هل تسقط حقوق الآخرين بالتوبة والمغفرة بالصيام؟
السؤال
سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه “، هل يدخل في ذلك الذنوب التي ارتكبها المرء متعمدًا في حق إخوانه المسلمين وندم عليها أشد الندم, ولكنه لا يستطيع أن يعترف لهم بما فعله معهم؛ لأن ذلك سيؤدي إلى الكثير من المشاكل؟.
الجواب
الحمد لله
مكفرات الذنوب كثيرة، ومنها القيام بالطاعات، والتوبة والاستغفار منها، وإقامة الحدود على من فعل ما يوجب حدًّا، وغير ذلك.
والصلاة والصيام والحج من أعظم الطاعات التي تكفِّر الذنوب، والأدلة على ذلك واضحة مشهورة، وفيما يتعلق بسؤال الأخ فإن ما قاله في كون الصيام يكفِّر الله تعالى به الذنوب صحيح.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه “. رواه البخاري ( 38 ) ومسلم ( 760 ).
قال الله تعالى: ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) [ النساء / الآية 17 ].
وقال عز وجل: ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ) [ النساء / الآية 110 ].
ولا يدخل في هذه الذنوب الحقوق الماليَّة الخاصة بالمسلم؛ فإن الذنب المتعلق بحقوق الآخرين يوجب التوبة بين المذنب وبين ربه تعالى، وبينه وبين المخلوق بإرجاع حقوقه إليه.
وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 14 / 129 ):
التوبة بمعنى الندم على ما مضى والعزم على عدم العود لمثله لا تكفي لإسقاط حق من حقوق العباد، فمن سرق مال أحد أو غصبه أو أساء إليه بطريقة أخرى لا يتخلص من المسائلة بمجرد الندم والإقلاع عن الذنب والعزم على عدم العود, بل لا بد من رد المظالم, وهذا الأصل متفق عليه بين الفقهاء. انتهى.
هذا فيما يتعلق بالحقوق المادية كالمال المأخوذ غصبًا أو باحتيال، أما الحقوق المعنوية كالقذف والغيبة فقد قال بعض العلماء: بأن التوبة منه – إن لم يكن يعلم بذلك – بإخباره وطلب المسامحة منه بعد التوبة والاستغفار بينه وبين ربه عز وجل، والقول الآخر: هو أن لا يخبره بل يدعو ويستغفر له؛ لأن هذا الإخبار قد يسبب نفورًا وهجرًا وعدم قبول منه، وهذا القول هو الصواب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى -:
فأما إذا اغتابه أو قذفه ولم يعلم بذلك، فقد قيل: من شرط توبته: إعلامه، وقيل: لا يشترط ذلك وهذا قول الأكثرين، وهما روايتان عن أحمد لكن قوله مثل هذا أن يفعل مع المظلوم حسنات كالدعاء له والاستغفار وعمل صالح يهدى إليه يقوم مقام اغتيابه وقذفه. قال الحسن البصري: كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته.
” مجموع الفتاوى ” ( 18 / 189 ).
والخلاصة: أن على الآخذ لأموال الناس ردها لهم، وعلى المغتاب أن يستغفر الله، وأن يندم، وأن يعزم أن لا يعود، وأن يتحلل من المغتاب إن رأى أن ذلك أصلح لقلبه وأفضل للمودة، وإلا فلا يخبره كما سبق في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -.
وقال علماء اللجنة الدائمة – في جندي سرق مالا من عبدٍ -:
إن كان يعرف العبدَ أو يعرف من يعرفه: فيتعين عليه البحث عنه ليسلم له نقوده فضة أو ما يعادلها أو ما يتفق معه عليه، وإن كان يجهله وييأس من العثور عليه: فيتصدق بها أو بما يعادلها من الورق النقدي عن صاحبها، فإن عثر عليه بعد ذلك فيخبره بما فعل فإن أجازه فبها ونعمت، وإن عارضه في تصرفه وطالبه بنقوده: ضمنها له وصارت له الصدقة، وعليه أن يستغفر الله ويتوب إليه ويدعو لصاحبها.
” فتاوى إسلاميَّة ” ( 4 / 165 ).
والله أعلم.


