أحوال شرب المرأة دواء لتنزيل دم الحيض وأحكامها

السؤال

أنا ممن يعانين بمرض يسمَّى ” فشل المبايض المبكر ” وهو عدم نزول الدورة الشهرية إلا بعلاج، فهل يجوز لي أنزل الدورة في شهر رمضان، حيث إنه يمكنني أيضًا عدم إنزالها إذ خيار الدورة الشهرية بيدي؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

– إن استعمال علاج أو شرب دواء يسبِّب نزول دم الحيض لا يخلو من أحوال ثلاثة:

الأولى: أن يكون من أجل تنزيل دم الحيض في موعده المعتاد.

الثاني: أن يكون من أجل تنزيله في غير موعده.

الثالثة: أن يكون من أجل تنزيله علاجًا، وهو لا ينزل أصلًا إلا بشرب دواء.

أما الحالة الأولى: فلا إشكال في جوازها، ولدم الحيض حينئذٍ أحكامه المعروفة.

وأما الحالة الثانية: وهي إذا ما كان من أجل تنزيل دم الحيض في غير موعده: فإننا نقول: إنه يجوز للمرأة استعمال علاج أو شرب دواء يسبِّب نزول دم الحيض، على أن ذلك مشروط بشروط:

  1. أن يكون الدواء مباحًا – وهو شرط مشترك مع الحالة الأولى والثالثة -.
  2. أن يكون تنزيل دم الحيض لمقصود مباح ، كعلاج.

فإن كان الدواء محرَّمًا أو كان لغير مقصود شرعي – كتعجيل عدة طلاق، أو كإفطار في رمضان -: حرُم استعمال ذلك العلاج، وحرم شرب ذلك الدواء، ويكون حكم فعل ذلك – بخصوص الإفطار في رمضان – كحكم من تعمَّد السفر من أجل الإفطار.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ويجوز التداوي لحصول الحيض، إلا في رمضان لئلّا تفطر، قاله أبو يعلى الصغير. ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 315 ).

* وقال الشيخ منصور البهوتي – رحمه الله -:

( ويجوز ) لأنثى ( شرب دواء ) مباح ( لحصول الحيض لا قرب رمضان لتفطره ) كالسفر للفطر. ” كشاف القناع ” ( 1 / 218 ).

وهل إذا فعلت المرأة ذلك لذلك المقصود غير الشرعي تنطبق أحكام الحيض عليها، ويكون دمها دم حيض؟ خلاف بين العلماء، وقد ذهب المالكية إلى عدم اعتبار الدم دم حيض، وإلى أنها تعدُّ طاهرة ويلزمها الصوم – مع قضائه احتياطًا – والصلاة، ولا تنقضي به عدة.

والأصح عند الشافعية اعتبار دمها دم حيض تنطبق عليها أحكامه.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 18 / 327 ، 328 ):

صرَّح الحنابلة بأنه يجوز للمرأة شرب دواء مباح لقطع الحيض إن أمن الضرر، وذلك مقيد بإذن الزوج؛ لأن له حقا في الولد، وكرهه مالك مخافة أن تدخل على نفسها ضررًا بذلك في جسمها.

كما صرحوا بأنه يجوز للمرأة أن تشرب دواء مباحًا لحصول الحيض، إلا أن يكون لها غرض محرم شرعًا كفطر رمضان: فلا يجوز.

ثم إن المرأة متى شربت دواء وارتفع حيضها: فإنه يحكم لها بالطهارة، وأما إن شربت دواء ونزل الحيض قبل وقته: فقد صرح المالكية بأن النازل غير حيض وأنها طاهر، فلا تنقضي به العدة، ولا تحل للأزواج، وتصلِّي وتصوم؛ لاحتمال كونه غير حيض، وتقضي الصوم دون الصلاة احتياطاً لاحتمال أنه حيض

وقد صرح الحنفية بأنه إذا شربت المرأة دواء فنزل الدم في أيام الحيض: فإنه حيض وتنقضي به العدة. انتهى.

* وقال النووي – رحمه الله -:

ولو شربت دواء للحيض فحاضت: لم يلزمها القضاء، وكذا لو شربت دواء لتلقي الجنين فألقته ونفِست: لم يلزمها قضاء صلوات مدة النفاس على الصحيح من الوجهين. ” المجموع ” ( 3 / 10 ).

وعند الشافعية – أيضًا – اعتبار نزول الدم بشرب الدواء في باب العدة.

* سئل ابن حجر الهيتمي الشافعي – رحمه الله -:

عن من استعجلت حيضها بدواء فهل تنقضي به عدتها أم لا؟.

فأجاب بقوله:

نعم، كما صرحوا، ومن ثمَّ صرحوا أيضًا بأنها لو استعجلته: لم تقض أيامه.

” الفتاوى الفقهية الكبرى ” ( 4 / 162 ).

والذي يظهر لنا: التفريق بين الصلاة والصوم وبين العدَّة؛ لأن مقصود العدة براءة الرحم وليس ذات نزول الحيض، ولتعلق انقضاء العدة بحق غيرها، فينبغي معاملتها بنقيض قصدها، فتترك الصلاة والصوم إذا شربت دواء لتنزل دم الحيض في غير أوانه، ولا تنقضي به عدتها.

وفي ” مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل ” ( 1 / 537 ):

ثم أجاب شيخنا لما سُئل عن امرأة عالجت دم المحيض هل تبرأ من العدة؟ بأن الظاهر: أنها لا تحل.

وتوقَّف عن ترك الصلاة والصيام، والظاهر – على بحثه – أن لا يُتركا، وإنما قال ” الظاهر ” لاحتمال أن استعجاله لا يخرجه عن الحيض كإسهال البطن انتهى.

قلت: لا يلزم من إلغائه في باب العدة إلغاؤه في العبادة؛ إذ لا ملازمة بين البابين؛ فإن الدفعة حيض في باب العبادات وليست حيضًا في باب العدة، والفرق بين البابين: أن المقصود في العدة براءة الرحم وإذا جعل له دواء لم يدل على البراءة لاحتمال أنه لم يأت إلا بالدواء، وأما في باب العبادات فيحتمل أن لا يلغى بما قال إن استعجاله لا يخرجه عن كونه حيضًا كإسهال البطن انتهى. والله أعلم.

ويحتمل أن يُلغى؛ لأنه لم يخرج بنفسه، وهذا إذا جعل له دواء استعجل به قبل أوانه. انتهى.

ثانيًا:

وليُعلم أن ما سبق ذِكره هو في المرأة التي لها موعد لحيضتها فتستعجل إنزاله في غير وقته، وهل الأمر كذلك مع الأخت السائلة – وحالتها هي الحالة الثالث-؟ والجواب: لا؛ لأنَّ الدم عندها لا ينزل أصلًا لمرض، ولا ينزل إلا بدواء، فليس ثمة موعد لحيضتها تستبقه، فلا ينطبق ما ذكرناه سابقًا عليها.

وكيف يكون حكمها إذًا؟ الجواب: فيه تفصيل:

  1. فإن كان إنزال الدم لا يتعيَّن عليها كل شهر مرَّة أو في أيام رمضان: فلا تشرب الدواء لإنزال دم الحيض من أجل الإفطار، وإن فعلت فتكون كمن له سفرة غير متعيَّن موعدها فجعلها في رمضان قاصًدا الفطر فيها، فيأثم على قصده، وإن فعلت ذلك فحكمها كما فصَّلناه في الحالة الثانية.
  2. وإن كان إنزال الدم يتعيَّن عليها – طبيًّا وعلاجيًّا – في كل شهر مرة، أو تحديداً في وقت معيَّن وكان ذلك شهر رمضان: فلا يظهر لنا في فعلها أي حرج؛ لأن عادة النساء نزول دم الحيض مرة كل شهر، والجواز إما أن يكون من باب ضرورة العلاج، أو من باب إزالة العيب بإرجاعها إلى أصل الخلقة، وهي لم تستعجل تنزيل دم حيضها عن وقته لأنه لا وقت له سابق أصلاً، فليس ما سبق من كلام وأحكام ينطبق عليها ساعتئذٍ، وينطبق عليها جميع أحكام الحيض من حيث أحكام الصلاة والصيام والعدَّة.

وأما ما وجدناه من كلام أهل العلم مما ينطبق عليها : فهو ما رأيناه عند المالكية.

ففي ” مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل ” ( 1 / 537 ، 538 ):

وأما إذا تأخر عن وقته ولم يكن بالمرأة ريبة حمل فجعل له دواء ليأتي : فالظاهر أنه حيض؛ لأن تأخير الحيض إذا لم يكن حمل: إنما يكون لمرض، فإذا جعل دواء لرفع المرض: لم يخرجه عن كونه حيضاً، وقد يتلمح ذلك من قول المصنف ” استعجاله “، فتأمله، والله تعالى أعلم. انتهى.

فالخلاصة:

إذا كان لا يتعيَّن شرب ذلك الدواء وتناول ذلك العلاج عليكِ في شهر رمضان: فلا يحل لكِ فعل ذلك، وتلزمك أحكام الحيض في باب العبادات دون باب العدة.

وإن كان يتعيَّن عليك شرب ذلك الدواء وتناول ذلك العلاج في شهر رمضان: فافعلي ذلك من غير أدنى حرج.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة