مسألة في الميراث فيها مسائل متعددة
السؤال
أرجو من سماحتكم إعانتي في إيجاد حل لمسألة تقسيم الميراث في عائلتي حتّى ينال كل منّا نصيبه الشرعي.
- توفّي والدي رحمه الله ( سنة 2000 ميلادي ) تاركًا أبويه وزوجته وستة من الأولاد ( 2 ذكور و 4 إناث ) ثمّ توفّيت ابنته الكبرى ( سنة 2010 م ).
- بعد وفاة والدي تمّ ترميم المنزل وتوسيعه ( من سنة 2002 إلى سنة 2007 ) وشارك في ذلك البعض من الورثة بدفع مبالغ ماليّة ( لم يعد بالإمكان حصرها ) وشارك آخرون بالمجهود البدني في حين أنّ البعض الآخر لم يشارك بشيء.
- يحاول بقيّة الورثة في هذه الأيام قسمة الميراث، فكيف يمكننا تحديد نصيب كل فرد – أم المتوفى وزوجته وأولاده ( 2 ذكور و3 إناث ) – مع العلم أنّ الجدّة ترفض أخذ نصيب من ميراث ابنها المتوفى.
- توفيّت أختي ( سنة 2010 م ) مخلّفة سيّارة وثلاث قطع أرض صالحة للبناء وآلات خياطة، استعمل أحد الورثة السيّارة دون الاستئذان من بقيّة الورثة وتعرّض لحادث مرور بيعت بعده السيّارة بثمن بخس مقارنة بقيمتها قبل الحادث.
- كيف يتم تقسيم ( المنابت )! بين ورثة المغفور لها إن شاء الله وهم أمها و خمسة إخوة ( 2 ذكور و 3 إناث ).
- اشترت أمّي قطعة أرض صالحة للبناء ( سنة 1990 م ) بمبلغ قدره ( 300 دينار ) تلقته هبة من والدها ثمّ وهبتها لابنها ( سنة 2001 م ) عن طريق عقد بيع سجّل فيه أنّ ثمن الأرض ( 1000 دينار )، عند تقسيم الميراث طالب بقيّة الورثة – الأخ والأخوات الثلاث – بنصيبهم في هذه الهبة أو باحتسابها ضمن ميراث الأب، كيف يمكن للابن صاحب قطعة الأرض عن طريق عقد بيع مسجّل بالسجلات البلديّة منذ ( 2001 م ) التصرّف في هذه المسألة بما يرضي الله؟.
الجواب
الحمد لله
نسأل الله أن يعظم أجركم ويغفر لوالدكم ولأختكم مغفرة واسعة.
أولًا:
كانَ الواجبُ قسمة التركةِ بين الورثة بعد وفاةِ والدكم مباشرة, وعدم تأخيرها, وأن تكونَ القسمة قبل ترميمِ المنزلِ وتوسيعه، وتأخير قسمة المواريث يوقع في حرج شرعي ومشكلات لا تقع لو أنهم التزم الورثة حكم الله تعالى فأعطوا كلَّ ذي حقٍّ حقَّه من غير تأخير.
* قال علماء اللجنة الدائمة:
لا ينبغي تأخير قسمة التركة؛ لما يترتب على ذلك من تأخير دفع الحقوق إلى أصحابها، وبالتالي تأخير دفع الزكاة؛ لأن كل وارث يحتج بأنه لا يعرف نصيبه، أو لم يستلمه. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 16 / 441 ).
لكن هذا التقسيم لم يحصلْ، وقد ساهم بعض الورثةِ في ترميم المنزلِ بمجهودٍ مالي وبعضهم بمجهود بدني، فمن ساهم منهم بشيء تبرُّعًا: فلا يحل له المطالبة بشيء، ومن ساهم منه ديْنًا على أن يسترده من الميراث : فيقدَّر مجهوده – سواء ببدنه أو بماله – ويُعطى له من الميراث.
والأصل أن يقدِّر أهل الخبرة قيمة المجهود البدني فيُعطى لصاحب الحق، فإن اختلفتم فيفصل القضاء بينكم.
وأما تقسيم التركة: فللأم السدس؛ لقوله تعالى ( وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ) النساء/ 11.
وللزوجةِ: الثمُن؛ لقوله تعالى ( فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ) النساء/ 12.
والأبناء: عصبة مع الإناث؛ فميراثهم : ما في قولهِ تعالى ( للذًّكَرِ مثلُ حظِّ الأنْثَيَينِ ) النساء/ 11.
ثانيًا:
تنازلُ الأم عن حظها من الميراث إن كانَ برضاها واختيارها من طيبِ نفسٍ: فلا حرجَ في ذلكَ, وتنازلها إما أن يكونَ عن نصيبها: فإنه يحسبُ من الإرثِ, وإما أن يكون لمن تنازلَ له: فهو له.
* قال علماء اللجنة الدائمة:
وإذا تنازل جميع الورثة أو بعضهم وكانوا راشدين عن نصيبهم من التركة: فهو لمن تنازلوا له. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 16 / 442 ) إلا إن كان تنازلًا لأحد أولادها – ذكورًا أو إناثًا -: فلا يجوز ولا يتملكه الموهوب له؛ لأنه يجب عليها العدل بين أولادها في الهبة.
ولتعلم الأم أن هبتها تلك الأرض لابنها دونَ بقيةِ أولادِها: إثم كبيرٌ؛ لما في ذلكَ من عدمِ العدلِ بينهم, ولا فرق في الحكم بينها وبين الأب، فكلا الوالديْن يجب عليه العدل في العطية بين أولاده، وتسجيلها في دائرة الأراضي باسم ابنها لا يجعله مالكاً لها.
عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ لاَ أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَال ( أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟ ) قَالَ: لاَ … قَالَ ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ ) قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَه. رواه البخاري ( 2447 ).
وعليه: فعلى الابن رد هبة أمِّه لها، أو توزيعها بينه وبين أشقائه وشقيقاته بالتساوي إذا رضيت أمُّه بذلك، فالحق لها، إما أن ترد الأرض لها أو تقسمها بين أولادها بالعدل، ولا يجوز للأولاد المطالبة بالأرض على اعتبار أنه من مال أبيهم، بل تلك الأرض ملك أمهم.
* قال ابن حزم – رحمه الله -:
ولا يحل لأحد أن يهب ولا أن يتصدق على أحدٍ من ولده إلا حتى يعطي أو يتصدق على كل واحد منهم بمثل ذلك.
ولا يحل أن يفضل ذكرًا على أنثى, ولا أنثى على ذكر, فإن فعل: فهو مفسوخ مردود أبداً ولا بد. ” المحلى ” ( 8 / 95 ) .
ثالثًا:
يظهر من السؤال أنَّ أختك ماتت ولم تأخذ نصيبها من ميراثِ أبيها, فإن كان كذلكَ: فإنَّ هذه المسألة تسمَّى بـ ” المناسخة “، وهي: أن يموت وارث فأكثر قبل قسمة التركة، وسمِّيت بذلك: لأن المال ينتقل فيها من وارث إلى وارث.
ولها – في الأصل – أحوال، وهنا نقول: لأنَّ ورثة أختكم هم بقية ورثة والدكم المتوفى من غير اختلاف: فتقسَّم التركة على من بقي منهم كأن الميت والدكم مات عنكم، فكأنها غير موجودة أصلًا.
رابعًا:
استخدامُ أحدِ الورثة شيئاً من التركةِ بغير إذن الورثة: لا يجوزُ، بل هو من التعدي والظلم خاصَّة إذا أدَّى هذا الاستخدام إلى إتلاف له أو إنقاص من قيمته.
وعليهِ: تُقسَمُ التركة على هذا النحو:
للأمِ السدس, وللزوجةِ الثمن, والأبناء والبنات عصبة بالغير, وحق المعتدي على التركةِ يخصمُ منه قدر ما أتلفه؛ لأنَّه بمنزلةِ المودَعِ عنده فيلزمه حفظه.
والله أعلم.



raupame 394a14eeca https://wakelet.com/wake/oXuEzdp3sigjTdkWmZVC-