مناقشة ملحد

السؤال

شخص غير مسلم قال بأنه لا يؤمن بالرب ويؤمن بالطبيعة، كيف أجيبه وأقنعه لكي يؤمن بالله مع ذكر أدلة من القرآن؟

الجواب

الحمد لله

 

إن الإيمان بالله تعالى لا يحتاج إلى أدلة حتى يقتنع بها المنكر له؛ لأنّ الله تعالى فطر الناس عليه، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ” كل مولود يولَد على الفطرة ” – رواه البخاري (1293) ومسلم ( 2658 ) – والذي يجادل في ذلك إنما يجادل بالباطل؛ لأنّه يخالف الفطرة، وهم لا يستطيعون أن يقولوا إن الطبيعة خالقة أو رازقة أو محيية ومميتة، وما هي الطبيعة؟ وما صفاتها؟ وما الذي تريده منا؟ وكيف نشكرها؟ وكيف نعبدها؟ … الخ من الأسئلة التي لا يمكن لمؤمن بها أن يجيب عليها، ثم من الذي أخبره أنّ الطبيعة هي الإله؟ هل أخبرته هي؟ فأين قالت ذلك؟ ولمَ لمْ تكن البقرة هي إله هذا الإنسان؟ لمَ لمْ تكن النار هي إلهه؟ هذه الفوضى في اختيار كل واحد من أولئك المشركين إنما تدل على سفهٍ في عقولهم فكيف توصل كل واحد منهم إلى هذا الإله إلا بالتقليد والهوى؟

 

وكيف لهذا المؤمن بالطبيعة أن يكفر بالرب تعالى والذي أنزل القرآن المعجز، وأظهر الآيات الباهرة على توحيده وإلهيته؟.

 

والذي نراه أن هذا المؤمن بالطبيعة هو مجادل ليس إلا، فهو عند الشدائد والملمات لا يلجأ إلا إلى الله تعالى ولا يتوجه قلبه إلا لأعلى، وقد سبقه إخوانه المشركون لهذا، فإنهم كانوا يعبدون إلها من حجر وتمر وطين ثم إذا مسَّهم الضر لجئوا إلى الله تعالى وحده لا شريك له، وغاب عنهم كل إله كانوا يعبدونه، وهذا من أعظم الأدلَّة على وجود الفطرة في قلوب الخلْق وهو يغني عن كثيرٍ من الأدلَّة.

 

قال تعالى: { وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُورا } [ الإسراء / 67 ]، وقال تعالى: { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } [ يونس / 22 ].

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أدلة عقلية كثيرة للملحدين ومنكري وجود الله تعالى ونفي الإحياء بعد الإماتة، وننبه أن هذه الأدلة وإن جاءت في القرآن الكريم إلا أنها أدلة منطقية وعقلية في ذاتها – لأنّهم لا يؤمنون بالقرآن أصلا -؛ لذا ذكرها الله تعالى في كتابه ليتعلمها الموحدون ويناظروا بها هؤلاء الملحدين.

 

* قال ابن القيم:

{ إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } [ يونس / 67 }، { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } [ الرعد / 4 ]، وقال: { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } [ محمد / 24 ]، فدعاهم إلى استماعه بأسماعهم وتدبره بعقولهم، ومثله قوله: { أفلم يدبروا القول } [ المؤمنون / 68 ]، وقال تعالى: { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } [ ق / 37 ]، فجمع سبحانه بين السمع والعقل وأقام بهما حجته على عباده، فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلا، فالكتاب المنزَّل والعقل المدرك حجة الله على خلقه، وكتابه هو الحجة العظمى، فهو الذي عرَّفنا ما لم يكن لعقولنا سبيل إلى استقلالها بإدراكه أبدا، فليس لأحدٍ عنه مذهب ولا إلى غيره مفزع في مجهول يعلمه، ومشكل يستبينه، وملتبس يوضحه، فمن ذهب عنه فإليه يرجع، ومن دفع حكمه فبه يحاج خصيمه إذ كان بالحقيقة هو المرشد إلى الطرق العقلية والمعارف اليقينية التي بالعباد إليها أعظم حاجة، فمن ردَّ مِن مدَّعي البحث والنظر حكومته، ودفع قضيته: فقد كابر وعاند، ولم يكن لأحدٍ سبيل إلى إفهامه ولا محاجته ولا تقرير الصواب عنده، وليس لأحدٍ أن يقول إني غير راضٍ بحكمه بل بحكم العقل، فإنّه متى ردَّ حكمه فقد رد حكم العقل الصريح وعاند الكتاب والعقل…

فحججه سبحانه العقليَّة التي بيَّنها في كتابه جمعت بين كونها عقليَّة سمعيَّة ظاهرة واضحة قليلة المقدمات، سهلة الفهم، قريبة التناول، قاطعة للشكوك والشبه، ملزمة للمعاند والجاحد؛ ولهذا كانت المعارف التي استنبطت منها في القلوب أرسخ، ولعموم الخلق أنفع.

” الصواعق المرسلة ” ( 2 / 458 – 460 ).

 

* ومن هذه الأدلة:

  1. قال تعالى { مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } [ المؤمنون / 91 ].

 

– قال ابن القيم:

فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البيِّن فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقا فاعلا يوصل إلى عابده النفع، ويدفع عنه الضر، فلو كان معه سبحانه إلهٌ لكان له خلقٌ وفعل، وحينئذٍ فلا يرضى بشركة الإله الآخر معه، بل إن قدِر على قهره وتفرده بالإلهية دونه فعل، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب به كما ينفرد ملوك الدنيا عن بعضهم بعضا بممالكهم  إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه، فلا بد من أحد أمور ثلاثة: إمَّا أن يذهب كلُّ إلهٍ بخلقه وسلطانه    وإما أن يعلو بعضهم على بعض، وإما أن يكون كلهم تحت قهر إله واحد وملك واحد يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه ويمتنع من حكمهم عليه ولا يمتنعون من حكمه عليهم فيكون وحده هو الإله الحق وهم العبيد المربوبون المقهورون ، وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض وجريانه على نظام محكم لا يختلف ولا يفسد من أدل دليل على أن مدبره واحد لا إله غيره كما دل دليل التمانع على أن خالقه واحد لا رب له غيره فذاك تمانع في الفعل والإيجاد وهذا تمانع في العبادة والإلهية فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان يستحيل أن يكون له إلهان معبودان. ” الصواعق المرسلة ” ( 2 / 463 ، 464 ).

 

  1. وقال تعالى: { وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاما وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقا جَدِيدا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبا } [ الإسراء / 51 ] .

 

– قال ابن القيم:

فتأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل: فإنَّهم قالوا أولا { إذا كنا عظاما ورفاتا أئنَّا لمبعوثون خلقا جديدا } فقيل لهم في جواب هذا السؤال: ” إن كنتم تزعمون أنَّه لا خالقَ لكم ولا ربَّ فهلاَّ كنتم خلقا جديدا لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد أو ما هو أكبر في صدوركم من ذلك “؟ فإن قلتم: لنا رب خالق خلقَنا على هذه الصفة وأنشأنا هذه النشأة التي لا تقبل البقاء، ولم يجعلنا حجارةً ولا حديدا: فقد قامت عليكم الحجة بإقراركم، فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقا جديدا؟.

وللحجة تقرير آخر وهو أنكم لو كنتم من حجارةٍ أو حديدٍ أو خلق أكبر منهما لكان قادرا على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم وينقلها من حالٍ إلى حالٍ، ومَن قدر على التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة ونقلها من حالٍ إلى حالٍ فما يعجزه عن التصرف فيما هو دونها بإفنائه وإحالته ونقله من حالٍ إلى حال، فأخبر سبحانه أنهم يسألون سؤالا آخر بقولهم: { من يعيدنا } إذا استحالت أجسامنا وفنيت، فأجابهم بقوله: { قل الذي فطركم أول مرة }، وهذا الجواب نظير جواب قول السائل: { مَن يحيي العظام وهي رميم } [ يس / 78 ]، فلما أخذتهم الحجة ولزمهم حكمها ولم يجدوا عنها معدلا انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به كما يتعلل المقطوع بالحجاج بمثل ذلك وهو قولهم: { متى هو } فأجيبوا بقوله: { عسى أن يكون قريبًا * يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } [ الإسراء / 51 ، 52 ] .

” الصواعق المرسلة ” ( 2 / 478 – 480 ).

هذا، والأدلة كثيرة سنشير إلى بعضها، ونرجو مراجعة كتاب ابن القيم الرائع ” الصواعق المرسلة ” وهو الذي ساق هذه الأدلة العقلية من القرآن الكريم للرد على الملحدين سواء من كان منهم ملحدا في البعث أو في النبوة أو في التوحيد أو في غيرها.

 

  1. ومنه قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ البقرة / 258 ].
  1. ومنه قوله تعالى : { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ } [ الطور/ 35 ، 36 ].

 

والله الهادي.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة