الخاتم والتختم، أحكام ومسائل
السؤال
أريد أن أعرف حكم الأمور التالية:
التختم، وما شروطه، وفي أي يد يلبس، وفي أي أصبع يكون؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
اتفق الفقهاء على أنه يجوز للنساء التختم بالذهب, ويحرم على الرجال ذلك, لما جاء عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” أحل الذهب والحرير لإناث أمتي, وحرم على ذكورها “.
ثانيًا:
ويجوز للرجل والمرأة التختم بالفضة، فعن أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتمًا من ورِق – أي: فضة -, وكان في يده, ثم كان في يد أبي بكر رضي الله عنه, ثم كان في يد عمر رضي الله عنه, ثم كان في يد عثمان رضي الله عنه, حتى وقع في بئر أريس، نقشه: محمد رسول الله ” رواه البخاري ( 5535 ) ومسلم ( 2091 ).
والتختم سنة لمن يحتاج إليه, كالسلطان والقاضي ومن في معناهما, وتركه لغير السلطان والقاضي وذي حاجة إليه أفضل، ومباح لمن لا يحتاجه في التختم، وليس هو سنة على مطلقًا، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يتخذ خاتمًا إلا من أجل ختم كتبه إلى الملوك.
عن أنس بن مالك قال: كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا فقيل له: إنهم لا يقرءون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة، نقشه ” محمد ، رسول، الله ” كأني أنظر إلى بياضه في يده “. رواه البخاري ( 65 ) ومسلم ( 2092 ).
عن أنس: كان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر. رواه البخاري ( 2939 ).
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
وقوله: ” للذكر من الفضة الخاتم “؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم:” اتخذ خاتمًا من ورِق” ، أي من فضة، ومعلوم أن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، ولا يقول قائل: إن هذا خاص به، لأن الأصل عدم الخصوصية، فمن ادعى الخصوصية في شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم فعليه الدليل.
وظاهر كلام المؤلف: سواء اتخذ الخاتم لحاجة، أو تقليد، أو لزينة أنه جائز؛ لإطلاقه.
أشبه ذلك؛ أي: يحتاج الناس إلى ختمه فهذا اتخذه لحاجة؛ لأن بقاؤه في أصبعه أحفظ من جعله في جيبه؛ لأن جعله في جيبه ربما يسقط، أو يسرق.
وأما الذي اتخذه تقليدًا فكما يفعل لكثير من الناس الآن، يتخذ صاحبه خاتمًا فيوافقه في ذلك تقليدًا، ولا يريد الزينة، ولكن جرت عادة أهل بلده في اتخاذ الخاتم فاتخذه .وأما الذي يتخذه زينة يريد أن يتزين به، ولهذا يختار أحسن الفضة لونًا ولمعانًا وشكلًا.
وقال بعض العلماء: للزينة لا يحل؛ لأن الله جعل التحلي بالزينة للنساء فقال تعالى: { أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين }، وما كان من خصائص النساء، فإنه لا يجوز للرجال.
– والراجح: العموم، وأنه جائز للحاجة, والعادة، والزينة.
بل إنه لا يوجد نص صحيح في تحريم لباس الفضة على الرجال لا خاتمًا ولا غيره، بل جاء في السنن: ” وأما الفضة فالعبوا بها لعبًا “، يعني: اصنعوا ما شئتم؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من العلماء: ليس الأصل في لباس الفضة التحريم، ثم يباح ما استثنى كالخاتم، ولكن الأصل الحل حتى يقوم دليل على التحريم، وهذا القول أصح لقول الله تعالى: { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا }،
فإذا جاء الإنسان، واتخذ غير الخاتم مما يتزين به، كأن يتخذ ما يسمى: ” بالكبك ” من فضة، فلا نقول إن هذا حرام على القول الراجح؛ لأن الأصل الحل.
أمّا السوار، والقلادة في العنق، وما أشبه ذلك: فهذا نحرمه من وجه آخر، وهو التشبه بالنساء والتخنث، وربما يساء الظن بهذا الرجل، فهذا يحرم لغيره لا لذاته.
قوله: ” يباح للذكر .. ” أفادنا أن اتخاذ الخاتم من فضة من القسم المباح، أي: ليس حرامًا، وهل هو مشروع ؟ أي: هل يسنّ أن يتخذ الإنسان خاتمًا؟
الجواب الصحيح: لا، فإن لبس الخاتم ليس بسنة إلا لمن يحتاجه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم:” لم يتخذه، حتى قيل له: إن الملوك لا يقبلون كتابًا إلا مختومًا فاتخذ الخاتم “.
* مسألة:
إذا جرت عادة أهل البلد بلبس الخاتم فألبسه، ولا حرج، وإذا لم تجر العادة فلا تلبسه؛ لأنه يكون لباس شهرة يتحدث الناس به.
” الشرح الممتع ” ( 6 / 112 – 115 ).
– وننبه إلى أن الخاتم لا بدَّ أن يكون له فص، فإن لم يكن له فص فهو حلقة.
عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان خاتمه من فضة، وكان فصه منه. رواه البخاري ( 5532 ).
* قال الحافظ ابن حجر:
وأجيب بأنه أشار إلى أنه لا يسمَّى خاتمًا إلا إذا كان له فص، فإن كان بلا فص فهو حلقة. ” فتح الباري ” ( 10 / 322 ).
ثالثًا:
وأما حكم التختم بغير الذهب والفضة:
فقد ذهب الشافعية – في الأصح – إلى أن التختم بالحديد والنحاس والرصاص جائز، للرجال والنساء، وقال الحنابلة: إنه يباح للرجل والمرأة التحلي بالجوهر والزمرد والزبرجد والياقوت والفيروز واللؤلؤ.
وقد ضعَّف الإمام ابن عبد البر ما ورد في النهي عن خاتم الحديد وأنه ” حلية أهل النار ” فقال – رحمه الله -:
وعن عمر بن الخطاب أنه قال في خاتم الذهب وخاتم الحديد ” جمرة من نار ” أو قال: ” حلية أهل النار “، وقد روي مثل هذا مرفوعًا، ولا يتصل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن عمر، وليس بثابت، والأصل: أن الأشياء على الإباحة حتى يثبت النهي، وهذا في كل شيء، إلا أن النهي عن التختم بالذهب صحيح، ولا يختلف في صحته. ” التمهيد ” ( 17 / 114 ).
* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
ولا حرج في لبس الحديد من الساعة والخاتم لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أنه قال للخاطب: ” التمس ولو خاتمًا من حديد “.
أما ما يروى عنه صلى الله عليه وسلم في التنفير من ذلك: فشاذ، مخالف لهذا الحديث الصحيح. ” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 255 ).
وقد ردَّ الحافظ ابن حجر على من استدل بقوله صلى الله عليه وسلم ” التمس ولو خاتمًا من حديد ” بالجواز فقال في ” فتح الباري ” ( 10 / 323 ): ” لا يلزم من جواز الاتخاذ جواز اللبس، فيحتمل أنه أراد وجوده لتنتفع المرأة بقيمته “.
ولا يظهر لنا صواب الرد؛ لأنه لو كان حرامًا فسيحرم على النساء والرجال، وسيحرم بيعه وشراؤه، فكيف سيشتريه؟ وكيف ستنتفع به المرأة؟ وما هي أوجه النفع في خاتم حديد غير اللبس؟ ومن هنا علَّق الشيخ شمس الحق العظيم آبادي على كلام الحافظ في ” عون المعبود ” ( 11 / 191 ) بقوله: ” ولا يخفى ما فيه من الضعف والوهن “.
رابعا:
– وأما بالنسبة موضع التختم:
فلم يختلف الفقهاء في موضع التختم بالنسبة للمرأة; لأنه تزين في حقها, ولها أن تضع خاتمها في أصابع يديها أو رجليها أو حيث شاءت، ولكن الفقهاء اختلفوا في موضع التختم للرجل, والصحيح من أقوالهم أنه يجوز التختم باليمين واليسار. ففي سنن أبي داود – ( 4228 ) وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح أبي داود ” (3558 ) – أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يتختم في يساره, وفي الترمذي (1742 ) وأبي داود ( 4229 ) وصححه الألباني في صحيح أبي داود ( 3559 ) أن ابن عباس رضي الله عنهما تختم في يمينه.
– ومن الأحكام: أنه ينهى عن التختم في الوسطى والسبابة.
عن علي رضي الله تعالى عنه قال: ” نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتختم في أصبعي هذه أو هذه قال: فأومأ إلى الوسطى والتي تليها ” مسلم (2078).
ولم يكن يعرف التختم قديمًا وحديثًا إلا في الخنصر والبنصر، وكان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم في خنصره.
عن أنس رضي الله عنه قال صنع النبي صلى الله عليه وسلم خاتمًا قال إنا اتخذنا خاتمًا ونقشنا فيه نقشًا فلا ينقشن عليه أحد قال: فإني لأرى بريقه في خنصره.
رواه البخاري ( 5536 ).
* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
لا حرج في لبس الساعة في اليد اليمنى أو اليسرى كالخاتم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: ” أنه لبس الخاتم في اليمنى وفي اليسرى “.
” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 255 ).
* وقال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:
مسألة:
أين يوضع الخاتم؟ هل هو في الخنصر، أو البنصر، أو السبابة، أو الإبهام، أو الوسطى؟.
الجواب:
في الخنصر أفضل، ويليه البنصر.
وهل يسنّ في اليسار أو اليمين؟.
الجواب:
قال الإمام أحمد: اليسار أفضل؛ لأنه أكثر، ولكن يجوز في اليمين، والصحيح أنه سنَّة في هذا وهذا؛ أي: اليمين واليسار.
وقال بعض العلماء: إذا كان قد ختم عليه اسم الله، فلا يكون في اليسرى تكريمًا لاسم الله؛ ولأنه يحتاج إلى اليسرى في الاستنجاء، والاستجمار وحينئذ: إمّا أن يتكلّف بإخراج الخاتم، وإما أن يستنجي والخاتم عليه، وهذا فيه: نوع من الإهانة.
ويؤخذ في هذه المسألة: أن وضع الساعة في اليد اليمنى ليس أفضل من وضعها في اليسرى؛ لأن الساعة أشبه ما تكون بالخاتم، فلا فرق بين أن تضع الساعة في اليمين أو اليسار.
لكن أيهما أيسر للإنسان؟.
الجواب: اليسار بلا شك، من ناحية التعبئة، ومن ناحية النظر إليها، ثم هي أسلم في الغالب، لأن اليمنى أكثر حركة فهي أخطر.
والأمر في هذا واسع، ولا يقال: إن السنة أن تلبسها باليمين، والسنة جاءت باليمين واليسار في الخاتم وهذا أشبه شيء به.
* والأصابع بالنسبة لوضع الخاتم عند الفقهاء، ثلاثة أقسام:
قسم مستحب: وهو الخنصر.
وقسم مكروه: وهو السبابة والوسطى.
وقسم مباح: وهو الإبهام والبنصر.
” الشرح الممتع ” ( 6 / 116 ، 117 ).
سادسًا:
– وأما بالنسبة لعدد خواتم الرجل:
فلو اتخذ الرجل لنفسه عدة خواتيم: فالأظهر جوازه إن لم يخرج عن العادة, والأظهر جواز لبس الرجل خاتمين فأكثر جميعًا إن لم يخرج عن العادة، وهذا قول الحنابلة.
– وانظر – للمزيد -: ” الموسوعة الفقهية ” ( 11 / 21 – 32 ).
والله أعلم.


