تفصيل القول في وقوع وحكم نكاح الجن للإنس والعكس
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحببت معرفة صحة زواج الإنس بالجان هل هو صحيح وإذا كان صحيحا كما أسمع: فكيف يتم؟.
الجواب
الحمد لله
أولا:
امتنَّ الله تعالى علينا بأن خلق ” الأنثى ” من ذات جنسنا، فكانت بشرا حتى يحصل سكن الرجل إليها، ويحصل بينهما مودة ورحمة، وحتى يتم إعمار الأرض بالذرية.
قال تعالى: ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ) النحل/ من الآية 72.
وقال تعالى: ( وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) الروم/ 21.
وفي هذه الآيات ردُّ على من زعم حصول التزاوج بين الإنس والجن، فضلا عن حصول المودة والرحمة ، فضلا عن حصول الذرية.
قال القرطبي – رحمه الله -:
( جعل لكم من أنفسكم ) أي: من جنسكم، ونوعكم، وعلى خِلقتكم، كما قال: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم )، أي: من الآدميين، وفي هذا ردٌّ على العرب التي كانت تعتقد أنها كانت تزوج الجن وتباضعها. ” تفسير القرطبي ” ( 10 / 127 ).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:
قوله تعالى: ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ) الآية، ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنَّه امتنَّ على بني آدم أعظم مِنَّة، بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجا، من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوع آخر: ما حصل الائتلاف، والمودة، والرحمة، ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكورا وإناثا، وجعل الإناث أزواجا للذكور، وهذا من أعظم المنن، كما أنه من أعظم الآيات الدالة على أنه جل وعلا هو المستحق أن يعبد وحده.
وأوضح في غير هذا الموضع أن هذه نعمة عظيمة، وأنها من آياته جل وعلا، كقوله: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )، وقوله: ( أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ) ، وقوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ). ” أضواء البيان ” ( 2 / 412 ).
ثانيا:
أما مسألة التزاوج بين الجن والإنس: فلها اعتباران:
الاعتبار الأول: إمكان وقوع ذلك.
والاعتبار الثاني: حكم ذلك شرعا.
* أما بخصوص إمكان وقوع التزاوج بين الجن والإنس: فقد اختلف العلماء فيه إلى قولين:
القول الأول: إمكان وقوع ذلك.
وهو قول مجاهد والأعمش وقتادة، ورواية عن الحسن، وبه قال جماعة من الحنفية والحنابلة، وهو قول الإمام مالك.
والقول الثاني: عدم إمكان وقوع التزاوج والنكاح بين الجن والإنس لاختلاف جنسيهما.
وهو قول إسحاق بن راهويه، ورواية عن الحسن البصري، وبه قال جماعة من الحنابلة، وهو المعتمد من قول الشافعية، وبه قال الماوردي.
* وأما بخصوص حكم التزاوج والنكاح بين الجن والإنس: فقد اختلف العلماء فيه إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: التحريم، وهو قول الإمام أحمد، ورجحه السيوطي، ومن المتأخرين: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي.
والقول الثاني: الكراهة، وممن كرهه: الإمام مالك، وكذا كرهه الحكم بن عتيبة، وقتادة، والحسن، وعقبة الأصم، والحجاج بن أرطاة، وإسحاق بن راهويه – وقد يكون معنى ” الكراهة ” عند بعضهم: التحريم -.
– وهو قول أكثر أهل العلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
وكره أكثر العلماء مناكحة الجن.
” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 40 ).
والقول الثالث: الإباحة، وهو قول لبعض الشافعية.
– والصواب في المسألتين: المنع من الوقوع، والتحريم له على التسليم بوقوعه.
ثالثا:
ومن أبرز ما استدل به من قال بوقوع وجواز المناكحة بين الإنس والجن:
- قوله تعالى: ( لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ) الرحمن/ 56.
والرد:
ليس المراد بالآية أن الجن يجامع الإنسيات، ولا أنه يجامع الحور العين من الإنس، وإنما المراد أنه لم يحصل جماع لأحدٍ من الحور العين من قبَل الإنس والجن، والنفي هنا: نفي طمث الجن للحور العين من الجن، ونفي طمث الإنس للحور العين من الإنس.
قال الشيخ محمود الألوسي – رحمه الله -:
والذي يُعطاه الإنسي: زوجته المؤمنة التي كانت له في الدنيا، ويُعطى غيرها من نسائها المؤمنات أيضا، وكذا الجني: يُعطى زوجته المؤمنة التي كانت له في الدنيا من الجن، ويُعطي غيرها من نساء الجن المؤمنات أيضا، ويَبعد أن يُعطي الجني من نساء الدنيا الإنسانيات في الآخرة
والذي يغلب على الظن أن الإنسي: يُعطي من الإنسيات، والحور، والجني: يُعطى من الجنيات، والحور، ولا يُعطي إنسي جنيَّة، ولا جنيٌّ إنسية، وما يُعطاه المؤمن إنسيّا كان أو جنيّا من الحور: شيء يليق به، وتشتهيه نفسه، وحقيقة تلك النشأة وراء ما يخطر بالبال، واستدل بالآية على أن الجن يدخلون الجن ويجامعون فيها كالإنس فهم باقون فيها منعمين كبقاء المعذبين منهم في النار.
” تفسير الألوسي ” ( 27 / 119 ، 120 ).
- ومما استدلوا به أيضا: قوله تعالى ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) الأنعام/ 128.
والرد:
أن الاستمتاع هنا ليس استمتاع الجماع، بل هو الاستمتاع بالطاعة والتعظيم من قبَل الجن، والاستمتاع بالخدمة ونيل الشهوات من قبَل الإنسي.
قال ابن كثير – رحمه الله -:
وأما استمتاع الجن بالإنس: فإنه كان – فيما ذكر- ما ينال الجنّ من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعانتهم بهم، فيقولون: قد سدنا الإنس والجن.
” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 338 ).
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:
أي: تمتع كلٌّ من الجِنّي والإنسي بصاحبه، وانتفع به، فالجنّي: يستمتع بطاعة الإنسي له، وعبادته، وتعظيمه، واستعاذته به، والإنسي: يستمتع بنيل أغراضه، وبلوغه، بسبب خدمة الجِنّي له بعض شهواته؛ فإن الإنسي يعبد الجِنّي، فيخدمه الجِنّي، ويحصل له منه بعض الحوائج الدنيوية، أي: حصل منا من الذنوب ما حصل.
” تفسير السعدي ” ( ص 273 ).
وقال ابن قيم الجوزية – رحمه الله -:
استمتاع بعضهم ببعض في الدنيا، وذلك الاستمتاع هو ما بين الجن والإنس، من طاعتهم إياهم في معصية الله، وعبادتهم لهم دون الله؛ ليستعينوا بهم على شهواتهم، وأغراضهم؛ فإنهم كانوا يستوحونهم، ويعوذون بهم، ويذبحون لهم بأسمائهم، ويوالونهم من دون الله، كما هو شأن أكثر المشركين من أولياء الشيطان، فهذا هو استمتاع بعضهم ببعض. ” طريق الهجرتين ” ( ص 621 ).
- ومما استدلوا به: قوله تعالى: ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) الإسراء/ 64.
قالوا: ومعنى ” شاركهم في الأولاد “: أن الرجل إذا لم يسم عند الجماع فإن الشيطان يشاركه في التمتع بزوجته!.
والرد:
أن هذا من علم الغيب، ولا يثبت إلا بدليل من الوحي، وذاك القول إنما هو لتابعي جليل وهو مجاهد بن جبر رحمه الله، ولا يصح كونه تفسيرا للآية، ولا تفسيرا للضرر الثابت في حديث الصحيحين عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا ) .
والحديث واضح بيِّن في أن الضرر يصيب المولود ، ولا يصيب الزوجة.
- ومما استدلوا به: حديث (كان أحد أبوي بلقيس جنيّا ) و ” بلقيس ” في الحديث: هي ملكة ” سبأ “.
والرد:
الحديث لا يصح.
قال ابن كثير – رحمه الله -:
وقد روى الثعلبي من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( كان أحد أبوي بلقيس جنيّاً ، وهذا حديث غريب، وفي سنده ضعف.
” البداية والنهاية ” ( 2 / 26 ).
والصواب – كما قدمنا – هو عدم وقوع مثل هذا التناكح لاختلاف الجنسين، ولو وقع فليس ثمة بكارة تفتض من جني لامرأة، وليس ثمة ذرية يمكن أن تكون من أحدهما، وأما الاستمتاع بقضاء الشهوة فقط فيمكن وقوعه، وليس فيه ما يُنكر، ومن مفاسد القول بوقوعه وبافتضاض البكارة أن تدعي ذلك من تقع في فاحشة الزنا، وهو ما نبَّه إليه الإمام مالك رحمه الله قديما حيث قال: ” أكره أن توجد امرأة حاملة فتدعي أنه من زوجها الجني فيكثر الفساد “.
وهذه كتب التراجم والتاريخ ليس فيها إثبات وقوع نكاح بين إنس وجنية، وليس ثمة ذرية من ذلك النكاح لو كان حصل، ثم إن عالم الجن عالم غيبي وما يدري هذا الإنسي أنه يجامع جنية، وما يدريه أن منيَّه خلق الله به ذرية من تلك الجنيَّة.
قال جلال الدين السيوطي:
وفي المسائل التي سأل الشيخ جمال الدين الأسنوي عنها قاضي القضاة شرف الدين البارزي إذا أراد أن يتزوج بامرأة من الجن – عند فرض إمكانه – فهل يجوز ذلك أو يمتنع فإن الله تعالى قال : ( وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) الروم/ من الآية 21، فامتنَّ الباري تعالى بأن جعل ذلك من جنس ما يؤلف.
فإن جوزنا ذلك – وهو المذكور في شرح الوجيز لابن يونس – فهل يجبرها على ملازمة المسكن أم لا؟ وهل له منعها من التشكل في غير صور الآدميين عند القدرة عليه؟ لأنه قد تحصل النفرة أو لا، وهل يعتمد عليها فيما يتعلق بشروط صحة النكاح من أمر وليها وخلوها من الموانع أم لا، وهل يجوز قبول ذلك من قاضيهم أم لا، وهل إذا رآها في صورة غير التي ألفها وادعت أنها هي، فهل يعتمد عليها ويجوز له وطؤها أم لا؟ وهل يكلف الإتيان بما يألفونه من قوتهم، كالعظم وغيره إذا أمكن الاقتيات بغيره أم لا؟.
فأجاب:
لا يجوز أن يتزوج بامرأة من الجن، لمفهوم الآيتين الكريمتين، قوله تعالى في سورة النحل: ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفسِكُمْ أَزْوَاجًا ) النحل/ من الآية 72، وقوله في سورة الروم : ( وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) الروم/ من الآية 21.
قال المفسرون في معنى الآيتين: ( جعل لكم من أنفسكم ) أي: مِن جنسكم، ونوعكم، وعلى خلقكم، كما قال تعالى: ( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ ) التوبة/ من الآية 128، أي: من الآدميين، ولأن الآتي يحل نكاحهن: بنات العمومة، وبنات الخؤولة، فدخل في ذلك من هي في نهاية البعد كما هو المفهوم من آية الأحزاب: ( وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ ) الأحزاب/ من الآية 50، والمحرمات غيرهن، وهن الأصول والفروع، وفروع أول الأصول وأول الفروع من باقي الأصول، كما في آية التحريم في النساء، فهذا كله في النسب، وليس بين الآدميين والجن نسب.
ثم قال: وهذا جواب البارزي، فإن قلت: ما عندك من ذلك؟ قلت: الذي اعتقده التحريم لوجوه:
- منها ما تقدم في الآيتين.
- ومنها ما روى الكرماني من ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح الجن)، والحديث وإن كان مرسلا: فقد اعتضد بأقوال العلماء.
- ومنها أن النكاح شرع للألفة والسكون والاستئناس والمودة، وذلك غير موجود بين الإنس والجن، حيث أن الموجود بينهم عكس ذلك، وهو الخصومة المستمرة.
- ومنها أنه لم يرد الإذن من الشرع في ذلك، فإن الله يقول: ( فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) النساء/ من الآية 3، والنساء اسم للإناث من بنات آدم خاصة، فبقي ما عداهن على التحريم؛ لأن الأصل في الأبضاع الحرمة حتى يرد دليل على الحل.
- ومنها أنه قد منع من نكاح الحر للأمة، لما يحصل للولد من الضرر بالإرقاق، فمنع نكاح الجن من باب أولى!.
” الأشباه والنظائر ” ( ص 256 ، 257 ) باختصار.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:
اختلف العلماء في جواز المناكحة بين بني آدم والجن، فمنعها جماعة من أهل العلم، وأباحها بعضه .
قال المناوي في ” شرح الجامع الصغير “: ففي ” الفتاوى السراجية ” للحنفية: لا تجوز المناكحة بين الإنس والجن وإنسان الماء؛ لاختلاف الجنس، وفي ” فتاوى البارزي ” من الشافعية: لا يجوز التناكح بينهما، ورجح ابن العماد جوازه.
وقال الماوردي: وهذا مستنكر للعقول؛ لتباين الجنسين، واختلاف الطبعين، إذ الآدمي جسماني، والجني روحاني، وهذا من صلصال كالفخار، وذلك من مارج من نار، والامتزاج مع هذا التباين مدفوع، والتناسل مع هذا الاختلاف ممنوع اهـ.
وقال ابن العربي المالكي: نكاحهم جائز عقلا، فإن صح نقلا: فبها ونعمت.
قال مقيده عفا الله عنه: لا أعلم في كتاب الله ولا في سنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم نصّا يدل على جواز مناكحة الإنس الجن، بل الذي يستروح من ظواهر الآيات عدم جوازه، فقوله في هذه الآية الكريمة: ( والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) النحل/ 72 ممتنًّا على بني آدم بأن أزواجهم من نوعهم وجنسهم: يُفهم منه أنه ما جعل لهم أزواجا تباينهم كمباينة الإنس والجن، وهو ظاهر، ويؤيده قوله تعالى: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ) الروم/ 21 .
فقوله: ( أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجا ) في معرض الامتنان: يدل على أنه ما خلق لهم أزواجا من غير أنفسهم. ” أضواء البيان ” ( 3 / 43 ).
وقال الشيخ ولي زار بن شاهز الدين – حفظه الله -:
أما القضية من حيث الواقع: فالكل قد جوز وقوعها، وحيث أن النصوص ليست قاطعة في ذلك – جوازا أو منعا -: فإننا نميل إلى عدم الجواز شرعا؛ لما يترتب على جوازه من المخاطر التي تتمثل في:
- وقوع الفواحش بين بني البشر، ونسبة ذلك إلى عالم الج، إذ هو غيب لا يمكن التحقق من صدقه، والإسلام حريص على حفظ الأعراض وصيانتها ودرء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، كما هو مقرر في الشريعة الإسلامية.
- مايترتب على التناكح بينهما من الذرية والحياة الزوجية – الأبناء لمن يكون نسبهم؟ وكيف تكون خلقتهم؟ وهل تلزم الزوجة من الجن بعدم التشكل ؟.
- إن التعامل مع الجن على هذا النحو لا يسلمفيه عالم الإنس من الأذى، والإسلام حريص على سلامة البشر وصيانتهم من الأذى.
وبهذا نخلص إلى أن فتح الباب سيجر إلى مشكلات لا نهاية لها، وتستعصي على الحل، أضف إلى ذلك أن الأضرار المترتبة على ذلك يقينية في النفس والعقل والعرض، وذلك من أهم ما يحرص الإسلام على صيانته، كما أن جواز التناكح بينهما لا يأتي بأية فائدة.
ولذلك فنحن نميل إلى منع ذلك شرعا، وإن كان الوقوع محتملا.
وإذا حدث ذلك، أو ظهرت إحدى المشكلات من هذا الطراز: فيمكن اعتبارها حالة مرضية تعالج بقدرها، ولا يفتح الباب في ذلك.
” الجن في القرآن والسنة ” ( ص 206 ).
والله أعلم.


