تاب من سرقة خمر ومن عدم دفع ثمن مكالمات دولية فماذا يترتب عليه؟
السؤال
اعتنقت الإسلام ثم انحرفت، وفي فترة انحرافي كنت أسرق بعض المشروبات الكحولية من أحد المتاجر الحكومية، وكنت أجري بعض المكالمات الدولية خلسة دون أن أدفع مقابلاً، ثم بعد ذلك تبت.
أنا أعلم أن التوبة تمحو ما قبلها لكني سمعت أن الوضع يختلف عندما يتعلق الأمر بالديون وحقوق الآخرين، فبماذا توجهونني؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
نسأل الله تعالى أن يمنَّ عليك بالهداية، وأن يثبتك على طاعته، وأن يصلح أقوالك وأعمالك وأخلاقك.
وقد صدقتَ في قولك إن التوبة تُذهب آثار الذنوب، وأن ذلك لا ينطبق على ما كان توبة من حقوقٍ للآخرين ولو كانوا كفاراً، فيجب على التائب من ذلك أن يُرجع الحقوق لأهلها؛ لتتم توبته ويَذهب أثر ذنبه بالكلية، وإرجاع الحقوق إلى أهلها لا يلزم منه أن يكشف نفسه لصاحب الحق، والمهم أن يتم إرجاع الحق لأهله، وليختر من الطرق أيسرها وأبعدها عن الإساءة إليه.
وإذا لم يجد صاحب الحق ولم يجد ورثة له: فليتصدق بها عنه؛ فإن الصدقة تنفع المسلم حيّاً وميتاً، وتنفع الكافر إن كان حيّاً فقط، وإن علِم التائبُ أن ذلك الكافر ميت : فليتخلص من ذلك المال الذي هو حق له في سبل الخير المختلفة.
ثانيًا:
والذي ينبغي التنبيه عليه هنا: أن الحقوق التي يجب إرجاعها لأهلها لا تشمل ما هو محرَّم لذاته مما لا نفع فيه مما أهدرت الشريعة قيمته، كالخمور؛ فإنها محرَّمة لذاتها ولا نفع فيها، فقيمتها هدر، فمن سرقها: فلا قطع عليه ولا ضمان.
وعليه: فإننا نفرِّق بين سرقتك لزجاجات الخمر من الحكومة، وبين سرقتك للمكالمات الدولية من غير دفع ثمنها.
فالأولى: لا قطع فيها ولا ضمان، وإنما الإثم على شرب المسكر.
والثانية: تَضمن فيها قيمة المكالمات وترجعها لأصحابها.
والقول – في سرقة الخمر – بعدم القطع هو قول الجماهير والخلاف فيه ضعيف، والقول بعدم الضمان هو قول الشافعية والحنابلة وأهل الظاهر، وهو الراجح.
* قال ابن قدامة – رحمه الله -:
لا يقطع في سرقة محرم كالخمر والخنزير والميتة ونحوها سواء سرقه من مسلم أو ذمي، وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وحكي عن عطاء أن سارق خمر الذمي يقطع وإن كان مسلماً لأنه مال لهم أشبه ما لو سرق دراهمهم.
ولنا: أنها عين محرمة فلا يقطع بسرقتها كالخنزير، ولأن ما لا يُقطع بسرقته من مال مسلم لا يقطع بسرقته من الذمي كالميتة والدم، وما ذكروه ينتقض بالخنزير ولا اعتبار به، فإن الاعتبار بحكم الإسلام وهو يجري عليهم دون أحكامهم. “المغني” ( 10 / 278 ).
* وقال أبو محمد لن حزم – رحمه الله -:
وقالت طائفة: لا قطع عليه في ذلك, ولكن يغرم لها مثلها، وهذا قول شريح, وسفيان الثوري, ومالك, وأبي حنيفة, وأصحابهم.
وقالت طائفة: لا قطع عليه ذلك, ولا ضمان، وهو قول الشافعي, وأحمد, وأصحابهما، وبه يقول أصحابنا . ” المحلى بالآثار ” ( 11 / 334 ).
* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
لا يُقطع بسرقة محرم كالخمر؛ وذلك لأنه غير مال أصلًا، فليس فيه ماليَّة إطلاقًا، بخلاف آلة اللهو ففيها مالية؛ لأنها لو غيرت عن آلة اللهو لأمكن أن ينتفع بها، لكن الخمر لا يمكن أن ينتفع به أبدًا؛ لأنه حتى لو خلِّل فلا يجوز، إلا إذا تخلل بنفسه، وعليه: فلو سرق خمرًا: فلا قطع عليه؛ لأنه ليس بمال.
” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 14 / 333 ).
وأما ثمن المكالمات الدولية: فإنه مما يجب عليك إرجاعه لأصحاب الحق فيه، حكومة كانوا أو أفرادًا، ولتختر الطريقة المناسبة لذلك كأن تضع مالاً في حساب الدولة، أو تشتري في مصلحة عامة ما يجب على الدولة شراؤه.
والخلاصة:
- باب التوبة مفتوح لكل المذنبين، والسعيد من أدرك نفسه قبل فوات الأوان.
- التوبة من الذنوب التي ليس فيها حقوق للآخرين تحتاج لاستغفار وندم وعزم على عدم العود لها والإكثار من الأعمال الصالحة.
- الذنوب التي فيها حقوق للآخرين لا بدَّ من إرجاعها لأهلها، فإن لم يوجدوا: فلأحد ورثتهم، فإن لم يوجدوا: تُصدق بها عن المسلم – حيًّا أو ميتًا- وعن الكافر- فقط حيًّا-.
- وإذا كان الحق لكافر ميت: فيتخلص التائب من حقه بوضعه في وجوه الخير المختلفة.
- إذا كان الحق لكافر أو مسلم مما أهدرت الشريعة قيمته ولا نفع فيها – كثمن الخمر-: فإنه لا يبذل التائب ثمنه لهما؛ لأن ماليتها مهدرة، وأما المحرَّم الذي يوجد فيه نفع كخشب آلة العود أو ذهب الصليب: فإنه يُضمن نفعه.
والله أعلم.


