هل الكلمات في السكر الروحي معفوٌّ عنها؟

السؤال

قال حمزة يوسف عندما تحدث عن المخاوف التي يخافها الناس من الصوف : ” السبب الرابع: هو الخوف عمومًا من الضلال باتباع عقائد خفية دون التأكد من صحتها كما يحدث لكثير من الجهال، لذلك ربما يسمع الجهال من الناس بعض العبارات التي تقال على ألسنة الصوفية ولا يفهمونها بالكلية، وفي طبقات الإمام الذهبي أن أبا اليزيد البسطامي يعتبر فقيهًا وأن الإمام الذهبي يُعتبر تلميذ ابن تيمية ويَعتبر أبا اليزيد البسطامي مصدرًا للحديث، ولكنَّ أبا اليزيد هذا هو الذي قال ” سبحاني ” وهذه الكلمة معروفة بالكلمة الفنية للصوفيين ” شطحة ” بحيث لو قالها شخص وهو مغيب النفس لا يؤاخذ بها، وهناك دليل في البخاري عن عبدٍ في وسط الصحراء وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل لما وجد راحلته المفقودة صاح بفرحة ” اللهم أنت عبدي وأنا ربك “، وأوضح النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا العبد أخطأ في مقولته بعد أن وجد راحلته، هذا بالنسبة للشخص الذي وجد راحلته فكيف بالشخص الذي يجد ربَّه؟.

هل يعني الحديث في البخاري أن الكلمات التي يقولها الشخص وهو في حالة ” سكر روحي ” معفو عنها؟.

الجواب

الحمد لله

أبو يزيد البسطامي هو:  طيفور بن عيسى، توفي سنة 261 هـ‍.

ولا نعلم أن أبا يزيد من المشتغلين بالحديث، ولم يذكر ذلك عنه الإمام الذهبي في ترجمته، وأبو يزيد السطامي له أقوال فيها شطحات أكثر مما قاله السائل، فمن أقواله: ” ما في الجُبَّة إلا الله “، و ” ما النَّار؟ لأستندنَّ إليها غدًا وأقول: اجعلني فداءً لأهلها وإلا بلعتُها “، و ” ما الجنَّة؟ لعبة صبياني ومراد أهل الجنة “!.

ولا يمكن أن يكون ذلك عن سبق لسان وخطأ في عبارة؛ إذ سبق اللسان لا يكون مستمرًا ولا يكون في أحوال الصحو والدراية والقصد للعبارة، ثم إذا حصل خطأ في عبارة غير شرعية فإنه لا بدَّ من تبيين أنها خطأ شرعًا لمن سمعها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل الذي غُلب على عقله من شدة الفرح ” أخطأ من شدة الفرح “، فهل فعل ذلك أبو يزيد؟.

* قال الإمام ابن كثير رحمه الله:

وقد حُكي عنه شطحاتٌ ناقصاتٌ، وقد تأوَّلها كثيرٌ من الفقهاء والصوفية، وحملوها على محاملَ بعيدةٍ، وقد قال بعضُهم إنَّه قال ذلك في حال الاصطلام – أي: الفناء – والغيبة، ومن العلماء مَن بدّعه وخطّأه وجعل ذلك من أكبر البدع، وأنَّها تدلُّ على اعتقادٍ فاسدٍ كامِنٍ في القلب ظهر في أوقاته.  ” البداية والنهاية ” ( 11 / 38).

وأما بالنسبة للإمام الذهبي فإنه اعترف أن ظاهر عبارات أبي يزيد إلحاد وكفر، لكنه شكك في ثبوتها عنه، وكذا تأولها له – لو صحت عنه – بأنها قالها وهو في حالة غيبة عن العقل، وأما اشتغاله بالحديث فلم نر ذلك في ترجمته، بل على العكس فإنه نقل عن أبي يزيد أنه سخر من علم الحديث والإسناد وافتخر أنه يأخذ الحديث مباشرة عن الله تعالى عما يقول علوًّا كبيرًا.

* قال الذهبي:

وجاء عنه – أي: عن أبي يزيد – أشياء مشكلة لا مساغ لها، الشأن في ثبوتها عنه، أو أنه قالها في حال الدهشة والسكر والغيبة والمحو، فيطوى ولا يحتج بها، إذ ظاهرها إلحاد مثل ” سبحاني “، و ” ما في الجبة إلا الله “، ” ما النار؟ لاستندن إليها غداً وأقول: اجعلني فداء لأهلها وإلا بلعتها “، ” ما الجنة؟ لعبة صبيان، ومراد أهل الدنيا “، ” ما المحدِّثون إن خاطبهم رجل عن رجل فقد خاطبنا القلب عن الرب “! وقال في اليهود: ما هؤلاء؟ هبْهم لي أيُّ شيءٍ هؤلاء حتى تعذبهم. ” سير أعلام النبلاء ” ( 13 / 88 ).

وكل من غلب عليه شدة الفرح أو شدة الغضب فلم يعُد يدري ما يقول فإنه لا يؤاخذ بما يقول حتى لو تكلم بكلمة الكفر، لكن لا يجوز أن يكون الحكم نفسه في حال أن يكون سبب السكر محرَّماً كمن يشرب الخمر أو يرقص في حِلَق الذِّكر حتى يغيب عن الوعي، إذ السبب هنا محرَّم وهو الذي أنشأه، بخلاف السبب الطبيعي الذي لا يملك صاحبَه أمره، ومَن عذَره من العلماء فإنه لا يعذره – قطعًا – في السبب.

* قال ابن القيم:

وقد عذر سبحانه من اشتد به الفرح بوجود راحلته في الأرض المهلكة بعدما يأس منها فقال ” اللهم أنت عبدي وأنا ربك ” ولم يجعله بذلك كافرًا؛ لأنه أخطأ بهذا القول من شدة الفرح رحمته وإحسانه وجوده يقتضي أن لا يؤاخذ من اشتد غضبه بدعائه على نفسه وأهله وولده ولا بطلاقه لزوجته، وأما إذا زال عقله بالغضب فلم يعقل ما يقول فإن الأمة متفقة على أنه لا يقع طلاقه ولا عتقه ولا يكفر بما يجري على لسانه من كلمة الكفر. ” شفاء العليل ” ( ص 138 ، 139 ).

 

والله أعلم.

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة