الرَّد على مَن مَنَع قول “يا رب” بحُجَّة أنَّ الله قريب لا يحتاج إلى حرف النداء “يا” .
السؤال:
انتشر مقطع يَنْهى فيه صاحبه عن قول: (يا رب) في الدعاء، بدعوى أنَّ حرف النداء (يا) لا يكون إلا للبعيد، وأنَّ الله سبحانه قريب لا يحتاج إلى نداء.
فهل هذا صحيح؟
الجواب:
الحمد لله.
هذه الدعوى غير صحيحة لغةً ولا شرعًا، وهي مَبنية على تكلُّفٍ في الفهم ومخالفةٍ صريحة لهدي النبي ﷺ وعَمَل السلف.
أولًا: (التحرير اللُّغَوي)
حرف النداء (يا) في اللغة العربية لا يختص بالبعيد، وإنما يُستعمل للبعيد والقريب، ويُستعمل للتعظيم، ويُستعمل للاستغاثة، ويُستعمل لإظهار الافتقار والتضرع.
وقد نَصَّ أئمة النحو واللغة على أنَّ تخصيص (يا) بالبعيد غالبٌ لا لازم، بل يُنادى بها الحاضر القريب كثيرًا، ولا يلزم مِن النداء بها إثبات بُعدٍ حسيّ أو معنوي.
فبِناء الحُكْم الشرعي على هذا التوهّم اللغوي: خطأ مِن الأصل.
ثانيًا: (الأدلة من السُّنَة النبوية)
ثَبَت في السُّنة الصحيحة استعمال النبي ﷺ لحَرْف النداء (يا) في الدعاء في مواضع كثيرة، منها:
١. ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة الرجل المسافر الذي قال: (يا رب، يا رب) فَذَكَر النبي ﷺ صيغة دعائه ولم ينكرها.
٢. وقوله ﷺ عند الكرب:
“يا حيُّ يا قيومُ، برحمتك أستغيث” .
٣. وقوله ﷺ: “يا مُقَلِّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك” وكان مِن أكثر دعائه.
٤. بل أَمَر ﷺ بالمداومة على هذا الأسلوب فقال: “ألِظّوا بـ يا ذا الجلال والإكرام” أي: الزموا هذا النداء وأكثِروا منه.
وهذا نصٌّ صريح في إقرار النداء بـ (يا)، بل والحثِّ عليه.
ثالثًا: (عمل الصحابة والسلف)
جرى عمل الصحابة رضي الله عنهم على الدعاء بنداء الله تعالى بـ (يا) ومِن ذلك:
١. دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “اللهم يا حي يا قيوم” .
٢. ودعاء ابن مسعود رضي الله عنه: “اللهم يا ذا الجلال والإكرام” .
ولو كان في ذلك محذور شرعي أو اعتقادي لَمَا خَفِي على خير القرون.
رابعًا: (القاعدة الأصولية في باب الدعاء)
باب الدعاء توقيفي، يُتَّبع فيه الوارد، ولا يجوز:
١. استحداث تضييق فيه بغير دليل.
٢. ولا إنكار ألفاظ ثَبَتت في السُّنة.
والقول بمنع (يا رب) مع ثبوتها نصًّا وعملًا هو ردّ للسنة بتوهّمٍ لغوي، وهذا مَسْلك غير صحيح.
خامسًا: (خطأٌ لازمٌ عن هذا القول)
يلزم من هذا القول:
١. تضليل الأمة في دعاء علَّمه النبي ﷺ.
٢. وفتح باب الوسوسة والتشديد.
٣. وجعل الذل والتضرع مَظِنة خطأ عقدي، وهذا مُخالِف لمقاصد الشريعة في التيسير، ومُخالِف لمنهج السلف في العِبَادة.
والله أعلم.
✍️ كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
٥ شعبان ١٤٤٧ هـ، ٢٤/ ١/ ٢٠٢٦ م

