زوَّج أخته لأخي صاحبه المصلي ثم طلقها ففقد الثقة في المصلين جميعًا! نصائح وتوجيهات
السؤال
أختي تزوجت منذ سنتين، وبعد شهرين طلقها زوجها بدعوى أنها غير صالحة للزواج، وقال: إن لديها ضمورًا بالصدر، ولا تمكِّن نفسها منه، وذهبنا بها إلى طبيبة نسائية، وقالت: إنها امرأة طبيعية ليس بها شيء، لكن زوجها أصرَّ على طلاقها، وقال: أنا منذ اليوم الأول أردت إرجاعها لأني رأيت ضمورًا في صدرها، فهل هذا عيب خَلْقي يبيح له الطلاق؟ وأنا لم أزوجه إلا لأني أعرف أخاه يصلي معي في المسجد، حتى أني فقدت الثقة بالمصلين! وقررت أن لا أتعامل معهم بعد اليوم؛ خوفاً من تكرار ما مضى معي.
هذا جانب، الجانب الآخر: أختي هذه كانت دائمًا تفتعل المشاكل في البيت، خصوصاً مع أمي، وزوجة أخي الكبير، وكانت تسبها، وتسخر منها، وتقلل من شأنها، وكانت تدعو علينا بأن لا يوفقنا، فهل هذا عقوبة دنيوية لها بأن سخر لها شخصًا دمَّر حياتها بطلاقها، مع العلم أني وإخوتي بسببها لا يمكننا الزواج داخل البيت، وليس لنا إمكانية نتزوج خارج البيت، لذا قررنا ترك الزواج نهائيًّا، فما رأي فضيلتكم؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
قولك ” حتى أني فقدت الثقة بالمصلين! وقررت أن لا أتعامل معهم بعد اليوم؛ خوفًا من تكرار ما مضى معي “!: مرفوض شرعًا، وعقلًا؛ لما يلي:
- يجوز للزوج أن يطلِّق حتى من غير إبداء أسباب لذلك، فكيف وقد أبدى عذره في طلاقه لأختك، فليس انتقادك له في محله.
- إن كنتَ زوَّجته أختك لمجرد أن أخاه يصلي معك: فأنت مخطئ منذ بداية، فأنت لا تعرف الزوج بل تعرف أخاه! فعليك أن تلوم نفسك، لا أن تلوم المصلين.
- وما دخل المصلين في الموضوع حتى تفقد الثقة فيهم، وهل يستوي المصلون جميعاً في سلوكهم، وأخلاقهم؟ وهل يصج شرعًا وعقلًا مثل هذا الحكم الجائر على من ليس له علاقة بموضوعك أصلًا؟!.
- وإذا كنتَ فقدت الثقة في المصلين، ولن تعيد الكرة مرة أخرى معهم: فهل يعني هذا أنك ستزوج أختك لرجل ليس له أخ يصلي؟! أم ستزوجها لغير مصلٍّ أصلا؟!.
- ولم لا تعكس الصورة؟ فبحسب منطقك: لن يتزوج أحد أخت أو ابنة أحد المصلين! لأن الزوج يعتبر نفسه قد خُدع، وسيحمِّل اللوم لأخيه المصلي! وهذا – منك ومنه – منطق مرفوض، وعلى كل واحد منكما أن يحمِّل نفسه المسئولية، ولذا شُرع النظر في الخطبة، وشرع السؤال والتحري قبل عقد النكاح.
- وها أنتَ تريد تحميل اللوم للزوج، ولأخيه، وللمصلين، وترفض الاعتراف بالحق، وهو أن تحمِّل اللوم لأختك، وها أنت تعترف بما تفعله أختك مع أمها، ومعك، ومع زوجة أخيك، فكيف تلوم – إذن – الزوج على تطليقها؟!.
ثانيًا:
وأنتَ لم تكن منصفًا مع نفسك حينما تحريتَ عن سببٍ واحد للطلاق، وسألتَ عنه، ولم تتحرَّ ولم تسأل عن السبب الثاني، فزوج أختك قال ” إن لديها ضمورًا بالصدر، ولا تمكِّن نفسها منه ” وأنت ذهبت لطبيبة لتتكشف عن صدرها وترى هل هو طبيعي أم لا، وسألتنا عن حكم الطلاق من أجل هذا العيب، لكنك لم تلتفت إلى ما نراه السبب الأهم، وهو أنها لا تمكِّن نفسها لزوجها؛ حيث إنه أخبرك أنه رأى ضمور الصدر أول يوم في النكاح، لكنه تجاوز أن يجعله السبب الرئيس في الطلاق، فلما حصل منها نشوز عن حقه في الجماع: لم يكن بدٌّ من الطلاق، فجمع السببين لك، والظاهر بحسب نقلك عنه أن السبب الثاني هو الدافع الأقوى للطلاق.
ثالثًا:
وسؤالك إن كان ضمور الصدر يبيح الطلاق: ليس له وجه؛ لأننا ذكرنا أن الطلاق يجوز للزوج – مع القول بكراهته -حتى لو لم يكن له سبب، وهو إن كان غير متصور، لكن هذا هو الحكم النظري للمسألة، وأما عمليًّا: فلا يتصور طلاق إلا بسبب، ولا يهم أن يكون مقنعًا للزوجة، أو لأوليائها، أو لا يكون، والمهم أنه لم يتزوجها ليطلقها – بنية الطلاق – وإلا كان آثمًا، وها هو يخبرك بالأسباب التي دفعته للطلاق، فليس عليه حرج.
وإنما يرد مثل هذا السؤال من الزوج، لا منك، لو اعتبره هو من العيوب التي يرد بها النكاح – ولعلك تسأل هو كذلك أو لا، وهو ما قصدنا بقولنا لك ” ليس له وجه ” -، والصحيح: أن العيوب التي يرد بها النكاح هو ما كان مؤثِّرًا في مقاصد النكاح: الخدمة، والولد، والمتعة، وقد بينا هذا في جواب السؤال رقم ( 121794 )، وبما أن الزوج لم يتهمكم بالخداع، ولم يطالب بما دفعه لكم من مال: فلا نتعرض لهذه المسألة الآن.
رابعًا:
والظاهر لنا أن ما حصل مع أختك مع زوجها: هو من باب العقوبة؛ لأنك ذكرت أنها تفتعل المشاكل مع أمها، وعقوق الوالدين، والإساءة إليهما – وخاصة الأم – من كبائر الذنوب التي تستوجب على فاعلها عقوبة في الدنيا قبل عقوبة الآخرة.
عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بَابَانِ مُعَجَّلانِ عُقُوبتُهُما في الدُّنْيا: البَغْيُ وَالعُقُوقُ ). رواه الحاكم ( 4 / 196 )، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1120 ).
* قال المنَّاوي – رحمه الله -:
( بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا ) أي: قبل موت فاعليها.
( البغي ) أي: مجاوزة الحدِّ، والظلم.
( والعقوق ) للوالدين، وإن علَيا، أو أحدهما، أي: إيذاؤهما، ومخالفتهما فيما لا يخالف الشرع. ” فيض القدير ” ( 3 / 251 ).
فعليك واجب النصيحة لأختك، ولا تسمح لها بالإساءة لأحد ظلمًا وبغيًا، وخاصة والدتك، ولعلها أن تعقل، وتتوب، ونسأل الله ييسر الله لها زوجًا يستر عليها عاجلاً غير آجل.
خامسًا:
ولا ننصحك أنت وإخوتك بترك الزواج، أو حتى تأخيره؛ لأن الله تعالى ركَّب في الرجل غريزة وشهوة، ولا بدَّ له من تحصيل هذه الشهوة وتصريفها، فإن لم يفعل بالحلال: فقد لا يسلم من الوقوع فيما حرَّم الله تعالى عليه، فاحذروا من التأخير في الزواج، واسعوا لهداية أختكم، فإن لم يُجد معها: فخذوا على يديها بالقوة، ولا تحرموا أنفسكم من التمتع بما شرع الله لكم، ورغبكم به، واحرصوا على الزوجات الصالحات، ونسأل الله تعالى أن ييسر لكم ذلك عاجلًا غير آجل.
والله أعلم.


