كيف يهجر الزوج زوجته في المضجع إن كان لا يحتمل ترك الجماع؟!

السؤال

أنا متزوج، وعندي من الأولاد ستة، ذكورًا، وإناثًا – والحمد لله رب العالمين على جزيل عطاياه -, وتحصل بيني وبين زوجتي- كما يحصل بين جميع الأزواج – خلافات, ومحاولة مني لتهذيب سلوك زوجتي أتبع أوامره سبحانه وتعالى في الموعظة الحسنة، ثم الهجران في المضجع, وأخيرًا: الضرب، بداعي التأديب فقط، وليس للإيذاء, وبعد فترة من الابتعاد عن فراش زوجتي: أحس برغبة في المعاشرة الزوجية الحلال، بعيدًا عما حرمه ربنا جل وعلا, فأعتذر من زوجتي خوفاً من الوقوع في المحرم, علماً بأنها يمكن أن تكون هي المخطئة، وأنا كذلك لست معصوماً عن الخطأ، فأنا بشر ولست من الملائكة – عليهم السلام من ربنا ذي الجلال والإكرام -, إلا أنني بدأت أشعر بأن زوجتي تستغل ضعفي هذا وحاجتي إليها لتملي عليَّ ما تريده، وهذا الشيء أرفضه تماماً، ولا أسمح لها بأن تجرني خلفها كالمعزة، أو تملي عليَّ ما أفعله بعكس رغبتي – كما تفعل بعض الزوجات – مما يؤدي إلى زيادة المشاحنات بيننا, وهذا الأمر بدأ يؤثر بشكل جلي وسلبي على أولادنا، وتصرفاتهم، ولذا: فإنني أستحلفكم بالله العزيز الجبار أن ترشدوني لطريقة أتفاهم بها مع زوجتي، ولا أنقاد لرغباتها، لحاجتي إليها في الابتعاد عن الحرام, وفي فترة هجري لفراشها ماذا يمكنني أن أعمل لعدم التفكير في إشباع شهوتي الجنسية بما يغضب الله سبحانه وتعالى.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

لا يجوز لك هجر زوجتك إلا لسببٍ شرعيٍّ يقتضي الهجر، كأن تترك واجبًا، أو تفعلَ معصيةً، ولا يحل لك أن تهجرها لغير ذلك.

* قال الإمام الشافعي – رحمه الله -:

والهجرة لا تكون إلا بما يحل به الهجرة؛ لأن الهجرة محرمة في غير هذا الموضع فوق ثلاث.

وإذا رجعت الناشز عن النشوز: لم يكن لزوجها هجرتها، ولا ضربها؛ لأنه إنما أبيحا له بالنشوز، فإذا زايلته: فقد زايلت المعنى الذي أبيح له. ” الأم ” ( 5 / 162 ).

ثانيًا:

وينبغي عليك وعظها قبل هجرتها، فهي وصية الله تعالى حيث قال: ( وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ) [ النساء / من الآية 34 ]، فقد تطيعك بعد الموعظة، وعليه: فلا يجوز لك الانتقال إلى الهجران قبل أن تعظها.

ثالثًا:

والهجر ليس مقصودا لذاته بل هو مقصود لغيره، فمقصود الهجر هو الإصلاح والتربية للمهجور، فإن لم تتحقق هذه الغاية، أو كان في الهجر ضرر على الهاجر: فلا حاجة للهجر بل يحرم إذا كان سيؤدي إلى وقوع الهاجر في الحرام كما أشار إليه الأخ في السؤال.

والمرأة المهجورة قد لا يؤثر فيها الهجر؛ لبرودها، أو لعنادها ومكابرتها، أو لقوة شهوة زوجها، فيكون المتأثر سلباً بالهجر هو: زوجها، وهذا الأمر يؤثر عليه حيث يقلل هيبته أمام زوجته بقطعه للهجر قبل تحقق مقصود الهجر كما جاء في السؤال أيضًا.

رابعًا:

والذي نراه أن لا يلجأ الزوج إلى هجر جماع امرأته مع عدم تحمله لهذا الأمر؛ لأنه إن كان لا يصبر على الجماع فيكون هي التي هجرته لا العكس، فعليه أن يكتفي بالموعظة حتى يهديها الله تعالى، ويمكنه اللجوء إلى أساليب أخرى مثل منعها من الخروج من المنزل، أو تقليل نفقتها، أو منع بعض صاحباتها أو جيرانها من زيارتها، ويمكنه أن يضربها ضرباً غير مبرح بقصد التأديب، ويمكنه أن يهجر جماعها على أن لا يكون في المنزل معها فيكون بُعده عنها آلَم لها، وأبعد له عن قطع هجر جماعها، فقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم نساءه شهراً ولم يدخل عليهن خلاله، بل اعتكف في مسجده – كما رواه البخاري ( 4895 ) ومسلم ( 1479 ) -، فإن استطاع الزوج ذلك فحسنٌ، فيمكنه هجرها والذهاب عند أهله، أو الإقامة عند أصدقائه، أو السفر للعمرة، وإن كان الحل الأمثل في مثل هذه الحال هو وجود زوجة ثانية يستطيع معها أن يهجر جماع الأولى حتى ترجع عما هي عليه من نشوز.

خامسًا:

وكيف نستطيع فهم الآية التي تنص على هجر الأزواج لزوجاتهن؟.

الجواب:

لا بدَّ أن نبين أولاً أن العلماء قد اختلفوا في هجر الزوج لزوجته كيف يكون على أقوال:

* قال ابن العربي المالكي – رحمه الله -:

قوله تعالى: ( واهجروهن في المضاجع ): فيه أربعة أقوال:

  • الأول: يوليها ظهره في فراشه; قاله ابن عباس.
  • الثاني: لا يكلمها، وإن وطئها; قاله عكرمة وأبو الضحى.
  • الثالث: لا يجمعها وإياه فراش، ولا وطء حتى ترجع إلى الذي يريد; قاله إبراهيم والشعبي وقتادة والحسن البصري، ورواه ابن وهب وابن القاسم عن مالك وغيرهم.
  • الرابع: يكلمها، ويجامعها، ولكن بقول فيه غلظ وشدة إذا قال لها: ” تعالي “، قاله سفيان. ” أحكام القرآن ” ( 2 / 292 ).

ونقل رحمه الله – أيضًا – قولًا خامسًا عن الإمام ابن جرير الطبري – رحمه الله -، وأن معنى الهجر عنده: ” يُربطن بالهجار، وهو الحبل في البيوت، وهي المراد بالمضاجع “. وقد رده عليه، هو وآخرون من أهل العلم.

– وانظر – للفائدة – في معرفة معاني الهجر: ” تفسير الطبري ” ( 8 / 302 – 312) ” تفسير القرطبي ” ( 5 / 171 ، 172 ).

والذي يظهر لنا أن الهجر يختلف باختلاف حال الهاجر من حيث معناه:

فيكون هجرًا للكلام مع الجماع، لمن كان لا يستطيع ترك الجماع، ويكون هجراً للمضجع في البيت لمن يرى أنه أكثر فائدة من الهجر خارج البيت، مع ترك الجماع، وذلك لحالين اثنين:

الأول: لمن استطاع ضبط نفسه، وتحمَّل ترك الجماع طيلة مدة الهجر.

والثاني: لمن كان معددًا، يستطيع قضاء شهوته مع زوجاته الأخريات.

على أننا ننبه أنه لا ينبغي حصر ” الهجر في المضجع ” بالجماع وحده، بل إن المرأة لتستأنس بزوجها في ضمه لها، وتقبيله إياها، ولو لم يحصل جماع، وهجر هذا من الزوج يعد هجرًا لها في مضجعها.

والخلاصة:

أننا نرى في مثل حالتك: أنك لا تهجر جماع زوجتك إن هي نشزت عليك؛ لأنك بذلك تعاقب نفسك، لا تعاقبها، فاكتف بوعظها، وأسبق ذلك بتربيتها على الطاعة والدين، ولك أن تجامعها مع عدم التلطف بالكلام معها، كما قاله بعض الأئمة، كما سبق نقله عنهم.

واحذر من التفكير في الحرام، فضلاً عن مقارفته، وإياك أن تجعل من التزامك بشرع الله في الهجر طريقاً للوقوع فيما يغضبه تعالى.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة