هل تقبل توبة الداعي إلى البدع؟ وماذا بخصوص آثار بدعته ومن أضلهم ببدعته؟
السؤال
داعية إلى البدع والشرك قد تاب، لكن بقيت بعض آثار فساده موجودة حتى الآن كالكتب والشرائط, فما حكم توبته؟ وهل تُقبل توبته أم لا بد من شروط لصحة توبته؟.
الجواب
الحمد لله
أولا:
من المعلوم أنه ثمة فرق عظيم بين الواقع في المعصية والواقع في البدعة، فإن الأول يعلم من نفسه مخالفته للشرع، ويعلم أنه على غير هدى، ولا يتقرب إلى الله بما يفعل، بخلاف المبتدع فإنه يعتقد أنه على هدى، ويتقرب إلى الله بما يعتقد ويفعل، يرجو الثواب منه تعالى ويخاف العقاب إن هو خالف ما هو عليه، ومن هنا قال مَن قال مِن السلف ” إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية فإن المعصية يُتاب منها والبدعة لا يُتاب منها “، وهو معنى قول بعض السلف ” إن الله احتجر على صاحب البدعة التوبة ” وأن المراد من ذلك كله : أن المبتدع يعتقد أنه صاحب هدى فمِن أي شيء يتوب؟! ومن هنا أيضا اختلف العلماء في قبول توبة المبتدع لا من حيث كونه يتوب بينه وبين الله، بل إن خلافهم في قبول توبته الحُكمي في الدنيا، وعامَّة العلماء – والخلاف فيها شاذ لا يعوَّل عليه – على قبول توبة المبتدع فيما بينه وبين ربِّه إن كان صادقا فيها، وجمهورهم على قبول توبته حكما في الدنيا، ووجود واقعها الحقيقي من كثير ممن وقع فيها يقوِّي قول الجمهور ويؤكده.
والقاعدة المستمرة المستقرة في الشرع المطهر أن الله تعالى يقبل التوبة مِن عباده جميعاً مَن وقع منهم في الشرك أو البدعة إذا هو حقق شروط التوبة الشرعية، وأما مِن حيث الواقع: فإنه مما لا شك فيه أنه قد تاب خلائق كثيرة مما وقعوا فيه مِن البدعة المكفرة وغير المكفرة، ابتداء من الخوارج الذين ناظرهم ابن عباس رضي الله عنه إلى زماننا هذا الذي رأينا فيه من تبرأ من بدعته وصار على اعتقاد أهل السنَّة والجماعة، وعليه: فلا ينبغي التردد في القول بقبول توبة داعي الشرك وداعي البدعة، ورحمة الله تعالى أوسع من ذنوبهم، وقد روي عن علي بن أبي طالب قوله ” ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر/ 53 “، وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال عنها إنها أرجى آية في القرآن، وروي عن عبد الله بن عباس أنه قال ” أرجى آية في القرآن قوله تعالى ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ) الرعد/ 6 “.
وقد نصَّ الله تعالى في كتابه الكريم على قبول توبة المشرك وأنه تعالى يبدِّل سيئاته حسنات فقال تعالى: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً . إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً . وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً ) الفرقان/ 68 – 71 ، فإذا كان هذا هو حال توبة المشرك بالله تعالى وأنها تُقبل وتبدَّل حسنات فأولى بالقبول من وقع في البدعة وتاب منها ولو كان داعية لها، ولو خرج بها من دائرة الإسلام.
قال ابن عساكر – رحمه الله -:
فإن قيل: كيف يبرأ من البدعة مَن كان رأساً فيها؟ وهل يُثبت لله الصفات من كان دهره ينفيها؟ وهل رأيتم بدعيًّا رجع عن اعتقاد البدعة أو حُكم لمن أظهر الرجوع منها بصحة الرجعة؟ وقد قيل: إن توبة البدعي غير مقبولة وفيئته إلى الحق بعد الضلال ليست بمأمولة، وهب أنا قلنا بقبول توبته إذا أظهرها أفما ينقص ذلك من رتبته عند مَن خبرها؟ قلنا: هذا قول عري عن البرهان، وقائله بعيد من التحقيق عند الامتحان، بل التوبة مقبولة مِن كل مَن تاب، والعفو من الله مأمول عن كل مَن أناب، والأحاديث التي رويت في ذلك غير قوية عند أرباب النقل، والقول بذلك مستحيل أيضاً من طريق العقل؛ فإن البدعة لا تكون أعظم من الشرك، ومَن ادَّعى ذلك فهو مِن أهل الإفك، ومع ذلك فيُقبل إسلام الكتابي والمرتد والكافر الأصلي فكيف يستحيل عندكم قبول توبة المبتدع الملِّي؟! وقد قال الله عز وجل ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) والبدعة إذا كشفتَ عن حقيقتها وجدتَها دون الشرك مما هناك، فإذا كان يقبل الرجوع عن الشرك الذي لا يغفره فكيف لا تقبل توبة مبتدع لا يشرك به ولا يكفره؟! وأكثر العلماء من أهل التحقيق على القول بقبول توبة الزنديق مع ما ينطوي عليه اعتقاده الرديء من الخبث وما يعتقده من جحود الصانع وإنكار البعث، والمبتدع لا يجحد الربوبية ولا ينكر العظمة الإلهية، وإنما يترك بعض ما يجب عليه أن يعتقده لشُبَهٍ وقعت له فنكب فيها رشده، وقد سمعنا بجماعة من الأئمة كانوا على أشياء رجعوا عنها وتركوها بعد ما سلكوها وتبرأوا منها فلم ينقصهم ما كانوا عليه من الابتداع لما أقلعوا عنه ورجعوا إلى الاتباع، وقد كانوا أكثر الصحابة الكرام يدينون بعبادة الأوثان والأصنام ثم صاروا بعد سادة أهل الإسلام وقادة المسلمين في الأمور العظام.
عن أبي ثور قال: لمَّا ورد الشافعي العراق جاءني حسين الكرابيسي وكان يختلف معي إلى أصحاب الرأي فقال: قد ورد رجلٌ مِن أصحاب الحديث يتفقه فقم بنا نسخر به! فقمتُ وذهبنا حتى دخلنا عليه فسأله الحسين عن مسألة فلم يزل الشافعي يقول: قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أظلم علينا البيت، وتركنا بدعتنا، واتبعناه.
” تبيين كذب المفتري فيما نُسب إلى أبي الحسن الأشعري ” ( ص 43 – 45 ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
وإذا كانت التوبة والاستغفار تكون مِن ترك الواجبات وتكون مما لم يكن علم أنه ذنب: تبيَّن كثرة ما يدخل في التوبة والاستغفار، فإن كثيراً من الناس إذا ذُكرت التوبة والاستغفار يستشعر قبائح قد فعلها فعلم بالعلم العام أنها قبيحة: كالفاحشة والظلم الظاهر، فأما ما قد يُتخذ ديناً فلا يَعلم أنه ذنب إلا مَن علم أنه باطل، كدين المشركين وأهل الكتاب المبدَّل، فإنه مما تجب التوبة والاستغفار منه وأهله يحسبون أنهم على هدى، وكذلك البدع كلها، ولهذا قال طائفة من السلف – منهم الثوري -: ” البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها “، وهذا معنى ما روي عن طائفة أنهم قالوا: ” إن الله حجرَ التوبة على كل صاحب بدعة ” بمعنى: أنه لا يتوب منها؛ لأنه يحسب أنه على هدى ولو تاب لتاب عليه كما يتوب على الكافر، ومن قال: إنه لا يقبل توبة مبتدع مطلقا: فقد غلط غلطا منكرا، ومن قال: ما أذن الله لصاحب بدعة في توبة: فمعناه ما دام مبتدعا يراها حسنة لا يتوب منها، فأما إذا أراه الله أنها قبيحة: فإنه يتوب منها كما يرى الكافر أنه على ضلال؛ وإلا فمعلوم أن كثيرا ممن كان على بدعة تبين له ضلالها وتاب الله عليه منها، وهؤلاء لا يحصيهم إلا الله، و ” الخوارج ” لما أُرسل إليهم ابنُ عباس فناظرهم: رجع منهم نصفهم أو نحوه وتابوا، وتاب منهم آخرون على يد عمر بن عبد العزيز وغيره، منهم من سمع العلم فتاب، وهذا كثير، فهذا القسم الذي لا يعلم فاعلوه قبحه قسم كثير من أهل القبلة وهو في غيرهم عام.
” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 684 ، 685 ).
وقال – رحمه الله -:
ومعنى قولهم ” إن البدعة لا يُتاب منها “: أن المبتدع الذي يَتخذ دينا لم يشرعه الله ولا رسوله قد زُين له سوء عمله فرآه حسنا فهو لا يتوب ما دام يراه حسنا لأن أول التوبة: العلم بأن فعله سيئ ليتوب منه، أو بأنه ترك حسنا مأمورا به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله، فما دام يرى فعله حسنا وهو سيئ في نفس الأمر: فإنه لا يتوب، ولكنَّ التوبة منه ممكنة وواقعة بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق كما هدى سبحانه وتعالى من هدى من الكفار والمنافقين وطوائف من أهل البدع والضلال، وهذا يكون بأن يتبع من الحق ما علمه، فمَن عمِل بما علِم: أورثه الله علم ما لم يعلم.
” مجموع الفتاوى ” ( 10 / 9 ، 10 ).
وبما ذكرناه يتبين أن العلماء لا يختلفون في أن من تاب من بدعته تاب الله عليه بشرط أن يكون محققا لشروط التوبة، والمخالف في ذلك لا عبرة بقوله، وإنما خلافهم في قبول توبته في حكم الدنيا.
* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 8 / 38 ) – بعد ذِكر خلاف العلماء في قبول توبة المبتدع -:
وهذا الخلاف بين العلماء في قبول توبة المبتدع ينحصر فيما يتعلق بأحكام الدنيا في حقه، أما ما يتعلق بقبول الله تعالى لتوبته وغفرانه لذنبه إذا أخلص وصدق في توبته: فلا خلاف فيه. انتهى.
ثانيا:
ومن شروط توبة المبتدع سواء كان داعية أو لم يكن: الصدق في التوبة، والإخلاص، والندم على ما وقع فيه، والإقلاع عنها بالكلية، والعزم على عدم الرجوع إليها، واعتقاد ما يضادها من الحق والصواب، ومن الشروط المهمة – وخاصة إذا كان داعية لبدعته -: أن يبيِّن للناس ما كان عليه من ضلال وأنه قد تبرأ منه، وقد قال الله تعالى في مثل ذلك: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ . إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) البقرة/ 159 ، 160.
قال ابن قدامة المقدسي – رحمه الله -:
وأما البدعة فالتوبة منها بالاعتراف بها، والرجوع عنها، واعتقاد ضد ما كان يعتقد منها . ” المغني ” ( 12 / 75 ).
قال محمد بن أحمد السفاريني – رحمه الله -:
وتوبة المبتدع: أن يعترف بأن ما عليه بدعة .
” غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ” ( 2 / 456 ).
وأما ما يحصل بعد تحقيق شروط التوبة والتبيين قدر استطاعته للناس ما كان قد وقع فيه من باطل ليحذر منه الناس: فإنه لا يأثم على ما يحصل من ضلال للناس بسبب ما قاله ونشره فيهم من بدعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
وأيضا فالداعي إلى الكفر والبدعة وإن كان أضلَّ غيرَه فذلك الغير يعاقَب على ذنبه؛ لكونه قبَل من هذا واتبعه، وهذا عليه وزره ووزر من اتبعه إلى يوم القيامة مع بقاء أوزار أولئك عليهم، فإذا تاب مِن ذنبه: لم يبق عليه وزرُه ولا ما حمله هو لأجل إضلالهم، وأما هم: فسواء تاب أو لم يتب حالهم واحد؛ ولكن توبته قبل هذا تحتاج إلى ضد ما كان عليه من الدعاء إلى الهدى، كما تاب كثير من الكفار وأهل البدع وصاروا دعاة إلى الإسلام والسنَّة، وسحرة فرعون كانوا أئمَّة في الكفر ثم أسلموا وختم الله لهم بخير. ” مجموع الفتاوى ” ( 16 / 25 ).
وقال محمد بن أحمد السفاريني – رحمه الله -:
وفي ” إرشاد ” ابن عقيل: الرجل إذا دعا إلى بدعة ثم ندم على ما كان وقد ضل به خلق كثير وتفرقوا في البلاد وماتوا: فإن توبته صحيحة إذا وُجدت الشرائط, ويجوز أن يغفر الله له ويقبل توبته ويسقط ذنب من ضل به بأن يرحمه ويرحمهم, وبه قال أكثر العلماء خلافا لبعض أصحاب الإمام أحمد.
” غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ” ( 2 / 456 ).
والله أعلم.


