الرئيسية بلوق الصفحة 267

مسائل وفوائد وأحكام في هدم الكعبة في آخر الزمان!.

مسائل وفوائد وأحكام في هدم الكعبة في آخر الزمان

السؤال:

شيخنا الفاضل

– لدي عدة أسئلة أود أن تجيبني عليها إذا سمحت:

أنا شاهدت حلقات الدكتور ” عمر عبد الكافي ” ، وقرأت في عدة مواقع عن أحداث النهاية ، ومنها حدث واحد أخذ كل بالي ، ألا وهو : ” هدم الكعبة ” ، هل يمكنكم تأكيد لي ذلك بأحاديث صحيحة عن النبي ( ص) ! وإذا كان هذا الحدث سيقع – وكل شيء بمشيئة الله – كيف سيتم ذلك ونحن نعرف أن مكة بلد آمن ، حتى وأن المسيخ الدجال لن يتمكن من الدخول إليها والملائكة يحرسونها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

لا يجوز كتابة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مختصرة بـ ” ص ” ، ولا منحوتة بـ ” صلعم ” .

 

ثانياً:

أما بخصوص تخريب الكعبة : فقد ثبت ذلك عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ويمكننا إجمال الحديث عن هذا الموضوع في بضع نقاط :

  1. من هو الذي يهدم الكعبة؟.

الجواب : إنه ” ذو السويقتين ” .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ ) . رواه البخاري ( 1514 ) ومسلم ( 2909 ) .

( ذو السويقتين ): تثنية سويقة ، وهي تصغير ” ساق ” ، أي : الذي له ساقان ضعيفتان ، والتصغير هنا : للتحقير ، أي : ضعيف هزيل ، لا شأن له .

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ ، أَفْحَجَ ، يَقْلَعُهَا حَجَراً حَجَراً ) . رواه البخاري ( 1518 ) .

الأفحج : الذي إذا مشى باعد بين رجليه .

  1. ما هي أسباب هدم الكعبة؟.

أ. امتهان أهلها لها .

عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  قَالَ : ( لَنْ يَسْتَحِلَّ هَذَا الْبَيْتَ إِلاَّ أَهْلُهُ ، فَإِذَا اسْتَحَلُّوهُ ، فَلاَ تَسَلْ عَنْ هَلَكَةِ الْعَرَبِ ، ثُمَّ تَظْهَرُ الْحَبَشَةُ ، فَيُخَرِّبُونَهُ خَرَابًا لاَ يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا ، وَهُمُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ كَنْزَهُ ) رواه أحمد ( 14 / 267 ) وصححه محققو المسند .

ب. عدم حج البيت .

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ يُحَجَّ الْبَيْتَ ) رواه أبو يعلى ( 2 / 277 ) وابن حبان ( 15 / 150 ) وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2430 ) .

وقد جعل الله تعالى الكعبة قياماً للناس ، كما قال تعالى : ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ ) المائدة/ من الآية 97 ، فإذا صار هذا هو حال الناس صار بقاء الكعبة إهانة لها ، كما هو الحال في أمر المصحف ، فيقدِّر الله تعالى هدم الكعبة على يد ذلك الحبشي ، كما يقدِّر رفع المصحف من قلوب الناس وصحفهم .

قال الشيخ العثيمين – رحمه الله – :

أما تسليط ذي السويقتين : فلأن أهل مكة يمتهنونها ، ولا يبقى في قلوبهم حرمة لها ، ويكون الحج إليها كالحج إلى الآثار ، لا لعبادة الرحمن ، فإذا وصلت الحال بهذا البيت المعظم إلى هذه الإهانة : صار بقاؤه بينهم إهانة له ، فسُلط عليه ذو السويقتين ، كما أن القرآن الكريم كلام الله عز وجل إذا أعرض الناس عنه إعراضاً كليّاً : نُزع من المصاحف ، والصدور ، أصبح الناس وليس في المصاحف حرف من القرآن ، وليس في الصدور حرف من القرآن ، لماذا ؟ لأنهم امتهنوه ، وهو أعظم من أن يبقى بين قوم يمتهنونه .

ولهذا يجب على طلبة العلم الآن أن يحموا هذا القرآن العظيم بقدر ما يستطيعون ؛ لئلا يُمتهن ، فيُنزع ، وهذا معنى قول السلف في القرآن : منه – أي : من الله – بدأ ، وإليه يعود . ” شرح صحيح البخاري ” ( شريط رقم 6 ، وجه أ ) .

  1. هل ثمة معارضة بين هدم الكعبة ، وبين جعل الكعبة حرماً آمناً ؟ .

الجواب : لا ، ليس ثمة معارضة ، لأسباب:

الأول والثاني : أنّ جعله آمناً : إما أن يكون المراد به الخبر المجرد فيُحمل على زمان ” الجاهلية ” ، ويؤيده ما ذكره الله تعالى من منته على أهل مكة من جعله البيت الحرام آمناً مع تخطف الناس من حوله ، وإما أن ” الجعل ” خبر يراد منه الإنشاء ، والإنشاء هنا هو : الأمر بتأمين من يدخل الحرم ، وعدم تخويفه ، أو التعرض له بسوء ، أو قتله ، ضمن الشروط الشرعية المبينة في كتب الفقه .

قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله – في تفسير قوله تعالى : ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً ) البقرة/ من الآية 125 – :

والمراد من ” الجعل ” في الآية : إما الجعل التكويني ؛ لأن ذلك قدَّره الله ، وأوجد أسبابه ، فاستقر ذلك بين أهل الجاهلية ، ويسَّرهم إلى تعظيمه .

وإما ” الجعل ” : أن أمر الله إبراهيم بذلك ، فأبلغه إبراهيم ابنَه إسماعيل ، وبثه في ذريته ، فتلقاه أعقابهم تلقي الأمور المسلَّمة ، فدام ذلك الأمن في العصور ، والأجيال ، من عهد إبراهيم عليه السلام إلى أن أغنى الله عنه بما شرع من أحكام الأمن في الإسلام في كل مكان ، وتم مراد الله تعالى .

فلا يريبكم ما حدث في المسجد الحرام من الخوف ، في حصار ” الحجَّاج ” في فتنة ” ابن الزبير ” ، ولا ما حدث فيه من الرعب والقتل والنهب في زمن ” القرامطة ” حين غزاه الحسن ابن بهرام الجنابي – نسبة إلى بلدة يقال لها جنَّابة ، بتشديد النون – كبير القرامطة ، إذ قتل بمكة آلافاً من الناس ، وكان يقول لهم : ” يا كلاب ، أليس قال لكم محمد المكي : ( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) آل عمران: من الآية 97 ، أيُّ أمنٍ هنا ؟! ” ، وهو جاهل غبي ؛ لأن الله أراد الأمر بأن يجعل المسجد الحرام مأمناً في مدة الجاهلية ، إذ لم يكن للناس وازع عن الظلم ، أو هو خبر مراد به الأمر مثل ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) البقرة/ 228 .

” التحرير والتنوير ” ( 1 / 690 ، 691 ) .

الثالث: ولو فرض أنه خبر مجرد : فيقال : إن هذا الأمن هو مجمل حال الكعبة ، وليس أمراً مستمراً على الدوام ، ولذا فقد طرأ عليه من الفتن والمصائب ما تسبب في ضربه بالمنجنيق ، ومن القتل فيه ، ومن تعطيل الصلاة فيه ، بسبب أهل البدع والضلال ، فيكون هذا من العام المخصوص .

قال ابن بطَّال – رحمه الله – :

وأما حديث أبى هريرة أن ذا السويقتين يخرب الكعبة : فهو مبيِّن لقوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام : ( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ) إبراهيم/ 53 ، أن معناه الخصوص ، وأن الله تعالى جعلها حرماً آمناً غير وقت تخريب ذي السويقتين لها ؛ لأن ذلك لا يكون إلا باستباحته حرمتها ، وتغلبه عليها ، ثم تعود حرمتها .

” شرح صحيح البخاري ” ( 4 / 275 ) .

الرابع: أن يقال : إنه آمِن من الهدم والتخريب ، لكن إلى أمد ، وهو قرب يوم القيامة.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

قيل : هذا الحديث يخالف قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً ) ؛ ولأن الله حبس عن مكة الفيل ولم يمكِّن أصحابه من تخريب الكعبة ، ولم تكن إذ ذاك قبلة ، فكيف يسلط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين ؟ وأجيب : بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان ، قرب قيام الساعة ، حيث لا يبقى في الأرض أحد يقول ” الله ، الله ” ، كما ثبت في صحيح مسلم : ( لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله ) ، ولهذا وقع في رواية سعيد بن سمعان ( لا يعمر بعده أبداً ) ، وقد وقع قبل ذلك فيه من القتال ، وغزو أهل الشام له في زمن يزيد بن معاوية ، ثم مَن بعده ، في وقائع كثيرة ، من أعظمها وقعة ” القرامطة ” بعد الثلاثمائة ، فقتلوا من المسلمين في المطاف مَن لا يُحصى كثرة ، وقلعوا الحجر الأسود ، فحولوه إلى بلادهم ، ثم أعادوه بعد مدة طويلة ، ثم غُزي مراراً بعد ذلك ، كلُّ ذلك لا يُعارض قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً ) ؛ لأن ذلك إنما وقع بأيدي المسلمين ، فهو مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ولن يستحل هذا البيت إلا أهله ) – رواه أحمد ( 13 / 289 ) وصححه محققوه – ، فوقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو من علامات نبوته ، وليس في الآية ما يدل على استمرار الأمن المذكور فيها ، والله أعلم . ” فتح الباري ” ( 3 / 461 ، 462 ) .

وقال النووي – رحمه الله – :

ولا يعارض هذا قوله تعالى ( حَرَماً آمِناً ) ؛ لأن معناه : آمناً إلى قرب القيامة ، وخراب الدنيا ، وقيل : يُخص منه قصة ذي السويقتين .

– قال القاضي : القول الأول : أظهر .

” شرح مسلم ” ( 18 / 35 ، 36 ) .

  1. هل تخريب ذي السويقتين للكعبة لا يكون بعده حج ، وتقوم بعد تخريبه القيامة ، أم يكون بعد تخريبه للكعبة حج واعتمار؟.

والجواب: أنهما قولان لأهل العلم ، فمن قائل إن ذلك كائن في آخر الزمان ، ولا يكون بعده إلا قيام الساعة ، والقول الآخر أن هذا التخريب يكون في فترة زمنية تسبق قيام الساعة ، ثم يحج الناس ويعتمرون بعدها ، لكن مِن غير عمارٍ للبيت ؛ لأن تهديم ذي السويقتين له لا يكون بعده عمارٌ له ، ثم يترك الناس الحج ، وتقوم الساعة بعدها .

وقد استدل من قال بأنه لا يكون بعد التخريب حج ولا اعتمار بحديث أبي سعيد الخدري – وقد ذكرناه سابقاً – ولفظه : ( لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ يُحَجَّ الْبَيْتَ ) ، فظنوا أن هدم الكعبة على يد ذي السويقتين ليس بعده حج ولا عمرة ؛ لأنه ليس ثمة بناء للكعبة ، وقد تغير حال الناس ، وتقوم بعدها القيامة .

وقد سبق ذِكر كلام الشيخ العثيمين ، ويفهم ظاهره أنه يرى هذا القول ، كما يظهر أنه قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، حيث قال :

وأيضا فلو قدِّر – والعياذ بالله – أن أحداً يقصد إهانة الكعبة ، وهو قادر على ذلك : لم يحتج إلى رميها بالمنجنيق ، بل يمكن تخريبها بدون ذلك ، كما تخرب في آخر الزمان إذا أراد الله أن يقيم القيامة ، فيخرب بيته ، ويرفع كلامه من الأرض ، فلا يبقى في المصاحف والقلوب قرآن ، ويبعث ريحاً طيبة فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ، ولا يبقى في الأرض خير من ذلك ، وتخريبها بأن يسلَّط عليها ذو السويقتين ، كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن الني صلى الله عليه وسلم قال : ( يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ) وروى البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله ليه وسلم قال : ( كأني به أسود أفحج يقلعها حجراً حجراً )، وقال الله تعالى : ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : لو ترك الناس الحج سنة واحدة : لما نوظروا ، وقال : لو اجتمع الناس على أن لا يحجوا : لسقطت السماء على الأرض ، ذكره الإمام أحمد في ” المناسك ” . ” منهاج السنة النبوية ” ( 4 / 351  ، 352 ) .

واستدل من قال بأنه يحج بعد تخريب ذي السويقتين ويُعتمر بحديث أبي سعيد الخدري – أيضاً – ( لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ) رواه البخاري ( 1516 ) ، وهو نص صريح في المسألة ، وخروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى ، ومع ذلك يكون بعدهم حج وعمرة ، ويرد على من استدل بهدم ذي السويقتين للكعبة : بأنه لا يلزم من جواز الحج والعمرة بقاء المبنى ! وقد صحَّ أن البيت لا يُعمر بعد هدم ذي السويقتين له ، وصحَّ أنه يُحج ويعتمر بعده ، فيُجمع بين القولين : بالحج والعمرة بعد هدمه ، لكن من غير وجود مبنى الكعبة ، وهذا الصواب .

ومن فقه البخاري رحمه الله : أنه روى حديث ( لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ) بعد روايته حديث ذي السويقتين ، وبوَّب على الجميع بقوله : باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ) الآية إبراهيم/ 53 ، وباب قول الله تعالى : ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ ) الآية المائدة/ 97 . انتهى.

وكأنه رحمه الله يشير إلى أن تخريب ذي السويقتين للكعبة ليس بعده قيام الساعة ، ولا انقطاع الحج والعمرة ؛ لأن يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى قطعاً ، ويكون بعد خروجهما حج وعمرة ، لكنه رحمه الله ظنَّ تعارضاً بينهما ، فرجَّح حديثه الذي رواه على الآخر ، ، فقال رحمه الله بعد أن روى الحديث الأول : وروى شُعْبَةَ عن قَتَادَة : ( لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُحَجَّ الْبَيْتُ ) ، وَالأوَّلُ : أَكْثَرُ . انتهى.

ولكن عند التأمل لا يظهر بين الحديثين تعارض ، وقيام الساعة بعد ترك الناس للحج ليس هو بعد هدم الكعبة من ذي السويقتين ، بل هو زمان آخر قبل قيام الساعة .

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

قال البخاري : ” والأول أكثر ” أي : لاتفاق مَن تقدم ذِكره على هذا اللفظ ، وانفراد ” شعبة ” بما يخالفهم ، وإنما قال ذلك : لأن ظاهرهما التعارض ؛ لأن المفهوم مِن الأول : أن البيت يُحج بعد أشراط الساعة ، ومن الثاني : أنه لا يُحج بعدها ، ولكن يمكن الجمع بين الحديثين : فإنه لا يلزم مِن حج الناس بعد خروج يأجوج ومأجوج أن يمتنع الحج في وقت ما عند قرب ظهور الساعة ، ويظهر – والله أعلم – أن المراد بقوله ( ليحجن البيت ) أي : مكان البيت ؛ لما سيأتي بعد باب : أن الحبشة إذا خرَّبوه لم يعمر بعد ذلك . ” فتح الباري ” ( 3 / 455 ، 456 ) .

  1. هل يشترط وجود بناء الكعبة لصحة الحج والعمرة؟.

والجواب : لا يشترط ذلك ، والعبرة بمكانها لا ببنائها ، على الصحيح,  وفيها خلاف بين العلماء ، حتى في الصلاة ، كما منع من منع من العلماء من الصلاة على ظهر الكعبة ؛ لأنه لا يتجه لبناء الكعبة ، وهو قول مرجوح ، والصحيح : أن العبرة بمكان البيت ، وخاصة في الضرورة ، كالهدم الذي يحصل في زمان ذي السويقتين ، وعامة العلماء الآن على جواز الصلاة في الطوابق العلوية والتي تكون أعلى من ارتفاع بناء الكعبة ، وهو يؤيد ما قلناه .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

فعُلم أن مجرد العرصة غير كافٍ ، ويدل على هذا : ما ذكره ” الأزرقي ” في ” أخبار مكة ” : أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير : ” لا تدع الناس بغير قبلة ، انصب لهم حول الكعبة الخشب ! واجعل الستور عليها حتى يطوف الناس من ورائها ، ويصلون إليها ” ، ففعل ذلك ابن الزبير ، وهذا من ابن عباس وابن الزبير دليل على أن الكعبة التي يطاف بها ، ويصلَّى إليها : لا بد أن تكون شيئاً منصوباً شاخصاً ، وأن العرصة ليست قبلة ، ولم ينقل أن أحداً من السلف خالف في ذلك ولا أنكره .

نعم ، لو فُرض أنه قد تعذر نصب شيءٍ من الأشياء موضعها ، بأن يقع ذلك إذا هدمها ذو السويقتين من الحبشة في آخر الزمان : فهنا ينبغي أن يكتفى حينئذ باستقبال العرصة ، كما يكتفي المصلي أن يخط خطّاً إذا لم يجد سترة ، فإن قواعد إبراهيم كالخط ، وذكر ابن عقيل وغيره من أصحابنا : أن البناء إذا زال : صحت الصلاة إلى هواء البيت ، مع قولهم : إنه لا يصلي على ظهر الكعبة ، ومن قال هذا : يفرق بأنه إذا زال لم يبق هناك شيء شاخص يستقبل ، بخلاف ما إذا كان هناك قبلة تستقبل ، ولا يلزم من سقوط الشيء الشاخص إذا كان معدوماً : سقوط استقباله إذا كان موجوداً ، كما فرقنا بين حال إمكان نصب شيء وحال تعذره ، وكما يفرق في سائر الشروط بين حال الوجود والعدم والقدرة والعجز .

” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 329 ، 330 ) .

 

والله أعلم.

 

قصيدة ” البردة ” للبوصيري، وبيان ما فيها من كفر وزندقة!.

قصيدة ” البردة ” للبوصيري ، وبيان ما فيها من كفر وزندقة

السؤال:

لقد سمعتُ الكثير عن ” البردة ” أشياء عديدة ، البعض يقول : إنها جيدة ، ومفيدة ، والبعض الآخر يرى أنها شرك ؛ لأن بعض أبياتها يمتدح النبي صلى الله عليه وسلم بصفات الله . أتساءل : هل في نظركم أنها فعلا شرك فأجتنبها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

قصيدة ” البردة ” تعدُّ من أشهر القصائد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ، إن لم نقل : أشهرها ، وقد نظمها ” البوصيري ” ، وهو : محمد بن سعيد بن حمّاد الصنهاجي ، ولد سنة 608ه‍ـ ، وتوفي سنة 696 هـ ‍.

وقد قيل في سببها : أن ” البوصيري ” أصيب بمرضٍ عُضالٍ ، لم ينفع معه العلاج ، وأنه كان يُكثر مِن الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم ، حتى رآه في المنام ذاتَ ليلةٍ ، وغطَّاه ببردته الشريفة ، وأنه لمَّا قام ” البوصيري ” مِن نومه : قام، وليس به مرضٌ ، فأنشأ قصيدته مدحاً للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم – في زعمه – .

ثانياً:

والقصيدة المذكورة قد اشتملت على كفرٍ صريح ، وزندقة ظاهرة ، وقد تتابع العلماء من أهل السنَّة والجماعة في نقضها ، ونقدها ، وتبيين عوارها ، وكشف زيغها ومخالفتها لاعتقاد أهل السنَّة والجماعة .

ومن أبرز الأبيات التي انتُقدت في تلك القصيدة : قوله :

  1. يا أكرمَ الخلْقِ مالي مَن ألوذُ به سواك ***** عند حدوثِ الحادثِ العَمم
  2. إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي ***** عفواً وإلا فقل يا زلة القدم
  3. فإن مِن جودك الدنيا وضَرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
  4. دع ما ادعته النصارى في نبيهم ***** واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
  5. لو ناسبت قدره آياته عظما ***** أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم
  6. فإن لي ذمة منه بتسميتي ***** محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم

ثالثاً:

ومع كلام أهل العلم في نقض تلك الأبيات ونقدها :

  1. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – :

وأما الملك : فيأتي الكلام عليه ؛ وذلك أن قوله : ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، وفي القراءة الأخرى ( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) : فمعناه عند جميع المفسرين كلهم ما فسره الله به في قوله تعالى ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ . ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ . يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ  ) الانفطار/ 17 – 19 .

فمن عرف تفسير هذه الآية ، وعرف تخصيص المُلك بذلك اليوم ، مع أنه سبحانه مالك كل شيء ذلك اليوم وغيره : عرف أن التخصيص لهذه المسألة الكبيرة العظيمة التي بسبب معرفتها دخل الجنة من دخلها ، وسبب الجهل بها دخل النار من دخلها ، فيالها من مسألة لو رحل الرجل فيها أكثر من عشرين سنة لم يوفها حقها ، فأين هذا المعنى ، والإيمان ، بما صرح به القرآن ، مع قوله صلى الله عليه وسلم : (يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً ) : من قول صاحب البردة :

ولن يضيق رسول الله جاهك بي ***** إذا الكريم تحلي باسم منتقم

فإن لي ذمة منه بتسميتي ***** محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم

إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم

فليتأمل من نصح نفسه هذه الأبيات ومعناها ، ومن فتن بها من العباد ، وممن يدعى أنه من العلماء ، واختاروا تلاوتها على تلاوة القرآن  : هل يجتمع في قلب عبد التصديق بهذه الأبيات والتصديق بقوله : ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله ) ، وقوله : ( يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً ) ؟! لا والله ، لا والله ، لا والله ، إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادق ، وأن فرعون صادق ، وأن محمَّداً صادق على الحق ، وأن أبا جهل صادق على الحق ، لا والله ما استويا ، ولن يتلاقيا ، حتى تشيب مفارق الغربان .

– فمن عرف هذه المسألة ، وعرف البردة ، ومن فتن بها : عرف غربة الإسلام .

” تفسير سورة الفاتحة ” من ” مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ” ( 5 / 13 ) .

  1. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ – رحمه الله – :

من عبد الرحمن بن حسن وابنه عبد اللطيف إلى عبد الخالق الحفظي .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :

فقد بلغنا من نحو سنتين : اشتغالكم ببردة ” البوصيري ” ، وفيها من الشرك الأكبر ما لا يخفى ، من ذلك قوله : ” يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك ” إلى آخر الأبيات ، التي فيها طلب ثواب الدار الآخرة من النبي صلى الله عليه وسلم وحده.

فأما دعاء الميت والغائب : فقد ذكر الله في كتابه العزيز ، الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم : النهي عن دعوة الأموات ، والغائبين بقوله تعالى : ( وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ ) ولم يستثن أحداً .

والنبي صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله ، وقال : ( فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ) .

فانظر إلى هذا الوعيد الشديد المترتب على دعوة غير الله ، وخاطب به نبيه صلى الله عليه وسلم ليكون أبلغ للتحذير ، فكيف يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ينهاه عن ذلك ، ويذكر الوعيد عليه ، ويرضاه أن يفعل ذلك أحدٌ معه ، أو مع غيره ، صلوات الله وسلامه عليه ؟! .

ولما قال له رجل : ما شاء الله وشئت : قال : ( أجعلتني لله ندّاً ؟ بل ما شاء الله وحده ) ، ودعوة غيره تنافي الإخلاص ، الذي هو دينه ، الذي لا يقبل الله ديناً سواه .

وذكر تعالى اختصاصه بالدعاء بقوله : ( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ ) الآية ، وأخبر أن دعوة الحق مختصة به ، وما ليس بحق : فهو باطل ، ولا يحصل به نفع لمن فعله ، بل هو ضرر في العاجل والآجل ؛ لأنه ظلم في حق الله تعالى .

يقرر هذا : تهديده تعالى لمن دعا الأنبياء والصالحين والملائكة بقوله : ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً ) ، نزلت في عيسى ، وأمه ، والعزير ، والملائكة ، باتفاق أكثر المفسرين ، من الصحابة ، والتابعين ، والأئمة ، فكيف يَظن من له عقل أنه يرضى منه في حقه قولاً ، وعملاً تهديد الله من فعله مع عيسى ، وأمه ، والعزير ، والملائكة ؟! .

وكونه صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء لا يلزم أن يختص دونهم بأمر نهى الله عنه عباده عموماً ، وخصوصاً ، بل هو مأمور أن ينهى عنه ، ويتبرأ منه ، كما تبرأ منه المسيح بن مريم في الآيات في آخر سورة المائدة ، وكما تبرأت منه الملائكة في الآيات التي في سورة سبأ .

وأما اللياذ : فهو كالعياذ ، سواء ، فالعياذ لدفع الشر ، واللياذ لجلب الخير ، وحكى الإمام أحمد وغيره الإجماع على أنه لا يجوز العياذ إلا بالله ، وأسمائه ، وصفاته ، وأما العياذ بغيره : فشرك ، ولا فرق .

وأما قوله : ” فإن من جودك الدنيا وضرتها ” : فمناقض لما اختص به تعالى يوم القيامة من الملك في قوله : ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) ، وفي قوله تعالى في سورة الفاتحة : ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، وفي قوله تعالى : ( يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) ، وغير ذلك من الآيات لهذا المعنى ، وقال غير ذلك في منظومته مما يستبشع من الشرك.

– هدي السلف في مدح النبي. ” رسائل وفتاوى الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد عبد الوهاب “( 1 / 124 – 127 ) .

  1. وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ – رحمه الله – :

ومن بعض أشعار المادحين لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم قول البوصيري :

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي    *****  الكريم تجلى باسم منتقم
فإن لي ذمة منه بتسميتي ***** محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم يكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم

فتأمل ما في هذه الأبيات من الشرك .

منها: أنه نفى أن يكون له ملاذٌ إذا حلَّت به الحوادث ، إلا النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له ، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا هو .

الثاني: أنه دعاه ، وناداه بالتضرع ، وإظهار الفاقة ، والاضطرار إليه ، وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله ، وذلك هو الشرك في الإلهية .

الثالث: سؤاله منه أن يشفع له في قوله : ولن يضيق رسول الله … البيت وهذا هو الذي أراده المشركون ممن عبدوه ، وهو الجاه ، والشفاعة عند الله ، وذلك هو الشرك ، وأيضاً : فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله ، فلا معنى لطلبها من غيره ؛ فإن الله تعالى هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لا أن الشافع يشفع ابتداء .

الرابع : قوله : فإن لي ذمة … إلى آخره  : كذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، فليس بينه وبين من اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة ، لا بمجرد الاشتراك في الاسم مع الشرك .

تناقض عظيم ، وشرك ظاهر ، فإنه طلب أولاً أن لا يضيق به جاهه ، ثم طلب هنا أن يأخذ بيده فضلاً وإحساناً ، وإلا فيا هلاكه .

فيقال : كيف طلبت منه أولاً الشفاعة ، ثم طلبت منه أن يتفضل عليك ، فإن كنت تقول : إن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله : فكيف تدعو النبي صلى الله عليه وسلم ، وترجوه ، وتسأله الشفاعة ؟ فهلا سألتها من له الشفاعة جميعاً ، الذي له ملك السموات والأرض ، الذي لا تكون الشفاعة إلا من بعد إذنه ، فهذا يبطل عليك طلب الشفاعة من غير الله  .

وإن قلت : ما أريد إلا جاهه ، وشفاعته ، بإذن الله .

قيل : فكيف سألته أن يتفضل عليك ويأخذ بيدك في يوم الدين ، فهذا مضاد لقوله تعالى : ( وما أدراك ما يوم الدين . ثم ما أدرك ما يوم الدين . يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً . والأمر يومئذ لله ) ، فكيف يجتمع في قلب عبد الإيمان بهذا وهذا ؟! .

وإن قلت : سألته أن يأخذ بيدي ، ويتفضل عليَّ بجاهه وشفاعته .

قيل : عاد الأمر إلى طلب الشفاعة من غير الله ، وذلك هو محض الشرك .

الخامس : في هذه الأبيات من التبري من الخالق – تعالى وتقدس – والاعتماد على المخلوق في حوادث الدنيا والآخرة ما لا يخفى على مؤمن ، فأين هذا من قوله تعالى : ( إياك نبعد وإياك نستعين ) الفاتحة ، وقوله تعالى : ( فإن تولوا فقـل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلـت وهـو رب العـرش العظيم ) ، وقوله : ( وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيراً ) ، وقوله تعالى : ( قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً . قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً . إلا بلاغاً من الله ورسالاته ) .

فإن قيل : هو لم يسأله أن يتفضل عليه ، وإنما أخبر أنه إن لم يدخل في عموم شفاعته فيا هلاكه .

قيل : المراد بذلك سؤاله ، وطلب الفضل منه ، كما دعاه أول مرة وأخبر أنه لا ملاذ له سواه ، ثم صرح بسؤال الفضل والإحسان بصيغة الشرط والدعاء ، والسؤال كما يكون بصيغة الطلب يكون بصيغة الشرط ، كما قال نوح عليه السلام : ( وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ) .

” تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ” ( ص 182 – 184 ) .

  1. وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :

قرأتُ حديثاً فما مدى صحته ، وهو : ( من كان اسمه محمَّداً فلا تضربه ولا تشتمه ) ؟  .

فأجاب :

هذا الحديث مكذوب ، وموضوع على الرسول صلى الله عليه وسلم ، وليس لذلك أصل في السنة المطهرة ، وهكذا قول من قال : ” مَن سمَّى محمَّداً فإنه له ذمة من محمد ، ويوشك أن يدخله بذلك الجنة ” ! وهكذا من قال : ” من كان اسمه محمَّداً فإن بيته يكون لهم كذا وكذا ” ، فكل هذه الأخبار لا أساس لها من الصحة ، فالاعتبار باتباع محمد ، وليس باسمه صلى الله عليه وسلم ، فكم ممَّن سمي محمداً وهو خبيث ؛ لأنه لم يتبع محمَّداً ، ولم ينقَد لشريعته ، فالأسماء لا تطهر الناس ، وإنما تطهرهم أعمالهم الصالحة وتقواهم لله جل وعلا ، فمن تسمى بأحمد ، أو بمحمد ، أو بأبي القاسم ، وهو كافر ، أو فاسق : لم ينفعه ذلك ، بل الواجب على العبد أن يتقي الله ويعمل بطاعة الله ، ويلتزم بشريعة الله التي بعث بها نبيه محمداً ، فهذا هو الذي ينفعه ، وهو طريق النجاة والسلامة ، أما مجرد الأسماء من دون عمل بالشرع المطهر : فلا يتعلق به نجاة ، ولا عقاب .

ولقد أخطأ البوصيري في ” بردته ” حيث قال  :

فإن لي ذمة منه بتسميتي … محمَّداً وهو أوفى الخلق بالذمم

وأخطأ خطأ أكبر من ذلك بقوله  :

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم

إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ***** فضلا وإلا فقل يا زلة القدم

فإن من جودك الدنيا وضرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم

فجعل هذا المسكين لياذه في الآخرة بالرسول صلى الله عليه وسلم دون الله عز وجل ، وذكر أنه هالك إن لم يأخذ بيده ، ونسي الله سبحانه الذي بيده الضر والنفع والعطاء والمنع ، وهو الذي ينجي أولياءه ، وأهل طاعته ، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم هو مالك الدنيا والآخرة ، وأنها بعض جوده ، وجعله يعلم الغيب ، وأن من علومه علم ما في اللوح والقلم ، وهذا كفر صريح ، وغلو ليس فوقه غلو ، نسأل الله العافية والسلامة  .

فإن كان مات على ذلك ، ولم يتب : فقد مات على أقبح الكفر ، والضلال ، فالواجب على كل مسلم أن يحذر هذا الغلو ، وألا يغتر بـ ” البردة ” ، وصاحبها ، والله المستعان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 6 / 370 ، 371 ) .

وأقوال العلماء أكثر من هذا ، ويوجد من الأبيات ما فيه مجال للنقد ، لكننا اخترنا بعضاً من كلٍّ منهما ، وهو كافٍ في بيان المقصود ، وهو التحذير من هذه القصيدة ، وأنها احتوت على غلو ظاهر ، وكفر وزندقة .

وللمزيد في نقد هذه القصيدة : ينظر كتاب ” العقيدة السلفية في مسيرتها التاريخية ” للشيخ محمد المغراوي “القسم الخامس” ( ص 139 – 154 ) ، ومقال ” قوادح عقدية في بردة البوصيري ”  للشيخ عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف ، هنا :

http://www.saaid.net/arabic/ar20.htm

 

والله أعلم.