حدث معي في مزدلفة ” البنت الأصيلة والتفاحة الخضراء ”
الحمد لله
بينما نحن نغادر “المشعر الحرام ” – مزدلفة – بعد فجر 10 من ذي الحجة 1432 هـ باتجاه محطة ” منى 2 ” لركوب القطار لنذهب إلى رمي الجمار مرَّ رجل كبير في السن يبدو أنه من اليمن يقود عربة عليها مرطبات وعصائر يبيعها وخلفه فتاة منتقبة في مقتبل عمرها – بحدود 14 سنة – تجري وراءه والظاهر لي أنه أبوها ، وفي خلال لحظات مرور العربة من أمام ناظري حانت مني التفاتة إلى ما تحمله فوقعت عيني على تفاحة خضراء وحيدة فوق كراتين المرطبات كتلك التي في الصورة المرفقة ! وهذا النوع هو الوحيد الذي أحبه من أنواع التفاح الكثيرة ، ولم أتمالك نفسي حتى قلت له سريعا قبل أن يتجاوزني ” بكم التفاحة ” ؟ فولَّى ولم يعقِّب وكأنني كنت أكلم نفسي في سرِّي ! لكن الابنة المستورة التقطت مني حروف كلمة ” تفاحة ” أو بعض حروفها ! وفهمت على الفور أنني أريدها !
تعلمون ماذا صنعت ؟!!
صاحت على والدها أن يتوقف ولم يفعل ! بل فعل معها كما فعل معي وهو ” التجاهل ” أو كأنه لا يسمع ! فصرخت عليه أن يتوقف فلم يفعل فركضتْ خلفه لتتناول بيدها تلك التفاحة لتأتي بها إليَّ !!!!
وقد هالني منها هذا الموقف وظننت أنها الحاجة التي تجعلها تفعل ذلك لتدرك موسم مزدلفة فتبيع ما يمكن بيعه !
لكن هذا كان ظني السيء بتلك الفتاة المستورة
فما كان منها إلا نظفت تلك التفاحة بيديها الاثنتين ! ثم قدمتْها لي !
فلما فغلتْ ذلك سارعتُ إلى إخراج ما معي من مال لأعرض عليها ثمنها
فهالني ما فعلتْ !
لقد نظرت إليَّ نظرة عجيبة ملؤها الكرم والشهامة مع الحياء والعفاف
فقلت لها : كم ثمنها ؟
فتمتمت بحروف لم أفهمها لكن فهمتُ إشارتها : أن التفاحة ليست للبيع !!!
وإنما هي ضيافة !!!!
يا الله ! ما أعظم تلك الفتاة
فبمجرد أن سمعتْ مني حروف ” تفاحة ” سارعتْ لتقدمها لي بلا مقابل !
ولا أعرفها ولا تعرفني مع أنها تاجرة تبيع للحجاج ما تيسر من مرطبات وعصائر ؟!!
فانعقد لساني ولم أعرف كيف أتصرف
ولو أنها قالت لي ثمنها 50 ريالا لعلي أعطيها ما طلبت
لكنها لم تطلب ريالا واحداً بل كانت تلك ضيافتها لي !
فلحقتُ بها !
نعم لحقتُ بها لأن أباها من المسرعين !!
فعلتُ ذلك لكي أشكرها على فعلها وكان في خاطري أن أعرف أي نوع من الفتيات تلك التي تفعل هذا
لكننا في مزدلفة
ومع حجاج
وهي فتاة
ونحن محرمون !
ولكل عاقل أن يقدر ذلك الموقف
ففعلت شيئا ندمت عليه أشد الندم وليتني ما فعلته !!!!
لقد قدمت لها 5 ريالات فقط ! ثمنا لتلك التفاحة !
فلما قدمتها لها رفضت أن تأخذها !!
فأصررتُ عليها بلغة الإشارة ثم قلت بلغة العرب ” هذه هدية لك ”
فقبلتْها على مضض
وإلى الآن ألوم نفسي كيف لم تكن تلك ال 5 ريالات 500 ريالاً
ولا أدري كيف فاتني أن أبالغ بإكرامها
لكني معذور جدا بسبب سرعة ما حصل وفجاءة موقفها
وليتني أراها لأفعل ذلك !
لكنها سبقتني بكرمها وحسن تصرفها وأخلاقها فغلبتني في كل ذلك
فصار من أمنيتي أن أراها في مستقبل الأيام لأحسن إكرامها
وإلى ذلك الحين لم أكن أملك إلا الدعاء لها
فدعوت الله لها أن :
يرزقها رزقا حسنا وأن يستر عليها
أرجو أن لا أكون قد أطلت عليكم
لكن مثل هذا الموقف يعني لي الشيء الكثير
فهل توافقونني على ذلك ؟!

