وقت صلاة العشاء في المناطق التي لا يغيب فيها الشفق إلا متأخراً
السؤال
نحن طلاب سعوديون ، مبتعثون للدراسة في بريطانيا ، وبالتحديد : في مدينة ” Birmingham ” , وتواجهنا في مثل هذه الأيام – ومع بداية فصل الصيف – مشكلة ” طول الفترة بين دخول المغرب ، ودخول العشاء ” .
وفي كل عام تثار ضجة بين المسلمين فيما يفعلون ، فبعض المساجد تصلي العشاء بعد 90 دقيقة من دخول المغرب ، والبعض ينتظر غياب حمرة الشفق لمدة تصل إلى 3 ساعات أحياناً !! مما يوقع الناس في حرج ، خصوصاً مع قصر الليل .
نحن المسلمون في سكن الكلية في مثل هذه الأيام نصلي العشاء في جماعتين ، الأولى : تصلي بعد 90 دقيقة , وتعتمد على ما يلي :
أ. أن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله قد ذكر في إحدى خطبه أن أقصى مدة بين دخول المغرب والعشاء هي ساعة واثنين وثلاثين دقيقة .
ب. بناء على فتوى من أحد المشايخ المشهورين في المملكة .
ج. أن الشفق لا يغيب طوال الليل في بعض الأجزاء ، وبعض الفصول من السنَة .
د. أن بعض المساجد ، والمراكز الإسلامية تعتمد نظام الـ 90 دقيقة .
هـ. أن الحرمين الشريفين تعتمد هذا النظام .
أما الجماعة الأخرى : فتصلي متأخرة ، بناء على ما يلي :
أ. فتوى اللجنة الدائمة ، بأن تصلى كل صلاة بتوقيتها الشرعي ، حسب علامتها الشرعية ( إذا تميز الليل من النهار ) .
ب. فتوى من شيخ آخر مشهور ، في السعودية ، أكد فيها أن نظام الـ 90 دقيقة اجتهاد خاطئ .
ج. أن بعض المساجد ، والمراكز الإسلامية ، تفعل هذا .
د. التقويم المعتمد من ” رابطة العالم الإسلامي ” .
وفي حقيقة الأمر – يا فضيلة الشيخ – أن تقويم ” الرابطة ” يوقعنا في حرج ، ومشقة ، في بعض فصول السنَة .
نحن نعتمد في تقاويم الصلاة على الموقع التالي :
والذي يوفر جميع التقاويم ، وطرق الحساب المعروفة ، بالإضافة إلى إمكانية التعديل الشخصي .
ونظراً لأننا لم نجد في الإنترنت ، ولا غيره ، بحثاً مؤصَّلاً في هذه المسألة ، ولا فتوى واضحة : فإننا – يا فضيلة الشيخ – ننتظر منكم البحث الكافي ، والجواب الشافي ، الذي نسأل الله أن يوحد به القلوب ، ويجمعها على الحق ، في هذه المسألة .
وجزاكم الله خيراً .
الجواب
الحمد لله
أولاً:
من شروط صحة الصلاة المتفق عليها بين أهل العلم : دخول وقت الصلاة ، قال تعالى : ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً ) النساء/ 103 .
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – :
أي : مفروضاً في وقته ، فدلَّ ذلك على فرضيتها ، وأن لها وقتاً لا تصح إلا به ، وهو هذه الأوقات التي قد تقررت عند المسلمين ، صغيرهم ، وكبيرهم ، عالمهم ، وجاهلهم . ” تفسير السعدي ” ( ص 198 ) .
ثانياً:
أول وقت صلاة المغرب : مغيب قرص الشمس في الأفق , وآخره – وبه يدخل وقت العشاء – : مغيب الشفق الأحمر ، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم .
عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ : ( وَقْتُ صَلاَةِ الْفَجْرِ مَا لَمْ يَطْلُعْ قَرْنُ الشَّمْسِ الأَوَّلُ ، وَوَقْتُ صَلاَةِ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْ بَطْنِ السَّمَاءِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ ، وَوَقْتُ صَلاَةِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَيَسْقُطْ قَرْنُهَا الأَوَّلُ ، وَوَقْتُ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ ، وَوَقْتُ صَلاَةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ) . رواه مسلم ( 612 ) .
ثالثاً:
وهذه المواقيت المحددة في الشرع إنما تكون في البلاد التي فيها الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة ، ولا عبرة بطول النهار وقصَر الليل في هذه الحال ، إلا أن يكون وقت العشاء لا يتسع لأداء الصلاة ، فإن لم يتسع : فكأنه لا وقت لها ، ويقدَّر بأقرب البلاد إليه مما فيه ليل ونهار يتسعان لأداء الصلوات الخمس .
ومسألتكم هذه مما عُني بها العلماء ، وتداولوها بينهم بالبحث ، والفتوى ، وقد ألَّف بعضهم رسالة مستقلة فيها بعنوان ” وقت صلاة العشاء ووقت الإمساك في المناطق التي لا يغيب فيها الشفق إلا متأخرًا ويطلع الفجر مبكراً ” وهي لرئيس مركز البحوث الإسلامية في إستانبول ، الدكتور ” طيار آلتي قولاج ” ، وقد اختلفوا بينهم فيها إلى ثلاثة أقوال :
القول الأول : الفتوى بالأخذ برخصة الجمع بين المغرب والعشاء ؛ لوجود المشقة التي لا تقل عن المطر ، وغيره من أعذار الجمع .
والقول الثاني : الفتوى بتقدير مواقيت العشاء ، ودعا بعضهم إلى جعل الاعتبار في هذه المواقيت : مكة المكرمة ، وممن قال بهذا القول صاحب الرسالة آنفة الذِّكر .
والقول الثالث : الفتوى بالالتزام بالأوقات الشرعية للعشاء ، وهي مغيب الشفق ، ما دام الوقت يتسع لأداء الصلاة .
وهذا القول هو الذي نراه راجحاً ، وهو الذي تدل عليه النصوص النبوية ، وبه يفتي هيئة كبار العلماء ، واللجنة الدائمة ، والشيخان العثيمين ، وابن باز ، وغيرهم من أهل العلم .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :
وهذه المواقيت المحددة : إنما تكون في مكان يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة ، سواء تساوى الليل والنهار ، أم زاد أحدهما على الآخر زيادة قليلة أو كثيرة .
أما المكان الذي لا يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة : فلا يخلو : إما أن يكون ذلك مطرداً في سائر العام ، أو في أيام قليلة منه .
فإن كان في أيام قليلة منه ، مثل أن يكون المكان يتخلله الليل والنهار في أربع عشرين ساعة طيلة فصول السنة ، لكن في بعض الفصول يكون فيه أربعاً وعشرين ساعة أو أكثر والنهار كذلك : ففي هذه الحالة إما أن يكون في الأفق ظاهرة حية يمكن بها تحديد الوقت ، كابتداء زيادة النور مثلاً ، أو انطماسه بالكلية ، فيعلَّق الحكم بتلك الظاهرة ، وإما أن لا يكون فيه ذلك فتقدر أوقات الصلاة بقدرها في آخر يوم قبل استمرار الليل في الأربع والعشرين ساعة أو النهار … .
إما إذا كان المكان لا يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة طيلة العام في الفصول كلها : فإنه يحدد لأوقات الصلاة بقدرها ؛ لما رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم ذكر الدجال الذي يكون في آخر الزمان فسألوه عن لبثه في الأرض فقال : ( أربعون يوماً ،يوم كسنة ، ويوم كشهر ، ويوم كجمعة ، وسائر أيامه كأيامكم ) ، قالوا : يا رسول الله فذلك اليوم كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم ؟ قال : ( لا ، اقدروا له قدره ) .
… فإذا ثبت أن المكان الذي لا يتخلله الليل والنهار يقدر له قدره فماذا نقدره ؟
… يرى بعض العلماء : أنه يقدر بالزمن المعتدل ، فيقدر الليل باثنتي عشرة ساعة ، وكذلك النهار ؛ لأنه لما تعذر اعتبار هذا المكان بنفسه اعتبر بالمكان المتوسط ، كالمستحاضة التي ليس لها عادة ولا تمييز .
ويرى آخرون : أنه يقدَّر بأقرب البلاد إلى هذا المكان ، مما يحدث فيه ليل ونهار في أثناء العام ؛ لأنه لما تعذر اعتباره بنفسه : اعتُبر بأقرب الأماكن شبهاً به ، وهو أقرب البلاد إليه التي يتخللها الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة .
– وهذا القول أرجح ؛ لأنه أقوى تعليلاً ، وأقرب إلي الواقع .
” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 12 / 197 ، 198 ) .
– وهو قول هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ، وأيدته اللجنة الدائمة، وقد نقلنا فتواهم في جواب آخر وفيها قولهم :
” … إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلوات الخمس ، قولاً ، وفعلاً ، ولم تفرِّق بين طول النهار ، وقصره ، وطول الليل وقصره ، ما دامت أوقات الصلوات متمايزة بالعلامات التي بيَّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ” . انتهى
وبالنظر في حال البلاد التي تدرسون فيها : نجد أن فيها ليلاً ، ونهاراً في أربع وعشرين ساعة ، وقصَر وقت العشاء ليس بالقدر الذي لا يتسع لأداء الصلاة فيه ، وعليه : فالمتعين في حقكم : أداء الصلوات في أوقاتها الشرعية .
رابعاً:
وما قلناه لا يعني عدم جواز الجمع بين المغرب والعشاء لمن وجد مشقة بالغة في انتظار وقت العشاء ، وغلب على ظنه أنه يفوته الوقت بطلوع الفجر – مثلاً – .
والعلماء الذين يفتون للمسلمين في مثل بلدانكم أن يلتزموا بالصلوات في أوقاتها ، ولو قصر الليل عندهم : يفتون أيضاً بصيام ذلك النهار الطويل ، وليس ثمة عذر بسبب ذلك ، ومع هذا كله : فإنهم يقولون بأنه من وجد مشقة بالغة في صيام النهار الطويل : فإن له أن يفطر ، ويقضي في أيام يقصر النهار فيها .
– وهو قول هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ، وأيدته اللجنة الدائمة ، وقد نقلنا فتواهم في جواب آخر وفيها قولهم :
” ومن عجز عن إتمام صوم يومه لطوله ، أو علم بالأمارات أو التجربة أو إخبار طبيب أمين حاذق ، أو غلب على ظنه أن الصوم يفضي إلى إهلاكه ، أو مرضه مرضاً شديداً ، أو يفضي إلى زيادة مرضه ، أو بطء برئه : أفطر ، ويقضي الأيام التي أفطرها ، في أي شهر تمكَّن فيه من القضاء ” . انتهى.
وهكذا يقال في الصلاة ، فإنه لا حرج في الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء لمن يجد حرجاً في انتظار وقت صلاة العشاء ، وأما الفتوى العامة فيها : فإن من شأنها جعل الصلوات الخمس في أربع أوقات ، وهذا ما لم تأت به الشريعة ، وعليه : فتكون الفتوى في إفطار نهار رمضان ، وفي الجمع بين الصلاتين لآحاد الناس ممن يجدون مشقة بالغة في الصيام ، وانتظار وقت الصلاة الأخرى ، وليست فتوى لعموم الناس .
* وفي جواب آخر نقلنا عن الشيخ العثيمين رحمه الله قوله :
” وإن كان الشفق يغيب قبل الفجر بوقت طويل يتسع لصلاة العشاء : فإنه يلزمهم الانتظار حتى يغيب ، إلا أن يشق عليهم الانتظار ، فحينئذ يجوز لهم جمع العشاء إلى المغرب جمع تقديم ؛ دفعاً للحرج ، والمشقة … ” . انتهى.
وما قلنا إنه الراجح ، والذي دلت عليه النصوص الشرعية ، وأفتى به العلماء الثقات ممن ذكرنا : هو الذي يقول به ” المجمع الفقهي الإسلامي ” التابع لرابطة العالم الإسلامي .
فقد جاء في قرارهم رقم ( 2 / 12 ) ما نصه :
” تداول أعضاء المجلس في موضوع مواقيت الصلاة ، والصيام في البلاد ذات خطوط العرض العالية ، واستمعوا إلى الدراسات الشرعية ، والفلكية ، المقدمة من بعض الأعضاء ، والعروض التوضيحية للجوانب الفنية ذات الصلة التي تمت التوصية بها في الدورة الحادية عشرة للمجلس ، وقرر ما يلي :
أولاً : تأكيد القرار السادس الصادر عن المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي بشأن مواقيت الصلاة ، والصيام ، في البلاد ذات خطوط العرض العالية ، ونصه :
” الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
أما بعد :
فإن ” مجلس المجمع الفقهي الإسلامي ” في دورته التاسعة المنعقدة بمبنى ” رابطة العالم الإسلامي ” في مكة المكرمة في الفترة من يوم السبت 12 رجب 1406 هـ ، إلى يوم السبت 19 رجب 1406هـ قد نظر في موضوع ” أوقات الصلاة والصيام لسكان المناطق ذات الدرجات العالية ” .
ومراعاة لروح الشريعة المبنية على التيسير ، ورفع الحرج ، وبناءً على ما أفادت به لجنة الخبراء الفلكيين : قرر المجلس في هذا الموضوع ما يلي :
أولاً : دفعاً للاضطرابات الناتجة عن تعدد طرق الحساب : يحدد لكل وقت من أوقات الصلاة العلامات الفلكية التي تتفق مع ما أشارت الشريعة إليه ، ومع ما أوضحه علماء الميقات الشرعي في تحويل هذه العلامات إلى حسابات فلكية متصلة بموقع الشمس فوق الأفق ، أو تحته ، كما يلي :
(1) الفجر : ويوافق بزوغ أول خيط من النور الأبيض ، وانتشاره عرضاً في الأفق ” الفجر الصادق ” ، ويوافق الزاوية (18ْ) تحت الأفق الشرقي .
(2) الشروق : ويوافق ابتداء ظهور الحافة العليا لقرص الشمس من تحت الأفق الشرقي وي، قدر بزاوية تبلغ (50َ) دقيقة زاوية تحت الأفق .
(3) الظهر : ويوافق عبور الشمس لدائرة الزوال ، ويمثل أعلى ارتفاع يومي للشمس ، يقابله أقصر ظل للأجسام الرأسية .
(4) العصر : ويوافق موقع الشمس الذي يصبح معه ظل الشيء مساوياً لطوله ، مضاف إليه فيء الزوال ، وزاوية هذا الموقع متغيرة بتغير الزمان ، والمكان .
(5) المغرب : ويوافق اختفاء كامل قرص الشمس تحت الأفق الغربي ، وتقدر زاويته بـ (50َ) دقيقة زاوية تحت الأفق .
(6) العشاء : ويوافق غياب الشفق الأحمر ، حيث تقع الشمس على زاوية قدرها (17ْ) تحت الأفق الغربي .
ثانياً : عند التمكين للأوقات : يُكتفى بإضافة دقيقتين زمنيتين على كل من أوقات الظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، وإنقاص دقيقتين زمنيتين من كل من وقتي الفجر ، والشروق .
ثالثاً : تقسم المناطق ذات الدرجات العالية إلى ثلاثة أقسام :
المنطقة الأولى : وهي التي تقع ما بين خطي العرض (45ْ) درجة و (48ْ) درجة ، شمالاً وجنوباً ، وتتميز فيه العلامات الظاهرة للأوقات في أربع وعشرين ساعة ، طالت الأوقات ، أو قصرت .
المنطقة الثانية : وتقع ما بين خطي عرض (48ْ) درجة و(66ْ) درجة شمالاً وجنوباً ، وتنعدم فيها بعض العلامات الفلكية للأوقات في عدد من أيام السنة ، كأن لا يغيب الشفق الذي به يبتدئ العشاء ، وتمتد نهاية وقت المغرب حتى يتداخل مع الفجر .
المنطقة الثالثة : وتقع فوق خط عرض (66ْ) درجة شمالاً وجنوباً إلى القطبين ، وتنعدم فيها العلامات الظاهرة للأوقات في فترة طويلة من السنة نهاراً ، أو ليلاً .
رابعاً : والحكم في المنطقة الأولى : أن يلتزم أهلها في الصلاة بأوقاتها الشرعية ، وفي الصوم بوقته الشرعي من تبيّن الفجر الصادق إلى غروب الشمس ؛ عملاً بالنصوص الشرعية في أوقات الصلاة ، والصوم ، ومن عجز عن صيام يوم ، أو إتمامه لطول الوقت : أفطر ، وقضى في الأيام المناسبة … . انتهى.
والمسؤول عنها هي الحالة الأولى – كما هو واضح وبيِّن -, وعلى ذلك: فالراجح مما تقدم أن تصلى صلاة العشاء في وقتها , وإن قصر الوقت , وهو الأحوط لدين المرء .
وفي قرار لاحق للمجمع الفقهي الإسلامي فقد أكَّد على القرار السابق ، ورخَّص لمن يجد مشقة في أداء صلاة العشاء أن يجمعها مع المغرب ، وقد نصَّ على ما نبهنا عليه من عدم جعل هذا ديدناً عامّاً ، ومن كون ذلك لأصحاب الأعذار. وهذا نص الكلام في القرار موضع الشاهد :
” أما إذا كانت تظهر علامات أوقات الصلاة ، لكن يتأخر غياب الشفق الذي يدخل به وقت صلاة العشاء كثيراً : فيرى ” المجمع ” وجوب أداء صلاة العشاء في وقتها المحدد شرعاً ، لكن مَن كان يشق عليه الانتظار وأداؤها في وقتها – كالطلاب ، والموظفين ، والعمَّال أيام أعمالهم – : فله الجمع ؛ عملاً بالنصوص الواردة في رفع الحرج عن هذه الأمة ، ومن ذلك ما جاء في صحيح مسلم وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ” جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء بالمدينة ، من غير خوف ولا مطر ” ، فسئل ابن عباس عن ذلك فقال : ” أراد ألا يُحرج أمته ” .
على ألا يكون الجمع أصلاً لجميع الناس في تلك البلاد ، طيلة هذه الفترة ؛ لأن ذلك من شأنه تحويل رخصة الجمع إلى عزيمة ، ويرى المجمع أنه يجوز الأخذ بالتقدير النسبي في هذه الحال من باب أولى .
وأما الضابط لهذه المشقة : فمرده إلى العُرف ، وهو مما يختلف باختلاف الأشخاص ، والأماكن ، والأحوال . انتهى من ” الدورة التاسعة عشر ” المنعقدة بمقر رابطة العالم الإسلامي ، بمكة المكرمة ، في الفترة من 22 – 27 شوال 1428هـ ، الموافق 3 – 8 نوفمبر2007 م ، القرار الثاني .
والتقدير النسبي : هو مذهب الشافعية في البلد الذي يستمر الشفق الأحمر في الظهور إلى الفجر ، فيصلون العشاء على وقت أقرب بلد إليهم يغيب الشفق الأحمر قبل الفجر ، ويقدرون ذلك بالنسبة ، فلو فرض أن الشفق في البلد الأقرب يستمر خمس الليل : فتكون تلك النسبة هي المعتمدة عند من يستمر الشفق الأحمر في الظهور إلى الفجر ، وهذا ما يُطلق عليه ” التقدير النسبي ” ، وأما عند المالكية ، والحنابلة : فإنهم يصلون في الوقت نفسه الذي يصلي فيه البلد الأقرب ، ويُطلق على هذا عندهم ” التقدير المطابق ” .
وفي ” حاشية قليوبي ” – من الشافعية – ( 1 / 130 ) :
ولو لم يغب الشفق عند قوم , كأن طلع الفجر مع غروبه : اعتُبر بعد غروب الشمس زمن يغيب فيه شفق أقرب بلد إليهم , أي : قدْر ذلك , وبمضي ذلك : يصلون العشاء , ويخرج وقت المغرب مع بقاء شفقهم , والمراد بـ ” قدْر ذلك ” : بالنسبة الجزئية إلى ليل البلد الأقرب , مثاله : لو كان البلد الأقرب ما بين غروب شمسه وطلوعها مائة درجة ، وشفقهم عشرون منها : فهو خمس ليلهم ، فخمس ليل الآخرين هو حصة شفقهم , وهكذا طلوع فجرهم . انتهى.
ويتميز القول بمذهب المالكية والحنابلة بسهولة العمل به ؛ لأنه لا يحتاج إلى حساب ، بل هو مطابقة تامة لتوقيت أقرب البلاد الطبيعية من حيث الليل والنهار ، وغياب الشفق قبل الفجر .
خامساً:
وأما تقدير الوقت بين المغرب والعشاء بساعة وثلث : فلم نجده عند الشيخ العثيمين ، ولا غيره ، والشيخ رحمه الله ذكر أقولاً ثلاثة لمن كان يعيش في بلد ليس فيه ليل ونهار في أربع وعشرين ساعة ، أو في بلاد لا يتسع الليل لأداء صلاة العشاء ، والقول الأول أنه يقدر بالمتوسط من الأيام ، فيُجعل للنهار اثنتا عشرة ساعة ، وكذا لليل ، والقول الثاني : أنه يقدَّر بحسب توقيت مكة ، والثالث : أنه يُحسب تبعاً لأقرب البلاد مما فيها ليل ونهار ، وهو الذي رجَّحه ، وقد سبق النقل عنه ، وليس هذا القول منه رحمه الله في بلاد يقصر ليلها بما يمكن أداء صلاة العشاء فيه ، ولا هو من باب أولى من كان الوقت عندهم أوسع من هذا .
ولعلَّ الوهم من الناقل ، وأن الشيخ رحمه الله أراد الوقت بين المغرب والعشاء عادة وغالبا في البلاد المتوسطة ، أو في السعودية تحديداً ، وهو الأقرب .
أ. ومن كلامه رحمه الله :
” وقت العشاء لا يختص بالأذان في الحقيقة ؛ لأن وقت العشاء أحياناً في بعض السنة ، وفي بعض الفصول : يكون بين غروب الشمس ودخول وقت العشاء ساعة وربع ساعة ، وأحياناً ساعة وثلث الساعة ، وأحياناً ساعة وخمساً وعشرين دقيقة، وأحياناً ساعة وثلاثين دقيقة، يختلف، لا يمكن أن يُضبط في جميع الفصول”.
” جلسات رمضانية ” .
ب. وقال – رحمه الله – أيضاً – :
وقت المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر ، فتارة يكون ساعة ونصف ، بين المغرب والعشاء ، وتارة ساعة وثلث وتارة ساعة ، وسبع عشرة دقيقة ، يختلف . ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 7 / 338 ) .
والخلاصة :
- يجب الالتزام بالصلوات الخمس ، على حسب علاماتها الشرعية .
- في البلاد – أو المناطق – التي يوجد بها ليل ونهار في أربع وعشرين ساعة : يجب الالتزام بالصلوات في أوقاتها الشرعية ، ولو طال الليل ، أو قصر .
- في البلاد – أو المناطق – التي لا يكون فيها ليل ونهار في أربع وعشرين ساعة : يُلتزم في صلواتها بأقرب مكان عليهم يوجد فيه ليل ونهار .
- في البلاد – أو المناطق – التي يتصل بها الشفق إلى الفجر ، أو يغيب ولا يتسع الوقت لصلاة العشاء : فيُلتزم بأقرب مكان عليهم يوجد فيه متسع من الوقت لصلاتها.
- لا يجوز الفتوى للعموم بالجمع بين المغرب والعشاء إذا اتسع الوقت لصلاة العشاء.
- يجوز لأهل الأعذار الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء إن تعذر عليهم انتظار وقت العشاء.
والله أعلم .


