حكم التجنس بالجنسية الأمريكية وما يلزم منه من القسم على الولاء لها!.
السؤال
هل يجوز لنا أداء قسم الوطنية، أو المواطنة، كمسلمين في ” الولايات المتحدة الأمريكية “، نحن نؤمن أن الحاكمية لله، وأن الولاء له وحده، ولكن من خلال هذا القسم أخشى أن ينتقض شيء من ذلك، أو أن هذا القسم ناقض من نواقض التوحيد، فما رأيكم؟ وهل هناك مثَل من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، أو من حياة الصحابة يتعلق بمثل هذا الموضوع؟.
وإليكم نص القسم: ” أقسم أنني سأتخلى عن أي ولاء لأي ملك، أو أمير، أو دولة، أو نظام، كنت في ظله، وأكرس ولائي، وتأييدي لقانون الولايات المتحدة، وأن أسعى للدفاع عن دستورها، وأن أحميها من أي عدو، أو دخيل أجنبي، وأن أقاتل في صفها عندما يتطلب الأمر ذلك … الخ “.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
التجنس بجنسية الدول غير الإسلامية لا يجوز إلا لضرورة، وهذه الضرورة تتعلق بحفظ النفس، أو الدِّين، ولا تعلق لها بالمال، أو العمل، فإذا تعذَّر على المسلم الحصول على جنسية بلد مسلم: فيجوز له التجنس بجنسية بلد غير مسلم، على أن يتخلص منها وقت زوال هذه الضرورة.
ثانيًا:
ومن أجل الحصول على الجنسية لتلك البلاد غير الإسلامية لا يجوز أن يَعقبها إقامة في تلك البلاد مع إمكانية الإقامة في بلد مسلم، يستطيع حفظ نفسه، وذريته، ودينه فيه.
قد ذكرنا في أجوبة كثيرة مسألة الإقامة في بلاد الكفر، والمفاسد المترتبة على ذلك، والشروط الواجب توفرها في المقيم إن أقام لعذر شرعي يبيح له تلك الإقامة.
ثالثًا:
كما لا يجوز أن يسبق التجنس بتلك الجنسية قسَم على احترام دستور تلك البلاد، أو قوانينها، أو المحاربة في صفها، أو الدفاع عنها؛ لأن قوانينها تبنى على الضلال، والانحراف عن الفطرة، والفساد في الدين، والبدن، والعقل، كما أنها قد تشن حروبًا على بلاد الإسلام – كما هو واقع كثير منها – فكيف يجيز المسلم لنفسه القسَم على المقاتلة في صفها؟ وكيف يجيز لنفسه الدفاع عنها وقتل إخوانه المسلمين الذابين عن ديارهم، وأعراضهم؟!.
رابعًا:
وأما من بلغت به الضرورة غايتها، ولم يستطع الإقامة في بلد من بلاد المسلمين، وصار لازمًا حصوله على جنسية بلد كفرٍ: فإنه يكون في حكم المُكرَه، فله الحصول على الجنسية، مع محاولة التخلص من القسم، ولو بمالٍ يبذله لأحدٍ يخلصه منه، فإن عجز: فيحرك شفتيه موهماً أنه يقسم، فإن لم يستطع جاز له القسم، مع اطمئنان قلبه بالإيمان بالله، والبغض للكفر وأهله.
* قال الإمام ابن القيم – رحمه الله -:
ولا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الإذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض، إلا المكره إذا اطمأن قلبه بالإيمان. ” إعلام الموقعين ” ( 3 / 178 ).
وهذه الضرورة للقسم لا تبيح له المشاركة في محاربة تلك الدولة للإسلام والمسلمين، ولا الدفاع عنها حال كونها ظالمة معتدية.
* قال ابن حزم – رحمه الله -:
وأما من فرَّ إلى أرض الحرب لظلم خافه ولم يحارب المسلمين ولا أعانهم عليهم ولم يجد في المسلمين من يجيره: فهذا لا شيء عليه؛ لأنه مضطر مكره، وقد ذكرنا أن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب كان عازماً على أنه إن مات هشام بن عبد الملك لحق بأرض الروم؛ لأن الوليد بن يزيد كان نذر دمه إن قدر عليه وهو كان الوالي بعد هشام، فمن كان هكذا: فهو معذور، وكذلك من سكن بأرض الهند والسند والصين والترك والسودان والروم من المسلمين، فإن كان لا يقدر على الخروج من هنالك لثقل ظهر أو لقلة مال أو لضعف جسم أو لامتناع طريق: فهو معذور.
فإن كان هنالك محاربًا للمسلمين، معينًا للكفار بخدمة أو كتابة: فهو كافر، وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها وهو كالذمي لهم وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم: فما يبعد عن الكفر، وما نرى له عذرًا، ونسأل الله العافية. ” المحلى ” ( 11 / 200 ).
ومن اضطر للحصول على الجنسية أو الإقامة لإغلاق الدول الإسلامية الأبواب في وجهه: فإنه يكون في حكم المكرَه، فيجوز له القسم والتعهد, بشرط عدم تمكنه من التخلص منهما ولو بدفع مال, أو باستعمال المعاريض.
فإن تحتم عليه القسم والتعهد: جاز له فعلهما، بشرط أن يبغضهما في قلبها، وأن يعقد العزم على عدم الالتزام بما أقسم عليه وتعهد به، وبشرط أن لا يبقى في تلك الديار إن تيسر له الخروج منها؛ خشية أن يُلزم بتنفيذ ما أقسم عليه، وبخاصة أنه إن تحصَّل على الجنسية: سهل له الإقامة والعمل في ديار المسلمين.
والله أعلم.


