تابت من علاقة محرَّمة وأدخل الشيطانُ الشكَّ على توبتها
السؤال
أنا فتاة، تائبة من علاقة محرَّمة، وكانت علاقتي هذه بشاب – وللأسف – ملتزم، ومعفي لحيته، وأنا كذلك، لكن هي خطوات الشيطان، وكانت علاقتي به لا تتجاوز الكتابة فقط، المهم بعد ذلك كنت أتركه بالتدريج بعد معرفتي للغلط، ثم تزوج هذا الشاب، ولقد تأثرت بهذا الشيء جدًّا، ولكنني بعدها تركت الإنترنت بأكمله، وندمت أشد الندم على ما فعلته، والآن مضت عليَّ أكثر من السنَة، وبعض الأحيان يأتيني الشيطان ويشككني في توبتي، وأنني ما تركته إلا لأنه تزوج، وأني لم أتركه لله، فما نصيحتكم لي يا شيخ؟. أرجو إرشادي، فأنا أمرُّ بضيق؟.
الجواب
الحمد لله
نحمد الله تعالى أن وفقك للتوبة، والكف عن معصية العلاقة المحرَّمة، ولا ندري حقيقة حال الطرف الآخر في المعصية، لكننا لا نفاجأ حين نعلم أنه من أهل الاستقامة!؛ لأن هذه الفتن تعصف بالجميع، وإن الشيطان ليجلب بخيله ورجِله على أهل الاستقامة لصدهم عن الطاعة والالتزام, أكثر مما يحرص على غيرهم من أهل الفجور والضلال.
ونصيحتنا لك أيتها الأخت السائلة أن لا تلتفتي لتلك الوساوس التي تشكك في توبتك؛ فإنها من الشيطان؛ ليصدك عن الخير الذي انتقلتِ إليه؛ وليرجعك إلى الشر الذي كنتِ عليه.
وكما أن للشيطان طرقا لإيقاع العبد في المعصية: فإن له طرقاً للإيقاع بالتائبين، فيكيد لهم كيداً عظيماً، فتارة يشوقهم لماضيهم الفاسد، وأخرى يشككهم في نيتهم بالتوبة، وثالثة يوسوس لهم أن معاصيهم لا تُغفر، فيعظم لهم ذنوبهم، ويدخل في قلوبهم اليأس من رحمة الله تعالى وعفوه، إلى غير ذلك من المكائد.
واعلمي أنك ذكرتِ أن بداية التوبة عندك كانت قبل تزوج ذلك الشاب، فقد قلتِ في سؤالك: ” كنت أتركه بالتدريج بعد معرفتي للغلط “، وهذا يقضي على وسوسة الشيطان ومكره، فأنتِ قد تنبهتِ للخطأ في علاقتك المحرَّمة قبل تزوجه، ولا بأس أن تكون النهاية عند تزوجه، فهذا من فضل الله تعالى عليك, أن قدَّر ذلك السبب؛ لتكون نهاية طريق المعصية، وبداية توبة صادقة.
وليس تزوج ذلك الشاب بمانع لك من الاستمرار على المعصية معه، ولا البداية مع غيره، فأما هو: فإذا لم يمنعه التزامه – كما تذكرين – من عمل علاقة محرَّمة معك: فهل سيمنعه تزوجه من الاستمرار عليها، وأما غيره: فإنك قادرة على البدء مع غيره كما بدأتِ مع الأول، والذي منعك من هذا وذاك: هو توبتك وخوفك من الله تعالى، وإن كان الشيطان يريد إيهامك غير هذا، فأمر تقدرين على فعله ثم لا تفعلينه: فهذا لا يكون إلا من إنسان صادق, تنبه لخلل وقع منه، ويخشى أن يُختم له بسوء.
والأسباب التي تدعو الإنسان العاصي لترك معاصيه كثيرة، وليس شرطاً أن تكون بسماع آية، أو حديث، أو موعظة، فمن العصاة من يرى حادثاً مأساويًّا فيتوب، ومنهم من يرى رؤيا فينتبه لنفسه بسببها، ومنهم يموت له حبيب أو قريب فيصحو من غفلته، بل منهم من كان سبب توبته المناظر الخلابة التي رآها في طريقه وهو ذاهب ليعصي ربَّه تعالى، وقد يكون من أسباب التوبة ما يصيب العاصي من مصائب في حياته، وقد جاء ذكر هذا السبب في كتاب الله تعالى، وفيه البيان أن تقدير المصائب على العصاة إنما هو لكي يرجعوا إلى الله، قال تعالى: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) [ الروم / الآية 41] .
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:
أي: استعلن الفساد في البرِّ، والبحر، أي: فساد معايشهم، ونقصها، وحلول الآفات بها، وفي أنفسهم من الأمراض، والوباء، وغير ذلك، وذلك بسبب ما قدمت أيديهم من الأعمال الفاسدة، المفسدة بطبعها.
هذه المذكورة ( لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ) أي: ليعلموا أنه المجازي على الأعمال، فعجَّل لهم نموذجا من جزاء أعمالهم في الدنيا.
( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) عن أعمالهم التي أثرت لهم من الفساد ما أثرت، فتصلح أحوالهم ويستقيم أمرهم.
فسبحان مَن أنعم ببلائه، وتفضل بعقوبته، وإلا فلو أذاقهم جميع ما كسبوا: ما ترك على ظهرها من دابة. ” تفسير السعدي ” ( ص 643 ).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
فالحاصل: أن التوبة إلى الله مطلوبة جدًّا، في حال الرخاء والشدة, وفي حال الشدة: يفكِّر الإنسان كثيراً في أسبابها، حتى يعرف ما له، وما عليه, وحتى يعرف ما وقع منه, سواء كانت الشدة عامة, أو شدة خاصة أصابته هو فيحاسب نفسه في ذلك، وينظر ويبادر بالتوبة والإصلاح, والرجوع إلى الله جل وعلا؛ لعل الله يرفع عنه ما نزل من مرض, أو فقر, أو تسليط أعداء, أو تسليط زوجة, أو تسليط أولاد, أو غير ذلك, فقد يتسلط على الإنسان أولاده, وقد تتسلط عليه زوجته, فيبتلى بظلمها وأذاها, وقد يبتلى بجيران, وقد يبتلى بغير ذلك, فليعالج ذلك بالرجوع إلى الله, والالتجاء إليه, والتوبة إليه من الذنوب والمعاصي, وسؤاله سبحانه الهداية، والعفو، والمغفرة، جل وعلا, مع المحاسبة الشديدة للنفس, وإيقافها عند حدها, وكفها عن محارم الله, وإلزامها بحق الله، وحق عباده, وجهادها في ذلك، فالنفس أمارة بالسوء، إلا ما رحم الله سبحانه وتعالى. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 13 / 52 ، 53 ).
فليس المهم سبب ترك العاصي ما هو فيه، وإنما المهم كيف سيكون حاله بعد ذلك.
والذي ننصحكِ به هو أن تكون توبتك صادقة، ونصوحا، حتى تكون على الوجه الأكمل الذي يحبه الله ويرضاه.
قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ التحريم / الآية 8 ].
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله –:
ونداؤه لهم بوصف الإيمان في الآيتين: فيه تهييج لهم، وحثٌّ على امتثال الأمر؛ لأن الاتصاف بصفة الإيمان بمعناه الصحيح يقتضي المسارعة إلى امتثال أمر الله، واجتناب نهيه، والرجاء المفهوم من لفظه ( عسى ) في آية التحريم: هو المفهوم من لفظه ( لعل ) في آية النور، كما لا يخفى.
التوبة النصوح: هي التوبة الصادقة، وحاصلها: أن يأتي بأركانها الثلاثة على الوجه الصحيح: بأن يقلع عن الذنب إن كان متلبساً به، ويندم على ما صدر منه من مخالفة أمر ربّه جل وعلا، وينوي نيّة جازمة ألا يعود إلى معصية الله أبدا.
” أضواء البيان ” ( 6 / 10 ).
فاحرصي على عدم الالتفات لهذه الشكوك والوساوس، وأكثري من الأعمال الصالحة، من تلاوة وحفظ لكتاب الله، وقيام الليل، والدعاء، وعليك بالرفقة الصالحة التي تأمرك بالخير وتبعدك عن الشر.
والله أعلم.


