هل تُقبل شهادة مربي الحمَام ومعلمي الصبيان؟
السؤال
السؤال الأول:
لماذا لا تقبل شهادة مربي الحمام ( الحمام الزاجل وغيره )؟ كنت قد سمعت هذا مرة وأود التأكد من ذلك.
السؤال الثاني:
هل صحيح أنه لا يؤخذ بشهادة المعلمين ( المدرسين ) شرعًا ولماذا؟
الجواب
الحمد لله
أولًا:
تربية الحمَام من أجل الزينة، أو من أجل فراخها لأكلها، أو لاستعمالها في إرسال الرسائل – كما كانت تستعمل قديمًا -: لا حرج فيها، ولا إثم على فاعلها، بل هو من الأفعال المباحة.
وأما تطييرها والعبث بها وإيذاؤها بمنعها من الراحة والسكون: فهو من الأفعال المحرمة، لما فيه من الإيذاء، ولما يتسبب به ” المطيِّر ” من سرقة حمام الآخرين، ولما يطلع بفعله على عورات المسلمين، ومثل هذا هو من قال أكثر العلماء فيه أنه ترد شهادته ولا تُقبل.
قال الكاساني:
والذي يلعب بالحمام فإن كان لا يطيرها لا تسقط عدالته, وإن كان يطيرها تسقط عدالته; لأنه يطلع على عورات النساء, ويشغله ذلك عن الصلاة والطاعات.
” بدائع الصنائع ” ( 6 / 269 ).
وقال ابن قدامة:
اللاعب بالحمام يطيرها, لا شهادة له، وهذا قول أصحاب الرأي، وكان شريح لا يجيز شهادة صاحب حمَام ولا حمَّام; وذلك لأنه سفه ودناءة وقلة مروءة, ويتضمن أذى الجيران بطيره, وإشرافه على دورهم, ورميه إياها بالحجارة، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يتبع حمامًا, فقال: ” شيطان يتبع شيطانة ” – رواه أبو داود ( 4940 ) وهو في ” صحيح الجامع ” ( 3724 ) -.
وإن اتخذ الحمام لطلب فراخها, أو لحمل الكتب, أو للأنس بها من غير أذى يتعدى إلى الناس, لم ترد شهادته. ” المغني ” ( 10 / 172 ، 173 ).
قال ابن القيم:
وعليه أن يمنع اللاعبين بالحمام على رءوس الناس, فإنهم يتوسلون بذلك إلى الإشراف عليهم , والتطلع على عوراتهم.
قال الشوكاني:
قوله: ( فقال: ” شيطان . . . إلخ ) فيه دليل على كراهة اللعب بالحمام وأنه من اللهو الذي لم يؤذن فيه, وقد قال بكراهته جمع من العلماء, ولا يبعد على فرض انتهاض الحديث تحريمه; لأن تسمية فاعله شيطانًا يدل على ذلك, وتسمية الحمامة شيطانة إما لأنها سبب اتباع الرجل لها أو أنها تفعل فعل الشيطان حيث يتولع الإنسان بمتابعتها واللعب بها لحسن صورتها وجودة نغمتها.” نيل الأوطار ” ( 8 / 106 ).
ثانيًا:
وأما عدم قبول شهادة المعلم: فلا نظن أن له أصلًا، وما يروى عن بعضهم هو عدم قبول شهادة معلم الصبيان، وهو أيضًا مردود، فالتعليم أمر يشرِّف صاحبه ويرفع قدره، ومعلم الناس الخير يصلي عليه الرب تعالى والملائكة بل والنملة في جحرها والحوت في البحر، وهو نص حديث أخرجه الترمذي وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 4213 ).
سئل ابن حجر الهيتمي – رحمه الله -:
رأيت منقولًا عن ” الخلاصة ” ما لفظه: ” ولا تقبل شهادة معلم الصبيان، فإن عقْل ثمانين معلمًا لا يساوي عقل امرأة واحدة في الأيام مع الصبيان وفي الليالي مع النسوان ” .ا.هـ . فهل هذا النقل صحيح ثابت فيها أو لا؟ وكيف الحكم في هذه المسألة؟.
فأجاب بقوله:
قد فتشت على هذا المذكور عن ” خلاصة ” الغزالي فلم أره فيها، ولا أظنه في شيء من كتب أصحابنا؛ لأنه إلى السفساف أقرب، وكم من معلم صبيان رأيناه يُستسقى به الغيث لبلوغه في النزاهة والعفة والعدالة والصلاح الغاية القصوى، فإن صحت تلك المقالة بإطلاقها عن عالم تعين تأويلها على معلم ظهرت عليه أمارات الجهل أو الفسق أو الجنون كما هو كثير الآن فيمن يتعاطى هذه الحرفة التي هي أشرف الحرف بنصه صلى الله عليه وسلم, والله سبحانه وتعالى أعلم.
” الفتاوى الفقهية الكبرى ” ( 4 / 358 ).
والله أعلم.


