حُكْم أَخذ نِسْبة مِن أموال التبرُّعات.

حُكْم أَخذ نِسْبة مِن أموال التبرُّعات.

السؤال:
أقوم بجمع التبرعات لمسجد أو لجمعية خيرية، فهل يجوز لي أن آخذ لنفسي نِسْبة “الثُّمُن” مِن هذه الأموال مُقابِل جُهدي ووقتي؟

الجواب:
لا يجوز ذلك، ويَحرم عليك أخذ فلس واحد دون إذن صريح، وذلك لأسباب شرعية قاطعة:
1️⃣ أنت وكيل ولستَ شريكا:
جامع التبرعات هو في الشرع أمين ووكيل عن المتبرعين وعن الفقراء.
والوكيل لا يجوز له أن يقتطع مِن الأمانة لنفسه شيئا، فإذا أَخَذ منها سِرًّا أو بتأويل خاطئ فهذا هو الغُلول والخيانة للأمانة، وأَكْل المال بالباطل.

2️⃣ فهم مغلوط لآية “العاملين عليها”:
كثير مِن هؤلاء يظن أنَّ قوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ يعني أنَّ كل مَن جمع مالا له الحق في “الثمن”! وهذا خطأ فادح، فالعاملون عليها هُمُ الموظَّفون الرسميون الذين يُعيِّنهم ولي الأمر أو الجِهة الرسمية لجَمْع الزكاة وتكون هذه وظيفتهم، وهؤلاء يأخذون راتبا مُقدرا وليس نسبة مفتوحة يحددونها بأنفسهم.
وكثير يظن أنَّ “العامل عليها” هو من يجلس في مكتب مُكيف، يستقبل المتبرع، أو يستلم حوالة وهو في غرفة نومه! أو يقف عند باب المسجد يستلم الصدقات، فيقتطع لنفسه منها!
وهذا فَهْم مغلوط لغةً وشرعا.
١. العامل مُشتق مِن “العمل” والنَّصَب:
العامل في الشرع كالساعي، والمُصَدِّق، والخارِص هو الذي يُرسله ولي الأمر، فيضرب في الأرض، ويذهب إلى أهل الأموال في مزارعهم ومراعيهم، فيَعُدَّ الأغنام، ويُحصي الإبل، ويَدخل البساتين فيخرص الثمار -أي يُقدر كميتها وهي على الشجر- ثم يعود إليهم وقت الحصاد ليَجْمع الحق، ويحمله ويحفظه حتى يوصله لمستحقيه.
٢. الفرق بين “الجابي” و”المُسْتلِم”:
الذي يجلس في مكانه ويأتيه المُحْسن بالمال ليقول له: “أوصل هذا للفقراء” هذا ليس عاملا، بل هو “وكيل مؤتَمَن” ومجرد وسيط نقل.
أما العامل فهو الذي يبذل الجهد في التحصيل والحساب والجَرْد والسفر، ولهذا استحق الأجر مِن الزكاة عِوَضًا عن تفرُّغه وجهده، لا مجرد “إكرامية” على استلام المبلغ!
فلا تخلطوا بين أمانة الوكيل وبين وظيفة العامل، فتأكلوا أموال الصدقات بالباطل.

3️⃣ متى يجوز الأخذ؟
في حالة واحدة فقط:
وهي الاتفاق المسبق والعلني.
فإذا قالت لك الجهة الخيرية: “اجمع لنا ولك مكافأة ثابتة أو نسبة محددة جُعالة”: فهُنا يجوز لك أَخْذها لأنها صارت أجرة، أمَّا أنْ تأخذها بتقديرك الشخصي واجتهادك، فهو أكل لأموال الناس بالباطل.

والله أعلم.

وهذه تَتِمَّة مُهمة على إجابة أخذ النسبة على التبرعات.

المَحاور والأسئلة:
المشكلة بالجهة الخيرية إذا حددت نِسبا أو رواتب عالية، لا تُناسب وضع العمل الخيري المَبني أكثره على الاحتساب وليس على محاولة الوصول للثراء.

وهل يلزم إخبار المتبرعين بالنِسبة المأخوذة مِن الجِهة الخيرية، وإعلان ذلك رسميا؟

وكيف وعلى مَن تُصرف النِّسَب؟

ومَا هي تخصصات العلماء الذين يؤخذ منهم الفتوى في هذه القضايا؟ وهل يلزم أنْ يكونوا مِن أصحاب الديانة والتقوى؟ أم التخصص العلمي يكفي؟

وهل يلزم وجود جِهات رقابية حكومية أو خاصة، ومحاسبين ماليين خَلْف هذه الجهات الخيرية أو العاملين عموما؟ .

الجواب:
أسئلة وملاحظات في الصميم، وإليك الجواب عنها بترتيبها:
أولا: بخصوص تحديد نسب أو رواتب عالية للعمل الخيري:
الأصل الشرعي في رواتب المتفرغين للعمل الخيري هو: أُجْرة المِثْل، أي يُعطى الموظف راتبا يوازي ما يأخذه نظيره في السوق نظير نفس الجهد والوقت، دون أي مبالغة.
العمل الخيري مبناه على الإرفاق والاحتساب، ومَن أراد الثراء وجمع الأموال فمكانه في الشركات التجارية والعمل الحر، لا في أموال الأرامل واليتامى! فالمبالغة في الرواتب مِن أموال الصدقات تُعتبر تعدِّيًا وتفريطا في الأمانة.

ثانيا: مسألة إخبار المتبرعين:
نعم، يلزم الإعلان والإفصاح بشدة، فالقاعدة الفقهية تقول: “المعروف عُرفا كالمشروط شرطا” والعُرْف السائد في ذِهْن المتبرع العادي أنَّ ماله سيصل كاملا للفقير.
فإذا كانت الجمعية تقتطع نسبة مئوية (مثلا ١٠% أو ١٥%) للمصاريف الإدارية، فيجب أن يكون هذا مُعلنًا بشفافية تامة؛ إمَّا مكتوبا بوضوح على وصولات القبض، أو في إعلانات الحملة، وإخفاء ذلك عن المتبرع يُعتبر نوعا من التدليس وتغييرا لشرط الواقف أو المتصدق دون إذنه.

ثالثا: على مَن؛ وكيف تُصرف هذه النسب؟
يجب أن تُحصر هذه الأموال في الاحتياجات التشغيلية الحقيقية والمباشِرة فحسب؛ مثل: إيجار مستودعات الجمعية، رواتب الموظفين الإداريين المتفرغين، تكاليف النقل وتوزيع الإغاثة، والبرامج المحاسبية.
ولا يجوز بحال من الأحوال أن تتحول هذه النسب المقتَطَعة إلى مكافآت “بونص” نهاية العام، أو بدلات سفر مبالغ فيها لأعضاء مجلس الإدارة أو المتنفذين في الجمعية، فضلا أنْ تتحول لجيوبهم الخاصة نَهبا وسرقة.
مال الصدقة مبني على التضييق وسد الحاجة، لا على التوسعة والرفاهية الإدارية.

رابعا: تخصصات العلماء وشرط الديانة:
سؤالك هذا يضع اليد على الجرح.

في الفتوى، أجمع الأصوليون على وجوب توفر رُكنين في المفتي: العلم و العدالة.
مِن حيث التخصص: يجب أن تؤخذ الفتوى من أهل الاختصاص الدقيق في “فقه المعاملات المالية” والسياسة الشرعية، وليس مِن أي واعظ أو خطيب مفوه.
ومن حيث الديانة: التخصص العلمي وحده لا يكفي أبدا في أبواب الأموال!
العالم غير التقي قد يُطوِّع النصوص ويمنح رُخصا وفتاوى تفصيلية توافق هوى الإدارة لتسويغ تجاوزاتهم، وكما قال إمام التابعين ابن سيرين:” إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم”.

خامسا: الرقابة الحكومية والمحاسبية الدقيقة:
وجود جهات رقابية ومكاتب تدقيق محاسبي خارجي ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو مَطْلب شرعي حَتْمي يندرج تحت مقصد “حِفْظ المال العام” .
وكثيرون يغضبون مِن الرقابة بحُجة نحن أهل ثقة ودين! والرد عليهم: الثقة لا تتنافى مع الرقابة والتوثيق، وأطول آية في القرآن هي “آية الدَّيْن” التي أمرت بالكتابة والتوثيق.
وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُدقق ويحاسِب وُلاته وعُمَّاله على أموال الصدقات بشدة.
المحاسَبة الشفَّافة تحمي أموال الفقراء مِن الهدر، وتحمي سُمْعة العاملين الشرفاء مِن الشبهات وسوء الظن.

والله أعلم.

✍️ كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
٢ رمضان ١٤٤٧ هـ، ١٩/ ٢/ ٢٠٢٦ م

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

ابقَ على إتصال

2,282المشجعينمثل
28,156أتباعتابع
12,700المشتركينالاشتراك

مقالات ذات صلة