هل يُمكن أن يفكِّر إبليس في التوبة؟ وهل يقبلها الله تعالى منه لو فعل؟

السؤال

هل من الممكن أن يفكِّر إبليس في التوبة؟ وهل إذا أراد التوبة هل من الممكن أن يتقبلها الله منه؟ ولو تقبلها هل تنتهي الحياة بذلك؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

يجب أن يُعلم أن كفر إبليس مقطوع به، وأنه من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن خالف في ذلك – كنا يقوله بعض غلاة الصوفية الباطنية – فهو كافر.

وسبب كفر إبليس هو الاستكبار على أمر الله تعالى، والطعن في حكمته، فكفره كفر إباء واستكبار ككفر فرعون واليهود وأبي طالب، لا كفر جحود، قال تعالى ( إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) البقرة/ 34، وقال ( إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) ص/ 74.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وأما كفر الإباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس؛ فإنه لم يجحد أمر الله، ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار، ومِن هذا: كُفر مَن عرف صدق الرسول وأنه جاء بالحق من عند الله ولم ينقد له إباءً واستكبارًا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل كما حكى الله تعالى عن فرعون وقومه: ( أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ) المؤمنون/ 47، وقول الأمم لرسلهم: ( إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا ) إبراهيم/ 10، وقوله: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ) الشمس/ 11. ” مدارج السالكين ” ( 1 / 337 ).

ثانيًا:

ولم يتب إبليس من معصية ربه تعالى التي كفر بها، لا في السماء – كما تاب آدم عليه السلام – ولا في الأرض بعد أن أُهبط إليها، ولا طلب من ربه تعالى أن يطيل في عمره ليراجع نفسه، ويتوب ويئوب، لكنه طلب إطالة عمره ليغوي الناس، وليضلهم، وليمنيهم، ولينكبهم الصراط المستقيم، ليكونوا جميعًا معه في جهنم كما قال تعالى ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) فاطر/ 6، وهذا الحال الذي نحكيه عن الشيطان هو ما جهر به لربه تعالى، قال الله عز وجل – حاكياً قوله -: ( قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ . ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) الأعراف/ 16 ، 17.

* قال الطبري – رحمه الله -:

معناه: ثم لآتينهم من جميع وجوه الحق والباطل، فأصدهم عن الحق، وأُحَسِّنُ لهم الباطل. ” تفسير الطبري ” ( 5 / 445 ).

وليس حال إبليس حتى قريبًا من التوبة، فهو يعرف ذنبه، فلا هو بالذي ندم على معصيته – كما ندم آدم عليه السلام – ولا بالذي ترك إغواء الناس وتزيين الباطل لهم، فأي توبة يمكن أن يتوبها هذا؟!.

* قال الشيخ الطاهور بن عاشور – رحمه الله -:

والتوبة تتركب من عِلم وحال وعمل، فالعلم: هو معرفة الذنب، والحال: هو تألم النفس من ذلك الضرر ويسمَّى ندمًا، والعمل: هو الترك للإثم وتدارك ما يمكن تداركه وهو المقصود من التوبة، وأما الندم فهو الباعث على العمل ولذلك ورد في الحديث: ( الندم توبة ) قاله الغزالي.

قلت: أي لأنه سببها ضرورة أنه لم يقصر لأن أحد الجزأين غير معرفة.

” التحرير والتنوير ” ( 1 / 438 ).

ثالثًا:

وهل إبليس مخاطب بالتوبة كباقي الخلق؟ نعم هو كذلك، ولم يمنع الله تعالى التوبة عليه، ولكنه الذي أباها، وقد علم الله تعالى ذلك في الأزل، ولم يمنع هذا من مخاطبته ومخاطبة ذريته بوجوب اتباع الحق والهدى، وتوعدهم بالنار إن هم خالفوا ذلك.

قال تعالى: ( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) البقرة/ 38.

وهذا الخطاب – على الصحيح – لآدم وحواء وإبليس – ويدخل معهم ذريتهم، وليس في ذلك ما يُشكل، وهو نظير كثير من الآيات التي يأمر الله تعالى فيها بالتوبة، والدخول في الإسلام، وفي هؤلاء المأمورين والمخاطبين طوائف علم الله تعالى أنهم لا يستجيبون، وأنهم يموتون على الكفر، وقد قال أبو العالية في تفسير ( الهُدى ) في الآية السابقة إنه: ” الأنبياء، والرسل، والبيان “، وقد علَّق الإمام الطبري رحمه الله بقوله:

وقول أبي العالية في ذلك وإن كان وجهًا من التأويل تحتمله الآية: فأقرب إلى الصواب منه عندي وأشبهُ بظاهر التلاوة: أن يكون تأويلها: فإما يأتينكم يا معشرَ من أُهبط إلى الأرض من سمائي، وهو آدمُ، وزوجته، وإبليس – كما قد ذكرنا قبلُ في تأويل الآية التي قبلها -: إما يأتينكم منّي بيانٌ من أمري وطاعتي، ورشاد إلى سبيلي وديني، فمن اتبعه منكم: فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، وإن كان قد سلف منهم قبل ذلك إليّ معصية, وخلافٌ لأمري وطاعتي، يعرّفهم بذلك جل ثناؤه أنه التائبُ على من تاب إليه من ذنوبه، والرحيمُ لمن أناب إليه، كما وصف نفسه بقوله: ( إنه هو التّواب الرحيم ).

وذلك أن ظاهر الخطاب بذلك إنما هو للذين قال لهم جل ثناؤه: ( اهبطوا منها جميعًا )، والذين خوطبوا به هم من سمّينا، في قول الحجة من الصحابة والتابعين الذين قد قدّمنا الرواية عنهم، وذلك وإن كان خطاباً من الله جلَّ ذِكره لمن أُهبط حينئذٍ من السماء إلى الأرض: فهو سنّة الله في جميع خلقه، وتعريفٌ منه بذلك الذين أخبر عنهم في أول هذه السورة بما أخبر عنهم في قوله ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) البقرة/ 6، وفي قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) البقرة/ 8، وأنّ حكمه فيهم – إن تابوا إليه، وأنابوا، واتبعوا ما أتاهم من البيان من عند الله على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم -: أنهم عنده في الآخرة ممن لا خوفٌ عليهم، ولا هم يحزنون، وأنهم إن هلكوا على كُفرهم وضلالتهم قبل الإنابة والتوبة: كانوا من أهل النار، المخلَّدين فيها.

” تفسير الطبري ” ( 1 / 550 ، 551 ).

رابعًا:

وقد رُوِيَ أثر إسرائيلي فيه بيان رغبة إبليس بالتوبة! وفيه أنه يأمره ربه تعالى بالسجود عند قبر آدم!.

عن ابن عمر قال: لقي إبليسُ موسى صلى الله عليه وسلم فقال: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالته وكلَّمك تكليمًا وأنا من خلق الله، أذنبت، وأنا أريد أن أتوب، فاشفع لي إلى ربي أن يتوب عليَّ، قال موسى: نعم، فدعا موسى ربَّه فقيل: يا موسى قد قُضيت حاجتك فلقي موسى إبليس فقال: قد أُمرتَ أن تسجد لقبر آدم ويُتاب عليك، فاستكبر وغضب، فقال: لم أسجد له حيًّا أسجد له ميتًا؟!.

رواه ابن أبي الدنيا في ” مكائد الشيطان ” ( 44 ) وابن عساكر في ” تاريخ مدينة دمشق ” ( 61 / 127 ).

وفي الإسناد: عمرو بن دينار البصري، أبو يحيى الأعور، قهرمان آل الزبير بن شعيب البصري.

قال الذهبي – رحمه الله -:

ضعفه: أحمد، والفلاَّس، وأبو حاتم، وقال ابن معين: ذاهب، وقال البخاري: فيه نظر، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أيضًا: ضعيف، وكذا ضعفه: الدارقطني، والنَّاس. ” سير أعلام النبلاء ” ( 9 / 371 ).

ورواه ابن أبي الدنيا في ” مكائد الشيطان ” ( 45 ) وابن عساكر في ( 62 / 259 ) عن أبي العالية من شفاعة نوح عليه السلام عند ربِّه، وبالطلب نفسه! والرفض نفسه!.

وكلا الأثرين لا ينبغي تصديقهما ابتداءً حيث لا يمشي زعم إبليس بالتوبة على أحد من آحاد العلماء فكيف يمشي على بعض أولي العزم من الرسل؟! ولو أراد إبليس التوبة فهو يعلم أن طريقها ليس مسدودًا، وأنها بينه وبين الله تعالى لا يحتاج فيها لشفاعة، ومع ذلك ووفقا لذينك الأثرين الإسرائيليين فإنه أبى التوبة! وهو يؤكد ما قلناه سابقاً في بيان حاله، وأنه لا يتوب ولن يتوب البتة، وأنه مصيره الحتمي هو النار، قال تعالى ( قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) ص/ 84 .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما عَرضُ السجودِ لقبرِ آدم عليه السلام على إبليس: فهذا قد ذكره بعضُ الناس، لكن ليس له إسناد يُعتَمد عليه.

وأما عرضُ السجود له على إبليسَ في الآخرة : فلم يذكره أحدٌ مما علمتُه.

وكلاهما باطل وإن قاله من قاله.

” جامع المسائل ” ( 4 / 301 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة