حكم ما يسمى ” العمليات الاستشهادية ” وتحقيق كلام الشيخ العثيمين فيها
السؤال
ما رأيكم في التفجيرات الانتحارية؟ وما هي شروط جواز مثل تلك الأفعال؟ سمعت من بعض المشايخ أن ذلك يجوز في حالات قليلة جدًّا مستدلين في ذلك بقصة الغلام المسيحي والملِك، والتي لم يستطع فيها الملك من قتل الغلام إلا بعدما أخبره الغلام كيف يقتله.
الجواب
الحمد لله
أولا:
توصف هذه العمليات بـ ” الانتحارية “، و ” الجهادية “، و ” الاستشهادية “، و ” الفدائية “، واختلاف التسميات نابع من الحكم عليها، أو من مجرد وصفها بغض النظر عن حكمها.
وهي من مسائل النوازل المعاصرة، وليس للسلف فيها أقوال، وكل من استدل على جوازها بدليل أو قول لأحد من السلف فاستدلاله منتقض بعدم وجود تلك الصورة أصلاً، بخلاف من استدل بمنعها فإن دليله مطابق لصورة المسألة.
وعلى كل حال: فالمسألة فيها أقوال ثلاثة:
– فالجمهور: على جوازها، وأنها من الجهاد المشروع، وهو قول الشيخ عبد الله بن حميد، وعبد الله بن منيع، وعبد الله البسام، وغيرهم.
والقول الثاني: بالمنع منها، وهو قول الشيخين ابن باز وابن عثيمين، والقول الثالث: هو الجواز بشروط وضوابط، منها: إخلاص النية لله، لا بقصد الانتقام والثأر والسمعة، وأن يكون ذلك بإذن قائد الحرب، وأن يكون هذا الفعل يسبِّب إيلاما للعدو ونكاية، وهو قول الشيخ الألباني، وفي بعض أقوال الشيخ العثيمين ما يدل على الجواز بشروط، فمنهم من جعله قولا آخر للشيخ، ومنهم من جعله قولا واحدا، وحمل الأقوال الأخرى التي فيها المنع على تلك الشروط، ولكن الصحيح أنه ليس ثمة إلا قول واحد للشيخ، وأن الذي أجازه الشيخ – رحمه الله – هو أن يكون ثمة نفع عظيم ومصلحة كبيرة للإسلام والمسلمين بتلك العمليات، وهو ما يؤكد الشيخ على عدم وجوده فيها، فمن جعل للشيخ قولين: فلم يُصب، ومن نسب إليه القول بالجواز: فخطؤه أشد من الذي قبله.
والذي نراه في هذه المسألة: المنع منها، ومباشرة قتل المسلم لنفسه حتى لو كان في مقابلها قتل بعض أعداء الله مما ينبغي تركها، والبحث عن سبل أخرى لإيلام العدو، وقتله دون الحاجة لمباشرة قتل النفس، ونحن نعجب ممن يقول بعدم وجود طرق أخرى لإيلام العدو والنكاية به، ونحن نرى تلك المجموعات نفسها تقوم بعمليات نوعية، تؤلم العدو، وتوقع الضحايا، دون الحاجة لأن يقتل المجاهد نفسه، كما أننا نرى توقفهم عن القيام بتلك العمليات سياسةً! فأولى أن يكون التوقف عنها ديناً.
ثانيا:
والقول الأول كثر قائلوه، ولم يأتِ أحد منهم بنص يصلح أن يكون دليلا، وجل ما أتوا به إنما هي قصص في شجاعة وجرأة أحد من المجاهدين من الصحابة فمَن بعدهم – كقصة البراء بن مالك في ” اليمامة ” -، وكلها فيها أنهم يُقتلون بأيدي غيرهم من عدوهم لا بأيدي أنفسهم، وليس هذا يصلح لأن يكون دليلا على جواز مباشرة المسلم لقتل نفسه بنفسه، وسيأتي ذِكر بعضها، والرد عليها.
وأما القول الثالث: – وهو القول بالجواز بشروط – فهو قول له وجاهته، ونحن نذكر هنا ما قاله من يرى هذا القول ويرجحه، ثم نختم بذكر أقوال من منع منها:
أ. عن أسلم أبي عمران التجيبي قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفًّا عظيماً من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سرًّا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه, فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها, فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد علينا ما قلنا: ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) , فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو, فما زال أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. رواه الترمذي ( 2972 ) – واللفظ له -، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وأبو داود ( 2512 ). وصححه الألباني في ” صحيح موارد الظمآن ” ( 2 / 119 ) – وهو من أواخر كتبه -.
قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله – معقبا على الحديث -:
” وهذا ما أصاب المسلمين اليوم، فشُغلوا بإصلاح أموالهم، وتنميتها عن الاهتمام بدينهم، والدفاع عن بلادهم، وقد غزاها أذل الناس، فصدَق فيهم قول نبيهم صلى الله عليه وسلم: ” إذا تبايعتم بالعِينة … ” الحديث، وفيه: ” وتركتم الجهاد في سبيل الله: سلَّط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم.
وفي الحديث ما يدل على ما يُعرف اليوم بـ ” العمليَّات الانتحاريَّة ” التي يقوم بها بعض الشباب المسلم ضد أعداء الله، ولكن لذلك شروط، من أهمِّها أن يكون القائم بها قاصداً وجه الله، والانتصار لدين الله، لا رياءً، ولا سمعةً، ولا شجاعةً، ولا يأساً من الحياة “. انتهى.
ب. وهذه فتوى أخرى للشيخ الألباني – رحمه الله -.
السائل:
بالنسبة للعمليات العسكرية الحديثة، فيه قوات تسمى بالكوماندوز، فيكون فيه قوات للعدو تضايق المسلمين، فيضعون فرقة انتحارية تضع القنابل ويدخلون على دبابات العدو، ويكون هناك قتل … فهل يعد هذا انتحارا؟.
الجواب:
” لا يعد هذا انتحارا؛ لأن الانتحار هو أن يقتل المسلم نفسه خلاصا من هذه الحياة التعيسة، أما هذه الصورة التي أنت تسأل عنها: فهذا ليس انتحارا، بل هذا جهاد في سبيل الله، إلا أن هناك ملاحظة يجب الانتباه لها، وهي أن هذا العمل لا ينبغي أن يكون فرديًّا، أو شخصيًّا، إنما يكون هذا بأمر قائد الجيش، فإذا كان قائد الجيش يستغني عن هذا الفدائي، ويرى أن في خسارته ربحاً كبيراً من جهة أخرى، وهو إفناء عدد كبير من المشركين والكفار: فالرأي رأيه، ويجب طاعته، حتى لو لم يرض هذا الإنسان، فعليه طاعته.
الانتحار من أكبر المحرمات في الإسلام، ولا يفعله إلا غضبان على ربه، ولم يرض بقضاء الله، أما هذا: فليس انتحاراً، كما كان يفعله الصحابة، يهجم على جماعة (كردوس ) من الكفار بسيفه، ويعمل فيهم بالسيف حتى يأتيه الموت صابراً؛ لأنه يعلم أن مآله الجنة.
فشتان بين من يقتل نفسه بهذه الطريقة الجهادية، وبين من يتخلص من حياته بالانتحار “. ” سلسلة الهدى والنور ” ( شريط رقم 134 ).
ثالثا:
وأما الذين منعوا من هذه العمليات فمن أبرزهم وأكثرهم كلاماً فيها هو الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -.
أ. سئل – رحمه الله -:
فضيلة الشيخ! نسمع في بعض ساحات الجهاد ممن يقوم بأعمال جهادية – ويسميها البعض أعمالا انتحارية – بأن يلغِّم نفسه بالقنابل، ويلقي بنفسه بين جنود العدو لتتفجر القنابل في جسده فيموت أولهم، فهل يقاس هذا الفعل على العبد الذي يعجب الله منه وهو يقاتل بلا درع؟.
فأجاب:
” هذه الأعمال الانتحارية التي يذهب الإنسان إلى عدوه وقد ملء جسمه من القنابل لتتفجر، ويكون هو أول قتيل فيها: محرمة، والفاعل لها قاتل لنفسه، وقتله لنفسه واضح، حمَل القنابل، وتفجرت به، فمات، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه: ” من قتل نفسه بشيء فإنه يعذب به في نار جهنم خالدًا فيها مخلدًا “، لكن إذا كان هذا الإنسان فعل هذا جاهلا يظن أن هذا من تمام الجهاد: فإن الله سبحانه وتعالى لا يعذبه بذنبه لأنه متأول، وأما من علم بذلك: فإنه يعتبر قاتلا لنفسه.
وقد يورد علينا بعض الناس في هذا القول: أن البراء بن مالك – رضي الله عنه – في غزوة ” بني حنيفة ” أمر أصحابه أن يحملوه ويقذفوا به داخل الباب – باب الحوطة – من أجل أن يفتح الباب لهم، وهذا لا شك أنه إلقاء بنفسه إلى أمر خطير، فيقال: إن البراء بن مالك – رضي الله عنه – قد وثق من نفسه أنه سينجو، وفيه احتمال، ولو واحد من مائة أنه ينجو، لكن من تقلد بالقنابل التي نعلم علم اليقين أنه أول من يموت بها: فهذا ليس عنده احتمال ولا واحد في المائة، ولا واحد في الألف أنه ينجو، فلا يصح قياس هذا على هذا، نعم للإنسان الشجاع البطل الذي يعرف نفسه أن يخوض غمار العدو ويخرق صفوفهم لأن النجاة فيها احتمال، وعلى هذا فيكون إيراد مثل هذه القضية غير وارد؛ لأن هناك فرقاً بين من يعلم أنه سيموت، ومن عنده احتمال أنه سينجو “.
” لقاءات الباب المفتوح ” ( 80 / السؤال 2 ).
ب. وسئل – رحمه الله -:
يا شيخ! بعض العمليات الانتحارية التي في فلسطين تنظمها حركة ” حماس “، هناك بعض العلماء أفتوا بجوازها، ما رأيكم؟.
فأجاب:
” نرى أن العمليات الانتحارية التي يتيقن الإنسان أنه يموت فيها: حرام، بل هي من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن: ” من قتل نفسه بشيء فإنه يعذب به في نار جهنم “، ولم يستثن شيئا، بل هو عام؛ ولأن الجهاد في سبيل الله المقصود به حماية الإسلام والمسلمين، وهذا المنتحر يدمر نفسه، ويفقد بانتحاره عضوا من أعضاء المسلمين، ثم إنه يسبب ضررا على الآخرين؛ لأن العدو لن يقتصر على قتل واحد، بل يقتل به أمما إذا أمكن؛ ولأنه يحصل من التضييق على المسلمين بسبب هذا الانتحار الجزئي الذي قد يقتل عشرة، أو عشرين، أو ثلاثين، يحصل ضرر عظيم، كما هو الواقع الآن بالنسبة للفلسطينيين مع اليهود.
وقول من يقول: إن هذا جائز: ليس مبنيًّا على أصل، إنما هو مبني على رأي فاسد – في الواقع -؛ لأن النتيجة السيئة أضعاف أضعاف ما يحصل بهذا، ولا حجة لهم في قصة البراء بن مالك – رضي الله عنه – في غزوة ” اليمامة “؛ حيث أمر أصحابه أن يلقوه من وراء الجدار ليفتح لهم الباب؛ فإن قصة البراء ليس فيها هلاك ( 100 % )، ولهذا نجا، وفتح الباب، ودخل الناس، فليس فيها حجة، بقي أن يقال: ماذا نقول في هؤلاء المعينين الذين أقدموا على هذا الفعل؟ نقول: هؤلاء متأولون، أو مقتدون بهؤلاء الذين أفتوهم بغير علم، ولا يلحقهم العقاب الذي أشرنا إليه؛ لأنهم كما قلت لك: متأولون، أو مقتدون بهذه الفتوى، والإثم في الفتوى المخالفة للشريعة على من أفتى “.
” لقاءات الباب المفتوح ” ( 164 / سؤال 5 ).
رابعا:
وأما استدلال من قال بالجواز بفعل الغلام في قصة أصحاب الأخدود: فليس فيها ما يُستدل بها على جواز تلك العمليات.
وتلك القصة رواه الإمام مسلم في صحيحه ( 3005 ) وفيها أنه قال للملِك الظالم: ” إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ “، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: ” تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي ثُمَّ ضَعْ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي؛ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي “، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ، فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ.
والرد عليها من وجوه:
- أن الغلام لم يباشر قتل نفسه بنفسه.
- أنه تسبب فعله ذاك بمصلحة عظيمة وهي إيمان أمة كاملة.
- أن قوله ذاك للملك لم يكن من تلقاء نفسه، بل يبدو أنه من وحي الله تعالى، وإلا فما أدراه أنه يموت إذا فعل الملِك ما دلَّه عليه؟! ويدل على ذلك ما كان من شأنه أنه يبرئ الأكمه، والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، بإذن الله.
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
استدل بعض الناس بجواز قتل النفس، أو ما يسمونه بـ ” العمليات الانتحارية ” بحديث ذكره مسلم في صحيحه، حديث قصة غلام أصحاب الأخدود، فهل استدلالهم هذا صحيح؟.
فأجاب:
” هذا صحيح في موضعه، إذا وُجد أن قتل هذا الإنسان نفسه يحصل به إيمان أمة من الناس: فلا بأس؛ لأن هذا الغلام لما قال للملك: خذ السهم من كنانتي ثم قل: باسم الله رب هذا الغلام، فإنك سوف تصيبني، وفعل الملك، ماذا صنع مقام الناس؟ آمنوا كلهم، هذا لا بأس، لكنَّ الانتحاريين اليوم لا يحصل من هذا شيء، بل ضد هذا، أول من يقتل نفسه، ثم قد يقتل واحداً أو اثنين، وقد لا يقتل أحداً، لكن ماذا يكون انتقام العدو؟ كم يقتل؟ يقتل الضعف، أو أكثر، ولا يحصل إيمان، ولا كف عن القتل، هذا الرد عليهم، نقول: إذا وجد حالة مثل هذه الحال فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصها علينا لنسمعها كأنها أساطير الأولين، بل قصها علينا لنعتبر، إذا وجد مثل هذه الحال: لا بأس.
وبعضهم يستدل بقصة البراء بن مالك في غزوة ” اليمامة “، حيث حاصروا حديقة مسيلمة، والباب مغلق، وعجزوا، فقال البراء: ألقوني من وراء السور وأفتح لكم، فألقوه، وفتح، وهذا ليس فيه دليل، لماذا؟ لأن موته غير مؤكد، ولهذا حيي، وفتح لهم الباب، لكن المنتحر الذي يربط نفسه بالرصاص والقنابل، ينجو أم لا ينجو؟ قطعاً لا ينجو، ولهذا لولا حُسن نيتهم: لقلنا: إنهم في النار يعذبون بما قتلوا به أنفسهم ” .
” لقاءات الباب المفتوح ” ( 202 / سؤال رقم: 13 ).
وهذا القول من الشيخ لا يجعل له قولين في المسألة – كما سبق وبينَّا – بل هو عملٌ بالنصوص الشرعية كل في موضعه اللائق به، وهو يقول بما دلَّ عليه حديث مسلم من جواز قتل المسلم نفسه – مع أن الغلام لم يباشر قتل نفسه بنفسه – إذا كان ثمة مصلحة كبرى للإسلام والمسلمين، وهو ما يؤكد الشيخ – رحمه الله – عدم وجوده في تلك العمليات، ومما أوهمه بعضهم من التناقض أو الاختلاف في كلام الشيخ ما نقلوه عنه من قوله عندما سُئل في ” اللقاء الشهري ” ( رقم: 20 ) عن شابًّ مجاهد فجّر نفسه في فلسطين، فقتل، وأصاب عَشرات اليهود، هل هذا الفعل يعتبر منه انتحارا أم جهادا؟ فأجاب بقوله: ” هذا الشاب الذي وضع على نفسه اللباس الذي يَقتل أول من يقتل نفسه: فلا شك أنه هو الذي تسبب في قتل نفسه، ولا تجوز مثل هذه الحال إلا إذا كان في ذلك مصلحة كبيرة للإسلام، فلو كانت هناك مصلحة كبيرة، ونفع عظيم للإسلام: كان ذلك جائزا. انتهى.
ومما يلاحظ أن هذا موافق لما قاله الشيخ في دلالة حديث الغلام، وليس هو قول آخر للشيخ – رحمه الله -، ولا أن ما في العمليات يصدق عليها أن فيها نفعا عظيما للإسلام والمسلمين.
خامسا:
ونوصي – أخيرا – الذين يقولون بالجواز لتلك العمليات أن يكفوا ألسنتهم عن الطعن في العلماء الذين يقولون بالمنع، وإذا اقتنع الواحد منهم بجواز تلك العمليات من شيخ يثق بدينه وعلمه فيسعه العمل بالفتوى، والذهاب لتفجير نفسه في العدو الكافر، وليكف لسانه عن أهل العلم المانعين لتلك العمليات، وليكف عن الطعن في اعتقادهم ومنهجهم، وليعلم أن أكثر العلماء ممن هم على اعتقاد ومنهج ذلك المانع منها يقولون بالجواز، فلم الطعن واللمز بمنهجهم واعتقادهم؟! وهذه المسألة من مسائل النوازل الاجتهادية، ولذا فإنه من الصعب الاتفاق فيها على قول واحد؛ لما جعله الله من اختلاف في العلم والفهم للشرع، ونحن نرى واقع أولئك الطاعنين في أهل العلم المانعين أنهم يسكتون على مخالفات أهل البدع والضلال في العقائد، بل ويرضون بانضمامهم لأحزابهم وجماعاتهم، فكيف يرضون للمخالفين في الاعتقاد من أهل الضلال أن يكونوا جزءً منهم ولا يسلم منهم من خالفهم في نازلة فقهية؟!.
والله أعلم.


