لم يكن يعلم بوجوب غسل الجنابة فهل يعيد الصلوات؟
السؤال
لم أكن أعلم بوجوب الغسل من الجنابة للصلاة، فهل عليَّ إعادة؟.
الجواب
الحمد لله
الواجب على كل مسلم ومسلمة تعلم الأحكام الشرعية وخاصة المتعلقة بما قد كلفه الله به ويستطيع القيام به، فمن ملك المال وجب عليه تعلم أحكام الزكاة، ومن عمل في التجارة وجب عليه تعلم أحكام البيع والشراء، وعلى الجميع تعلم أحكام الطهارة والصلاة، وقد يسَّر الله تعالى طرق طلب العلم، فلم يعد للكثيرين حجة في عدم العلم إلا التقصير.
وبخصوص المسألة عينها: وهو عدم العلم بوجوب الغسل من الجنابة، وأنه قد صلَّى صلوات كثيرة وهو على هذه الحال: فالجواب أنه معذور في تلك الصلوات من حيث أداؤها من غير طهارة، وقد لا يُعذر في تقصيره في معرفة الحكم، وعليه إعادة الصلاة التي يبلغه الحكم وهو في وقتها.
* والدليل على هذا الحكم:
- عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع يصلي كما صلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثًا فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع حتى تعدل قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا وافعل ذلك في صلاتك كلها. رواه البخاري ( 724 ) ومسلم ( 367 ).
- عن عبد الرحمن بن أبزى قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت فصليت فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما كان يكفيك هكذا فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه.
رواه البخاري ( 331 ) ومسلم ( 368 ).
ففي الحديث الأول وهو ما يسمى ” حديث المسيء في صلاته ” لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء ما فات من الصلوات مع أنه ترك أركانًا فيها، وهي باطلة بنص قوله صلى الله عليه وسلم ” لم تصلِّ “، وكان قد تركها جهلًا بركنيتها، ولم يعذره فيما صلاه أمامه لإمكانية أدائه في الوقت.
وهكذا الحكم نفسه في الحديث الثاني فقد ترك عمر بن الخطاب رضي الله الصلاة لعدم علمه بوجوب التيمم لمن فقد الماء، وخالف عمار بن ياسر رضي الله عنه طريقة التيمم للعذر نفسه، ولم يأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء ما تركاه من الصلوات.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
… وعلى هذا لو ترك الطهارة الواجبة لعدم بلوغ النص، مثل: أن يأكل لحم الإبل ولا يتوضأ ثم يبلغه النص ويتبين له وجوب الوضوء، أو يصلي في أعطان الإبل ثم يبلغه ويتبين له النص: فهل عليه إعادة ما مضى؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد.
ونظيره: أن يمس ذَكَره ويصلى، ثم يتبين له وجوب الوضوء من مس الذكر.
والصحيح في جميع هذه المسائل: عدم وجوب الإعادة؛ لأن الله عفا عن الخطأ والنسيان؛ ولأنه قال { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا }، فمن لم يبلغه أمر الرسول في شيءٍ معيَّنٍ: لم يثبت حكم وجوبه عليه، ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر وعمَّارًا لما أجْنبا فلم يصلِّ عمر وصلَّى عمار بالتمرغ أن يعيد واحد منهما، وكذلك لم يأمر أبا ذر بالإعادة لما كان يجنب ويمكث أيامًا لا يصلي، وكذلك لم يأمر مَن أكل من الصحابة حتى يتبين له الحبل الأبيض من الحبل الأسود بالقضاء، كما لم يأمر مَن صلى إلى بيت المقدس قبل بلوغ النسخ لهم بالقضاء.
ومن هذا الباب: المستحاضة إذا مكثت مدة لا تصلي لاعتقادها عدم وجوب الصلاة عليها، ففي وجوب القضاء عليها قولان، أحدهما: لا إعادة عليها – كما نقل عن مالك وغيره –؛ لأن المستحاضة التي قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ” إني حضت حيضةً شديدةً كبيرةً منكرةً منعتني الصلاة والصيام ” أمرها بما يجب في المستقبل، ولم يأمرها بقضاء صلاة الماضي.
وقد ثبت عندي بالنقل المتواتر أن في النساء والرجال بالبوادي وغير البوادي مَن يبلغ ولا يعلم أن الصلاة عليه واجبة، بل إذا قيل للمرأة: صلِّي، تقول: حتى أكبر وأصير عجوزة! ظانَّة أنه لا يخاطَب بالصلاة إلا المرأة الكبيرة كالعجوز ونحوها، وفي أتباع الشيوخ طوائف كثيرون لا يعلمون أن الصلاة واجبة عليهم، فهؤلاء لا يجب عليهم في الصحيح قضاء الصلوات سواء قيل: كانوا كفَّارًا أو كانوا معذورين بالجهل …” مجموع الفتاوى ” ( 21 / 101 ، 102 ).
والله أعلم.


