أصدقاؤه يختلسون من بنوك بحجة أنها دولة كافرة محاربة للإسلام فهل يبلغ عنهم؟
السؤال
أنا مسلم، أعيش في بريطانيا، ولدي بعض الأصدقاء المسلمين، المنخرطين في أعمال النصب، والاحتيال ضد بعض البنوك الحكومية، حاولت عدة مرات أن أوقفهم، ولكنهم يتحججون بقولهم إن الحكومات الغربية تستحق هذا، وإنهم يستغلون العرب والمسلمين في بلدانهم، فما يقومون به ما هو إلا نوع من الانتقام على حد زعمهم.
فكرت أن اشكوهم إلى السلطات هنا، لكن لا أدري ما الحكم في هذا، وما مدى جدوى ذلك، فما هي نصيحتكم؟. وجزاكم الله خيرًا.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
الواجب على المسلمين الالتزام بأحكام الإسلام حيثما كانوا، وأينا وجدوا، ويتحتم عليهم ذلك إن كانوا بين ظهراني الكفار؛ ليكونوا دعاة لدينهم بسلوكهم، وأعمالهم، وليكونوا نماذج يُحتذى بها مما يسهم ذلك في إنقاذ الكثيرين من الضلالة والعمى إلى الهداية والبصيرة، ومثل هذا الأمر كان السبب الرئيس في دخول المليارات – دون مبالغة – في الإسلام، وصارت أعمالهم في صحائف من كانوا السبب في هدايتهم، ونعني به التجار – وخاصة الحضارمة – والذين كانوا مُثلًا في السلوك والأعمال في تجارتهم في ” قارة آسيا ” مما تسبب في إسلام العدد الكبير من الناس، ولا يزالون يتوالدون ويكثرون، حتى صارت بعض بلادهم أكثر دول العالم عددًا من المسلمين.
وما نسمعه عن سرقة، واختلاس بعض المسلمين في ” أوربا ” و ” أمريكا ” لمتاجر، وبنوك، مما يؤسَف له، وهو ليس من أخلاق المسلمين، ولا من أفعالهم.
* وتذرعهم بكون الدولة محاربة للإسلام يرد عليه من وجهين:
الأول: أنه لو فُرض أنها دولة محاربة: فهذا لا ينطبق على جميع أفرادها، بل قد عُلم باليقين أنه ثمة من يخالف دولته في حربها على الإسلام وعلى المستضعفين، بل ويحاكم قادته، ويسقطهم أحيانًا! فمن العدل أن لا تُنسب المحاربة لكل فرد من أفراد تلك الدولة.
الثاني: أنه لو فُرض أنها دولة محاربة: فقد دخل إليها هؤلاء بالأمان، وهو تأشيرة الزيارة، أو الإقامة، وهذا يمنعهم من التعدي على أموالهم، واستباحة دمائهم.
ثم إن هؤلاء إنما يأخذون الأموال لأنفسهم، وليس يجعلونها للمسلمين عامة، وهو يدل على أن الاستباحة لذلك المال هي اتباع هوى من قبلهم، وليس لهم أن يجمعوا بين الاختلاس للمال الحرام، وبين نسبة ذلك للشرع.
* والواجب عليهم الآن:
- التوبة والاستغفار مما فعلوا من الاختلاس.
- إرجاع الأموال التي اختلسوها لأصحابها بالطريقة ذاتها التي استعملوها في الاختلاس، أو بطريقة أخرى مناسبة، دون الحاجة للكشف عن هوياتهم.
ثانيًا:
وأما بخصوص ما سألت عنه أخي السائل عن حكم التبليغ عن أولئك الأصدقاء للجهات المسئولة: فيتجاذب ذلك أمران:
الأول: أن التبليغ عنهم قد يتسبب في الإساءة للإسلام، وفي التسبب لهم بعقوبة أكبر وأشد مما يستحقون في شرع الله، وهؤلاء لن يحاكموا أولئك الشباب وفق شرع الله تعالى، بل بحسب قوانينهم الوضعية.
والثاني: أن عدم التبليغ عنهم يعني استمرارهم في الإثم والعدوان، ويعني استمرار اختلاس تلك الأموال، والتسبب لهم بالضرر، إما لهم في حال عدم تحمل البنك للمسئولية عن ذلك الاختلاس، أو للمؤسسات التي اختُلس منها، وهي شركات مساهمة غالبًا.
ولو كان الحكم على أولئك وفق شرع الله تعالى، وكانوا قد رفضوا النصح في الكف، وفي إرجاع المال لأهله: لقلنا بوجوب التبليغ عنهم للجهات المسئولة، أما وإن الحكم عليهم سيكون وفق قوانين أرضية: فإن الذي نراه هو: عدم التبليغ عنهم للسلطات الحكومية، واستمرار نصحهم، وتذكيرهم، ويمكنك الانتقال إلى مرحلة أخرى وهي تخويفهم، وتهديدهم بالإبلاغ عنهم، وأما فعل ذلك على الحقيقة: فلا نراه جائزًا في ظل الإسراف في العقوبة، وفي ظل إهانة الإسلام في حال وقوع هؤلاء تحت أيدي السلطة، وهذا هو فقه الإمام أحمد رحمه الله في السلطان الشرعي الذي يتجاوز الحد في العقوبة الحديَّة أو التعزيرية، فأولى أن يكون فيمن يحكم بقانون أرضي.
* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:
وكره الإمام أحمد رفعَ الفسَّاق إلى السلطان بكلِّ حال، وإنما كرهه لأنهم غالبًا لا يقيمون الحدود على وجوهها، ولهذا قال: إن علمتَ أنه يقيم عليه الحدَّ: فارفعه، ثم ذكر أنهم ضربوا رجلًا فمات، يعني: أنه لم يكن قتله جائزًا.
” جامع العلوم والحكم ” ( 1 / 341 ).
والله أعلم.


