من هو الذي يحق له التكلّم في الدين؟
السؤال
نسمع بوجود أشخاص عندهم نشاط في تعليم أمور الإسلام، لكنهم لا يملكون مؤهلات حقيقية في العلم الإسلامي. وهم, مع هذا, يدرسون من باب الحماس و( here-say- لا أعرف معناها لكن ربما تعني أنهم يبتون في كل أمر بسرعة ودون ترو). إنهم يقولون بآرائهم في الدين, فهم يقولون: علينا أن نفعل كذا وكذا وهم لا يقدمون أدلة كاملة وواضحة تساند أقوالهم. ونتيجة لجهل العامة, فإنهم يقبلون منهم. فأين نضع الخط الفاصل لنتمكن من معرفة من يحق له تقديم رأيه في الدين ممن لا يحق له ذلك؟
الجواب
الحمد لله
أولًا:
لا بد أن يعلم المسلم أن شأن الفتيا عظيم، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون }. [ النحل / 116 ].
ثانيًا:
مِن المُقرَّر عقلا وبديهة عند الناس أنه لو تكلم إنسان في غير فنِّه لَعَابه الناس ووقعُوا به، فلو تكلم إنسان في الطب مثلا وهي ليست مِهْنته لأسكته الناس، بل لَوَجدتَه حريصا على أن لا يتكلم، وكذلك لو استشرتَ إنسانًا مثلا في البناء والتعمير، لقال لك:
اسأل أصحاب الاختصاص فهذا ليس فَنِّي، وهكذا، وأمَّا الفُتْيا فالجميع مِمَّن ليسوا أهلًا يتجرأ عليها ويتكلم في الحلال والحرام بما شاء إلا مَن رحِمَ الله.
ثالثًا:
أن السلف من الصحابة والتابعين كانوا أشد الناس حذرًا من الفتيا أو التكلم في الحلال والحرام، فهذا أبو بكر رضي الله عنه مع أنه أكثر الناس مصاحبة للنبي صلى الله عليه وسلم فهو من أقل الصحابة حديثًا، لماذا؟ حذرًا وخوفًا وورعًا، وكان رضي الله عنه إذا وقعت له مسألة جمع لها كبار الصحابة وأهل بدر، فأين هذا من صغار الشباب بل النساء العوام من التجرؤ على الفتيا والقول على الله بغير علم؟!.
رابعًا:
عظَّم الفقهاء في مصنفاتهم من شأن الفتيا، ويحسن أن أنقل ما كتبه النووي في كتابه ” المجموع ” في هذا الشأن، قال رحمه الله:
اعْلَمْ أَنَّ الْإِفْتَاءَ عَظِيمُ الْخَطَرِ كَبِيرُ الْمَوْقِعِ كَثِيرُ الْفَضْلِ لِأَنَّ الْمُفْتِيَ وَارِثُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عليهم وقائم بفرض الكفاية لكنه مُعَرَّضٌ لِلْخَطَأِ وَلِهَذَا قَالُوا الْمُفْتِي مُوقِّعٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى: وَرَوَيْنَا عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: العالم بين الله تعالى وخلقه فينظر كَيْفَ يَدْخُلُ بَيْنَهُمْ.
وَرَوَيْنَا عَنْ السَّلَفِ وَفُضَلَاءِ الْخَلْفِ مِنْ التَّوَقُّفِ عَنْ الْفُتْيَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مَعْرُوفَةً، فمنها:
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، وفي رواية: ما منهم مَن يحدِّث بحديث إلا ودَّ أن أخاه كفاه إياه ولا يستفتى بشيء إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا.
– وعن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم: من أفتى عن كل ما يسأل فهو مجنون.
– وعن الشعبي والحسن قالوا: إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر.
– وعن عطاء بن السائب قال: أدركت أقوامًا يسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم وهو يرعد.
– وعن ابن عباس قال: إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله.
– وعن سفيان ابن عيينة قال: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا.
– وعن الهيثم بن جميل قال: أدركت مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين مسألة منها: لا أدري.
– وعن مالك أيضا: أنه ربما كان يسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها وكان يقول: من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف خلاصه ثم يجيب.
– وقال آخر: قلَّ مَن حرص على الفتيا وسابق إليها وثابر عليها إلا قل توفيقه واضطرب في أموره.
” المجموع ” للنووي ( 1 / 41 ).
فالشاهد: أن أمر الفتيا ليس بالهين، فأنصح هؤلاء الشباب أن يتقوا الله، وأن يتجنبوا أمر الفتيا والقول في الحلال والحرام.
والله أعلم.


