هل يدخل النار إذا زادت السيّئات على الحسنات؟ وهل هناك مسلم لن يدخل الجنّة؟

السؤال

إذا زادت سيئات العبد عن حسناته فسوف يدخل النار. هل هذا صحيح؟ وإذا انتهى عقاب المسلم في النار هل يذهب الجنة؟ وهل هناك أي مسلم لن يدخل الجنة مطلقًا؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

إنَّ الله تعالى خلق النار وخلق لها أهلها وجعل لها من يسكنها من المجرمين، غير أن الذين كتب الله لهم أن يدخلوا النار منهم من يؤمن بالله تعالى وبرسوله الذي أرسل وبكتابه الذي أنزل غير أنه أسرف على نفسه بارتكاب بعض المعاصي فجعل الله تعالى له قسطا من النار، ولكن مهما طال به المقام فيها فإنه – ولا بد – خارج منها إلى الجنة.

وعصاة المسلمين وإن عذبوا بالنار فإنهم سيخرجون منها، وهذا الذي قلناه أجمع عليه العلماء من سلف الأمة وخلفها ولا تجد عالمًا واحدًا من أهل السنَّة قال بغيره.

والأدلة على ما قلنا:

عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا: يا رسول الله:  …….  يقولون ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النَّار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه، فيُخرجون مَن عرفوا ثم يعودون فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه فيُخرجون مَن عرفوا ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرَّةٍ من إيمان فأخرجوه فيخرجون من عرفوا …….

رواه البخاري ( 7001 ) ومسلم ( 183 ).

وعن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”  إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النَّار رجلٌ يخرج منها زحفًا، فيقال له: انطلق فادخل الجنَّة، قال: فيذهب فيدخل الجنة فيجد الناس قد أخذوا المنازل، فيقال: له أتذكر الزمان الذي كنت فيه؟ فيقول: نعم، فيقال له: تمن، فيتمنى، فيقال له: لك الذي تمنيت وعشرة أضعاف الدنيا، قال: فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟ قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه.  رواه مسلم ( 186 ).

* قال الطبري: 

لأنَّ الله قضى على أهلها بالخلود في النَّار، والخلود في النَّار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان به لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل الإيمان لا يخلدون فيها، وأن الخلود في النار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان به.   ” تفسير الطبري ” ( 1 / 385 ).

وقال ابن تيمية – رحمه الله تعالى -: 

ومما يبين به الفرق أيضاً أنه سبحانه قال هناك: { وأعدَّ لهم عذابًا مهينًا }، والعذاب إنَّما أُعدَّ للكافرين فإنَّ جهنَّم لهم خلقت؛ لأنَّهم لا بد أن يدخلوها وما هم منها بمخرجين، وأهل الكبائر من المؤمنين يجوز أن يدخلوها إذا غفر الله لهم وإذا دخلوها فإنهم يخرجون منها ولو بعد حين.

” دقائق التفسير ” ( 2 / 460 ).

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى –: عن الشفاعة في أهل الكبائر من أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم وهل يدخلون الجنة أم لا ؟

 فأجاب:

إن أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر ثابتة متواترة عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلم وقد اتفق عليها السلف من الصحابة وتابعيهم بإحسان وأئمة المسلمين، وإنما نازع في ذلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة ونحوهم ولا يبقى في  النار أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان بل كلهم  يخرجون من النار ويدخلون الجنة ويبقى في الجنة فضل فينشئ الله لها خلقا آخر يدخلهم الجنة …..  ” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 309 ).

* وقال ابن تيمية أيضًا:

قلت: فأحمد بن حنبل لم يرد قط أنه سلب جميع الإيمان فلم يُبق معه منه شيءٌ كما تقوله الخوارج والمعتزلة فإنَّه قد صرح في غير موضع بأن أهل الكبائر معهم إيمان يخرجون به من النار واحتج بقول النبي عن الله عز وجل: ” أَخرِجوا من  النَّار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان “، وليس هذا قوله ولا قول أحد من أئمة أهل السنة، بل كلهم متفقون على أن الفساق الذين ليسوا منافقين معهم شيءٌ من الإيمان يخرجون به من النار، هو الفارق بينهم وبين الكفار والمنافقين. ” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 257 ).

ثانيًا:

ومعتقد أهل السنَّة أن المسلم ما دام لم ينقض إسلامه وتوحيده بناقض يخرجه من الإسلام فإنه سيدخل الجنة ولا بد، ولن يكون أي مسلم من المسلمين من الخالدين في النار، حتى ولو ارتكب أكبر الكبائر فتجري عليه أحكام المسلمين في الدنيا والآخرة.

وخالفت فرقة الخوارج أهل السنة وحكمت على العصاة من أصحاب الكبائر بالكفر والخروج من الدين فحكمت عليه بالخلود في النار، فأجرت عليه أحكام الكفر في الدنيا والآخرة.

وقالت المعتزلة: نحن نقول بالمنزلة بين المنزلتين فهو ليس بكافر ولا تجري عليه أحكام الكفر في الدنيا، فيصلى عليه إذا مات، ويرث ويورث، وينكح وينكح وغير ذلك من الأحكام التي تجري على المسلمين في الدنيا، ولكن قالوا: هو – في الآخرة – ليس مسلمًا وهو خالد في النار يوم القيامة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى -: 

حيث كفَّرت الخوارجُ بالذنب وجعلوا صاحب الكبيرة كافرًا مخلداً في النار ووافقتهم المعتزلة على زوال جميع إيمانه وإسلامه وعلى خلوده في النار لكن نازعوهم في الاسم فلم يسمُّوه كافرًا بل قالوا: هو فاسقٌ لا مؤمنٌ ولا مسلمٌ ولا كافرٌ، ننزله منزلةً بين المنزلتين، فهم وإن كانوا في الاسم إلى السنَّة أقرب فهم في الحكم في الآخرة مع الخوارج، وأصل هؤلاء أنهم ظنُّوا أن الشخص الواحد لا يكون مستحقا للثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والحمد والذم، بل إمَّا لهذا، وإما لهذا، فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها وقالوا: الإيمان هو الطاعة، فيزول بزوال بعض الطاعة. ” العقيدة الأصفهانية ” ( 1 / 175 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة