طالب يرغب بدراسة علوم السلاح في دولة غربية مع وجود مفاسد فهل نحثه عليها؟
السؤال
إني شاب سلفي، مغربي، أبلغ من السن اثنتي وعشرين ربيعًا، عقدت العزم على ولوج مدرسة من مدارس المهندسين العام المقبل إن شاء الله، ولقد عاهدت الله جل وعلا منذ ثلاث سنوات على العمل على تسليح جيوش المسلمين المتاخمة للكيان الصهيوني، وأفغانستان، وباكستان، وبلاد الحرمين، والشيشان، والسودان، ونذرت لله عمري كله في هذا الشأن، إذ إني على يقين أن زمن الملاحم ضد أبناء يهود والصليبيين، والملاحدة من الروس، والشرقيين: قد دنا زمانه، ولقد أوتيت – ولله الحمد – اجتهادًا، وطموحًا، وقوة إرادة في التخصص في هندسة تصنيع الصواريخ، والطائرات المقاتلة.
السؤال:
هذا التخصص لا يوجد في بلدي، وإن وجد: فإنه يدرَّس في المدارس العسكرية، ولكنهم يدرِّسون تقنيات أكل عليها الدهر وشرب، فإعدادهم العلمي لا يرفع رأسًا، ولا يرهب عدوًّا، إضافة إلى كونهم يشترطون حلق اللحية، وإسدال الثياب، لولوج هذه المدارس، كما أن غالب من يُبتعث إلى الخارج لدراسة هذا العلم ممن لا انتماء لهم إلى هذا الدين، ضعاف الهمم، همهم: المكانة الاجتماعية، والدخل، وجلُّهم: يعمل في مصانع الكفرة في أمريكا، ودول أوروبا.
فحدثتني نفسي أن أستغل فرصة للترشح لمباراة للولوج إلى مدرسة هي الأولى أوروبيًّا في هذا العلم، ولها مكانة سامية عند أرباب هذه الصناعة في العالم، لكني أعلم بحرمة الإقامة في بلاد الكفر؛ نظرًا للفتن الظاهرة، والباطنة، التي تعصف بالمؤمن هناك، فقمت بموازنة شرعية بين المصالح والمفاسد والتي أستفتيكم فيها.
فهل يجوز لي السفر إلى ” فرنسا ” لمدة ثلاث سنوات، ثم العمل لمدة 3 سنوات أخرى في بعض المختبرات، ومصانع شركات صناعة الطائرات المدنية، والعسكرية، حتى أكتسب خبرة، وأحتك جيِّدًا بالمتخصصين في هذا الميدان، ثم أسافر بعدها إلى بلدان إسلامية قوية عسكريًّا، كباكستان، والإمارات، ومصر، بنية إنشاء شركة إسلامية ذات كفاءات مسلمة لتصنيع الصواريخ، والطائرات الحربية، وجزاكم الله خيرًا.
* المفاسد الشرعية:
- الاختلاط، على الرغم من وجوده كذلك في مدارس المهندسين في بلادنا.
- التأمين الاجتماعي إجباري بقيمة 200 يورو تقريبًا في السنَة، مع العلم أنه غير إجباري في بلدي، على حد علمي.
- لن أتمكن إلا من أداء صلاة الفجر، والعشاء، والمغرب في جماعة، في المسجد، نظرًا لكون التغيب عن الحصص في تلك المدرسة لأكثر من 4 مرات يؤدِّي إلى الطرد.
- قد أضطر إلى فتح رصيد بنكي من أجل تلقي المنحة الدراسية، سواء المنحة الفرنسية، أو المغربية، وقد سمعت ببعض المحاذير الشرعية المتعلقة بتحويل الأموال، أرجو بيانها حتى أتفاداها.
- عند إجراء امتحانات المباراة التي تمتد 7 أيام: الأربعاء: سأصلي الظهر ساعتان بعد دخول وقته، وساعتان تقريبًا قبل دخول العصر، أو أقل بقليل.
الخميس: لن أصلي الظهر إلا بعد 3 ساعات وربع بعد الظهر، وخمسين دقيقة قبل العصر، وباقي الصلوات في المسجد في جماعة، ولله الحمد.
الجمعة: نفس وضع يوم الخميس.
الاثنين: لن أتمكن من صلاة الظهر إلا بعد أذان العصر مباشرة، والباقي في المسجد.
الثلاثاء: أصلي الظهر 50 دقيقة قبل العصر و 3 ساعات بعد الظهر.
الأربعاء: أصلي الظهر بعد الأذان مباشرة بعد الأذان، في مقر المباراة؛ نظرًا لضيق الوقت.
- قد أدفع مبلغًا من المال لهيئة الامتحانات مقداره 500 يورو عن طريق البنك الذي يحول المال إلى فرنسا، عن طريق شيك.
- تجميد 400 يورو واجبة للحصول على التأشيرة.
- الاضطرار إلى استعمال صيغة الجمع في مناداة المسئولين هناك عند التعامل معهم وتحيتهم بتحيات غير إسلامية كـ bonjour، وهذا يحزنني في صدري، مع العلم أني – ولله الحمد – لن أفرط في شعيرة ظاهرة من ديني، كإعفاء اللحية، وتقصير الثياب، والسواك، وعدم مصافحة الكافرات، والدعوة إلى التوحيد، بإذن الله، نسأل الله الثبات.
* المصالح:
- تخصص قوي، وتكوين علمي، وتقني متميز.
- شهادة مهندس من هذه المدرسة تخول لك – بإذن الله – دخلًا مرتفعًا، وتخول لك ولوج أي شركة تسلح، وصناعة طائرات في العالم.
فهل أذهب أم أختار تخصصا سلميًّا في بلدي، كالاتصالات، وغيرها، علمًا أن الشهادات الممنوحة في بلدنا لا تخول لك العمل في مؤسسات صناعية ضخمة، وإن كان ذلك: فبعد مدة 15 سنة، أو أكثر من الخبرة.
وجزاكم الله خير الجزاء على هذا العمل.
الجواب
الحمد لله
إننا لنشكر لكَ غيرتك على دينك، وحبَّك لأمتك أن تكون في منَعة، وعزَّة، وأن تعلو رايتها خفاقة، ونشكر لك مع هذا استقامتك على دينك، والتزامك المنهج السلفي المبارك، ونسأل الله تعالى أن يزيدك من فضله، أو ييسر لك الخير حيث كان.
وقد تأملنا رسالتك جيِّدًا، وقلَّبنا النظر فيها، والذي يغلب على ظننا أن حالك هو أحد أمرين:
إما أن تنجح في دراستك، وتقضي نهمتك فيها، وتبرز بروزًا واضحًا، وتبدع إبداعًا عظيمًا، لكننا نرى أن هذا سيكون على حساب دينك، أو استقامتك، أو أنك ستبقى على التزامك واستقامتك من غير أن تُكمل تلك الدراسة.
والذي دعانا لذلك القول: هو أن الوضع الآن في ” أوروبا “، والدول الكافرة، ليس هو الوضع السابق الذي يمكن للمسلم أن يُظهر شعائر دينه فيه بيسر وسهولة، وقد تغيَّر عالمهم تغيرًا واضحًا بيِّنًا، وإذا كانت الدراسة مما يتعلق بالطيران والأسلحة: كانت الرقابة منهم على الطلاب المسلمين أشد صرامة، ولذا فإننا لا نرى أنك يمكن أن تستمر معهم وأنت على هيئتك الشرعية، واستقامتك، ودعوتك للتوحيد، وإننا نخشى عليك من فتنة تلك المجتمعات والتي أودت بالتزام كثيرين، وكثيرات، وبخاصة تلك الدراسة الحساسة، والتي لو كنتَ في بلد عربي، أو مسلم: فلن يُسمح لك – غالبًا – بأن تنفذ ما تنوي فعله مما قلتَه في سؤالك، فكيف نتوقع لك النجاح في ظل مثل ظروفنا هذه في دولة كافرة؟!.
وثمة فتوى مفصلة للشيخ العثيمين رحمه الله في حكم الإقامة في البلد الكافر، وفيها بيان أن الأصل هو تحريم الإقامة، إلا لعذر، ومن هذه الأعذار: العلوم التي لا تتوفر في بلاد المسلمين، وأن ذلك مشروط بكون المتعلم عنده من العلم ما يدفع الشبهات، ومن العفاف ما يدفع الشهوات، أي: أن يكون متزوجًا, أو صاحب دين متين؛ ليدفع عن نفسه شهوات النفس والتي تهيَّج في تلك البلاد الإباحية.
هذا، وثمة موانع كثيرة في إقامتك في تلك البلاد تمنعنا من القول بالجواز، كترك الصلاة في وقتها، وعدم إظهار بعض شعائر الإسلام، وتعظيم الكفار، والاختلاط، وغيرها، وها نحن ننقل لك كلامًا مختصرًا لشيخ العثيمين رحمه الله في عين مسألتك:
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
فالإقامة في بلاد الكفر لا بد فيها من شرطين أساسيين:
الشرط الأول: أمْن المقيم على دينه، بحيث يكون عنده من العلم والإيمان وقوة العزيمة ما يطمئنه على الثبات على دينه، والحذر من الانحراف، والزيغ، وأن يكون مضمرا لعداوة الكافرين وبغضهم، مبتعدا عن موالاتهم ومحبتهم، فإن موالاتهم، ومحبتهم: مما ينافي الإيمان، قال الله تعالى: ( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) الآية ….
الشرط الثاني: أن يتمكن من إظهار دينه بحيث يقوم بشعائر الإسلام بدون ممانع، فلا يُمنع من إقامة الصلاة، والجمعة، والجماعات إن كان معه من يصلي جماعة، ومن يقيم الجمعة، ولا يمنع من الزكاة، والصيام، والحج، وغيرها من شعائر الدين، فإن كان لا يتمكن من ذلك: لم تجز الإقامة؛ لوجوب الهجرة حينئذ ….
* وبعد تمام هذين الشرطين الأساسيين تنقسم الإقامة في دار الكفر إلى أقسام:
القسم الخامس: أن يقيم للدراسة، وهي من جنس ما قبلها – أي: الإقامة للتجارة والعلاج -، إقامة لحاجة، لكنها أخطر منها، وأشد فتكًا بدين المقيم، وأخلاقه؛ فإن الطالب يشعر بدنو مرتبته، وعلو مرتبة معلميه، فيحصل من ذلك تعظيمهم، والاقتناع بآرائهم، وأفكارهم، وسلوكهم، فيقلدهم، إلا من شاء الله عصمته، وهم قليل، ثم إن الطالب يشعر بحاجته إلى معلمه، فيؤدي ذلك إلى التودد إليه، ومداهنته فيما هو عليه من الانحراف، والضلال، والطالب في مقر تعلمه له زملاء يتخذ منهم أصدقاء، يحبهم، ويتولاهم، ويكتسب منهم، ومِن أجل خطر هذا القسم: وجب التحفظ فيه أكثر مما قبله، فيشترط فيه بالإضافة إلى الشرطين الأساسيين شروط:
الشرط الأول: أن يكون الطالب على مستوى كبير من النضوج العقلي الذي يميز به بين النافع والضار، وينظر به إلى المستقبل البعيد، فأما بعث الأحداث ” الصغار السن”، وذوي العقول الصغيرة: فهو خطر عظيم على دينهم، وخلُقهم، وسلوكهم، ثم هو خطر على أمتهم التي سيرجعون إليها، وينفثون فيها من السموم التي نهلوها من أولئك الكفار كما شهد ويشهد به الواقع، فإن كثيرًا من أولئك المبعوثين رجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا منحرفين في ديانتهم، وأخلاقهم، وسلوكهم، وحصل عليهم وعلى مجتمعهم من الضرر في هذه الأمور ما هو معلوم مشاهد، وما مثل بعث هؤلاء إلا كمثل تقديم النعاج للكلاب الضارية.
الشرط الثاني: أن يكون عند الطالب من علم الشريعة ما يتمكن به من التمييز بين الحق والباطل، ومقارعة الباطل بالحق؛ لئلا ينخدع بما هم عليه من الباطل، فيظنه حقًّا، أو يلتبس عليه، أو يعجز عن دفعه، فيبقى حيران، أو يتبع الباطل.
وفي الدعاء المأثور: – اللهم أرني الحق حقًّا، وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلًا، وارزقني اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علي فأضل ).
الشرط الثالث: أن يكون عند الطالب دين يحميه، ويتحصن به، من الكفر، والفسوق، فضعيف الدين لا يسلم مع الإقامة هناك إلا أن يشاء الله، وذلك لقوة المهاجم، وضعف المقاوم، فأسباب الكفر والفسوق هناك قوية، وكثيرة متنوعة، فإذا صادفت محلا ضعيف المقاومة: عملتْ عملها.
الشرط الرابع: أن تدعو الحاجة إلى العلم الذي أقام من أجله بأن يكون في تعلمه مصلحة للمسلمين، ولا يوجد له نظير في المدارس في بلادهم، فإن كان من فضول العلم الذي لا مصلحة فيه للمسلمين، أو كان في البلاد الإسلامية من المدارس نظيره: لم يجز أن يقيم في بلاد الكفر من أجله؛ لما في الإقامة من الخطر على الدين والأخلاق، وإضاعة الأموال الكثيرة بدون فائدة.
” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 3 / 25 – 30 ) باختصار.
ولذلك فإننا في فتاوانا نراعي دين الناس واستقامتهم، وهو ما نحسب حسابه في النصح والتوجيه، ولا نستطيع نصح أحد بسلوك درب ملغوم على أمل النجاة منه, ولسنا بالذين نخاطر بالشباب – كما يفعل غيرنا – ليحرقوا أنفسهم، ولا نضمن منهم إضاءة لغيرهم من المسلمين، فكم وكم فقدنا من خيرة الشباب، والذين زُجَّ بهم في ريعان شبابهم، وأوج شهوتهم إلى أتون الشهوات والفتن، فلم ينج إلا القليل.
ودراستك هذه متوفرة في دول إسلامية، فيمكنك الدراسة فيها، والتقوي بها عن بُعد، وذلك عن طريق الانتساب لجامعات ومعاهد ومدراس غربية، دون الحاجة لانتظامك عندهم، كما يمكنك التقوي بالعلم المتاح في الإنترنت، دون الحاجة لسلوك سبيلٍ لا يَضمن فيه المسلم حاله، ودينه.
والله الموفق.


