
أَحْكام كَشْف العَوْرات في العمليَّات الجِراحيَّـة.
السؤال:
نرجو تخصيص حلقة للتركيز على موضوع كَشْف العورات في العمليات الجراحية، وتَحْدِيدًا ما يَحْدث مِن إلزام المريض بخَلْع ملابسه بالكامل حتى في العمليات البسيطة جِدًّا التي لا تستدعي ذلك، مِثْل:
(جراحة في أصبع اليد أو القدم) .
وهذا الأمر يزداد حساسية خَاصَّةً عند النساء، حين يَتم كشْف المريضة أمام كادر طبي مِن الرجال دون ضرورة طِبية مُلِحَّة.
نأمل شرح الحُكم الشرعي في ذلك، وتقديم نصيحة للمسؤولين.
الجواب:
الحمد لله
هذه قضية في غاية الأهمية، وتَمس كرامة المسلم وعفَّته التي أمر الله بصيانتها، والجمْع بَيْـن الناحية الطبية والشرعية في هذه المسألة ينبني على قاعدتين عظيمتين في شريعتنا وهما: “الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تُقدَّر بِقَدْرها” .
وتفصيل ذلك:
أولًا:
الأصل تحريم كشف العورة للرجل والمرأة أمام الأجانب، لِقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا المَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ المَرْأَةِ” أخرجه مسلم.
ولا يجوز كشْفها إلا لضرورة التداوي الماسَّة.
فإذا كانت العملية الجراحية في موضع معين، كاليد أو القدم، فإنه يَحرم كشف غير هذا الموضع، وإجبار المريض على خلع ملابسه كاملة لعملية يسيرة هو انتهاك صريح لحُرمته وعورته لا مبرر له شَرْعًا.
وأما ما يخص النساء، فالقاعدة الشرعية تلزم بأنْ تتولى علاج المرأة ورعايتها طبيبة مسلمة، فإن لم توجد فطبيبة غير مسلمة، فإن لم توجد فطبيب مسلم ثقة ولا يَكشف مِن جسدها إلا موضع الجراحة فحسب؛ لقوله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ… } النور/ ٣٠، ٣١.
فالآية الأولى سيقت لبيان وجوب التزام الكادر الطبي بِغَضِّ البصر، والآية الثانية سيقت لبيان وجوب احتفاظ المريضة بسِترها وعدم السماح بتعريتها بِغَيْر مُسَوِّغ.
ثانيا:
الطب مِهنة إنسانية أخلاقية تحترم خصوصية المريض، وفي العمليات الكبرى التي تتطلب تَخْدِيرًا كُلِّيًّا؛ قد يَطلب الأطباء خَلع الملابس واستبدالها بلباس العمليات الخاص -الروب الطبي- لتوفير بيئة مُعقَّمة كُلِّيًّا، وللتمكُّن مِن إنعاش القلب ووضع الأجهزة بسرعة في حال الطوارئ، وهذا عذر طبي معتبر.
ولكن حتى في هذه الحالة، يجب ستر عورة المريض باللباس الطبي ولا يجوز تعريته تَمَامًا أمام الكادر،
أمَّا في العمليات الصغرى ذات التخدير الموضعي، كجراحة الأصبع أو العين، فلا يوجد أي مبرر طبي أو علمي لإلزام المريض بخلع ملابسه الساترة لعورته، وتكفي تعقيم المنطقة المحددة فقط.
ثالثا:
رسالة إلى إدارات المستشفيات والكوادر الطبية:
١. اتقوا الله في عورات المسلمين والمسلمات، واعلموا أنَّ المريض أمانة بين أيديكم.
٢. يجب على المستشفيات تعديل بروتوكولاتها -والتي غَالِبًا ما تكون مُستورَدة مِن أنظمة لا تراعي ديننا- لتتوافق مع الأحكام الشرعية.
٣. وفِّروا ألبسة طبية ساترة ومحترَمة تُلبِّـي الحاجة الطبية وتَحفظ عورة المريض.
٤. وعلى الطبيب المسلم أنْ يتقي الله ويغض بصره عمَّا لا يحل له النظر إليه.
٥. ولا يَسمح بوجود مَن لا حاجة له في غرفة العمليات، خَاصَّةً مِن الرجال في عمليات النساء.
والله أعلم.
✍️ كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي.
١٠ / ١١ / ١٤٤٧ هـ – ٢٧ / ٤ / ٢٠٢٦ م
•┈••✦🔹✦••┈•

