تريد أمها مغادرة فرنسا لبلادها الإسلامية, فهل تعين أمها على ذلك وهي التي ترعاها؟.
السؤال
تعرضت أمي لسكتة دماغية ( حادث الأوعية الدماغية ) بفرنسا، وشُلَّت، ولا تستطيع الاعتماد على نفسها، وعندما خرجت من المستشفى توليتُ رعايتها لمدة عام، وقد عادت لديها القدرة على الكلام وتناول الطعام، وأصبحت قادرة على تحريك أعضائها العلوية جزئيًّا، وفي غضون ذلك عانيت من الإحباط، ولم يعد بمقدوري تحمل المزيد، مع ملاحظة أني أعيش بمفردي مع طفليَّ، وأعاني من مشاكل صحية، ولهذا فقد طلبت من أختي مساعدتي – وهي تعيش بفرنسا أيضا – لكنها لم ترغب فى ذلك – قالت إنها تعمل – وقد قررتُ أن أعيدها لمنزلها بالوطن – الجزائر – حيث سيكون حولها زوجها وأبناؤها الآخرون – 5 منهم – وهي تريد اليوم أن تعود إلى فرنسا، وتكمن المشكلة في أن عملي – جليسة طفل بالمنزل – لا يسمح لي بأن أعتني بأمي المريضة، مع الأخذ في الاعتبار أن كلًّا من أبنائها الآخرين لا يرغب في الاعتناء بها، وأني إذا أخذتها إلى منزلي: فلن يكون لديَّ أي دخل، وأود أن أعرف ماذا أفعل، وأنا أشعر بتأنيب ضمير شديد عندما أفكر أني سأتعرض للعقاب جراء إعادة أمي لموطنها، وأخشى من غضبها، ومن عقاب الله، فهل بوسعكم – رجاء – إعطائي إجابة واضحة، وحكيمة، في هذا الشأن، ونأمل أن تتمكنوا من الإجابة على أسئلتنا بسرعة بالغة؛ لأن الأمر عاجل، وشكراً جزيلاً، وبارك الله فيكم.
الجواب
الحمد لله
أولا:
قد أحسنتِ غاية الإحسان في توليك ورعاية والدتك، والاعتناء بها، وهو أمر قد قصَّر فيه كثيرون، خاصة من يعيش منهم في بلاد الكفر القائمة على المادة، وعلى الحياة المجردة من المعاني السامية في العلاقة بين أفراد الأسرة، وبالذات مع الوالدين.
ولكننا في الوقت نفسه نعجب منك – ومثلك كثير – عندما يصيبهم الضجر من الاستمرار في العناية بوالديهم، وبخاصة في وقت حاجتهم لأولادهم، كمثل سن الكبَر، أو حين المرض، فنجد كثيرا من الأولاد – ذكورا وإناثا – يتخلون عن والديهم المحتاجين للعناية، والرعاية، والخدمة، والعلاج، ويبدأ التخلي عن البر، والرحمة، ويبدأ العقوق، والضجر، وكل هؤلاء نسوا أو تناسوا ماذا كان يفعل آباؤهم وأمهاتهم معهم وهم صغار، يحتاجون من يعتني بهم، ولهذا جاءت الوصية من الله تعالى للأولاد بالعناية بوالديهم عموماً، ووقت الحاجة خصوصاً، مع تذكيرهم بما فعله الوالدان في صغرهم.
قال تعالى: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) [ الإسراء / الآية 23 – 24 ].
قال الشيخ أبو بكر الجزائري – حفظه الله –:
أي: أن يبلغ سن الكبر عندك واحد منهما: الأب، أو الأم، أو يكبران معاً وأنت حي موجود بينهما، في هذه الحال يجب أن تخدمهما خدمتهما لك وأنت طفل، فتغسل بولهما، وتطهر نجاستهما، وتقدم لهما ما يحتاجان إليه، ولا تتضجر، أو تتأفف من خدمتهما، كما كانا هما يفعلان ذلك معك وأنت طفل، تبول، وتخرأ، وهما يغسلان، وينظفان، ولا يتضجران، أو يتأففان.
وقوله: ( ولا تنهرهما ) أي: لا تزجرهما بالكلمة العالية، النابية.
( وقل لهما قولا كريما ) أي: جميلا، سهلا، ليِّنا، يشعران معه بالكرامة، والإكرام لهما.
وقوله تعالى: ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) أي: ألن لهما، وتعطف عليهما وترحم، وادع لهما طوال حياتك بالمغفرة والرحمة، إن كانا موحدين، وماتا على ذلك. ” أيسر التفاسير ” ( 3 / 187 ، 188 ).
فالذي نوصيك به أنت وأشقائك وشقيقاتك أن تولوا والدتكم الاهتمام، والعناية، وهو أمر حتم عليكم جميعا، لا مناص لكم منه، واحذروا من عقوبة الله تعالى لكم، أن يجعل من ذريتكم من يعاملكم كما تتعاملون مع والدتكم.
ثانيا:
وأما بخصوص ما ننصحكم به: فهو أن تعجلوا بإرجاع والدتكم إلى بلدكم، وليس ثمة داع لبقائها في تلك الديار، وهي قد انتهت من العلاج، كما أنك أنتِ وأختك لا يحل لكما البقاء في تلك البلاد، وما تفعلينه أنتِ هناك من خدمة الأسر الكافرة يمكن أن تجدي مثله في بلادك إن رجعت إليها، واجعلي خروجك من الديار خالصاً لوجه الله، لعلَّ الله أن يرزقك رزقاً حسناً، ويكفي أنك تتخلصين من تلك الديار.
وقد ذكرنا في أجوبة كثيرة مسألة الإقامة في بلاد الكفر، والمفاسد المترتبة على ذلك، والشروط الواجب توفرها في المقيم إن أقام لعذر شرعي يبيح له تلك الإقامة.
فأرجعي والدتك لبلادها، وأنتم جهزوا أنفسكم للذهاب معها، ونسأل الله تعالى أن يشفي والدتك، وأن يلبسها لباس العافية، وأن يجمع شمل الأسرة في بلاد الإسلام.
والله أعلم.


