ميثاق الفطرة وحجية الرسالة.
السؤال:
ما حقيقة الميثاق المذكور في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ…}؟ وهل يكفي ميثاق الذر وحده لإقامة الحجة على الخلق؟ وما مصير من لم تبلغه دعوة الرسل؟
الجواب:
ينتظم الكلام في تفسير الآية الكريمة في أمور:
١. الميثاق المذكور في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} الأعراف/ ١٧٢، هو الميثاق الأول الذي فطر الله الناس عليه.
فهذا الإقرار بالربوبية مغروس في أصل الفطرة، وكل إنسان يولد وهو مجبول على الإقرار بوجود خالق له.
٢. الفطرة وحدها، أو هذا الميثاق الأول الذي أخذ على بني آدم، لا يكفي وحده لإقامة الحجة التي يترتب عليها العذاب يوم القيامة.
فالعقل والفطرة يدلان على التوحيد إجمالًا، لكن الله بعدله لا يعذب أحدًا بناءً على هذا الميثاق الفطري فقط.
٣. الحجة لا تقوم على العباد إلا ببعثة الرسل وإنزال الكتب، قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} النساء/ ١٦٥.
ولذلك، فإن الاحكام التفصيلية لا تُتلقى من الفطرة، بل من الوحي.
والراجح من كلام أهل العلم أن من لم تبلغه دعوة الرسل في الدنيا -كأهل الفترة، ومن كان معذورًا بخرف أو جنون أو صمم- سيختبرون يوم القيامة في العرصات.
ولو أن الميثاق الذي في الأزل كان حجةً مقامةً على مثل هؤلاء لدخلوا النار مباشرةً ولحوسبوا بموجبه، فلما ثبت أنهم سيختبرون يوم القيامة ولم يُرسل لهم رسول في الدنيا، دل ذلك دلالةً قاطعةً على أن ميثاق الذر لا يكفي وحده لإقامة الحجة على الخلق.
وقد ثبت في السنة المطهرة أن هؤلاء الأصناف يحتجون على الله يوم القيامة، كما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث الأسود بن سريع وأبي هريرة رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أَرْبَعَةٌ يَحْتَجُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرَمٌ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ، فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنِ ادْخُلُوا النَّارَ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا”.
وبهذا التقرير، يتبين أن الآية تقرر حقيقة الفطرة المغروسة في النفوس، بينما تذكر آيات أخرى أن المحاسبة والعذاب مشروطان ببلوغ رسالة الأنبياء.
والله أعلم
✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ١١ يونيو ٢٠٢٦ م

