هل تُغطَّى رِجلا المحرِم الميت بكفنه كما يُغطَّى رأسه أم تُكشفان؟
السؤال
هل الميت المحرِم – حاج أو معتمر – تُغطَّى رِجله أم تبقى مكشوفة مثل رأسه ووجهه؟.
الجواب
الحمد لله
سبق منَّا تفصيل القول في حكم كشف المحرِم وجهه حال حياته، وبعد مماته، وبينّا هناك أن قول جمهور العلماء وهو: عدم وجوب تغطية المحرِم الذكَر وجهه حال حياته، وأنه لا يجب ستر وجهه بعد مماته، وبينا هناك أن الأرجح هو العكس من ذلك، احتياطًا، وخروجًا من الخلاف.
وأما الرِّجلان للمحرم الميت: فليس في السنَّة النبويَّة ما يدل على وجوب كشفهما، كحالهما حال الإحرام.
وعمدة المسألة: حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا ). رواه البخاري ( 1206 ) ومسلم ( 1206 ).
وتفرد ” مسلم ” بزيادة ” الوجه، فرواه مرة: ( وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلاَ وَجْهَهُ)، ورواه أخرى: ( وَأَنْ يَكْشِفُوا وَجْهَهُ ).
– ( فوقصته ): من الوقص وهو كسر العنق.
– ( سدر ): ورق شجر، يدق ويستعمل في الغسل والتنظيف.
– ( ولا تحنطوه ): لا تضعوا له الحَنوط، وهو طيب يخلط للميت خاصة، وهو يدل على أن جميع أنواع الطيب لا تحل للمحرم.
وقوله صلى الله عليه وسلم بالمنع من تغطية رأس المحرِم الميت ووجهه: يدل بمفهومه أنه يُغطى سائر بدنه إلا هذين، وقد خَطَّأ حُذَّاق المذهب الحنبلي الرواية عن أحمد رحمه الله المانعة من تغطيتهما.
* قال ابن قدامة – رحمه الله -:
واختلف عنه – أي: عن الإمام أحمد – في تغطية رجليه، فروى حنبل عنه: ” لا تُغطى رجلاه “، وهو الذي ذكره ” الخِرَقي “، وقال الخلاَّل: ” لا أعرف هذا في الأحاديث، ولا رواه أحدٌ عن أبي عبد الله غير حنبل، وهو عندي وهم من حنبل “.
والعمل على أنه يغطى جميع المحرم إلا رأسه؛ لأن إحرام الرجل في رأسه، ولا يمنع من تغطية رجليه في حياته، فكذلك في مماته. ” المغني ” ( 2 / 404 ).
ومذهب الشافعي رحمه الله أنه يُكشف رأس المحرِم فقط، وأنه حتى وجهه إنما ورد الأمر بكشفه لئلا يُستر شيء من الرأس الوارد النهي عن ستره.
وأما مذهب مالك وأبي حنيفة رحمهما الله فهو: أن غسل المحرِم، وتكفينه هو كغسل وتكفين سائر الأموات من المسلمين، وعندهم أن حديث ابن عباس هو خاص بذلك الصحابي، وأن الله تعالى يمكن أنه أوحى للنبي صلى الله عليه وسلم بأن إحرامه لم ينقطع، وأما سائر الناس المحرِمين: فإنه – عندهم – بموتهم ينقطع إحرامهم، وقد ردَّ عليهم العلماء، وبينوا تناقضهم، فهم قد استدلوا بالحديث على المنع من تغطية المحرِم وجهه حال الحياة، ثم امتنعوا عن الاستدلال به في المنع من تغطيته وتغطية رأسه حال الممات!.
* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 13 / 244 ، 245 ):
قال الشافعية والحنابلة: إذا مات المحرم، والمحرمة: حرُم تطييبهما، وأخذ شيء من شعرهما، أو ظفرهما، وحرُم ستر رأس الرجل، وإلباسه مخيطًا، وحرُم ستر وجه المحرمة؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي وقصته ناقته فمات: ( اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًّا).
وعند الحنفية والمالكية: يكفَّن المحرم، والمحرمة، كما يكفن غير المحرِم، أي: يُغطَّى رأسه، ووجهه، ويطيَّب، لما روي عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المحرم يموت: ( خمِّروهم ولا تشبهوهم باليهود )، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال في المحرم: ” إذا مات انقطع إحرامه “، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية، أو علم ينتفع به )، والإحرام ليس من هذه الثلاثة. انتهى.
* وللفائدة:
فحديث ( خمِّروهم ولا تشبهوهم باليهود ): رواه الدارقطني في ” سننه ” ( 2 / 296 ) من طريق: علي بن عاصم عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
* قال ابن الجوزي – رحمه الله -:
حديث لا يصح، قال يزيد بن هارون: ما زلنا نعرف ” علي بن عاصم ” بالكذب، وكان أحمد: سيىء الرأي فيه، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك الحديث، قلت: بلى قد روى هذا مرسلًا.
” التحقيق في أحاديث الخلاف ” ( 2 / 5 ).
وروى الدارقطني في ” سننه ” ( 2 / 297 ) الحديث ذاته بلفظ آخر، وهو (خَمِّرُوا وُجُوهَ مَوْتَاكُم وَلاَ تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ )، لكن أحد رواته أخطأ فرفعه للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو في أصله مرسل، كما ذكره البيهقي رحمه الله في ” سننه ” ( 3 / 394 )، والحافظ ابن حجر في ” التلخيص الحبير ” ( 2 / 574 ) عن الإمام أحمد.
وضعفه الشيخ الألباني في ” السلسلة الضعيفة ” ( 3556 ).
* والخلاصة:
أنه لم يرد في تغطية رجلي المحرِم، وكشفهما حديث في السنَّة الصحيح، ومفهوم حديث الأمر بكشف الرأس والوجه – على الخلاف فيه -: يدل على أن المسكوت عنه أمره واسع، والمحرِم أصلًا لا يكشف قدميه، بل يلبس النعل، والأصل في الكفن أنه يُغطى به البدن جميعه، فعلى من كفَّن محرِماً أن يكشف رأسه ووجهه، ويغطي سائره، إلا المرأة فإنه يُغطى بدنها كله، محرِمة كانت، أو غير محرِمة.
والله أعلم.


