ما حكم طلاق الثلاث في حالة غضب؟
السؤال
رجل كان في حالة غضب شديد وأثناء مشادة كلامية حصلت بينه وبين زوجته تركته الزوجة ولم تستمع إليه ودخلت حمام الغرفة وأغلقت على نفسها الباب، حاول الزوج فتح الباب بالقوة وطلب منها الخروج مهددًا بكسر الباب إن أصرت على عدم الخروج، وبعد ذلك ومع إصرار الزوج فتحت الزوجة باب الحمام وخرجت مسرعة تنوي الخروج من غرفة النوم خوفًا من ضرب زوجها لها، وأثناء محاولتها الهرب وعدم سماع كلام الزوج قال الزوج لها – وهو في حالة غضب شديد وبدون وعي وإدراك لما يقول ” طالق، طالق، طالق ” ولكنها لم تهتم بهذا واستمرت في الخروج من الغرفة إلى الصالة مما جعل الزوج يعيد نفس الجملة لها ” طالق، طالق، طالق ” وعليه نطلب من فضيلتكم بيان الحكم الشرعي في صحة وقوع الطلاق من عدمه، علمًا بأن الزوج نادم ندمًا شديدًا، وكان يمر بظروف نفسيَّة صعبة جدًّا، كونه كان موقوفًا في السجن لمدة تقارب أربعة أشهر تقريبًا على ذمة قضية كان متهمًا فيها بالزنا مع الخادمة وتم الإفراج عنه بكفالة قبل فترة ليست ببعيدة، وحدد اليوم التالي موعدًا لصدور حكم الاستئناف فيها، ولهذا كان مرهقًا نفسيًّا و ذهنيًّا، أما الزوجة فتقول إنها تركت زوجها ودخلت حمام الغرفة وأغلقت على نفسها الباب خوفًا منه حتى لا يضربها وقالت إنها سمعت الزوج ينطق بألفاظ الطلاق في المرة الأولى ولم تسمعها في المرة الثانية عندما وصلت إلى الصالة, علمًا بأنه جامع زوجته بعد خروجه من السجن.
الرجاء سرعة الإجابة للأهمية القصوى، ولكم جزيل الشكر والامتنان.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
الغضب أنواع، فإذا كان يُغلق على صاحبه أمره كله فلا يدري في ليل هو أم في نهار، ولا يدري عن قوله شيئًا: فلا يقع طلاقه، وهو من الإغلاق الذي لا توقع الشريعة على صاحبه قولًا ولا حكمًا.
* قال ابن القيم:
وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ” لَله أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان عليه راحلة بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح “، هذا لفظ مسلم.
وفي الحديث من قواعد العلم: أن اللفظ الذي يجري على لسان العبد خطأ من فرح شديد أو غيظ شديد ونحوه: لا يؤاخذ به، ولهذا لم يكن هذا كافرًا بقوله ” أنت عبدي وأنا ربك “، ومعلوم أن تأثير الغضب في عدم القصد يصل إلى هذه الحال أو أعظم منها، فلا ينبغي مؤاخذة الغضبان بما صدر منه في حال شدة غضبه من نحو هذا الكلام، ولا يقع طلاقه بذلك، ولا ردَّته، وقد نص الإمام أحمد على تفسير الإغلاق في قوله – صلى الله عليه وسلم – ” لا طلاق في إغلاق ” بأنه الغضب، وفسره به غير واحد من الأئمة، وفسروه بالإكراه والجنون. قال شيخنا – أي: ابن تيمية -: وهو يعم هذا كله، وهو من الغلق لانغلاق قصد المتكلِّم عليه، فكأنه لم ينفتح قلبه لمعنى ما قاله.
” مدارج السالكين ” ( 1 / 209 ).
* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي:
أما طلاق الغضبان: فهو واقع كما قالوا؛ لأنه لا يكاد الطلاق يصدر إلا في الغضب، وليس بمعذور بغضبه، إلا إن غضب حتى أُغمي عليه، وزال تمييزه وعقله، فهو في حكم المجنون. وقال الشيخ صالح الفوزان: إذا بلغ بالإنسان من الغضب إلى زوال الشعور وفقد الوعي بأن لا يدري ولا يتصور ماذا يقول: فإن هذا لا تعتبر أقواله لا طلاق ولا غيره؛ لأنه فاقد للعقل في هذه الحالة. أما إذا كان الغضب دون ذلك، وكان معه شعوره، ويتصور ما يقول: فإنه يؤاخذ بألفاظه وتصرفاته، ومن ذلك الطلاق.
” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 734 ).
ثانيًا:
وأما طلاق الثلاث فسواء كان بلفظ واحد أو في مجلس واحد: فهي طلقة واحدة.
* قال شيخ الإسلام رحمه الله:
ثم قال { الطلاق مرتان } فبين أن الطلاق الذي ذكره هو الطلاق الرجعي الذي يكون فيه أحق بردها هو مرتان مرة بعد مرة؛ كما إذا قيل للرجل سبح مرتين أو سبح ثلاث مرات أو مائة مرة فلابد أن يقول سبحان الله سبحان الله حتى يستوفي العدد؛ فلو أراد أن يجمل ذلك فيقول سبحان الله مرتين أو مائة مرة لم يكن قد سبح إلا مرة واحدة والله تعالى لم يقل الطلاق طلقتان بل قال مرتان فإذا قال لامرأته أنت طالق اثنتين أو ثلاثًا أو عشرًا أو ألفًا لم يكن قد طلقها إلا مرة واحدة.
” مجموع الفتاوى ” ( 33 / 11 ، 12 ).
والله أعلم.


