هل يجوز أن تكون المرأة مشرفة على منتديات عامة؟
السؤال
هل يدخل في الولايات الشرعية أن تعيّن امرأة مشرفة على الرجال في مواقع النت؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
نعم، الذي يظهر لنا أنه لا يجوز للمرأة أن تولَّى الإشراف على أعمال يقوم بها رجال، ولا على منتديات فيها مشرفون وكتَّاب من الرجال، وأن ذلك يدخل في التولية التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وحذَّر من عاقبتها.
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ: قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً “.رواه البخاري ( 4163 ).
وقد فهم أبو بكرة – رضي الله عنه – راوي الحديث – العموم مما رواه، في كل قوم، وفي كل امرأة، وفي كل ولاية، فجعل الحديث منطبقاً حتى على عائشة رضي الله عنها في خروجها ” يوم الجمل ” للإصلاح بين المتخاصمين، وليس هذا بولاية عامَّة، وهي مسلمة، مع أن الحديث في ابنة كسرى، وفي الولاية العامة.
فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْجَمَلِ بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ، قَال: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى ، قَالَ: ” لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً “.
وما استدل به – رضي الله عنه – هو ظاهر الحديث فإن لفظ ” قوماً ” و ” امرأة ” و ” الولاية ” كلها ألفاظ عامَّة.
* قال الشوكاني:
فيه دليل على أن المرأة ليست من أهل الولايات، ولا يحل لقوم توليتها؛ لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح: واجب. ” نيل الأوطار ” ( 8 / 305 ).
* سئل علماء اللجنة الدائمة:
هل يجوز لجماعة من المسلمات اللائي هنَّ أكثر ثقافة من الرجال أن يصبحن قادة للرجال؟ بالإضافة إلى عدم قيام المرأة بإمامة الناس في الصلاة، ما هي الموانع الأخرى من تولي المرأة للمناصب أو الزعامة، ولماذا؟.
فأجابوا:
دلَّت السنَّة, ومقاصد الشريعة, والإجماع، والواقع: على أن المرأة لا تتولى منصب الإمارة، ولا منصب القضاء؛ لعموم حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن فارسًا ولوا أمرهم امرأة قال: ” لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة “، فإن كلًا من كلمة ( قوم )، وكلمة ( امرأة ) نكرة وقعت في سياق النفي فتعم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو معروف في الأصول؛ وذلك أن الشأن في النساء نقص عقولهن، وضعف فكرهن، وقوة عاطفتهن، فتطغى على تفكيرهن؛ ولأن الشأن في الإمارة أن يتفقد متوليها أحوال الرعية، ويتولى شؤونها العامة اللازمة لإصلاحها.الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 13 ).
* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
هل يجوز تولية المرأة على شيءٍ من أمور المسلمين؟.
فأجاب:
لا نرى هذا، نرى أنه لا يجوز، لا سيما إذا قلنا لو أنهم ولَّوْا أمرهم رجلًا لكان أفلح. ” شرح العقيدة السفارينية ” ( شريط رقم: 23، وجه أ ).
ثانيًا:
وقال بعض العلماء: إن المنع إنما هو في ” الولاية العامة “، واستدل على ذلك بخروج عائشة رضي الله عنها، وبتولية عمر – رضي الله عنها – لامرأة تدعى ” الشفاء ” حسبة السوق، يعني: إقامة الشرع في الأسواق: بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
أ. أما الاستدلال بفعل عائشة: فيرد عليه بوجوه، منها:
- تخطئة جمع من الصحابة لها بفعلها ذاك، ومنهم راوي الحديث الصحابي الجليل أبو بكرة – رضي الله عنه -.
- أنها هي ندمت على خروجها – رضي الله عنها -.
وقد روى ابن أبي شيبة في ” المصنف ” ( 15 / 281 ) عنها قولها: ” وددتُ أني كنت غصناً رطباً، ولم أسر مسيري هذا “.
* وقال الذهبي – رحمه الله -:
” ولا ريب أن عائشة ندمت ندامة كلية على مسيرها إلى البصرة، وحضورهما يوم الجمل، وما ظنت أن الأمر يبلغ ما بلغ “. ” سير أعلام النبلاء ” (2/ 177 ).
* وقال الزيلعي – رحمه الله -:
” وقد أظهرتْ عائشةُ الندمَ – كما أخرجه ابن عبد البر في كتاب ” الاستيعاب ” عن ابن أبي عتيق – وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق – قال: قالت عائشة لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن، ما منعك أنْ تنهاني عن مسيري؟ قال: رأيتُ رجلاً غلب عليكِ – يعني: ابن الزبير – فقالتْ: ” أما والله لو نَهيتَني ما خرجتُ ” انتهى, وقال الذهبي: إسماعيل بن أبى خالد عن قيس قال: قالت عائشةُ – وكانت تُحدِّث نفسَها أنْ تُدفن في بيتها – فقالتْ: إني أحدثتُ بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حدثًا، ادفنوني مع أزواجه، فدُفنتْ بالبقيع – رضي الله عنها -.
قلت: تعني بالحدث مسيرها ” يوم الجمل “؛ فإنَّها ندمتْ ندامةً كليَّةً، وتابتْ من ذلك، على أنَّها ما فعلتْ ذلك إلا متأوِّلةً، قاصدةً للخير، كما اجتهد طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وجماعةٌ من الكبار – رضي الله عن الجميع -“. انتهى. ” نصب الراية ” ( 4 / 69 ، 70 ).
ب. وأما الاستدلال بتولية عمر للشفاء حسبة السوق: فيرد عليه من وجوه، منها:
- أن الأثر ليس له إسناد!.
* قال ابن العربي المالكي – رحمه الله -:
” وقد روي أن عمر قدَّم امرأة على حسبة السوق، ولم يصح; فلا تلتفتوا إليه; فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث “. ” أحكام القرآن ” ( 3 / 145 ).
ونقله عنه: القرطبي في ” تفسيره ” ( 13 / 183 ) وأقرَّه .
- أن متنه منكر، ويبعد جدًّا على – عمر رضي الله عنه – أن يفعله، ولعلَّ من رواها أن يكون قد وهم، فقد ذكر ابن عبد البر – رحمه الله – أن من تولى السوق هو: ابنها، سليمان بن أبي حثمة.
ثالثًا:
ويجوز للمرأة أن تكون لها ولاية محدود على بنات جنسها، كأن تكون مديرة مدرسة إناث، أو مسئولة عن عاملات، أو مشرفة على منتديات ومواقع نسائية.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
” فالأصلُ اُشتراكُ المكلَّفين مِن الرِّجَال والنِّساء في الأحكام؛ إلا ما قام الدَّليلُ عليه، مثل: الولاية العامة، كالإمارة، والقضاء، وما أشبهه، فهي خاصَّة بالرِّجال، لكن قد تتولَّى المرأةُ إمارةً محدودة، كما لو سافرت مع نساء وصارت أميرتهنَّ في السَّفر، وكمديرة المدرسة، وما أشبه ذلك “. ” الشرح الممتع ” ( 3 / 218 ).
* وقال – رحمه الله -:
” لا يمكن أبداً أن تتولى ولاية عامة, تشمل الرجال والنساء، صحيح أنها يمكن أن تتولى ولاية عامة بالنسبة لقسم النساء، كمديرة المدرسة، وما أشبه ذلك، أما إمام: فلا يمكن أن تكون إمامًا، ولا يمكن أن تكون رئيسة، ولا يمكن أن تكون وزيرة في حكم الشرع؛ وذلك لأن المرأة ليست كالرجل، في القوة، والحزم، والفكر “. “فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم: 366 ، وجه ب ).
والخلاصة:
أنه لا يجوز تولية امرأة منتديات ومواقع رجالية، أو مختلطة – رجالًا ونساء ، ويمكن للمرأة أن تتولى مسئولية منتديات نسائية خاصة، وهذا خير لها، وأولى، وأبعد لها عن الفتنة والريبة.
والله أعلم.


