يطالبها المستشفى بثمن العلاج وتخشى من ثقل الدَّيْن لدفع الحق
السؤال
منذ فترة قصيرة تم الإسراع إلى نقلي للمستشفى ( يومين متتابعين ) بسبب مرض أصابني، والسبب الذي دفعني للعودة للمستشفى اليوم الثاني هو أنه لم يتم وصف دواء يكفي للتخلص من الألم، لكن حدث هذا والحمد لله في اليوم الثاني، ولهذا تم إرسال فواتير طبية باهظة الثمن للغاية، ولم يكن لديَّ تأمين في هذا الوقت، ولذلك فقد قاموا بتخفيض نفقات العلاج بدرجة كبيرة لكنها لا تزال مبالغ كبيرة، وأنا لا أعرف كيف سأتمكن من دفع المال لكي أغطى هذه الفواتير لأن زوجي ليس ثريًّا بالرغم من أني لا أعتبر أننا فقراء والحمد لله، وأنا أعرف أن الاستدانة هي أمر بالغ الخطورة وأن وفاة المرء مدينا هو أمر في غاية السوء، وسبحان الله فأنا أعرف أن الله سبحانه وتعالى هو أرحم الراحمين لكن هل لديكم علم بما إذا كان هذا يعتبر ديْنًا عليَّ يجب قضاؤه أم أنه يجوز لي أن أدفع قدر استطاعتي وألا أعتبره ديْنا لأنها كانت زيارة طارئة للمستشفى؟.
الجواب
الحمد لله
نسأل الله أن يجمع لك بين الأجر والعافية، ونسأله تعالى أن يسددكِ ويوفقكِ لما يحب ويرضى، ونحن وإن كان آلَمَنا ما أصابك من مرض فإننا سعدنا بشعورك بثقل الدَّيْن وعدم التهاون في الاستدانة، وقد وقع في التساهل في الدَّيْن كثيرون، ولم يبالوا بأن تكون ذممهم مشغولة بديون للناس أو لمؤسسات.
واعلمي أن ثمن العلاج الذي تطالبكِ به المستشفى هو حق لها لا مناص من دفعه، وهو ديْن عليك في ذمتك يجب قضاؤه لها، وليس لك اعتبار حقهم ما تملكينه فقط دون غيره، بل حقهم هو تكلفة العلاج كاملا.
واعلمي أن الدَّين الذي يلام صاحبه، والذي يُحبس عن الجنة ليس هو – إن شاء الله – من استدان ليأكل أو يعالَج أو يقضي ضرورة في حياته ومعيشته، بل هو من استدان في كماليات وترفه يمكن الاستغناء عنهما ولم يوفِ حتى مات، وهو – كذلك – الذي استدان ولم يوصِ بإعطاء صاحب الحق حقَّه.
* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:
والدَّيْن الذي يُحبس به صاحبه عن الجنة – والله أعلم – هو الذي قد تَرك له وفاء ولم يوصِ به، أو قدِر على الأداء فلم يؤد، أو أدانه في غير حق، أو في سرَف ومات ولم يؤده، وأما من أدان في حقٍّ واجبٍ لفاقةٍ ( فقر ) وعُسرة ومات ولم يترك وفاء: فإن الله لا يحبسه به عن الجنَّة إن شاء الله . ” التمهيد ” ( 23 / 238 ، 239 ).
واستدانتكِ لثمن العلاج هي لضرورة الحفاظ على الحياة والتخلص من الألم، ولا شك أنك لو استدنتِ فسيكون في نيتك السداد والقضاء، لذا فإذا استدنتِ فعملك مشروع لا حرج فيه، ونرجو الله أن ييسر لك أمر قضاء هذا الدَّيْن كما وعد بذلك، وقد جاء ذلك الوعد في أحاديث، منها:
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ). رواه البخاري (2257).
* سئل علماء اللجنة الدائمة:
مَن مات وعليه دين لم يستطع أداءه لفقره هل تبقى روحه مرهونة معلقة؟.
فأجابوا:
أخرج أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( نفس المؤمن معلقة بديْنه حتى يُقضى عنه )، وهذا محمول على مَن ترك مالاً يُقضى منه دينُه، أما مَن لا مال له يقضى منه فيرجى ألا يتناوله هذا الحديث؛ لقوله سبحانه وتعالى ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) البقرة/ 286، وقوله سبحانه ( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ) البقرة/ 280، كما لا يتناول من بيَّت النيَّة الحسنة بالأداء عند الاستدانة ومات ولم يتمكن من الأداء؛ لما روى البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( مَن أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ).
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود.
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 8 / 344 ، 345 ).
- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( كَانَ اللَّهُ مَعَ الدَّائِنِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا يَكْرَهُ اللَّهُ ).
رواه ابن ماجه ( 2409 ) وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.
وفي ” شرح سنن ابن ماجه ” ( ص 174 ) للسيوطي وآخرين – رحمهم الله -:
( ما لم يكن فيما يَكره الله ) أي: إذا كان الدَّيْن في رضاء الرب لنفقة الأهل والعيال، والتصدق في نوائب الحق، ونية القضاء. انتهى.
والله أعلم.


