ما حكم الجلوس في مجلس نساء يلبسن الضيِّق والقصير العاري من الثياب؟ً
السؤال
بعد فتوى أحد المشايخ بجواز البنطال والبلوزة الواسعة طار بها بعض الصالحين وتوسع فيها آخرون ولم تقف عند هذا الحد.
والآن أعاني في مسألة النصيحة في أن هذه الألبسة ضيقة وتحدد مفرق العورة ونجد أن الرد أنهن أمام نساء وقد أجازه العلماء.
ماذا أفعل خلال الزيارات هل أنكر أم لا خاصة أنني أجد هوى متبعًا وتمسكًا في الرأي وعدم القبول للنصيحة؟.
والسؤال: أنني أجد ضيقًا شديدًا في نفسي وأثره يظهر على ملامح وجهي ولا أستطيع أن أمكث كثيرًا في المجلس بل أصبحت أختصر كثيرًا في صلة الرحم بسبب لبس البنطلون الضيق والعاري والقصير خاصة أن لي بناتًا صغارًا أخشى أن يتأثرن بلبسهن، فهل هذا سوء تصرف مني؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
لم يُصب من أفتى بلبس البنطال الضيق لا للرجال ولا للنساء؛ فالبنطال الضيق يصف العورة، وهو فتنة للناظرين وخاصة إذا كان الذي يلبسه امرأة.
واللباس الضيق والشفاف والقصير إنما يجوز للمرأة أن تلبسه أمام زوجها، وأمام أولادها غير المميزين، ولا يحل لها لبسه أمام نساء مثلها، ولا أمام محارمها – ومن باب أولى أنها يحرم عليها لبسه أمام الرجال الأجانب -.
وقد تساهلت كثير من الأخوات في لباسهن أمام بعضهن بعضًا، وخاصة في الأفراح والمناسبات، ولا نرى هذا تقليدًا لعالِم بل هو اتباع للهوى؛ لأنها تعلم أنه ليس مع أفتى بجواز لبس ذلك الضيق والقصير دليل من كتاب ولا من سنَّة ولا من قول عالِم معتبر.
وأما حدود ما يجوز أن تظهره المرأة أمام محارمها وأمام سائر النساء: فهو مواضع الوضوء أو مواضع وضع الزينة، ويحرم إبداء ما عدا ذلك.
ثانيًا:
والمجلس الذي فيه من تلبس الضيق أو القصير العاري: هو مجلس سوء، ويجب إنكار ذلك المنكر على فاعلته؛ تحقيقًا لحديث رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حيث قال: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ ). رواه مسلم ( 49 ) من حديث أبي سَعِيد الخُدْري.
فإن لم تستطيعي تغيير المنكر بيدك لأنه لا سلطة لك على أولئك النساء، ولم يتغير المنكر بنصحك لهن بلسانك: فلم يبق إلا تغيير المنكر بالقلب، وهذا يقتضي مفارقة المكان وعدم الجلوس فيه إلا أن تكوني مكرهة على ذلك من زوج أو ليس ثمة مجال لمفارقة المكان.
* قال علماء اللجنة الدائمة:
جاء في هذا الحديث مراتب تغيير المنكر، وأنها ثلاث درجات: التغيير باليد للقادر عليه، كالحكام، والرجل مع ولده وزوجته، فإن لم يتمكن المكلف من التغيير باليد: فبلسانه، كالعلماء ومن في حكمهم، وإذا لم يتمكن من التغيير باللسان: فينتقل إلى التغيير بالقلب، والتغيير بالقلب يكون بكراهة فعل المنكر وكراهة المنكر نفسه، والتغيير بالقلب من عمل القلب، وعمل القلب إذا كان خالصًا صوابًا يثاب عليه الشخص، ومن تمام الإنكار بالقلب مغادرة المكان الذي فيه المنكر.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 12 / 333 ، 334 ).
واعلمي أنه إن كنتِ ترين أن مثل أولئك الأخوات يمكن لهن أن يتغيرن مع المدة ومع كثرة الحوار: فلا بأس من البقاء في تلك المجالس والصبر على رؤية المنكر من أجل تحقيق تلك الغاية النبيلة وهي هدايتهن، مع تقصير مدة البقاء بينهنَّ ما أمكن.
* قال علماء اللجنة الدائمة:
وإذا كانت المصلحة الشرعية في بقائه في الوسط الذي فشا فيه المنكر أرجح من المفسدة، ولم يخش على نفسه الفتنة: بقي بين من يرتكبون المنكر، مع إنكاره حسب درجته، وإلا هجرهم محافظة على دينه.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 12 / 335 ).
ويكون الأمر – حينئذٍ – قد انتقل من تغيير للمنكر إلى إنكار للمنكر، وهو أمر واجب ولو غلب على ظنك أنهن لا يستجبن إذ ليس عليك قبولهن للحق بل عليك البلاغ والبيان.
* قال النووي – رحمه الله -:
قال العلماء رضي الله عنهم: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله؛ فإن الذِّكرى تنفع المؤمنين، وقد قدمنا أن الذي عليه: الأمر والنهي لا القبول، وكما قال الله عز وجل ( مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاَغُ ). ” شرح مسلم ” ( 2 / 23 ).
واستعيني عليهن بربك تعالى بالدعاء أن يهديهن للحق، وتلطفي في الإنكار عليهن، وتسلحي بالحجج القوية والفتاوى العلمية لإيقافهن على خطأ فعلهن، فلعلَّ الله أن يصلحهن ويهديهن.
واحذري من اصطحاب بناتك لتلك المجالس، وإن اضطررت لذلك يومًا فلا بدَّ من إخبارهنَّ بمخالفة أولئك النساء للشرع بلباسهن وأنهن لسن قدوة حتى يُفعل كفعلهن.
والله أعلم.


