معنى ” الرؤية ” في قوله تعالى ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا )
السؤال
تقول الآية الخامسة عشرة من سورة ” نوح ” ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا )، فيسألني سائل أين هي السموات السبع ولو أن هناك سبع سموات فكيف استطاع نوح أن يطلب من قومه أن يتأملوها رغم أنها لا ترى من كوكب الأرض ؟ أليس في هذا تناقضًا لصريح القرآن؟.
فمن فضلك ساعدني في الإجابة على هذا السؤال وحتى آخذ بيد صاحبه للإسلام.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
أخبر الله تعالى عن خلق السموات وعن عددهن وعن هيئتن، فقال إنه خلقهن من ” الدخان ” – أي: البخار -، وأنهن سبع سموات، وأنهن طبقات بعضها فوق بعض، وأنه خلقهن في أربعة أيام.
قال تعالى ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) فصلت/ 1.
وقال ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) البقرة/ 29.
وقال ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ) الطلاق/ 12.
وقال تعالى ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ) الملك/ 3.
وقال ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) فصلت/ 12.
هذا بعض ما نعرف عن السموات السبع، ولولا إخبار الله تعالى به لما علم ذلك أحد؛ إذ هو من الغيب الذي لا يستطيع أن يعلمه أحد من البشر لولا إخبار الله به.
ونحن نشهد بما أخبرنا به ربنا تعالى، ونجزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عرج به إلى السموات فرآها كلها، ونجزم أنه أحدًا من البشر لم يفعل ذلك، ولم ير طبقات السموات بعده صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا:
وأما قول نوح عليه السلام لقومه ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا): فليس المراد به الرؤية البصرية، بل هي الرؤية العلمية، وهي كثيرة بهذا اللفظ في كتاب الله، كقول الله تعالى ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ) البقرة/ 243، وقوله ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ) الفجر/ 6، وقوله ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) إبراهيم/ 28، وغير ذلك كثير.
* قال القرطبي – رحمه الله -:
والعرب تضع ” العلم ” مكان ” الرؤية “، و ” الرؤية ” مكان ” العلم “، كقوله تعالى ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ) الفيل/ 1، بمعنى: ألم تعلم.
” تفسير القرطبي ” ( 2 / 156 ).
* وقال رحمه الله – في الآية موضع السؤال -:
وقوله ( أَلَمْ تَرَوْا ) على جهة الإخبار لا المعاينة، كما تقول: ألم ترني كيف صنعت بفلان كذا. ” تفسير القرطبي ” ( 18 / 304 ).
ثالثًا:
وللشيخ عطية سالم رحمه الله كلام متين في الرد على من استشكل معنى الآية، ونحن نورده للفائدة .
* قال – رحمه الله -:
والجواب عن ذلك مجملًا مما تشير إليه آيات القرآن الكريم كالآتي:
أولًا: أن تساؤل ابن كثير هل يُتلقى ذلك من جهة السمع فقط أو هو من الأمور المدرَكة بالحس لا محل له؛ لأنه لا طريق إلا النقل فقط، كما قال تعالى ( مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ) الكهف/ 51، أي: آدم، فلم نعلم كيف خلق ولا كيف سارت الروح في جسم جماد صلصال فتحول إلى جسم حساس نامٍ ناطق.
وأما قول القرطبي ” إنه على جهة الإخبار لا المعاينة “: فهو الذي يشهد له القرآن.
ويجيب القرآن على السؤال الوارد عليه، وذلك في قوله تعالى ( قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ . ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ . فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) فصلت/ 9 – 13.
لأن الله تعالى خاطب هنا الكفار قطعا لقوله ( قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ )، وخاطبهم بأمور مفصلة لم يشهدوها قطعاً من خلق الأرض في يومين ومن تقدير أقواتها في أربعة أيام ومن استوائه إلى السماء وهي دخان.
ومن قوله لها وللأرض ( ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ).
ومن قولهما ( أَتَيْنَا طَائِعِينَ ).
ومن قضائهن سبع سماوات في يومين.
ومن وحيه في كل سماء أمرها.
كل ذلك تفصيل لأمور لم يشهدوها ولم يعلموا عنها بشيء، ومن ضمنها: قضاؤه سبع سماوات فكان كله على سبيل الإخبار لجماعة الكفار.
وعقبه بقوله ( ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) فكان مقتضى هذا الإخبار وموجب هذا التقدير من العزيز العليم أن يصدِّقوا أو أن يؤمنوا، وهذا من خصائص كل إخبار يكون مقطوعاً بصدقه من كل من هو واثق بقوله يقول الخبر، وكان لقوة صدقه ملزم لسامعه ولا يبالي قائله بقبول السامع له أو إعراضه عنه.
ولذا قال تعالى بعد ذلك مباشرة ( فَإِنْ أَعْرَضُوا ) أي: بعد إعلامهم بذلك كله فلا عليك منهم ( فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ )، وحيث إن الله خاطبهم هنا ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ ) فكان هذا أمر لفرط صدق الإخبار به كالمشاهد المحسوس الملزم لهم.
وقد جاءت السنَّة وبيَّنت تلك الكيفية أنها سبع طباق بين كل سماء والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، وشمل كل سماء، وسمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام.
وقد يقال: إن الرؤية هنا في الكيفية حاصلة بالعين محسوسة ولكن في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج حيث عُرج به ورأى السبع الطباق وكان يستأذن لكل سماء ومشاهدة الواحد من الجنس كمشاهدة الجميع فكأننا شاهدناها كلنا لإيماننا بصدقه صلى الله عليه وسلم ولحقيقة معرفتهم إياه صلى الله عليه وسلم في الصدق من قبل والعلم عند الله تعالى.
” أضواء البيان ” ( 8 / 312 ، 313 ).
والله أعلم.


