نقد قصة حوار حذيفة مع عمر رضي الله عنهما وفيه قوله ” لي ما ليس لله “

السؤال

قرأت في هذا الموقع فتوى عن الألغاز، وقد تم تقسيمها إلى أنواع، ولكن لفت نظري في القِسم المحرَّم، وهو ما يتعلق بالعقيدة، أو الدِّين أنه ورد هذا عن بعض الصحابة مثل قولهم ” ولي ما ليس لله “، ونحوه، فقد قرأت أن هذا حصل بين حذيفة وعمر رضي الله عنهما، فهل ثبت هذا عنهم أم أن هذا الأثر لم يثبت؟

الجواب

الحمد لله

التفصيل في حكم الألغاز الذي أشار إليه الأخ السائل ذكرناه في جواب على سؤال آخر في الموقع، ونحن نشكر له متابعته لما يُكتب هنا، ونثني على فهمه، ونحثه على المزيد.

وبخصوص سؤاله نقول: إن ما يُنقل من محاورة بين حذيفة بن اليمان وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما حول ما ذكره الأخ السائل وغيره مما يشبهه: لم يرد بإسناد صحيح، ولا ضعيف، وفي المحاورة المزعومة بيان خفاء معاني الكلمات على عمر بن الخطاب، وبيان فهم علي بن أبي طالب لها! وفي آخر القصة قول عمر ” كاد يهلك ابن الخطاب لولا علي بن أبي طالب! وهذا يؤكد ما ذكره لبعض الباحثين أنها من وضع الرافضة.

* ونحن نذكر القصة، ثم نعقب على بعض ما فيها:

عن حذيفة بن اليمان أنه قال: لقي عمر بن الخطاب فقال له عمر: كيف أصبحت يا ابن اليمان؟ فقال: كيف تريدني أصبح؟ أصبحت والله أكره الحق، وأحب الفتنة، وأشهد بما لم أره، وأحفظ غير المخلوق، وأصلي على غير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء، فغضب عمر لقوله، وانصرف من فوره، وقد أعجله أمر، وعزم على أذى حذيفة لقوله ذلك، فبينا هو في الطريق إذ مر بعلي بن أبي طالب، فرأى الغضب في وجهه، فقال: ما أغضبك يا عمر؟ فقال: لقيت حذيفة بن اليمان فسألته: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت أكره الحق، فقال: صدق، يكره الموت، وهو حق، فقال: يقول: وأحب الفتنة، قال: صدق، يحب المال، والولد، وقد قال الله تعالى: ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) الأنفال/ 28، فقال: يا علي: يقول: وأشهد بما لم أره، فقال: صدق يشهد لله بالوحدانية، والموت، والبعث، والقيامة، والجنة، والنار، والصراط، ولم ير ذلك كله، فقال يا علي: وقد قال: إني أحفظ غير المخلوق، قال: صدق، يحفظ كتاب الله تعالى: القرآن، وهو غير مخلوق، قال: ويقول: أصلي على غير وضوء، فقال: صدق، يصلي على ابن عمي رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير وضوء، والصلاة عليه جائزة، فقال: يا أبا الحسن: قد قال أكبر من ذلك، فقال: وما هو؟ قال: قال إن لي في الأرض ما ليس لله في السماء، قال: يصدق، له زوجة والولد، فقال عمر: كاد يهلك ابن الخطاب لولا علي بن أبي طالب. انتهى.

* وهذه القصة واضحة الحبك، بيِّنة الكذب؛ لأمور:

  1. تُظهر القصة سذاجة عمر رضي الله عنه، وقلة فهمه، وهذا مخالف لواقع عمر رضي الله عنه، حيث عرف عنه العلم، وهو أعلم الصحابة بعد أبي بكر الصدِّيق، وعُرف عنه قوة الفقه ودقة الفهم، بل وكان من المحدَّثين المُلهمين.

عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ مِنْ أَظْفَارِي ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي – يَعْنِي: عُمَرَ – ، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْعِلْمَ.

رواه البخاري ( 6604 ).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ ) .

رواه البخاري ( 3486 ).

وعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ ). رواه الترمذي ( 3682 ) وابن ماجه ( 108 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي ” .

وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ).

رواه الترمذي ( 3686 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وقد تكرر من الرافضة الطعن في عمر بن الخطاب رضي الله لبيان عدم استحقاقه للخلافة، وصاحب ذلك: الغلو في علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لبيان أنه الأحق بها.

  1. وما الداعي لحذيفة رضي الله عنه ليقول ذلك لعمر بن الخطاب؟ هل يريد إغضابه؟ هل يريد بيان قدرته على سبك العبارات الموهمة في لفظها؟ لم تكن هذه أخلاق الصحابة رضي الله عنهم، ولا عُرف عن حذيفة أنه كان يقول ذلك لكل من يسأله ” كيف أصبحت “، وإلا لاشتهر ذلك عنه، ولنقله أهل الأسانيد، ولعُرِف معنى ألفاظه.
  2. وتبين القصة ظهور غضب عمر رضي الله عنه، فكيف يرضى حذيفة رضي الله عنه أن يُغضب عمر من قوله، ثم يترك عدم توضيح مقصود ألفاظه له؟!.
  3. وما هو الشيء الذي عجَّل عمر بن الخطاب ليترك الإنكار على حذيفة أقواله المنكرة – على حد زعم من وضعها -؟! وهل ثمة ما هو أهم من وقوع صحابي في أقوال ظاهرها الردة والكفر؟!.
  4. وكيف جاء لعمر رضي الله عنه ما يعجله، وترك من أجل ذلك الإنكار على حذيفة، بينما وجد الوقت ليحاور عليّا رضي الله عنه، وينقل له ما قاله حذيفة، ويستمع لتوضيحها؟!.
  5. وفي القصة سذاجة واضحة، حيث استمر حذيفة رضي الله عنه في أقواله المنكرة حتى انتهى وانقطع عن الكلام، بينما كان علي رضي الله عنه يرد على أقوال حذيفة جملة، جملة! فلم لمْ يقطع عمر رضي الله عنه كلام حذيفة من أول جملة؟ أو من ثانيها؟ ولم لمْ يستمع علي بن أبي طالب لكلام حذيفة بكامله ثم يبين مقصوده؟ وكيف عرف من أول جملة أنه أراد غير ظاهرها؟!.
  6. وكيف عزم عمر على أذى حذيفة رضي الله عنهما دون أن يستفصل منه ويسأله عن معنى كلامه؟! وقد ثبت أنه استفصل ممن شرب الخمر من الصحابة حتى يقف على مستند فعلهم ذاك، مع كون شرب الخمر من الكبائر البينة، فكيف يتروى عمر بن الخطاب في أذى من شرب الخمر مخالفا للكتاب والسنة، ويعزم على أذى حذيفة جراء أقوالٍ له تحتاج لاستفصال؟!.
  7. في القصة قول حذيفة وعلي رضي الله عنهما عن القرآن أنه ” غير مخلوق “! وهي عبارة منكرة في عصر الصحابة رضي الله عنهم، ومن بعدهم من التابعين، وأن مثل هذه العبارة لم تكن لتقال إلا بعد فتنة الإمام أحمد رحمه الله في مسألة ” خلق القرآن “! وهو يدل على وضع القصة من أصلها.
  8. المبالغة من عمر في وصف نفسه بالهلاك لولا علي بن أبي طالب! وقد تكرر ذلك في حوادث كثيرة، أشهرها: رجم المجنونة، وفي صحتها – أصلا – كلام، وإن صحت : فلم يكن يعلم عمر أنها مجنونة حتى أخبره علي ، وروى الشيعة زيادة على القصة- كعادتهم – : ” لولا علي لهلك عمر “، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ” منهاج السنة النبوية ” ( 6 / 45 ): هذه الزيادة ليست معروفة في هذا الحديث. انتهى.

* وقال شيخ الإسلام – رحمه الله – أيضا: منهاج السنة النبوية – (ج 8 / ص 60):

قال الرافضي – أي: ابن مطهر الرافضي -: ” وإليه – أي: علي بن أبي طالب – يرجع الصحابة في مشكلاتهم، ورد عمر في قضايا كثيرة قال فيها: ” لولا علي لهلك عمر “.

والجواب أن يقال: ما كان الصحابة يرجعون إليه، ولا إلى غيره وحده في شيء من دينه، لا واضحة، ولا مشكلة، بل كان إذا نزلت النازلة يشاورهم عمر رضي الله عنه، فيشاور عثمان، وعليّا، وعبد الرحمن، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبا موسى، حتى يشاوره ابن عباس، وكان من أصغرهم سنّا، وكان السائل يسأل عليّا تارة، وأبي بن كعب تارة، وعمر تارة، وقد سئل ابن عباس أكثر مما سئل علي، وأجاب عن المشكلات أكثر من علي، وما ذاك لأنه أعلم منه، بل علي أعلم منه، لكن احتاج إليه مَن لم يدرك عليّا.

وأما قوله إنه رد عمر إلى قضايا كثيرة قال فيها: ” لولا علي لهلك عمر “: فيقال: هذا لا يُعرف أن عمر قاله إلا في قضية واحدة إن صح ذلك، وكان عمر يقول مثل هذا لمن هو دون علي.” منهاج السنة النبوية ” ( 8 / 60 – 62 ).

والخلاصة:

أن القصة غير صحيحة، وليس لها إسناد ليُحكم عليه من خلاله، وأما متنها: فواضح البطلان.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة