صحة ومعنى حديث: ” نية المؤمن خير من عمله “.
السؤال
أريد أن أعرف صحة حديث ورد بمعنى ” نية المؤمن خير من عمله “؟.
وما هو المعنى إن صح هذا الحديث؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
* هذا الحديث ورد عن جماعة من الصحابة – رضوان الله عليهم-:
الحديث الأول:
عن سهل بن سعد الساعدي – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” نية المؤمن خير من عمله، وعمل المنافق خير من نيته، وكل يعمل على نيته، فإذا عمل المؤمن عملًا نار في قلبه نور “. رواه الطبراني في “المعجم الكبير” (6/185), ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في “حلية الأولياء” (3/255) وقال: غريب، لم نكتبه إلا من هذا الوجه.
يقول الشيخ الألباني في “السلسلة الضعيفة” (رقم/2216):
” هذا سند ضعيف، يحيى بن قيس الكندي أورده ابن أبي حاتم (4/2/182) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال الحافظ في ” التقريب “: ” مستور “. وحاتم بن عباد لم أجد له ترجمة. وأخرجه الخطيب في “التاريخ” ( 9/237 ) من طريق سليمان النخعي عن أبي حازم به دون قوله: ” فإذا عمل”. وسليمان النخعي; هو ابن عمرو، وكان من أكذب الناس كما قال أحمد “. انتهى. وضعفه العراقي في “تخريج الإحياء” (5/91).
الحديث الثاني:
عن النواس بن سمعان – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” نية المؤمن خير من عمله، ونية الفاجر شر من عمله “. رواه القضاعي في “مسند الشهاب” (1/119) قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث الأصبهاني، أبنا ذو النون بن محمد الصائغ، ثنا أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، ثنا محمد بن حمران القشيري، ثنا عثمان بن عمر الضبي، ثنا عثمان بن عبد الله الشامي، ثنا بقية، عن بحير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن النواس بن سمعان الكلابي به.
* قال الشيخ الألباني في “السلسلة الضعيفة” (رقم/2789):
” هذا موضوع، الشامي هذا كان يضع الحديث, والنصيبي لم أعرفه .ثم رواه القضاعي من طريق يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس دون الشطر الثاني منه .
قلت: ويوسف بن عطية متروك ” انتهى .
وضعفه العراقي في “تخريج الإحياء” (5/91).
الحديث الثالث:
عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” نية المؤمن أبلغ من عمله “.
جاء عن أنس من طريقين اثنين:
الأول: رواه البيهقي في “شعب الإيمان” (14/388) – ويبدو أن في إسناده سقطًا – قال: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، عن ثابت، عن أنس به.
قال البيهقي عقبه: هذا إسناد ضعيف.
الثاني: ورواه القضاعي في “مسند الشهاب” والحافظ السلفي في “الطيوريات” (رقم/665) من طريق يوسف بن عطية الصفار، عن ثابت عن أنس.
ويوسف بن عطية متروك.
الحديث الرابع:
عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” نية المؤمن خير من عمله، ونية الفاجر شر من عمله “. رواه ابن عبد البر في “التمهيد” (12/265) قال: حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أبو طالب العباس بن أحمد بن سعيد بن مقاتل بن صالح مولى عبد الله بن جعفر، قال حدثنا موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد، قال حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، علي بن حسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب به.
الحديث الخامس:
عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” نية المؤمن خير من عمله “. رواه الربيع بن حبيب في مسنده (حديث رقم/1) قال: حدثني أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، عن جابر بن زيد الأزدي، عن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – به.
* قال الشيخ الألباني- رحمه الله -:
” وهذا إسناد ضعيف بمرة؛ مسلم هذا مجهول كما قال أبو حاتم والذهبي, والربيع بن حبيب – وهو الفراهيدي البصري – إباضي مجهول ليس له ذكر في كتب أئمتنا، ومسنده هذا هو ” صحيح الإباضية “! وهو مليء بالأحاديث الواهية والمنكرة ” انتهى. “السلسلة الضعيفة” (رقم/2789).
الحديث السادس:
عن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” نية المؤمن خير من عمله، وإن الله عز وجل ليعطي العبد على نيته ما لا يعطيه على عمله، وذلك أن النية لا رياء فيها، والعمل يخالطه الرياء “.
* قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:
” موضوع. أخرجه الديلمي في “مسند الفردوس ” (3/103 – الغرائب الملتقطة) من طريق شعيب بن إدريس, عن علي بن أحمد عن أحمد بن عبد الله الهروي, عن أبي هريرة منصور بن يعقوب, عن سعيد, عن قتادة, عن أبي بردة عن أبي موسى … رفعه.
* قلت – أي الشيخ الألباني – رحمه الله -:
وهذا موضوع؛ آفته أحمد بن عبد الله الهروي، فإني أظنه الجويباري الكذاب المشهور؛ فإنه من أهل هراة، ومن هذه الطبقة. قال ابن حبان في “الضعفاء” (1/142): ” دجال من الدجاجلة، كذاب، يروي عن ابن عيينة ووكيع وأبي ضمرة وغيرهم من ثقات أصحاب الحديث ويضع عليهم ما لم يحدثوا, ولولا أن أحداث أصحاب الرأي بهذه الناحية خفي عليهم شأنه؛ لم أذكره في هذا الكتاب لشهرته عند أصحاب الحديث قاطبة بالوضع “. ومن دونه لم أعرفهما ” انتهى.
“السلسلة الضعيفة” (رقم/6045).
الخلاصة:
أن غالب طرق الحديث شديدة الضعف، وأمثلها حديث سهل بن سعد، وحديث أنس بن مالك برواية البيهقي، وهذان الطريقان ضعفهما يسير؛ لذلك مال بعض أهل العلم إلى تحسين الحديث، منهم الإمام السخاوي فقال: ” روي من طرق فيها مقال، لكن يتأكد بعضها من بعض، ولا يبعد أن يرتقي بالنظر بمجموعها إلى الحسن ” انتهى. “الأجوبة المرضية” (1/345)، وقال الشيخ الزرقاني في “مختصر المقاصد” (1154): حسن لغيره.
ثانيًا:
والذي رأيناه عند عامة أهل العلم قبول معنى الحديث السابق – سواء صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أم لم يصح – وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -، فقد سئل عن هذا الحديث فقال:
” هذا الكلام قاله غير واحد؛ وبعضهم يذكره مرفوعًا، وبيانه من وجوه:
أحدها: أن النية المجردة من العمل يثاب عليها، والعمل المجرد عن النية لا يثاب عليه، فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة واتفاق الأئمة أن مَن عمل الأعمال الصالحة بغير إخلاص لله لم يقبل منه ذلك، وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة “.
الثاني: أنَّ مَن نوى الخير وعمل منه مقدوره وعجز عن إكماله كان له أجر عامل، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم قالوا: وهم بالمدينة قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر “، وقد صحح الترمذي حديث أبي كبشة الأنماري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر أربعة رجال: ” رجل آتاه الله مالًا وعلمًا فهو يعمل فيه بطاعة الله, ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا, فقال: لو أن لي مثل ما لفلان, لعملت فيه مثل ما يعمل فلان, قال: فهما في الأجر سواء, ورجل آتاه الله مالًا ولم يؤته علمًا فهو يعمل فيه بمعصية الله, ورجل لم يؤته الله مالًا ولا علمًا فقال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان, قال: فهما في الوزر سواء ” ، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من دعا إلى هدى, كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه, من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة, كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه, من غير أن ينقص من أوزارهم شيء “، وفي الصحيحين – هكذا عزاه شيخ الإسلام للصحيحين، وهو في البخاري فقط – عنه أنه قال: ” إذا مرض العبد أو سافر كُتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم ” ، وشواهد هذا كثيرة.
الثالث: أن القلب مَلِكُ البدن، والأعضاء جنوده، فإذا طاب المَلِك طابت جنوده، وإذا خبث المَلِك خبثت جنوده، والنية عمل المَلِك، بخلاف الأعمال الظاهرة ،فإنها عمل الجنود, الرابع: أن توبة العاجز عن المعصية تصح عند أهل السنة، كتوبة المجبوب عن الزنا، وكتوبة المقطوع اللسان عن القذف وغيره، وأصل التوبة عزم القلب، وهذا حاصل مع العجز.
الخامس: أن النية لا يدخلها فساد، بخلاف الأعمال الظاهرة، فإن النية أصلها حب الله ورسوله وإرادة وجهه، وهذا هو بنفسه محبوب لله ورسوله، مرضي لله ورسوله، والأعمال الظاهرة تدخلها آفات كثيرة، وما لم تسلم منها لم تكن مقبولة.
ولهذا كانت أعمال القلب المجردة أفضل من أعمال البدن المجردة، كما قال بعض السلف: قوة المؤمن في قلبه وضعفه في جسمه، وقوة المنافق في جسمه وضعفه في قلبه. وتفصيل هذا يطول. والله أعلم ” انتهى. “مجموع الفتاوى” (22/243 – 245) وللإمام أبو حامد الغزالي شرح طويل دقيق لهذا الحديث في كتابه “إحياء علوم الدين ” (4/366 – 368) يرجى مراجعته والإفادة منه.
والله أعلم.
* نقول أخرى في شرح الحديث:
– يقول أبو حامد الغزالي – رحمه الله -:
” بيان سر قوله صلى الله عليه وسلم: ” نية المؤمن خير من عمله ”
اعلم أنه قد يظن أن سبب هذا الترجيح أن النية سر لا يطلع عليه إلا الله تعالى، والعمل ظاهر، ولعمل السر فضل.
وهذا صحيح، ولكن ليس هو المراد؛ لأنه لو نوى أن يذكر الله بقلبه أو يتفكر في مصالح المسلمين فيقتضي عموم الحديث أن تكون نية التفكر خيرًا من التفكر.
وقد يظن أن سبب الترجيح أن النية تدوم إلى آخر العمل، والأعمال لا تدوم، وهو ضعيف؛ لأن ذلك يرجع معناه إلى أن العمل الكثير خير من القليل، بل ليس كذلك، فإن نية أعمال الصلاة قد لا تدوم إلا في لحظات معدودة ، والأعمال تدوم، والعموم يقتضى أن تكون نيته خيرا من عمله.
وقد يقال: إن معناه أن النية بمجردها خير من العمل بمجرده دون النية، وهو كذلك، ولكنه بعيد أن يكون هو المراد، إذ العمل بلا نية أو على الغفلة لا خير فيه أصلًا، والنية بمجردها خير، وظاهر الترجيح للمشتركين في أصل الخير.
بل المعنى أن كل طاعة تنتظم بنية وعمل وكانت النية من جملة الخيرات، وكان العمل من جملة الخيرات، ولكن النية من جملة الطاعة خير من العمل، أي لكل واحد منهما أثر في المقصود، وأثر النية أكثر من أثر العمل، فمعناه: نية المؤمن من جملة طاعته خير من عمله الذي هو من جملة طاعته.
والغرض أن للعبد اختيارًا في النية وفى العمل، فهما عملان, والنية من الجملة خيرهما, فهذا معناه.
وأما سبب كونها خيرًا، ومترجحة على العمل، فلا يفهمه إلا مَن فهم مقصد الدين وطريقه ومبلغ أثر الطريق في الاتصال إلى المقصد، وقاس بعض الآثار بالبعض، حتى يظهر له بعد ذلك الأرجح بالإضافة إلى المقصود.
فمن قال: ” الخبز خير من الفاكهة ” فإنما يعني به أنه خير بالإضافة إلى مقصود القوت والاغتذاء، ولا يفهم ذلك إلا مَن فهم أن للغذاء مقصدًا: وهو الصحة والبقاء، وأن الأغذية مختلفة الآثار فيها، وفهم أثر كل واحد، وقاس بعضها بالبعض.
فالطاعات غذاء للقلوب، والمقصود شفاؤها وبقاؤها وسلامتها في الآخرة وسعادتها وتنعمها بلقاء الله تعالى، فالمقصد لذة السعادة بلقاء الله فقط، ولن يتنعم بلقاء الله إلا مَن مات محبًا لله تعالى، عارفًا بالله، ولن يحبه إلا من عرفه، ولن يأنس بربه إلا من طال ذكره له، فالأنس يحصل بدوام الذكر، والمعرفة تحصل بدوام الفكر، والمحبة تتبع المعرفة بالضرورة، ولن يتفرغ القلب لدوام الذكر والفكر إلا إذا فرغ من شواغل الدنيا، ولن يتفرغ من شواغلها إلا إذا انقطع عنه شهواتها، حتى يصير مائلًا إلى الخير، مريدًا له، نافرًا عن الشر، مبغضًا له، وإنما يميل إلى الخيرات والطاعات إذا علم أن سعادته في الآخرة منوطة بها، كما يميل العاقل إلى الفصد والحجامة لعلمه بأن سلامته فيهما.
وإذا حصل أصل الميل بالمعرفة, فإنما يقوى بالعمل بمقتضى الميل والمواظبة عليه، فإن المواظبة على مقتضى صفات القلب, وإرادتها بالعمل تجرى مجرى الغذاء والقوت لتلك الصفة حتى تترشح الصفة وتقوى بسببها.
فالمائل إلى طلب العلم أو طلب الرياسة لا يكون ميله في الابتداء إلا ضعيفًا، فإن اتبع بمقتضى الميل واشتغل بالعلم وتربية الرياسة والأعمال المطلوبة لذلك تأكد ميله ورسخ، وعسر عليه النزوع، وإن خالف مقتضى ميله ضعف ميله وانكسر، وربما زال وانمحق، بل الذي ينظر إلى وجه حسن مثلًا فيميل إليه طبعًا لا ضعفًا لو تبعه وعمل بمقتضاه فداوم على النظر والمجالسة والمخالطة والمحاورة, تأكد ميله حتى يخرج أمره عن اختياره، فلا يقدر على النزوع عنه، ولو فطم نفسه ابتداء وخالف مقتضى ميله, لكان ذلك كقطع القوت والغذاء عن صفة الميل، ويكون ذلك زبرًا ودفعًا في وجهه حتى يضعف وينكسر بسببه، وينقمع وينمحي.
وهكذا جميع الصفات والخيرات والطاعات كلها هي التي تراد بها الآخرة، والشرور كلها هي التي تراد بها الدنيا لا الآخرة.
وميل النفس إلى الخيرات الأخروية وانصرافها عن الدنيوية هو الذي يفرغها للذكر والفكر، ولن يتأكد ذلك إلا بالمواظبة على أعمال الطاعة وترك المعاصي بالجوارح؛ لأن بين الجوارح وبين القلب علاقة، حتى إنه يتأثر كل واحد منهما بالآخر، فترى العضو إذا أصابته جراحة تألم بها القلب، وترى القلب إذا تألم بعلمه بموت عزيز من أعزته أو بهجوم أمر مخوف تأثرت به الأعضاء, وارتعدت الفرائص وتغير اللون، إلا أن القلب هو الأصل المتبوع، فكأنه الأمير والراعي، والجوارح كالخدم والرعايا والأتباع.
فالجوارح خادمة للقلب بتأكيد صفاتها فيه، فالقلب هو المقصود، والأعضاء آلات موصلة إلى المقصود؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن في الجسد مضغة, إذا صلحت صلح لها سائر الجسد “. متفق عليه من حديث النعمان بن بشير, وقال الله تعالى : ( لن ينال لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) وهي صفة القلب.
فمن هذا الوجه يجب لا محالة أن تكون أعمال القلب على الجملة أفضل من حركات الجوارح، ثم يجب أن تكون النية من جملتها أفضل؛ لأنها عبارة عن ميل القلب إلى الخير وإرادته له، وغرضنا من الأعمال بالجوارح أن يعود القلب إرادة الخير، ويؤكد فيه الميل إليه، ليفرغ من شهوات الدنيا، ويكب على الذكر والفكر، فبالضرورة يكون خيرًا بالإضافة إلى الغرض، لأنه متمكن من نفس المقصود، وهذا كما أن المعدة إذا تألمت فقد تداوى بأن يوضع الطلاء على الصدر، وتداوى بالشرب والدواء الواصل إلى المعدة، فالشرب خير من طلاء الصدر؛ لأن طلاء الصدر أيضًا إنما أريد به أن يسرى منه الأثر إلى المعدة، فما يلاقي عين المعدة فهو خير وأنفع.
فهكذا ينبغي أن تفهم تأثير الطاعات كلها، إذ المطلوب منها تغيير القلوب وتبديل صفاتها فقط دون الجوارح، فلا تظنن أن في وضع الجبهة على الأرض غرضًا من حيث إنه جمع بين الجبهة والأرض، بل من حيث إنه بحكم العادة يؤكد صفة التواضع في القلب، فإن من يجد في نفسه تواضعًا فإذا استكان بأعضائه وصورها بصورة التواضع تأكد تواضعه، ومن وجد في قلبه رقة على يتيم فإذا مسح رأسه وقبله تأكد الرقة في قلبه، ولهذا لم يكن العمل بغير نية مفيدًا أصلًا؛ لأن من يمسح رأس يتيم وهو غافل بقلبه أو ظان أنه يمسح ثوبًا لم ينتشر من أعضائه أثر إلى قلبه لتأكيد الرقة، وكذلك من يسجد غافلًا وهو مشغول الهم بأعراض الدنيا لم ينتشر من جبهته ووضعها على الأرض أثر إلى قلبه يتأكد به التواضع، فكان وجود ذلك كعدمه، وما ساوى وجوده عدمه بالإضافة إلى الغرض المطلوب منه يسمى باطلًا، فيقال: العبادة بغير نية باطلة. وهذا معناه إذا فعل عن غفلة, فإذا قصد به رياء أو تعظيم شخص آخر لم يكن وجوده كعدمه، بل زاده شرًّا، فإنه لم يؤكد الصفة المطلوبة تأكيدها حتى أكد الصفة المطلوب قمعها، وهي صفة الرياء التي هي من الميل إلى الدنيا. فهذا وجه كون النية خير من العمل” انتهى.
” إحياء علوم الدين ” (4/366 – 368) .
التمهيد ابن عبد البر م/24 ت مصطفى العلوي ومحمد البكري مؤسسة قرطبة – (ج 12 / ص 265) .
ومعنى هذا الحديث – والله أعلم – أن النية بغير عمل خير من العمل بلا نية؛ وتفسير ذلك أن العمل بلا نية لا يرفع ولا يصعد, فالنية بغير عمل خير من العمل بغير نية؛ لأن النية تنفع بلا عمل والعمل بلا نية لا منفعة فيه, ويحتمل أن يكون المعنى فيه نية المؤمن في الأعمال الصالحة أكثر مما يقوى عليه منه, ونية الفاجر في الأعمال السيئة أكثر مما يعمله منها, ولو أنه يعمل ما نوى في الشر أهلك الحرث والنسل ونحو هذا, والله أعلم.
ويدل هذا الحديث على أن المؤمن قد يقع منه عمل بغير نية, فيكون لغوًا, وهو مع ذلك مؤمن, ويدل أيضًا على أن المؤمن قد ينوي من الأعمال ما لا يعان عليه, وأن الفاجر قد ينوي من الأعمال ما يعصم منه, ولا يصل إليه وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يعارض ظاهره هذا الحديث, وليس بمعارض له إذا حمل على ما وصفنا, والله أعلم.
التمهيد ابن عبد البر م/24 ت مصطفى العلوي ومحمد البكري مؤسسة قرطبة – (ج 12 / ص 266).
لقاء الباب المفتوح ابن عثيمين 236 لقاءا – (ج 5 / ص 51) :
– معنى مقولة: ” نية المؤمن خير من عمله “.
السؤال:
فضيلة الشيخ عفا الله عنك، ما معنى قول بعض الناس: نية المؤمن خير من عمله؟.
الجواب:
معناه أن النية قد يدرك بها ما لا يدرك بالعمل، مثل: أن يكون رجلًا عاجزًا عن فعل الطاعة، فيتمنى أن يدرك هذه الطاعة فينويها، فهذه قد تكون خير من العمل، ولهذا جاء في الحديث: ” من لم يغز, ولم يحدث نفسه بالغزو, مات على شعبة من النفاق “، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منزلة الشهداء وإن مات على فراشه “.
السائل:
ماذا يستثنى منه؟ الجواب: يستثنى منه إذا كان الإنسان قادرًا على العمل ولكنه لم يعمل، فلا نقول: هذا الرجل نيته خير من عمله؛ لأنا لو قلنا هذا بقي الإنسان مستطيعاً للطاعة لا يفعل الطاعة ويقول: النية خير من العمل.
قواعد الأحكام في مصالح الأنام العز بن عبد السلام – (ج 1 / ص 344):
وأما قوله عليه السلام: ” نية المؤمن خير من عمله “، ففيه وجهان: أحدهما أن أجر النية المجردة عن العمل خير من العمل المجرد عن النية. الوجه الثاني: ما روي ” أنه عليه السلام وعد على حفر بئر بأجر فنوى عثمان رضي الله عنه أن يحفرها فسبقه إلى حفرها يهودي فقال صلى الله عليه وسلم: ” نية المؤمن خير من عمله “، أي نية عثمان خير من حفر اليهودي البئر، فإن عثمان يؤجر على نية الحفر وإن لم يحفر، ولا أجر لليهودي بحفره لإحباطه بيهوديته.
السنن الصغرى البيهقي – (ج 1 / ص 5( .
قواعد الأحكام في مصالح الأنام العز بن عبد السلام – (ج 1 / ص 345):
كسب العبد إنما يكون بقلبه ولسانه وبنانه، والنية واحدة من ثلاثة أقسام اكتسابه، ثم لقسم النية ترجيح على القسمين الآخرين؛ فإن النية تكون عبادة بانفرادها، والقول العاري عن النية والعمل الخالي عن العقيدة لا يكونان عبادة بأنفسهما، ولذلك قيل: ” نية المؤمن خير من عمله “؛ لأن القول والعمل يدخلهما الفساد والرياء، والنية لا يدخلها, وبالله التوفيق.
والله أعلم.


