فقه أمهات المؤمنين في تبليغ أحكام البيوت النبوية.
السؤال:
لماذا زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا يخبرن الصحابة الجنابة وعن الحيض.
لماذا للصحابة؟ وليس للصحابيات، وكيف كانوا الصحابة يسألن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم. مثالا حديث عائشة رضي الله عنها: كنت أغتسل انا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ونغترف منه جميعا. وهل هذه الأمور التي بالنسبة لنا نستحي من دراستها علنا، نفسها هذه الأمور التي أمر الله زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بأن يخبرن الصحابة بها، قال تعالى: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة).
الجواب:
الحمد لله
أولا:
لماذا كان الصحابة من الرجال يسألون زوجات النبي صلى الله عليه وسلم؟
السبب في ذلك: أن أحكام الجنابة والغسل ومباشرة الحائض ليست أَحْكَامًا خاصة بالنساء فقط، بل هي أحكام تخص الرجال والنساء على حد سواء.
فالرجل يحتاج أن يعرف كيف يغتسل، وكيف يعاشر زوجته الحائض معاشرة شرعية لا تخالف أمر الله.
ولما كانت هذه الأحكام تقع داخل البيت، لم يكن يعلم بتفاصيلها الدقيقة إلا أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، فكان لِزَامًا عليهن تبليغ هذا العلم للرجال والنساء، حِفْظًا للدين من الضياع ونقلًا لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم الباطنة.
ثانيا:
كيف كان الصحابة يسألون؟
كان الصحابة يسألون أمهات المؤمنين بمنتهى الأدب والاحترام، ومن وراء حجاب، امتثالا لقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} الأحزاب/ ٥٣.
وكان السائل إذا استحيا مهد لسؤاله بالاعتذار، كما فعل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه حين قال لعائشة: إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أستحييك، فقالت: “لَا تَسْتَحْيِ أَنْ تَسْأَلَنِي عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أُمَّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ، فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ”.
رواه مسلم.
فكنَّ رضي الله عنهن يعاملن السائلين معاملة الأم لأبنائها في النصح والتعليم.
ثالثا:
توجيه لحديث الغسل من إناء واحد:
رواية أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لا تصف تفاصيل الجسد أو العورة حاشا وكلا، بل تصف حُكْمًا فِقْهِيًّا عَمَلِيًّا. فقد كان هناك خلاف واعتقادات خاطئة عند بعض الناس في جواز أن يغتسل الرجل بفضل ماء المرأة، أو أن يغتسلا معا من إناء واحد، فقطعت عائشة هذا الخلاف الطويل بكلمة واحدة تصف فعلا محكما، لتبين جواز ذلك شرعا. فالعبرة هنا بنقل الحكم الفقهي بأقصر عبارة وأدلها على المقصود.
رابعا:
علاقة ذلك بالآية الكريمة:
نعم، ما ذكرته في سؤالك صحيح تَمَامًا.
فهذا التبليغ هو من صميم امتثال أمهات المؤمنين لأمر الله تعالى في قوله: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} الأحزاب/ ٣٤.
والحكمة هنا هي السنة النبوية، ومن أعظم السنة ما خفي عن عيون الناس داخل البيوت من أحكام الطهارة والعشرة، فكنَّ رضي الله عنهن أمينات في نقل هذا الدين غَضًّا طَرِيًّا كما أراده الله، ولم يمنعهن الحياء من تبليغ الأحكام الشرعية التي تنبني عليها صحة العبادات كالصلاة وغيرها.
والله أعلم
✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
١٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
٠٢ يونيو ٢٠٢٦ م

