارجين على الموحدين فقط قلنا أولا خرجتم عن التمسك بظاهر اللفظ أنهم لم يعملوا خيراً قط حيث استثنيتم منهم الموحدين بنصوص أخرى .

ثانيا :
ما المانع أن تعملوا باقي النصوص ويقيد الخارج بالموحد الذي أتى بلوازم التوحيد من (جنس العمل) لا سيما الصلاة وتذكروا قول الإمام ابن تيميه نقلا عن ابي طالب المكي رحمه الله :

” ومن كان عقده الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام فهو كافر كفراً لا يثبت معه توحيد” وقوله ” وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب” فإذا قلت بنجاة من أتى بأصل الإيمان من التوحيد فجنس الأعمال من لوازمه .

ثالثا :
قام بعض أهل العلم بتوجيه هذه اللفظة حيث قال إمام الأئمة ابن خزيمة رحمه الله [ هذه اللفظة ” لم يعملوا خيرا قط ” من الجنس الذي تقول العرب بنفي الاسم عن الشيء لنقصه عن التمام والكمال فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل لم يعملوا خيرا قط على التمام والكمال لا على ما أوجب عليه ….]التوحيد

(أقول: وهذا التوجيه يشهد له حديث المسيء صلاته، حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم;: ” ارجع فصلِ فإنك لم تصل “، فنفى صلاته مع وقوعها، والمراد نفى صحة أدائها، وبه استدل أبو عبيد رحمه الله في مثل هذا.

وكذلك حديث قاتل المائة نفس الذي جاء: ” لم يعمل خيراً قط “؛ لأنه توجه تلقاء الأرض الصالحة، فمات قبل أن يصلها، فرأت ملائكة العذاب أنه لم يعمل خيراً قط بعد؛ إذ لم يزد على أن شرع في سبيل التوبة؛ ولهذا حكم الله تعالى بينهما وبين ملائكة الرحمة بقياس الأرض وإلحاقه بأقرب الدارين، ثم قبض هذه وباعد تلك؛ رحمة منه وإلا كان يهلك).

رابعا :
1) هذا وقد يمكن توجيه هذه النصوص التي تقول بظاهرها إن الشفاعة قد تنال أقواماً لم يعملوا خيراً قط بحالات وأمثلة تدخل في ذلك وقد دلت عليها نصوص أخرى فمنها على سبيل المثال والله تعالى أعلم:
أ – سكان الأطراف البعيدة والجزر النائية، ممن لم يصلهم من الإسلام إلا اسمه، وينتشر فيهم الشرك والجهل بالدين، فهم غافلون عنه أو معرضون عمن تعلمه، ولا يعرفون من أحكامه شيئاً، فهؤلاء لا شك أن فيهم المعذور وفيهم المؤاخذ. والمؤاخذون درجات. فقد يخرج بعضهم عن حكم الإسلام بمرة، وقد يكون ممن لا يخلد في النار…وهكذا مما لا يعلم حقيقته إلا علام الغيوب.
ب – بعض شرار الناس آخر الزمان، حين يفشو الجهل، ويندرس الدين، وعلى هذا جاء حيث حذيفة مرفوعاً: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم : « يَدْرُسُ الإِسْلاَمُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثّوْبِ. حَتّى لاَ يُدْرَىَ مَا صِيَامٌ وَلاَ صَلاَةٌ وَلاَ نُسُكٌ وَلاَ صَدَقَةٌ. وَلَيُسْرَىَ عَلَى كِتَابِ اللّهِ، عَزّ وَجَلّ، فِي لَيْلَةٍ. فَلاَ يَبْقَى فِي الأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ. وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنَ النّاسِ، الشّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ. يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ: لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ. فَنَحْنُ نَقُولُهَا » فَقَالَ لَهُ صِلَةُ: مَا تُغُنِي عَنْهُمْ: لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ، وَهُمْ لاَ يَدْرُونَ مَا صَلاَةٌ وَلاَ صِيَامٌ وَلاَ نُسُكٌ وَلاَ صَدَقَةٌ ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ. ثُمّ رَدّهَا عَلَيْهِ ثَلاَثاً. كُلّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ. ثُمّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الثّالِثَةِ، فَقَالَ: « يَا صِلَةُ تُنْجِيهِمْ مِنَ النّارِ » .
وهذا الحديث بقدر ما يدل على نجاة مخصوصة هو يدل على الأصل والقاعدة ألا ترى أن التابعي عجب وألح في سؤال الصحابي وما ذاك إلا لما علمه التابعون من إجماع الصحابة رضي الله عنهم; على أن تارك العمل ليس بمؤمن ولا ينجو في الدنيا من سيف المؤمنين ولا في الآخرة من عذاب رب العالمين. والله أعلم.
ت – ومنها من عاشوا في أوساط الكفار، ولم يظهروا شيئاً من أحكام الإسلام ولا عملوا بشيء من أحكام الدين، ولم يهاجروا إلى أرض الإسلام فقد ذكر الله أن هؤلاء من تناله الشفاعة يوم القيامة قال تعالى:{ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً. إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفوراً } .

رد ابن حزم على الأشاعرة في مسألة الإيمان

الرد على الأشاعرة في الإيمان


قال أبو محمد : أن الإيمان هو التصديق ، في اللغة فهذا حجة على الأشعرية والجهمية والكرَّامية مبطلة لأقوالهم إبطالا تامًّا كافياً لا يحتاج معه إلى غيره . وذلك قولهم أن الإيمان في اللغة التي بها نزل القرآن هو التصديق فليس كما قالوا على الإطلاق وما سمي قط التصديق بالقلب دون التصديق باللسان إيماناً في لغة العرب وما قال قط عربي أن من صدق شيئا بقلبه فأعلن التكذيب به بقلبه وبلسانه فإنه لا يسمى مصدقاً به أصلاً ولا مؤمناً به البتة .
وكذلك ما سمي قط التصديق باللسان دون التصديق بالقلب إيماناً في لغة العرب أصلا على الإطلاق ، ولا يسمى تصديقاً في لغة العرب ولا إيماناً مطلقاً إلا مَن صدق بالشيء بقلبه ولسانه معاً فبطل تعلق الجهمية والأشعرية باللغة جملةً!!.

ثم نقول لمن ذهب مذهب أبي حنيفة في أن الإيمان إنما هو التصديق باللسان والقلب معا وتعلق في ذلك باللغة : إن تعلقكم باللغة لا حجة لكم فيه أصلاً لأنَّ اللغة يجب فيها ضرورةً أنَّ كلَّ مَن صدَّق بشيءٍ فإنَّه مؤمنٌ به وأنتم والأشعريَّة والجهميَّة والكراميَّة كلكم توقعون اسم الإيمان ولا تطلقونه على كل مَن صدق بشيءٍ ما ، ولا تطلقونه إلا على صفةٍ محدودةٍ دون سائر الصفات وهي مَن صدَّق بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبكلِّ ما جاء به القرآن والبعث والجنة والنار والصلاة والزكاة وغير ذلك مما قد أجمعت الأمة على أنَّه لا يكون مؤمناً مَن لم يصدق به وهذا خلاف اللغة مجرد.
فإن قالوا : إنَّ الشريعةَ أوجبتْ علينا هذا .
قلنا : صدقتم فلا تتعلقوا باللغة حيث جاءت الشريعة بنقل اسمٍ منها عن موضوعه في اللغة كما فعلتم آنفاً سواءً بسواءٍ ولا فرق!!!.
قال أبو محمد : ولو كان ما قالوه صحيحاً لوجب أن يُطلق اسمُ الإيمان لكل مَن صدَّق بشيءٍ ما!! ولكان مَن صدَّق بإلهية الحلاج وبإلهية المسيح وبإلهية الأوثان مؤمنين!! لأنهم مصدقون بما صدقوا به!!. وهذا لا يقوله أحدٌ ممن ينتمي إلى الإسلام بل مَن قاله كافرٌ عند جميعهم ، ونصُّ القرآن يكفِّر مَن قال بهذا ، قال الله تعالى {ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا} فهذا الله عز وجل شهِد بأنَّ قوماً يؤمنون ببعض الرسل وبالله تعالى ويكفرون ببعضٍ فلم يجُز مع ذلك أنْ يطلق عليهم اسم الإيمان أصلاً بل أوجب لهم اسم الكفر بنص القرآن.
قال أبو محمد : وقول محمد بن زياد الحريري لازمٌ لهذه الطوائف كلها لا ينفكون عنه على مقتضى اللغة وموجبها وهو قول لم يختلف مسلمان في أنَّه كفرٌ مجرد وأنه خلاف للقرآن كما ذكرنا.
قال أبو محمد : فبطل تعلق هذه الطوائف باللغة جملةً.

وأما قولهم : إنه لو كان العمل يسمَّى إيماناً لكان مَن ضيَّع منه شيئاً فقد أضاع الإيمان ووجب أنْ لا يكون مؤمناً!!
فإني قلتُ لبعضهم وقد ألزمني هذا الإلزام كلاماً تفسيره وبسطه أنَّنا لا نسمِّي في الشريعة اسماً إلا بأنْ يأمرنا الله تعالى أن نسمِّيَه أو يبيح لنا الله بالنصِّ أنْ نسمِّيَه لأننا لا ندري مَا أراد الله عز وجل منا إلا بوحيٍ واردٍ مِن عنده علينا . ومع هذا فإنَّ الله عز وجل يقول منكراً لمن سمى في الشريعة شيئاً بغير إذنه عز وجل {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى أم للإنسان ما تمنى} وقال تعالى{وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا}، فصحَّ أنَّه لا تسميةَ مباحةً لملِك ولا لأنسيٍّ دون الله تعالى ومَن خالف هذا فقد افترى على الله عز وجل الكذب وخالف القرآن . فنحن لا نسمي مؤمناً إلا مَن سماه الله عز وجل مؤمناً ولا نسقط الإيمان بعد وجوبه إلا عمَّن أسقطه الله عز وجل عنه ووجدنا بعض الأعمال التي سماها الله عز وجل إيماناً لم يُسقط الله عز وجل اسمَ الإيمان عن تاركها فلم يجز لنا أن نسقطه عنه لذلك ، لكن نقول إنَّه ضيَّع بعض الإيمان ولم يضيع كله كما جاء النص على ما نبين إن شاء الله تعالى .
قال أبو محمد : فإذا سقطَ كلُّ ما موَّهت به هذه الطوائف كلُّها ولم يبق لهم حجةٌ أصلاً فلنقل بعون الله عز وجل وتأييده في بسط حجة القول الصحيح الذي هو قول جمهور أهل الإسلام ومذهب الجماعة! وأهل السنَّة! وأصحاب الآثار! مِن أنَّ الإيمانَ عقدٌ وقولٌ وعملٌ وفي بسط ما أجملناه مما نقدنا به قول المرجئة وبالله تعالى التوفيق .

قال أبو محمد : أصل الإيمان كما قلنا في اللغة التصديق بالقلب وباللسان معاً بأيِّ شيءٍ صدَّق المصدِّق لا شيءَ دون شيءٍ البتة إلا أنَّ الله عز وجل على لسان رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أوقعَ لفظةَ الإيمان على العَقد بالقلب لأشياءَ محدودةٍ مخصوصةٍ معروفةٍ على العقد لكلِّ شيءٍ ، وأوقعها أيضاً تعالى على الإقرار باللسان بتلك الأشياء خاصةً لا بما سواها وأوقعها أيضاً على أعمال الجوارح لكلِّ ما هو طاعةٌ له تعالى فقط ، فلا يحل لأحدٍ خلاف الله تعالى فيما أنزله وحكم به و هو تعالى خالقُ اللغةِ وأهلِها فهو أملك بتصريفها وإيقاع أسمائها على ما يشاء ولا عجبَ أعجبُ ممن أوجد لأمرىء القيس أو لزهير أو لجرير أو الحطيئة والطرماح أو لأعرابي أسدي بن سلمى أو تميمي أو من سائر أبناء العرب بوَّالٍ على عقبيه!! لفظاً في شعرٍ أو نثرٍ جملةً في اللغة وقطع به ولم يعترض فيه. ثم إذا وجد لله تعالى خالقِ اللغاتِ وأهلِها كلاماً لم يلتفتْ إليه ولا جعله حجةً وجعل يصرفه عن وجهه ويحرفه عن مواضعه ويتحيل في إحالته عما أوقعه الله عليه!! وإذا وجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم كلاماً فَعلَ به مثل ذلك . وتالله لقد كان محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم قبل أن يكرمه الله تعالى بالنُّبوة وأيام كونه فتىً بمكة بلا شك عند كل ذي مسكةٍ مِن عقلٍ أعلم بلغة قومه وأفصح فيها وأولى بأن يكون ما نطق به مِن ذلك حجةً من كل خندفي وقيسي وربيعي وأيادي وتميمي وقضاعي وحميري ، فكيف بعد أن اختصه الله تعالى للنذارة واجتباه للوساطة بينه وبين خلقه وأجرى على لسانه كلامه وضمِن حفظه وحفظ ما يأتي به ؟؟!! … ..

قال أبو محمد : فمِن الآيات التي أوقع الله تعالى فيها اسم الإيمان على أعمال الديانة قوله عز وجل { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم}.
قال أبو محمد : والتصديق بالشيء أي شيء كان لا يمكن البتة أن يقع فيه زيادةٌ ولا نقصٌ وكذلك التصديق بالتوحيد والنبوة لا يمكن البتة أن يكون فيه زيادةٌ ولا نقصٌ لأنه لا يخلو كلُّ معتقدٍ بقلبه أو مقرٍّ بلسانه بأيِّ شيءٍ أقرَّ أو أي شيءٍ اعتقد مِن أحدِ ثلاثةِ أوجهٍ لا رابع لها :
إما أن يصدق بما اعتقد وأقر . وإما أن يكذب بما اعتقد . وأما منزلة بينهما وهي الشك!! فمن المحال أن يكون إنسان مكذباً بما يصدق به ومن المحال أن يشك أحدٌ فيما يصدق به فلم يبقَ إلا أنَّه مصدِّقٌ بما اعتقد بلا شك ، ولا يجوز أن يكون تصديقُ واحدٍ أكثر مِن تصديق آخر لأنَّ أحد التصديقين إذا دخلتْه داخلةٌ فبالضرورة يدري كلُّ ذي حسٍّ سليمٍ أنه قد خرج عن التصديق ولا بد وحصل في الشك لأن معنى التصديق إنما هو أن يقع ويوقن بصحة وجود ما صدَّق به ولا سبيل إلى التفاضل في هذه الصفة فإن لم يقطع ولا أيقن بصحته فقد شك فيه فليس مصدقاً به ، وإذا لم يكن مصدقاً به فليس مؤمناً به فصحَّ أن الزيادة التي ذكر الله عز وجل في الإيمان ليست في التصديق أصلاً ولا في الاعتقاد البتة فهي ضرورةٌ في غير التصديق وليس هاهنا إلا الأعمال فقط فصحَّ يقيناً أن أعمال البر إيمان بنص القرآن وكذلك قول الله عز وجل{فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً} ، وقوله تعالى {الذين قال لهم النَّاس إن النَّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا}. أ.هـ “الفصل” (3/106-108)

وقفات مع رسالة العقائد للأستاذ حسن البنا

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
فهذه بعض وقفات مع “رسالة العقائد” للأستاذ حسن البنَّا ، وأسأل الله أن ينفع بها .
كتاب “العقائد” للأستاذ حسن البنا

أ. المصنَّف
هو الأستاذ حسن البنا مؤسِّسُ جماعةِ “الإخوان المسلمين” (توفي سنة 1949م)، وقد تربى في أحضان الطريقة “الحصافية” وهي طريقةٌ صوفيَّةٌ، وقد ظلَّ ملتزماً بها حتى بعد ما أسَّس الجماعة. قال أبو الحسن الندوي: وقد حدثني كبارُ رجاله وخواصُّ أصحابِه أنه بقِيَ -( أي: حسن البنا ) – متمسكاً بهذه الأشغال والأوراد إلى آخر عهده وفي زحمة أعماله. أ.ه‍ ‍. “التفسير السياسي للإسلام” (ص83). بل وصّرح هو – رحمه الله – أنه كان يزور قبور الأولياء! ويحضر الموالد والاحتفالات البدعيَّةَ. انظر “مذكرات الدعوة والداعية” ( ص 54، 200)

ب. الكتاب
نسب فيه – رحمه الله – للسلف ما ليس من اعتقادهم ، ونبيِّنُ ذلك – إن شاء الله – في المباحث التالية – وهي كلها في الرد عليه إلا النقطة الخامسة فعلى محقق رسالته.
1. قوله إن آيات وأحاديث الصفات من المتشابه وذلك في (ص 392 ) “مجموعة الرسائل”.
ويرد عليه بما يلي:
أ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأما إدخالُ أسماءِ الله وصفاته، أو بعضِ ذلك في المتشابه. الذي استأثر الله بعلم تأويله، فنقول: ما الدليل على ذلك؟ فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة لا أحمد بن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية وهي قوله تعالى { هوَ الذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ… } [ آل عمران /7 ]. ونفى أن يعلم أحد معناه، وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنـزلة الكلام الأعجمي الذي لا يُفهم، وإنما قالوا كلمات لها معانٍ صحيحة، قالوا في أحاديث الصفات: تُمَرُّ كما جاءت، ونهوا عن تأويلات الجهمية – وردُّوها وأبطلوها – التي مضمونها تعطيل النصوص عمّا دلت عليه. ونصوص ” أحمد ” والأئمة قبله بيِّنةٌ في أنهم كانوا يُبطلون تأويلات الجهمية ، ويُقرُّون النصوصَ على ما دلَّتْ عليه من معناها… – إلى أن قالرحمه الله – فهذا اتفاق مِن الأئمةِ على أنَّهم يعلمون معنى هذا المتشابه، وأن لا يُسكت عن بيانه وتفسيره، بل يُبيَّنُ ويفسَّرُ باتفاق الأئمة مِن غيرِ تحريفٍ له عن مواضعه أو إلحادٍ في أسماء الله وآياته. أ.ه‍ ‍ ” مجموع الفتاوى” ( 13/294-305).
ب. وقال شيخنا عمر الأشقر حفظه الله: ومرادُ السلفِ بإجرائها على ظاهرها: الجزمُ بأنَّ لها معنى حقيقياً يليق بجلال الله وكماله، وهو المعنى الذي يظهر من اللفظ وفق ما تفقهه العرب من كلامها. أ.ه‍ ‍ ” أسماء الله وصفاته” ( ص 121).

2. ذكر في كتابه ( ص 421)” ضمن مجموعة الرسائل “أسماءً لله تعالى غيرَ ثابتةٍ، وذلك اعتماداً منه على حديث ” الترمذي ” والذي فيه عدُّ أسماء الله.
لكنَّ هذا الحديثَ ضعيفٌ لا يصحُّ. قال الترمذي رحمه الله في “السنن”( 5/530-532): هذا حديث غريب -(أي: ضعيف كما هو اصطلاحه ) – حدثنا به غيرُ واحدٍ عن صفوان بن صالح ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح وهو ثقةٌ عند أهل الحديث. وقد روي هذا الحديث من غير وجهٍ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نعلمُ في كثيرِ شيءٍ من الروايات له إسنادٌ صحيح ذَكَرَ الأسماءَ إلا في هذا الحديث.وقد روى”آدم بن أبي إياس” هذا الحديث بإسنادٍ غير هذا عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام -وذكر فيه الأسماء- وليس له إسنادٌ صحيحٌ. أ.ه‍.
قلت: وقد ضعَّفه – كذلك – الحافظ ابن حجر في ” التلخيص الحبير” ( 4/172)، ونقل تضعيفه عن ابنِ حزمٍ والبيهقى وغيرِهما. وضعَّفه كذلك ” شيخُ الإسلامِ ” رحمه الله في ” مجموع الفتاوى ” ( 22/482).

3. ذَكَرَ – رحمه الله – في ( ص 422) أسماءَ زيادةً على ما في الحديث الضعيف، قائلاً إنَّها من أسماء الله مثل ” ذو الطول ” و” ذو المعارج ” و ” ذو الفضل “.
قال شيخُنا عمر الأشقر حفظه الله: الوارِدُ في الكتاب والسنَّةِ من الأسماء المبدوءة بـ ” ذو” المضافة إلى صفةٍ مِن صفات الله أو فعلٍ من أفعاله أو خلقٍ من مخلوقاته: من أعظم ما يُمدح به ربُّ العزَّةِ، ويدعى به، ولكنَّها لا تدخل في أسمائه الحسنى التسعة والتسعين على الأرجح… أ.ه‍ ‍ ” أسماء الله وصفاته ” (ص64) . 4. قال في ( ص 444): وردتْ في القرآن الكريم آياتٌ، وفي السنَّةِ المطهَّرةِ أحاديث توهم بظاهرها مشابهة الحق تبارك وتعالى لخلقه في بعض صفاتهم، نورد بعضها على سبيل المثال… أ.ه‍ ‍ ثم ذكر صفة “الوجه” و “العين” و “اليد” و “النفس” و “الاستواء”.
قلت: ذكر الأستاذُ البنَّا بعضَ صفاتِ الله تبارك وتعالى، وسمَّاها “الواجبة والتي يقتضيها كمال الألوهية “، وذكر منها: الوجود والقدم والبقاء والقدرة والسمع والبصر والعلم… الخ – وهي الصفات التي يثبتها الأشاعرة بمقتضى العقل، لا بمقتضى النص – وإليه الإشارة في قول الأستاذ ” الواجبة ” ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! ولم نرَهُ ذَكَرَ عبارةَ ” توهم بظاهرها التشبيه ” مع أنها كذلك – على حدِّ قولهم وقاعدتهم- فالله تعالى – مثلا – قال ]إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ… فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا[ [الإنسان/2]. وقال ]حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ[ [ يس/39] أي القمر. وقال ]إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ[ [ المائدة/34] وقال ]يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ[ [ الروم / 19]… الخ. فَلِمَ كانت هذه الصفات لا توهِمُ في ظاهرها التشبيه بينما الصفات الأخرى كاليد والوجه توهم التشبيه في ظاهرها؟.
والجواب عند أهل السنَّةِ: أنَّ كلَّ صفةٍ نثبتها لله تعالى، إنما نثبتها بنصٍّ من كتابِ الله أو سنَّةِ نبيِّهِ عليه السلام مع قطعِ النَّظَرِ عن المشابهة -والأصح أن يقال ” المماثلة “، والتمثيل بدلا من ” المشابهة ” و ” التشبيه ” لأنه لفظ القرآن {ليس كمثله شيء}، ولأنه ما من شيئين إلا ويتشابهان من بعض الوجوه، ومنه صفات الله وصفات الخلق، وأما المماثلة من كل وجه فلا، قطعا. انظر ” مجموع الفتاوى ” ( 3/165-168) فهو تلخيص كلامه رحمه الله- لقوله تعالى: ]لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[وهو ردٌّ على ” المشبهة ” أو ” الممثلة”. ]وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[ [ الشورى/11] وهو ردٌّ على نفاة الصفات الذين ظنوا أن الاشتراك في الاسم يوجب المماثلة.

والعجيب أن الأستاذ البنا، قرَّر هذا، لكن في ” الصفات الواجبة ” – على حدِّ تقسيمه – فقال: والذي يجب أن يَتفطن له المؤمنُ أن المعنى الذي يُقصد باللفظ في صفات الله تبارك وتعالى يختلف اختلافاً كليّاً عن المعنى الذي يُقصد بهذا اللفظِ عينِه في صفاتِ المخلوقين. فأنتَ تقول: الله عالم، والعلم صفةٌ لله تعالى وتقول: فلانٌ عالم ، والعلم صفةٌ لفلان من الناس. فهل يقصد بلفظة ” العلم ” في التركيبين واحد؟ حاشا أن تكون كذلك وإنما علم الله تبارك وتعالى علمٌ لا يتناهى كماله ولا يُعدُّ علمُ المخلوقين شيئاً إلى جانبه وكذلك السمع وكذلك البصر وكذلك الكلام وكذلك القدرة والإرادة. فهذه كلها مدلولاتٌ، الألفاظ فيها تختلف عن مدلولاتها في حق المخلوق مِن حيث الكمال والكيفية اختلافاً كليّاً، لأنه تبارك وتعالى لا يشبه أحداً من خلقه. فتفطَّن لهذا المعنى فإنَّه دقيقٌ. أ.ه‍‍.

قلت: ومثل هذا الكلام والتقرير الدقيق! كان ينبغي أن يقال في صفات الله تعالى الأخرى التي قال ” إن ظاهرها يوهم التشبيه “. ورحم الله الإمام مالكاً حين قرر ذلك في قوله “الاستواء معلومٌ ” – أي: معناه في لغة العرب. ومن ظن أن معنى ” معلوم ” أي: موجود مذكور في القرآن فهو جاهل كما قال شيخ الإسلام رحمه الله ” مجموع الفتاوى” ( 5/149) و (13/309)-

والكيف مجهولٌ والإيمان بـــه – أي: بالكيف – واجبٌ، والسؤال عنه – أي: عن الكيف – بدعةٌ “- رواه اللالكائي في ” شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ” (3/441) والبيهقي في “الأسماء والصفات ” (ص 408) وصححه الذهبي وشيخ الإسلام والحافظ ابن حجر. ” مختصر العلو” (ص 141). ” مجموع الفتاوى(5/365). ” فتح الباري ” (13/501) بألفاظ متقاربة ومعنى متحد.

قال الإمام الذهبي رحمه الله: قد صار الظاهرُ اليومَ ظاهرين، أحدهما حقٌّ والثاني باطلٌ. فالحق أن يقول: إنه سميع بصير، مريد، متكلم، حي، عليم، كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهه، خلق آدم بيده، وكلَّم موسى تكليماً، واتخذ إبراهيم خليلاً، وأمثال ذلك، فنمره على ما جاء ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى، ولا نقول: له تأويلٌ يخالف ذلك.

والظاهر الآخر – وهو الباطل والضلال -: أن نعتقد قياس الغائب على الشاهد، ونمثل البارئ بخلقه، تعالى الله عن ذلك، بل صفاته كذاته، فلا عدل له ولا ضدَّ له، ولا نظير له، ولا مثل له، ولا شبيه له، وليس كمثله شيء ولا في ذاته، ولا في صفاته. وهذا أمر يستوي فيه الفقيه والعامي. والله أعلم” سير أعلام النبلاء ” ( 19/449).

وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله – رادّاً على ” البوطي ” وقد جاء بمثل ما جاء به “البنا ” -: نقول له: ليس الأمر كما ذكرت، فليس ظاهرها يدل على مشابهة صفات المخلوقين، وإنما هذا وهمٌ توهمتَه أنتَ، وتوهَّمه غيرُك، وليس هو ظاهرها، لأن ظاهرها هو ما يليق بجلال الله، وصفات الخالق تختص به، وصفات المخلوق تختص به. أ.ه‍ ‍ ” تعقيبات على كتاب السلفية ليست مذهباً ” (ص32 ). وانظر ” مجموع الفتاوى ” ( 6/355-358 ) و (20/218 ).

ابن بطال والأشعرية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
فهذه مواضع منتقاة من كلام ابن بطال في شرح البخاري لابن حجر ” فتح الباري ” ، دعت الحاجة لكتابتها تحذيراً من مصنفات الأشعرية التي أفسدت كتب السلف .

وإن نقل ابن حجر لها – مما في شرحه – دون تعقب : يدل على موافقته لها .
وبما أن الإخوة الأفاضل وبخاصة الأخ عبد الله زقيل ينقل لنا ما خالف فيه الحافظ ابن حجر عقيدة السلف : فإنني أشارك في بيان ما أخطأ فيه ابن بطال ، وهو أصل مواضيع المناقشة كما هو معلوم .
وهذه المواضع موجودة في كتاب الشيخ عبد الله الغنيمان ” شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ” .

( 1 ) قال ابن بطال :
ومذهب الأشعري وأبي بكر بن الطيب ، وابن أبي زيد ، والداودي ، وأبي الحسن القابسي ، وجماعة علماء السنة !! : أن القرآن لا يفضل ! بعضه بعضاً ، إذ كله كلام الله وصفته ، وهو غير مخلوق ، ولا يجوز التفاضل إلا في المخلوقات ! . أ.هـ

قال الشيخ عبد الله الغنيمان :
فهذا النقل عمن ذكرهم – قال إحسان : أي : ابن بطال وابن الدراج – ، والزعم بأن هذا مجمع عليه من أهل السنة هو بحسب ظن هؤلاء – يعني ابن بطال ومن يقول ذلك – لأنهم ظنوا أن هذا القول الذي هو عدم المفاضلة لازم لمن يقول ” إن القرآن كلام الله ” فهو من صفاته ، والتفاضل لا يكون إلا في المخلوقات ، والقرآن عندهم غير مخلوق .
وهو ظن خطأ ! فلم ينقل عن أحد من السلف أنه نفى المفاضلة بين آيات القرآن وسوره .
ونحن نطالب مدعي الإجماع على نفي ذلك بالدليل ، ولن يجد ذلك .
والنصوص من الكتاب والسنة تبطل هذه الدعوى كما تقدمت الإشارة إلى ذلك .
وابن بطال – عفا الله عنا وعنه – كثيراً ما ينقل الإجماع على مسائل ؛ الحق على خلافها !! كما ستأتي الإشارة إلى بعضها إن شاء الله .
” شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ” ( ص 57 ، 58 ) .

قال الشيخ الغنيمان – عند حديث ” .. وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ” – :
… والله تعالى اسمه وصفته يختص به ، فرحمة الله صفة له عليا ، صفة كمال ، وسالمة من كل نقص أو عيب يمكن أن يلحق بالمخلوق .
فليست رحمته تعالى عن ضعف أو عجز ، بل عن كمال فضله وإحسانه .
ولا يجوز أن تؤول بالثواب أو العطى أو إرادة ذلك وما أشبهه مما يقوله أهل التأويل !! كما ذكر الحافظ ابن حجر عن شرَّاح البخاري وغيرهم ، كقول ابن بطَّال ! :

( إن المراد برحمته : إرادته ! تقع لمن سبق في علمه أنه ينفعه ، وأما الرحمة التي جعلها في قلوب عباده : فهي من صفات الفعل ! وصفها بأنه خلقها في قلوب عباده ! وهي رقة على المرحوم ، وهو سبحانه منـزه عن الوصف بذلك ! فتتأول بما يليق به !! ) أ.هـ

وذكر من هذا النوع أشياء تخالف نصوص كتاب الله ونصوص سنة النبي صلى الله عليه وسلم كما هي عادته !!!! لأنه عفا الله عنا وعنه على المذهب الأشعري !! الذي يعتمد على تأويل صفات رب العالمين ، وإن كان أحياناً يذكر مذهب السلف فيما ينقله ، ولكنه لا يتبناه !! بل يخلط بينه وبين ما يخالفه !! .

وهذا المذهب – يعني : مذهب الأشعرية الذي عليه أكثر المتأخرين – مخالف لما عليه رسل الله صلى الله عليهم وسلم ، ومخالف لكتبه ، ولما عليه أتباع الرسل ، كما اعترف بذلك يعض كبار علماء هذا المذهب ، كالفخر الرازي ، والجويني ، والغزالي ، والشهرستاني ، وغيرهم ، كما يأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى .
” شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ” ( 1 / 85 ، 86 )