تفصيل القول في حكم رسائل الجوال التي تُختم بعبارة ” انشر، تُؤجر “

السؤال

وصلتني رسالة في الجوال فيها دعوة لسماع برنامج في إذاعة القرآن، وكتبتْ صاحبة الرسالة في نهايتها: ” انشر، تؤجر “، وأنا بدوري أرسلت هذه الرسالة لزميلاتي؛ عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” من دعا إلى هدى …. الحديث “، فأنا أرجو الأجر والمثوبة لي ولغيري بسماع هذا البرنامج، ولكن إحدى الأخوات أنكرت عليَّ كتابة هذه العبارة ” انشر، تؤجر “، وأن فيها جزم بالأجر، فهل في هذه العبارة محذور شرعي، أم لا؟.

الجواب

الحمد لله

أولا:

ثمة فرق بين وعد الله تعالى ووعيده، فالوعد من الله بالأجور والثواب على القيام بالطاعات: لا يتخلف، والجزم به لا يخالف نصوص الشرع، وأما الوعيد على ترك الواجبات، وفعل المنكرات: فإن الله تعالى قد لا يُنفذه في حق عصاة المسلمين؛ تفضلا منه وتكرُّما، والفرق بينهما عظيم، وإخلاف الوعد مذمة لفاعله، وإخلاف الوعيد – مع القدرة على إنفاذه – ممدحة لصاحبه، والله تعالى منزَّه عن كل سوء، وله الحمد والفضل على عباده.

ومن هنا فإنه يجدر التنبيه على خطأ شائع في تعريف ” الواجب “، و” المحرَّم ” باعتبار مآل فاعلهما، وهو قولهم في ” الواجب “: ” ما يثاب فاعله ويأثم تاركه “، وكلاهما خطأ، والصواب:” ما يثاب فاعله امتثالاً، ويستحق العقوبة تاركه”.

وفي ” المحرَّم ” ” ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله “! وكلاهما خطأ، والصحيح أن يقال:” ما يثاب تاركه امتثالاً، ويستحق العقوبة فاعله “؛ وإنما قلنا في الأمرين ” يستحق “: لأنه لا يجوز الجزم بذلك؛ لاحتمال تفضل الله تعالى بالعفو عن تارك الواجب، وفاعل المحرَّم – ما لم يكن بهما كافراً كفراً أكبر -، وقد قال الله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) [ النساء / من الآية 48، ومن الآية 116 ]، فمرتكب ما دون الشرك تحت المشيئة، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له، ومثل هذا لا يقال في ” وعد الله ” للطائعين بالثواب والأجور؛ ولا يخلف الله ميعاده، ولا تبديل لكلماته، كما قال تعالى: ( رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) [ آل عمران / الآية 194 ] ، وقال: ( لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ ) [ الزمر / الآية 20 ].

وقال تعالى: ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ . لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) [ يونس / الآية 62 – 64 ].

وأما في السنَّة فالأمثلة كثيرة جدًّا، ومن أبينها الحديث الذي ذكرته الأخت السائلة، والذي فيه الجزم بالأجر لمن دعا إلى هدى، أو دلَّ غيره على خيرٍ يفعله، وهو حديث أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ” رواه مسلم ( 2674 ).

ثانيا:

ومن هنا نعلم خطأ من أنكر الجزم بالأجر على فعل الخير، وعمل الصالحات، والسؤال هنا: هل الرسائل التي انتشرت في زماننا هذا عن طريق الجوال، والتي تُختم بعبارة ” انشُر تُؤجَر ” داخلة فيما قلناه وقررناه؟ الجواب: إن هذا فيه تفصيل، ولعلَّه بالتفصيل يتبين وجه إنكار من أنكر على السائل وغيره استعمال هذه العبارة.

والتفصيل: هو اختلاف الحكم باعتبار طبيعة الرسالة، والذي وجدناه أنها تختلف اختلافا كبيرا بعضها عن بعض، وتحمل كل رسالة من المقاصد والحث على الأفعال والأقوال ما لا تحمله الأخرى، فوجدنا من يذكر حديثا ضعيفا أو موضوعا، ثم يطلب نشره، ويختم بعبارة ” انشر تؤجر ” ! ووجدنا من يحث على بدعة، ويختم رسالته بتلك العبارة، ووجدنا من يحذِّر من مسلم, أو يطعن في عرض، ويختم بتلك العبارة، ووجدنا من يدعو للتصويت لصالح النبي صلى الله عليه وسلم، وختم بتلك العبارة، وتبين أنها عملية احتيال لصالح شركة في بلاد الكفر!، ورأينا من يدعو للتبرع في حساب شخصية معروفة في عمل الخير، ويختم بتلك العبارة، وتبيَّن أن الحساب لا يرجع لتلك الشخصية، وأمثال هذه الرسائل كثيرة، وكلها لا يشك عاقل أنه لا يحل إرسالها، فضلاً عن أنه يؤجر أو يوعِد غيره بالأجر، وهذا إن سلِم من الإثم فإنه لن يؤجر على إرسالها، ولا على الحث على تعميمها قطعاً، وقد يكتب الله له أجر حسن نيته إن كان لا يعلم ما تحتويه من مخالفة، أما على ذات العمل: فإنه لا يؤجر، ومن أنكر هذه العبارة لتلك الاعتبارات: فهو مصيب قطعا.

وأما من نشر حديثًا صحيحا، أو حث على عبادة مشروعة – كصيام عرفة وعاشوراء -، أو أمر بطاعة، أو حذَّر من معصية: فإن مرسل مثل هذه الرسائل مأجور قطعا، إن خلصت نيته لربه تعالى، وله أن يختم رسالته بقول ” انشر تؤجر “؛ لأن ما يأمر بنشره هو من دين الله تعالى الثابت، والأجر ليس منه، إنما هو من ربه تعالى الذي وعد فاعل تلك العبادات والطاعات بالأجر، وبهذا الاعتبار لا يجوز الإنكار على من حثَّ على نشر مثل هذا الخير خاتما رسالته بتلك العبارة.

وقد أجرت ” مجلة الدعوة السعودية ” تحقيقاً علميًّا حول رسائل ” انشر تؤجر “، ومما جاء في ذلك التحقيق:

” من جانبه يؤكد الشيخ ” وليد بن عبد الرحمن المهوس “، من منسوبي ” هيئة التحقيق والادعاء العام ” أن ما يقع فيه بعض مستخدمي رسائل الهاتف الجوال هو تساهلهم في إرسال الرسائل التي تحمل عبارات وعظية، أو شرعية، أو انتقاد لشخص، أو جهة ما، دون تثبت من صحتها، وهذا تفريط كبير يلحق صاحبه، ويسبب البلبلة في المجتمع دون وجه حق، خاصة وأنه يختم رسالته بعبارة ” انشر تؤجر “.

ويشدد الشيخ المهوس على ضرورة الالتزام بالضوابط في إرسال الرسائل، ويذكر من أبرزها:

  1. لا بد من التأكد من صحة ما يُنشر، بعضها يكون حديثا، أو أثرا ضعيفا، أو موضوعا، وإذا نشر هذا الحديث الضعيف، أو الموضوع: فقد يُخشى أن يدخل في حديث:” من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار “, أخرجه البخاري ومسلم.
  2. أنه قد ينشر بدعة وهو لا يدري، والبدع تهدم الدين، وهذا خطير جدًّا.
  3. أنه قد يعمل بهذا الحديث أو الأثر، ويترك ما يعارضه وهو صحيح، فيكون قد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فيترك الصحيح للعمل بالضعيف.
  4. أن هذا المرسل كالإمعة والببغاء يردد ما يأتيه بدون وعي، ولا عقل، فهذا يقدح في عقل المسلم العاقل المدرك؛ فإنه لا يقول شيئاً إلا بعد تمحيص وروَّية.
  5. أن المطلوب من المسلم نشر الخير بعد ما يعلم به، وأما الذي يرسل بلا عِلم: فقد يرسل الشرَّ.
  6. أن هذا المرسل قد يظن أنه يزيد حسناته بذلك، وهو بالعكس فقد يزيد من سيئاته؛ لأنه نشر شيئاً بلا علم، ومعرفة.
  7. لعل الكلمة والعبارة الصحيحة هي أن تقول:” إن كنت لا تعلم أن تسأل عن صحة هذه العبارة، وهذا الحديث، وهذا العمل، وهذا الذِّكر … إلخ “، فإن عرفت: فالحمد لله، وإن لم تعلم: فأرسل ما يلي:” تأكد من صحة هذا، ثم انشر، تؤجر “.
  8. إن بعض الأعمال والأفكار قد تكون صحيحة، ولكن قد لا يناسب المرسل إليه، أو يفهمه فهماً خاطئاً، وهذا من المحاذير “. انتهى.

” مجلة الدعوة “، العدد ( 2043 ) ، 20 ربيع الأول 1427هـ.

وبذلك التفصيل، وبتلك الضوابط: يتبين حكم الرسائل التي تُختم بعبارة ” انشر تُؤجر “، وأنها ليست سواءً، ونسأل الله أن يبصرنا بديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين.

 

والله أعلم.

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة