مسائل وفوائد وأحكام في هدم الكعبة في آخر الزمان!.
السؤال
شيخنا الفاضل
– لدي عدة أسئلة أود أن تجيبني عليها إذا سمحت:
أنا شاهدت حلقات الدكتور ” عمر عبد الكافي ” ، وقرأت في عدة مواقع عن أحداث النهاية ، ومنها حدث واحد أخذ كل بالي ، ألا وهو : ” هدم الكعبة ” ، هل يمكنكم تأكيد لي ذلك بأحاديث صحيحة عن النبي ( ص) ! وإذا كان هذا الحدث سيقع – وكل شيء بمشيئة الله – كيف سيتم ذلك ونحن نعرف أن مكة بلد آمن ، حتى وأن المسيخ الدجال لن يتمكن من الدخول إليها والملائكة يحرسونها؟.
الجواب
الحمد لله
أولاً:
لا يجوز كتابة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مختصرة بـ ” ص ” ، ولا منحوتة بـ ” صلعم ” .
ثانياً:
أما بخصوص تخريب الكعبة : فقد ثبت ذلك عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ويمكننا إجمال الحديث عن هذا الموضوع في بضع نقاط :
- من هو الذي يهدم الكعبة؟.
الجواب : إنه ” ذو السويقتين ” .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ ) . رواه البخاري ( 1514 ) ومسلم ( 2909 ) .
( ذو السويقتين ): تثنية سويقة ، وهي تصغير ” ساق ” ، أي : الذي له ساقان ضعيفتان ، والتصغير هنا : للتحقير ، أي : ضعيف هزيل ، لا شأن له .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ ، أَفْحَجَ ، يَقْلَعُهَا حَجَراً حَجَراً ) . رواه البخاري ( 1518 ) .
الأفحج : الذي إذا مشى باعد بين رجليه .
- ما هي أسباب هدم الكعبة؟.
أ. امتهان أهلها لها .
عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَنْ يَسْتَحِلَّ هَذَا الْبَيْتَ إِلاَّ أَهْلُهُ ، فَإِذَا اسْتَحَلُّوهُ ، فَلاَ تَسَلْ عَنْ هَلَكَةِ الْعَرَبِ ، ثُمَّ تَظْهَرُ الْحَبَشَةُ ، فَيُخَرِّبُونَهُ خَرَابًا لاَ يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا ، وَهُمُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ كَنْزَهُ ) رواه أحمد ( 14 / 267 ) وصححه محققو المسند .
ب. عدم حج البيت .
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ يُحَجَّ الْبَيْتَ ) رواه أبو يعلى ( 2 / 277 ) وابن حبان ( 15 / 150 ) وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2430 ) .
وقد جعل الله تعالى الكعبة قياماً للناس ، كما قال تعالى : ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ ) المائدة/ من الآية 97 ، فإذا صار هذا هو حال الناس صار بقاء الكعبة إهانة لها ، كما هو الحال في أمر المصحف ، فيقدِّر الله تعالى هدم الكعبة على يد ذلك الحبشي ، كما يقدِّر رفع المصحف من قلوب الناس وصحفهم .
قال الشيخ العثيمين – رحمه الله – :
أما تسليط ذي السويقتين : فلأن أهل مكة يمتهنونها ، ولا يبقى في قلوبهم حرمة لها ، ويكون الحج إليها كالحج إلى الآثار ، لا لعبادة الرحمن ، فإذا وصلت الحال بهذا البيت المعظم إلى هذه الإهانة : صار بقاؤه بينهم إهانة له ، فسُلط عليه ذو السويقتين ، كما أن القرآن الكريم كلام الله عز وجل إذا أعرض الناس عنه إعراضاً كليّاً : نُزع من المصاحف ، والصدور ، أصبح الناس وليس في المصاحف حرف من القرآن ، وليس في الصدور حرف من القرآن ، لماذا ؟ لأنهم امتهنوه ، وهو أعظم من أن يبقى بين قوم يمتهنونه .
ولهذا يجب على طلبة العلم الآن أن يحموا هذا القرآن العظيم بقدر ما يستطيعون ؛ لئلا يُمتهن ، فيُنزع ، وهذا معنى قول السلف في القرآن : منه – أي : من الله – بدأ ، وإليه يعود . ” شرح صحيح البخاري ” ( شريط رقم 6 ، وجه أ ) .
- هل ثمة معارضة بين هدم الكعبة ، وبين جعل الكعبة حرماً آمناً ؟ .
الجواب : لا ، ليس ثمة معارضة ، لأسباب:
الأول والثاني : أنّ جعله آمناً : إما أن يكون المراد به الخبر المجرد فيُحمل على زمان ” الجاهلية ” ، ويؤيده ما ذكره الله تعالى من منته على أهل مكة من جعله البيت الحرام آمناً مع تخطف الناس من حوله ، وإما أن ” الجعل ” خبر يراد منه الإنشاء ، والإنشاء هنا هو : الأمر بتأمين من يدخل الحرم ، وعدم تخويفه ، أو التعرض له بسوء ، أو قتله ، ضمن الشروط الشرعية المبينة في كتب الفقه .
قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله – في تفسير قوله تعالى : ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً ) البقرة/ من الآية 125 – :
والمراد من ” الجعل ” في الآية : إما الجعل التكويني ؛ لأن ذلك قدَّره الله ، وأوجد أسبابه ، فاستقر ذلك بين أهل الجاهلية ، ويسَّرهم إلى تعظيمه .
وإما ” الجعل ” : أن أمر الله إبراهيم بذلك ، فأبلغه إبراهيم ابنَه إسماعيل ، وبثه في ذريته ، فتلقاه أعقابهم تلقي الأمور المسلَّمة ، فدام ذلك الأمن في العصور ، والأجيال ، من عهد إبراهيم عليه السلام إلى أن أغنى الله عنه بما شرع من أحكام الأمن في الإسلام في كل مكان ، وتم مراد الله تعالى .
فلا يريبكم ما حدث في المسجد الحرام من الخوف ، في حصار ” الحجَّاج ” في فتنة ” ابن الزبير ” ، ولا ما حدث فيه من الرعب والقتل والنهب في زمن ” القرامطة ” حين غزاه الحسن ابن بهرام الجنابي – نسبة إلى بلدة يقال لها جنَّابة ، بتشديد النون – كبير القرامطة ، إذ قتل بمكة آلافاً من الناس ، وكان يقول لهم : ” يا كلاب ، أليس قال لكم محمد المكي : ( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) آل عمران: من الآية 97 ، أيُّ أمنٍ هنا ؟! ” ، وهو جاهل غبي ؛ لأن الله أراد الأمر بأن يجعل المسجد الحرام مأمناً في مدة الجاهلية ، إذ لم يكن للناس وازع عن الظلم ، أو هو خبر مراد به الأمر مثل ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) البقرة/ 228 .
” التحرير والتنوير ” ( 1 / 690 ، 691 ) .
الثالث: ولو فرض أنه خبر مجرد : فيقال : إن هذا الأمن هو مجمل حال الكعبة ، وليس أمراً مستمراً على الدوام ، ولذا فقد طرأ عليه من الفتن والمصائب ما تسبب في ضربه بالمنجنيق ، ومن القتل فيه ، ومن تعطيل الصلاة فيه ، بسبب أهل البدع والضلال ، فيكون هذا من العام المخصوص .
قال ابن بطَّال – رحمه الله – :
وأما حديث أبى هريرة أن ذا السويقتين يخرب الكعبة : فهو مبيِّن لقوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام : ( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ) إبراهيم/ 53 ، أن معناه الخصوص ، وأن الله تعالى جعلها حرماً آمناً غير وقت تخريب ذي السويقتين لها ؛ لأن ذلك لا يكون إلا باستباحته حرمتها ، وتغلبه عليها ، ثم تعود حرمتها .
” شرح صحيح البخاري ” ( 4 / 275 ) .
الرابع: أن يقال : إنه آمِن من الهدم والتخريب ، لكن إلى أمد ، وهو قرب يوم القيامة.
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :
قيل : هذا الحديث يخالف قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً ) ؛ ولأن الله حبس عن مكة الفيل ولم يمكِّن أصحابه من تخريب الكعبة ، ولم تكن إذ ذاك قبلة ، فكيف يسلط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين ؟ وأجيب : بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان ، قرب قيام الساعة ، حيث لا يبقى في الأرض أحد يقول ” الله ، الله ” ، كما ثبت في صحيح مسلم : ( لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله ) ، ولهذا وقع في رواية سعيد بن سمعان ( لا يعمر بعده أبداً ) ، وقد وقع قبل ذلك فيه من القتال ، وغزو أهل الشام له في زمن يزيد بن معاوية ، ثم مَن بعده ، في وقائع كثيرة ، من أعظمها وقعة ” القرامطة ” بعد الثلاثمائة ، فقتلوا من المسلمين في المطاف مَن لا يُحصى كثرة ، وقلعوا الحجر الأسود ، فحولوه إلى بلادهم ، ثم أعادوه بعد مدة طويلة ، ثم غُزي مراراً بعد ذلك ، كلُّ ذلك لا يُعارض قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً ) ؛ لأن ذلك إنما وقع بأيدي المسلمين ، فهو مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ولن يستحل هذا البيت إلا أهله ) – رواه أحمد ( 13 / 289 ) وصححه محققوه – ، فوقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو من علامات نبوته ، وليس في الآية ما يدل على استمرار الأمن المذكور فيها ، والله أعلم . ” فتح الباري ” ( 3 / 461 ، 462 ) .
وقال النووي – رحمه الله – :
ولا يعارض هذا قوله تعالى ( حَرَماً آمِناً ) ؛ لأن معناه : آمناً إلى قرب القيامة ، وخراب الدنيا ، وقيل : يُخص منه قصة ذي السويقتين .
– قال القاضي : القول الأول : أظهر .
” شرح مسلم ” ( 18 / 35 ، 36 ) .
- هل تخريب ذي السويقتين للكعبة لا يكون بعده حج ، وتقوم بعد تخريبه القيامة ، أم يكون بعد تخريبه للكعبة حج واعتمار؟.
والجواب: أنهما قولان لأهل العلم ، فمن قائل إن ذلك كائن في آخر الزمان ، ولا يكون بعده إلا قيام الساعة ، والقول الآخر أن هذا التخريب يكون في فترة زمنية تسبق قيام الساعة ، ثم يحج الناس ويعتمرون بعدها ، لكن مِن غير عمارٍ للبيت ؛ لأن تهديم ذي السويقتين له لا يكون بعده عمارٌ له ، ثم يترك الناس الحج ، وتقوم الساعة بعدها .
وقد استدل من قال بأنه لا يكون بعد التخريب حج ولا اعتمار بحديث أبي سعيد الخدري – وقد ذكرناه سابقاً – ولفظه : ( لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ يُحَجَّ الْبَيْتَ ) ، فظنوا أن هدم الكعبة على يد ذي السويقتين ليس بعده حج ولا عمرة ؛ لأنه ليس ثمة بناء للكعبة ، وقد تغير حال الناس ، وتقوم بعدها القيامة .
وقد سبق ذِكر كلام الشيخ العثيمين ، ويفهم ظاهره أنه يرى هذا القول ، كما يظهر أنه قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، حيث قال :
وأيضا فلو قدِّر – والعياذ بالله – أن أحداً يقصد إهانة الكعبة ، وهو قادر على ذلك : لم يحتج إلى رميها بالمنجنيق ، بل يمكن تخريبها بدون ذلك ، كما تخرب في آخر الزمان إذا أراد الله أن يقيم القيامة ، فيخرب بيته ، ويرفع كلامه من الأرض ، فلا يبقى في المصاحف والقلوب قرآن ، ويبعث ريحاً طيبة فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ، ولا يبقى في الأرض خير من ذلك ، وتخريبها بأن يسلَّط عليها ذو السويقتين ، كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن الني صلى الله عليه وسلم قال : ( يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ) وروى البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله ليه وسلم قال : ( كأني به أسود أفحج يقلعها حجراً حجراً )، وقال الله تعالى : ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : لو ترك الناس الحج سنة واحدة : لما نوظروا ، وقال : لو اجتمع الناس على أن لا يحجوا : لسقطت السماء على الأرض ، ذكره الإمام أحمد في ” المناسك ” . ” منهاج السنة النبوية ” ( 4 / 351 ، 352 ) .
واستدل من قال بأنه يحج بعد تخريب ذي السويقتين ويُعتمر بحديث أبي سعيد الخدري – أيضاً – ( لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ) رواه البخاري ( 1516 ) ، وهو نص صريح في المسألة ، وخروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى ، ومع ذلك يكون بعدهم حج وعمرة ، ويرد على من استدل بهدم ذي السويقتين للكعبة : بأنه لا يلزم من جواز الحج والعمرة بقاء المبنى ! وقد صحَّ أن البيت لا يُعمر بعد هدم ذي السويقتين له ، وصحَّ أنه يُحج ويعتمر بعده ، فيُجمع بين القولين : بالحج والعمرة بعد هدمه ، لكن من غير وجود مبنى الكعبة ، وهذا الصواب .
ومن فقه البخاري رحمه الله : أنه روى حديث ( لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ) بعد روايته حديث ذي السويقتين ، وبوَّب على الجميع بقوله : باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ) الآية إبراهيم/ 53 ، وباب قول الله تعالى : ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ ) الآية المائدة/ 97 . انتهى.
وكأنه رحمه الله يشير إلى أن تخريب ذي السويقتين للكعبة ليس بعده قيام الساعة ، ولا انقطاع الحج والعمرة ؛ لأن يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى قطعاً ، ويكون بعد خروجهما حج وعمرة ، لكنه رحمه الله ظنَّ تعارضاً بينهما ، فرجَّح حديثه الذي رواه على الآخر ، ، فقال رحمه الله بعد أن روى الحديث الأول : وروى شُعْبَةَ عن قَتَادَة : ( لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُحَجَّ الْبَيْتُ ) ، وَالأوَّلُ : أَكْثَرُ . انتهى.
ولكن عند التأمل لا يظهر بين الحديثين تعارض ، وقيام الساعة بعد ترك الناس للحج ليس هو بعد هدم الكعبة من ذي السويقتين ، بل هو زمان آخر قبل قيام الساعة .
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :
قال البخاري : ” والأول أكثر ” أي : لاتفاق مَن تقدم ذِكره على هذا اللفظ ، وانفراد ” شعبة ” بما يخالفهم ، وإنما قال ذلك : لأن ظاهرهما التعارض ؛ لأن المفهوم مِن الأول : أن البيت يُحج بعد أشراط الساعة ، ومن الثاني : أنه لا يُحج بعدها ، ولكن يمكن الجمع بين الحديثين : فإنه لا يلزم مِن حج الناس بعد خروج يأجوج ومأجوج أن يمتنع الحج في وقت ما عند قرب ظهور الساعة ، ويظهر – والله أعلم – أن المراد بقوله ( ليحجن البيت ) أي : مكان البيت ؛ لما سيأتي بعد باب : أن الحبشة إذا خرَّبوه لم يعمر بعد ذلك . ” فتح الباري ” ( 3 / 455 ، 456 ) .
- هل يشترط وجود بناء الكعبة لصحة الحج والعمرة؟.
والجواب : لا يشترط ذلك ، والعبرة بمكانها لا ببنائها ، على الصحيح, وفيها خلاف بين العلماء ، حتى في الصلاة ، كما منع من منع من العلماء من الصلاة على ظهر الكعبة ؛ لأنه لا يتجه لبناء الكعبة ، وهو قول مرجوح ، والصحيح : أن العبرة بمكان البيت ، وخاصة في الضرورة ، كالهدم الذي يحصل في زمان ذي السويقتين ، وعامة العلماء الآن على جواز الصلاة في الطوابق العلوية والتي تكون أعلى من ارتفاع بناء الكعبة ، وهو يؤيد ما قلناه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
فعُلم أن مجرد العرصة غير كافٍ ، ويدل على هذا : ما ذكره ” الأزرقي ” في ” أخبار مكة ” : أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير : ” لا تدع الناس بغير قبلة ، انصب لهم حول الكعبة الخشب ! واجعل الستور عليها حتى يطوف الناس من ورائها ، ويصلون إليها ” ، ففعل ذلك ابن الزبير ، وهذا من ابن عباس وابن الزبير دليل على أن الكعبة التي يطاف بها ، ويصلَّى إليها : لا بد أن تكون شيئاً منصوباً شاخصاً ، وأن العرصة ليست قبلة ، ولم ينقل أن أحداً من السلف خالف في ذلك ولا أنكره .
نعم ، لو فُرض أنه قد تعذر نصب شيءٍ من الأشياء موضعها ، بأن يقع ذلك إذا هدمها ذو السويقتين من الحبشة في آخر الزمان : فهنا ينبغي أن يكتفى حينئذ باستقبال العرصة ، كما يكتفي المصلي أن يخط خطّاً إذا لم يجد سترة ، فإن قواعد إبراهيم كالخط ، وذكر ابن عقيل وغيره من أصحابنا : أن البناء إذا زال : صحت الصلاة إلى هواء البيت ، مع قولهم : إنه لا يصلي على ظهر الكعبة ، ومن قال هذا : يفرق بأنه إذا زال لم يبق هناك شيء شاخص يستقبل ، بخلاف ما إذا كان هناك قبلة تستقبل ، ولا يلزم من سقوط الشيء الشاخص إذا كان معدوماً : سقوط استقباله إذا كان موجوداً ، كما فرقنا بين حال إمكان نصب شيء وحال تعذره ، وكما يفرق في سائر الشروط بين حال الوجود والعدم والقدرة والعجز . ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 329 ، 330 ).
والله أعلم.


