سلسلة: #وشهد_شاهد_من_أهلها (١)
ضيف الحلقة: محمد إلهامي
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فقد كتبتُ قبل قرابة العامين ناصحًا للأمة، ومحذرًا من مغبة الانجرار خلف شعارات براقة بلا عُدة ولا بصيرة، في سلسلة مقالاتي #كارثة_الطوفان.
يومها؛ رمتنا أقلام العاطفة عن قوس واحدة، واتهمونا بـ “التخذيل” و”إرجاف المرجفين”، وزعموا أننا لا نفقه الواقع، وأن “المحور” قد أعدّ للأمر عدته.
كنا ننطلق من نصوص الشرع وقواعد المصالح والمفاسد، وكانوا ينطلقون من الأماني والوعود السرابية.
واليوم، وبعد أن انقشع الغبار عن الدماء والدمار، وحصحص الحق لكل ذي عينين، بدأت ألسنة القوم تنطق بما حذّرنا منه يومها! بدأ “منظرو الطوفان” و”حلفاء المحور” يرددون عباراتنا ذاتها، ويعترفون -بعد فوات الأوان- بأن الحليف غدر، وأن الحسابات كانت خاطئة، وأن الثمن كان “كارثيّا”.
في هذه السلسلة، لن أزيد على أن أضع كلامي الذي كتبته “يوم السكرة”، بجوار اعترافاتهم التي يطلقونها اليوم عند “الفكرة”، ليعلم المخدوعون أن الفقه يسبق الحدث، والعاطفة تندم بعده.
إليكم هذه المقارنة الأولى مع أحد أبرز هذا التيار، الأستاذ “محمد إلهامي” وهو من أكبر المناصرين والمنظرين لطوفان الأقصى!
= واللقاء هذا نشر في ٢٧/ ١١/ ٢٠٢٥
= وفي طياته “مراجعة جذرية” ومؤلمة، تقترب بشكل مطابق مما كنتُ أطرحه منذ البداية (قبل نحو سنة و ٩ شهور) في مقالاتي سلسلة “#كارثة_الطوفان“، رغم اختلاف المنطلقات (فهو ينطلق من تحليل سياسي استراتيجي بعد وقوع الكارثة، وأنا انطلقت من تأصيل شرعي وواقعي قبل وأثناء الحدث).
= وأنا كنت أدعو إلى وقف الحرب قبل مزيد من القتل والإبادة والتهجير، وكان يدعو هو إلى مزيد من الاستمرار في الحرب، فيزيد المعركة اشتعالا ودمارا.
= وإليكم مقارنة تفصيلية بين ما ثبت في مقالاتي (https://ihsan-alotibie.com/?p=22494)، وبين ما جاء في كلام محمد إلهامي في هذا المقطع:
١. حول “وهم القدرة الذاتية” (فقه الاستطاعة)
– (كلامي):
ركزتُ مراراً على شرط “الاستطاعة” كشرط وجوب وصحة للجهاد، وأن الدخول في معركة غير متكافئة مع عدو يملك قدرة الإبادة دون إعداد مكافئ هو من باب إلقاء النفس في التهلكة وليس من الحكمة.
ووصفت الاعتقاد بأن فصيلاً محاصراً يستطيع هزيمة دولة نووية مدعومة عالميّاً بأنه “خيال” أو عدم فقه للواقع.
– كلام محمد إلهامي (في المقطع):
يستخدم إلهامي لفظاً قاطعاً وقاسياً فيقول: “أن يظن الفلسطيني أنه قادر بنفسه على تحرير فلسطين.. هذا محض وهم وخرافة”.
ويعلل ذلك بأن إسرائيل ليست دولة عادية بل “طليعة مشروع استعماري غربي عالمي”، وأن فلسطين لا تملك (لا الرجال، ولا الموارد، ولا الأموال، ولا العمق الاستراتيجي) لخوض هذه المعركة وحدها.
= النتيجة:
توافق تام في النتيجة، هو يسميها الآن “وهم وخرافة” من الناحية العسكرية الاستراتيجية، وأنا سميتُها “عدم استطاعة” من الناحية الشرعية والواقعية.
٢. حول “حسبة الخارج” والتعويل على الأمة (توريط الأمة)
– (كلامي):
انتقدتُ بشدة “توريط” الأمة في معركة غير مهيئة لها، ومن ثَم لومها وتخوينها.
وبينتُ أن الاعتماد على “محور المقاومة” (إيران وأذرعها) كان خدعة، وأن التعويل على “هبة الشعوب” لتغيير المعادلات هو رهان خاسر في ظل واقع الأنظمة، وأن القيادة كانت تعيش في “أحلام” بتدخلات خارجية لم تحدث.
– كلام محمد إلهامي (في المقطع):
يقول بوضوح: “الخطأ الأساسي في طوفان الأقصى هو أنه لم يحسب حسبة الخارج”.
ويضيف: أن السنوار وإخوانه “ما كانوش يتخيلوا إن الأمريكي سينزل بهذا الثقل، ولا إن النظام العربي سيتواطأ كل هذا التواطؤ”.
ويعترف بأن فكرة مناداة الأمة (يا أيتها الأمة المحبوسة أنقذيني) كانت “نداءً عبثيّاً” وتصوراً خاطئاً للواقع، بل يصفه بأنه “خلل في التصور”.
بل ونفى قدرة النصرة من أهل الضفة الغربية وفلسطينيي الداخل، والفلسطينين في الشتات! في وقت كانوا يدعون الشعوب للتحرك للحدود والقتال!
= النتيجة:
إلهامي يقر هنا بما كنت أحذر منه: القيادة بنت خطتها على “افتراضات خاطئة” بشأن رد فعل العالم والأمة، وهو ما أدى للكارثة.
٣. حول النتائج والمآلات (فقه المآلات)
– (كلامي):
نظرتُ بعين البصيرة إلى مآلات الأمور، وقلت إن العبرة بالخواتيم والنتائج، لا بمجرد البدايات المبهرة.
وأطلقت وسم #كارثة_الطوفان نظراً لحجم الدمار الهائل، وإبادة الحاضنة الشعبية، وضياع الأرض، مقارنة بالمكاسب التكتيكية المحدودة.
– كلام محمد إلهامي (في المقطع):
رغم ثنائه على “المعجزة العسكرية” في ٧ أكتوبر! إلا أنه يعود ليقر بالنتيجة الكارثية الاستراتيجية.
يقول: إن إسرائيل “تستطيع أن تسفك دماءنا بكثرة ولا تتجاوز خطوطاً حمراء لأنه لا يوجد من يوقفها”.
ويقر بأن قدرات غزة مهما بلغت لن تستطيع إزالة إسرائيل، وأن النتيجة النهائية كانت استفراداً بالقطاع أدى لما نراه.
=النتيجة:
إلهامي يفرق بين “البسالة” (التي يمدحها) وبين “النتيجة” (التي يقر بأنها كارثية بسبب سوء الحسابات)، وهو ما يقترب من كلامي الذي فصَلتُ فيه بين صدق النوايا أو بسالة الأفراد وبين خطأ القرار وفساد النتيجة.
٤. حول التخطيط والقرار (الشورى والإعداد)
– (كلامي):
طالما تساءلت: أين الحكمة في استفزاز وحش كاسر وأنت لا تملك حماية ظهرك ولا شعبك؟ وهل اتُخذ القرار بناءً على دراسة حقيقية للواقع الدولي والإقليمي؟
– كلام محمد إلهامي (في المقطع):
يصف ما حدث بأنه “نقطة ضعف في التدبير لهذه العملية”، وأنها النقطة التي “أُتوا من قِبَلِها”.
ويعترف بأن القادة “لم يتخيلوا” رد الفعل، وهذا اعتراف ضمني بضعف الدراسة الاستراتيجية للمشهد الدولي قبل اتخاذ قرار الحرب.
٥. المقارنة في “الهدف من النقد” (عدم تكرار الخطأ):
– (كلامي):
كان دافعي واضحاً وحازماً وهو “الإنكار للإصلاح ومنع التكرار” ، ردا على من صرح من القادة بأنهم سيكررون “الطوفان” مرات ومرات.
وقفتُ في وجه هذا الطرح بحزم، مبيناً أن تكرار الخطأ بنفس المقدمات (دون استطاعة ودون حماية) هو انتحار وليس جهاداً، وأن النقد الآن ضروري حتى لا تُساق الأمة لنفس المذبح مرة أخرى باسم العاطفة.
– كلام محمد إلهامي (في المقطع):
قال بلسانه في الدقيقة (03:30) تقريباً: “في النهاية المفروض إن إحنا نتعلم من التجربة التي تركوها لنا”.
هو يقرر هنا أن الهدف من كلامه القاسي -رغم حرجه من نقد “السادة العمالقة” كما وصفهم- هو أخذ العبرة، لأن التجربة كشفت عن “نقطة ضعف” قاتلة في التدبير (تجاهل حسبة الخارج).
فكلامه ضمناً يعني: لا يصح أن نكرر التجربة بنفس المعطيات ونفس الحسابات الخاطئة.
كلانا رفع شعار “المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين”.
أنا رفعتها تحذيراً قبل وأثناء الحدث: “لا تكرروا المآسي”.
وهو يرفعها الآن درساً بعد الحدث: “يجب أن نتعلم مما حدث”.
وهذا يدحض تهمة “التثبيط” التي كانت تُلصق بي؛ فالمثبط هو من يقعد عن العمل، أما الناصح المشفق فهو من يريد للعمل أن يكون صواباً حتى لا تذهب الدماء هدراً، وهو بالضبط ما وصل إليه إلهامي متأخراً: أن الدماء سُفكت لأن الحسابات لم تكن دقيقة.
= الخلاصة الجامعة:
الفارق الجوهري هو أنني قلت هذا الكلام بصيرةً واستقراءً (شرعياً وواقعيّاً) في وقت كانت العواطف فيه جياشة، بينما وصل الأستاذ إلهامي (ومن يمثله من تيار) إلى هذه النتائج تجربةً واضطراراً بعدما وقع الفأس في الرأس.
أنا قلت : لا يجوز شرعاً وعقلاً لأننا لا نستطيع (الاستطاعة شرط).
هو يقول الآن: اكتشفنا أننا لا نستطيع، وأن اعتقادنا بالقدرة كان “وهماً وخرافة”.
المقطع هو وثيقة تصديق “متأخرة” على صحة قراءتي للواقع، وشهادة من “أهل البيت” المناصر للطوفان بأن الحسابات التي بُنيت عليها المعركة كانت -للأسف- أوهاماً قاتلة.
كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
١١ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ، ٢/ ١٢/ ٢٠٢٥

