مترددة في لبس غطاء الوجه وتحتاج من يشجعها على فعل ذلك
السؤال
أنا لطالما بعثت إليك بخصوص الحجاب، ومصارعتي مع الشيطان من أجل أن أرتديه، ولكنك كنت تجيب على سؤالي بأن سبق وتم الاجابة على سؤال مشابه لسؤالك، طبعًا يا شيخنا الفاضل أنت مشكور كل الشكر، وجزاك الله على ذلك خيرًا، وأعانك، ولكنني أريد جواباً شافياً لمشكلتي، وقناعاتي.
أنا منذ سنتين أريد أن أرتدي الحجاب، ولكنني لم أستطع اتخاذ هذه الخطوة، وأنا والحمد لله من عائلة ملتزمة، ولكن المشكلة أن لبس الخمار عندنا ليس منتشرًا كما عندكم، وليس الجميع يتقبل هذا الشيء، فلا بد من معين لذلك بعد الله.
والمشكلة الثانية – وربما أنها ليست مشكلة في نظرك، ولكن أريد أن أتخلص من هذه الوساوس – والمشكلة أني قصيرة القامة، وأنا – والله شهيد على ما أقول – أريد أن أعمل ما يرضي الله، وأرتاح من هذا الصراع المؤلم الذي لا يشعر أحد به إلا الله، فأريد أن تكون معيني بعد الله، وترشدني على طريق الهداية، وهل لي أن أنال رضا الله من دون ارتداء الحجاب؟.
أرجوك يا شيخنا الفاضل أن تجيبني، وجزاك الله كل خير، وأطال في عمرك لخدمة الإسلام والمسلمين.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
مما يميز المسلم المستقيم على طاعة الله أنه لا يتردد في تنفيذ أوامر ربه تعالى، ولا يتلكأ، بل يبادر إليه، ويُري ربَّه أنه قد حقَّق الإيمان الذي أمره به، وأنه يتشرف بكونه من المستسلمين لأمره عز وجلَّ ودينه، ولو خالف ذلك عاداتٍ اعتادها، أو هوى في نفسه يحثه على مخالفة أمر ربه، وقد ضرب الصحابة في ذلك أروع الأمثلة، ومن ذلك:
- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الْفَضِيخُ – الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ – فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي، فَقَالَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ، فَخَرَجْتُ, فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قَالَ: فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَاهْرِقْهَا، فَهَرَقْتُهَا. رواه البخاري ( 2332 ) ومسلم ( 1980 ).
ولم تكن المسارعة في الاستجابة لأمر الله تعالى خاصة بالرجال من الصحابة وحدهم، بل قد شاركهم النساء في ذلك، ومن أمثلته مما له تعلق بالسؤال:
- عَنْ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ): شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا. رواه البخاري ( 4480 ).
* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
قوله: ” مروطهن “: جمع مرط، وهو الإزار، وفي الرواية الثانية: ” أزرهن “، وزاد: ” شققنها من قبل الحواشي “، قوله: ” فاختمرن ” أي: غطين وجوههن.
” فتح الباري ” ( 8 / 490 ).
واعلمي أيتها الأخت السائلة أن الاستجابة لأوامر الله تعالى ليست كمالًا يتحلى به المسلم، وليس فضيلة يتكسب بها الأجر، بل إنها واجبة، لا اختيار للمسلم فيها، وليس له أن يعلقها على قناعته بالأمر، ولا اقتناعه بحكمته، بل عليه المبادرة في الاستجابة، وإن تخلف عنها كان من العاصين الآثمين، قال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا ) [ الأحزاب / الآية 36 ].
* قال ابن حزم – رحمه الله -:
وانبلج الحكم بهذه الآية ولم يبق للشك مجال؛ لان الندب تخيير، وقد صح أن كل أمر لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فلا اختيار فيه لأحدٍ، وإذا بطل الاختيار: فقد لزم الوجوب ضرورة؛ لأن الاختيار إنما هو في الندب والإباحة للذين لنا فيهما الخيرة، إن شئنا فعلنا، وإن شئنا لم نفعل، فأبطل الله عز وجل الاختيار في كل أمر يرد من عند نبيه صلى الله عليه وسلم، وثبت بذلك الوجوب، والفرض في جميع أوامرهما، ثم لم يدعنا تعالى في شك من القسم الثالث، وهو الترك، فقال تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا ).
قال علي – وهو ابن حزم نفسه -: وليس يقابل الأمر الوارد إلا بأحد ثلاثة أوجه، لا رابع لها، نعلم ذلك بضرورة الطبيعة، وببديهة العقل: إما الوجوب، وهو قولنا، وإما الندب والتخيير في فعل أو ترك، وقد أبطل الله عز وجل هذا الوجه في قوله تعالى: ( أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ )، وأما الترك – وهو المعصية -: فأخبر تعالى أن من فعل ذلك: ( فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا ). ” الإحكام في أصول الأحكام ” (3/275 ).
ثانيًا:
واعلمي أيتها الأخت السائلة أن للشيطان طرقًا كثيرة في الضلالة، والصد عن دين الله تعالى، وعن الالتزام بأحكامه، وشرائعه، ويجب عليك التفطن لهذه الطرق، وقطعها عليه، فقولك إن الخمار ليس منتشرًا عندكم، وإنه ليس الجميع يتقبله: ليس بأعذارٍ مقبولة، ويمكنك قطع تلك الطرق على الشيطان بأن تبادري لأن تكوني سببًا لانتشار غطاء الوجه، ولتحوزي شرف المبادرة، ولتحصلي أجور من يأتي بعدك ويفعل فعلك، فبدلًا من أن يكون ما ذكرتِ عائقًا أمامك عن تنفيذ أمر الله تعالى، فليكن سببًا لتنفيذه، والمبادرة بفعله.
واعلمي أنه قد يوجد في بيئتك ممن حولك من أخواتك من ينتظر مثل هذا الأمر من مثلك، لتبادر هي الأخرى بفعل الأمر نفسه، وقد يكون ثمة ثالثة، ورابعة، وأكثر، فلتكن منك البداية، وبفعلك يكون التشجيع لغيرك على إظهار ذلك الستر المأمور به.
ثم أيتها الأخت السائلة: لماذا تجهر النساء حولك بلبس القصير والضيق والشفاف وغيرها من الألبسة المحرمة، ولا تجد حرجًا من ذلك، مع كونه محرَّمًا، وأنتِ لا تلبسين ما يأمرك به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا تجرؤ النساء العاصيات على المجاهرة بمعاصيهن، وأنتِ وأمثالك تخجلون من إظهار شعائر دينكم، وأنتم أولى بأن يكون لكم المجاهرة بالطاعة من أولئك بمعصيتهن.
فبادري بتنفيذ الأمر، واحرصي على الخير لنفسك، واعلمي أنه لن ينفعك أحد ممن تحرصين على رضاهم الآن عندما تلقين ربك بأعمالك، ولا تتذرعي بحجج واهية لترك ما يأمرك الله تعالى به، وليس قصر قامتك بعذر لك أيضًا لتتركي غطاء الوجه، فكشفك لوجهك لن يزيد من طول قامتك، وإياك أن تجعلي ثغرة في نفسك ليلج منها الشيطان, فيقنعك بمثل هذه الأعذار الواهية، وها هنَّ النساء المستقيمات على أمر الله تعالى في العالَم كله يلتزمن النقاب، والخمار، ولا يلتفتن لأمر طولهن، أو قِصَرهن، أو بدانتهن.
واستعيني بالله تعالى ربك على تثبيتك على الحق، وإعانته لك على فعل الطاعات، وترك المنكرات، فهو نعم المولى، ونعم النصير.
ونرجو منك التأمل فيما جمعناه من أحكام الحجاب وصفاته، ومسائل، وفوائد متنوعة حوله، وذلك تحت هذا الرابط:
http://www.islamqa.com/ar/cat/2016
والله أعلم.


