كلمة حول ظاهرة تمييع مسائل من الشرع لأجل التقرب للغرب!
السؤال
هناك ظاهرة غريبة في أوساط المسلمين في الغرب بدأت تطفو إلى السطح: إن الإخوة المسلمين في الغرب يحاولون جاهدين بشتى أنواع الأساليب التوفيق بين الإسلام والقضايا العصرية التي تظهر وتُستجد من حين لآخر؛ سعيًا منهم في إثبات أن الإسلام دين يواكب المتغيرات ويتعايش مع العصر، ولكنهم يخطئون من حيث لا يشعرون، فعلى سبيل المثال: لكي يثبتوا حقوق المرأة في الإسلام ومساواة الإسلام لها مع الرجل: فإنهم يقومون بالبحث عن غرائب النصوص التي جعلت من المرأة إماماً في الصلاة ( حتى وإن كانت في حالات خاصة )، ثم يقولون بعد ذلك: ألا ترون أن الإسلام أعطى المرأة حق القيادة والإمامة، إذًا فإن الإسلام ضمن للمرأة تولي المناصب أيًّا كانت، أوليس قد جعلها إماماً وخطيباً في صلاة الجمعة؟!! ألا ترون كيف أن الإسلام يعالج مثل هذه القضايا بكل سهولة ويسر؟!! وكل هذه المحاولات هي محاولات فقط من أجل إرضاء غير المسلمين من الغرب والذي يمتلكون زمام الأمور والوظائف وغيرها من مصالح المسلمين.
فما النصيحة التي يمكن أن توجه لأمثال هؤلاء الإخوة؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
ما يقوله الأخ السائل صحيح وواقع، وللأسف، وقبل تبيين خطأ ما يفعله أولئك – هداهم الله – نوضِّح للأخ السائل أمرين جاء ذكرهما في سؤاله:
- لا وجود في الشرع لمصطلح ” المساواة ” مثبَتًا، والإسلام دين العدل لا المساواة، ولا يمكن أن تكون أحكام الرجل كأحكام الأنثى، وقد فرَّق الله تعالى بينهما في الخِلقة وكذا كان التفريق في الأحكام، وأما الفضل والكرامة والدرجة عند الله تعالى: فلا تعلق لها بالذكورة والأنوثة، وإنما تتبع التقوى والعمل الصالح .
وقد فصَّلنا القول في هذه المسألة في جواب السؤال رقم ( 1105 ) فلينظر.
- ليس في الشرع أي دليل على إمامة امرأة لرجل – أو رجال – في صلاة نفل ولا فرض.
والمرأة تقطع الصلاة إن مرَّت أمام الإمام أو المنفرد، ونهيت عن التسبيح إن أخطأ الإمام وشرع لها التصفيق، وكانت شر صفوف النساء أولها، فكيف يكون مع كل هذا أن تكون المرأة إمامة للرجال؟!.
وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 6 / 205 ):
يشترط لإمامة الرجال أن يكون الإمام ذكرًا, فلا تصح إمامة المرأة للرجال, وهذا متفق عليه بين الفقهاء. انتهى.
ثانيًا:
وأما النصيحة لأولئك الذين يلوون أعناق النصوص الشرعية في محاولة يائسة لإرضاء الغرب عنهم وأنهم يمثلون التسامح والوسطية فيقال لهم:
- إنكم مهما تنازلتم عن دينكم فلن ترضى عنكم اليهود ولا النصارى حتى تتبعوا ملتهم، قال تعالى ( وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) البقرة/ 120.
* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:
فهذا فيه النهي العظيم عن اتباع أهواء اليهود والنصارى والتشبه بهم فيما يختص به دينهم، والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنَّ أمَّته داخلة في ذلك؛ لأن الاعتبار بعموم المعنى لا بخصوص المخاطب، كما أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. ” تفسير السعدي ” ( ص 64 ).
- وعندكم أمثلة ممن عاش عمره كله وهو يرضي الغرب بفتاوى تمييعية، وينتقد العلماء الأجلاء – من أهل السنَّة – واعتقادهم ومنهجهم، وها هو الآن غير مرضي عنه في الغرب، وهو ممنوع من دخول بلادهم! بل ومن بلاد عربية إسلامية.
- وأين هؤلاء ليلتمسوا رضا ربهم تعالى؟! ولم الحرص منهم على سخطه عز وجل والتسبب في عقوبتهم؟! ألا يعلمون أن الدنيا وإن تمتعوا فيها ما تمتعوا فمصيرها إلى زوال ومصيرهم إلى موت؟ ألا يعلمون أنهم يوقعون عن الله تعالى في أحكامهم التي ينسبونها للشرع وأن الله يغضب للكذب عليه؟! ألم يحسبوا حساب القبر والصحف والحساب والميزان والحوض ثم الجنة والنار؟!.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مَن التَمَسَ رِضَا الله بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ، وَمَنْ التَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ الله سَخِطَ الله عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ ). رواه ابن حبان في صحيحه ( 1 / 501 )، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2311 ).
- وإذا أمكن لهؤلاء المنهزمين أن يجدوا أحكامًا يتقربون فيها للغرب الكافر فماذا هم فاعلون فيما لا يمكن أن يجدوا ما يستطيعون تغييره وتحريفه وتأويله من أحكام؟! فماذا – مثلًا – عن تكفير اليهود والنصارى؟ وماذا عن دخول أولئك النار إن هم ماتوا على دينهم؟ إن من يشك في كفر اليهود والنصارى وأنهم في جهنم خالدون إن هم ماتوا على دينهم المحرَّف فليس مسلمًا بإجماع أهل العلم، وماذا ينفعكم لتتقربوا إلى الغرب إن كان حكمهم هو الكفر ومصيرهم هو جهنم؟! ومن علمناه يشكك في هذا الحكم ويفتري على شرع الله تعالى بأنهم ” أهل كتاب ليسوا كفارًا”! أو أنهم ” مؤمنون “!: فهذا غاية الانحطاط والذل، ومن اعتقده أو قاله: فلا شك وقع في الردة.
- ولينظر هؤلاء في نتائج تمييعهم لأحكام الشرع للتقرب بذلك التمييع للغرب الكافر هل انتفع به كافر فأسلم؟! وهل ترك مشرك شركَه فوحَّد ربَّه تعالى؟! والجواب أنهم لو وجدوا ذلك لطاروا به فرحاً، وكيف سيعرف ذلك الكتابي أنه كافر وأنه على دين باطل وأن مصيره جهنم خالداً فيه وذلك المميع يجلس بجانبه يضاحكه ويمازحه ولا ينكر عليه كفره وشركه وسبَّه لله تعالى؟!.
- والعجيب من أولئك المميعين أنهم من أشد الناس على مخالفيهم من أهل السنَّة والجماعة علماء وطلبة علم، فلا يكاد أحدهم تسنح له فرصة حتى ينتقد مخالفه من أهل العلم، ويشتد في غضبه على طلبة العلم، فهو أسد هصور على خاصة المسلمين وهو حمل وديع على طغاة الكفر! يثني على أحيائهم ويترحم على أمواتهم!.
والخلاصة في هذا الباب:
على المسلم أن يتمسك بدينه، وله أن يفاخر الدنيا بنظمها ومناهجها وقوانينها أنه لا يَصلح للكون إلا الإسلام، وأن ما عداه من الأديان والمناهج والنظم فتخريف وظلم ونشر للفقر والوباء والغلاء، وليس ينبغي لعاقل أن يفتري على الشرع ما ليس فيه فينسبه له للتقرب للغرب وأهله، وليس ذلك نافعه لا في دنيا ولا في أخرى، فليتق الله ربَّه، وليتمسك بدينه، وإذا وجد قولًا شاذّاً أو مهجورًا أو ضعيفًا فلا ينبغي له أن يجعله أصلًا يتكئ عليه ليبلغه مقصده من التقرب للغرب فليس هذا فعل المؤمنين.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
فالمؤمن لا تكون فكرته وقصده إلا رضا ربه واجتناب سخطه، والعاقبة له، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 233 ).
والله أعلم.


